معلومات عن الكاتب

أنا من عميان المجدل



أنا من عميان المجدل*

 

لم نلتقِ أنا و "سهى" رفيقة مقاعد الدراسة من مرحلة الابتدائي إلى المتوسط في مدرسة برج البراجنة للبنات، منذ أن افترقنا بعد حصولنا على شهادة "البروفيه" الرسمية، فكلّ منّا ارتادت ثانوية مختلفة.

اجتمعنا من جديد كمعظم أصدقائنا عبر وسائل التواصل الإجتماعي وتحديدًا "الفيسبوك" بعد أن أرسلت لي منذ أشهر طلب صداقة باسم "Soha Et Ali"، عرفت حينها أنّ "علي" بالتأكيد هو شريكها، تراسلنا وطلبَت منّي أن نلتقي في القريب العاجل، لم أتردد وقمتُ بالاتّصال بها ودعوتها هي وخطيبها لقضاء "عصرونية" على شرفة شقتي في "الوردانية" بعد أن أُعجبت سهى بالمنظر من على الشرفة. كنت قد وضعتُ  له صورة Cover  على صفحتي، فعلّقَت سُهى تحت الصورة: "يا سلام، هيك المنظر من بيتك؟ ع شي فنجان قهوة مع أرغيلة، روعة". لبّت سهى الدعوة، طُرق الباب، كنت بانتظارهما بشوق فنحن الاثنتان لدينا ذكريات جميلة سويةً من أيام الطفولة. فتحت الباب، وها هي سهى الشقراء الناعمة، ما زالَت أقصر منّي قامةً لكنّها اكتسبت سمرةً وازدادت جمالًا ونضجًا. لطالما أُعجبت بالخال الأسود الّذي على خدها، وبمنخارها الصغير المتناسق مع حجم وجهها الدائري الصغير أيضًا. لكنّ خطيبها كان حجمه غير متناسق و إيّاها، بشرته شديدة السّمار وطوله يقارب المترين، رفعت رأسي لأرحّب به.

"خطيبي، علي خشمان"، قدّمته لي سهى بضحكة خفيفة. قلت بابتسامة: "أهلًا تشرفنا علي، طبعًا الكلّ بيعرف إسمه من الفيسبوك ههه" تعمّدت قول ذلك، فلستُ من المعجبين بتلك الأسماء المركبة لحساب شخصي موحّد! عرّفت بدوري عن نفسي: "بشرى زهوة، تفضلوا تفضلوا"، قالت سهى وهي متحمّسة وسعيدة برؤيتي بعد تلك القطيعة: "هيدي بشرى يلّي قالتلي نحن وزغار إنه إذا هي عميا، أنا بلبس أحمر لحبيبي الثور، هاها".

احمرّت وجنتاي خجلًا من كلامها، يبدو أنّها لم تتغيّر، فنكاتها ما زالت غير مضحكة بالنسبة لي! توجّها فورًا إلى الشرفة، وكأنّ الزيارة فقط للاستمتاع بالمنظر، على أيّ حال كنت قد رتبت الجلسة وحتى النرجيلة كانت بانتظارها. اتّكأت سهى على "درابزين" الشرفة وأخذت تُحدّث "علي" عن أمنيتها بأن يجدوا شقّة مطلّة على البحر كشقّتنا، تحاوطها الأشجار و. .

"إذا أنا عميا، إنتِ بتلبسي أحمر لحبيبك الثور"، عندما قلت تلك الجملة كنّا في الصّف الخامس ابتدائي. في ذلك الوقت، اكتشفتُ أن لديّ ضعفًا في النظر وبدأتُ ألبس نظّارات طبّية. سُهى آنذاك كانت تعلم أنّني من "مجدل سلم" كان لدينا تلك الحشرية الّتي تدفعنا للتعرّف على أسماء قرى بعضنا البعض، عسى أن نكون أقاربًا أو جيرانًا.

في اليوم الأول الّذي ذهبت إلى المدرسة واضعةً النظارات، ركضَت إليّ سهى واضعة يدها على فمها، ثمّ قالت وهي تضحك ضحكة ساخرة: "بابا قال لي إنه أهل المجدل عميان هههه، طلع معه حق!"، بكيتُ حينها كثيرًا ولم أنسَ كلماتها المتهكّمة تلك. كنت قد اعتدتُ على سهى ونكاتها الساذجة، ومع ذلك كنت أضحك لها كي تسعَد بأنّها "مهضومة" فرغم كلّ شيء كانت سُهى صديقتي الوفيّة.

لطالما كنت أحرص أن لا أسخر أو أؤذي أحدًا من حولي، حتّى ولو بادر هو بذلك. كنت أكتفي بالصّمت، وأسامح، كأنّ شيئًا لم يحدث. أمّا أن يقال عنّي "عمياء"! فذلك ما لا أستطيع أن أتجاوزه.

آتتني الجرأة لكي أخبر أبي مُحسن بذلك، الّذي كنت وما زلت صغيرته المدللة؛ على الرغم من تقدمه في السن، إلّا أنّ حنانه وعطفه كانا يفيضان أكثر كلّما كبر. تقدمتُ نحوه في مساء ذلك اليوم وسألته بصوتي الناعم وبنبرةٍ مليئة بالحزن: " بابا صحيح نحنا عميان؟" رفع أبي حاجبيه ولمعَت عيناه الخضراوان وأجابني بصوته الغليظ وبنبرةٍ حادّة: "ليش عم تقولي هيك بابا؟ تعي لعندي". نزلت دمعة على خدي، كنت سريعة التأثّر، فأجلسني في حجره وأكمل بنبرة هادئة: "خبريني بشورة، شو صاير معك يا بابا؟" بكيت أكثر، ثم قلت وأنا أمسح دموعي بيديّ الصغيرتين: "رفيقتي سهى قالتلي إنه نحن بالمجدل كلنا عميان، عشان لبست عوينات". حينها ابتسم أبي، قال وهو يهزّني من كتفيّ: "بلا هبل وْلي، إنتِ أكبر من هيك". كان هذا ردّ أهلي على كلّ أمر يواجهني "إنتِ أكبر من هيك!" لكنّني كنت طفلة ومن حقّي أن أحزن!

أنزلني أبي من حجره وسألني بنبرة جادة: "طب رفيقتك سهى من أي ضيعة؟" رفعت رأسي وأجبته: "من تولين" عندها انفجر أبي ضاحكًا: "هههه أيوا!، طيب نحن عميان بس هني بيحبّوا يلبسوا أحمر كتير، لأنه حبيبهم ثور". ابتسمت وجفّت دموعي بلمح البصر وكأنّ أبي قد أعطاني سلاحًا كي أحاربها به، لا أعلم من أين جاء ذاك المثل القائل "إن كان حبيبك ثور البسله أحمر"! أو حتى مَن ألصق ارتداء اللون الأحمر بأهالي تولين، أنا نفسي لم أرَ سهى مرتدية قطّ اللون الأحمر، لكنّه كلام موروث كالعمي في المجدل. رغم ذلك، وفي اليوم التالي، تربّصت لسُهى في الفرصة وقلت لها: "أنا عميا من المجدل بس إنتو بتولين بتلبسوش إلّا أحمر عشان حبيبك ثور هههه".

يبدو أن سهى لم تنسَ تلك الجملة أيضًا، ها هي بعد ثمانية عشر سنة تذكرني بها وأمام خطيبها. لكن الوضع قد تغيّر، فبشرى الّتي كانت تبكي من عماها أصبحت تفخر به.

قدّمت القهوة لسُهى وخطيبها علي، وما إن جلست واضعةً ساقي على الأخرى حتى سألت علي بصوتي الّذي ما زال ناعمًا لكن بنبرة واثقة: "إنتَ بتعرف قصّة عميان المجدل يا علي؟ أو بس خبرتك سُهى عن الثور؟" أجابني ضاحكًا بصوته المبحوح من كثرة التدخين وبنبرة تعجّب: "هههه، لا والله! بعرف بس أنهم عميان"، وأكمل ضحكه مع سهى.

لم أستغرب أنّه لا يعلم، فحاله كحال سهى والكثيرين، يأخذون من الموضوع عنوانه فقط. لكنّني لم أسمح في سنيني الماضية أن تبقى قصة "العمى" مجهولة، فتحرّيت عن ذلك من جديد من أبي وأخبرني القصّة كاملةً:

إبّان الحرب العالمية الأولى، بدأ الجيش العثماني بجمع الشباب الّذين تتراوح أعمارهم بين 15 و45 سنة من القرى، لتجنيدهم الإجباري وأخذهم للسفربرلك، وكان لا إعفاء من ذلك إلّا لأصحاب الحالات الخاصّة من إعاقات جسدية أو عقلية. وصل الفرمان إلى أهالي مجدل سلم و القرى المجاورة بتجميع الشباب وأخذهم إلى "القِشلة" أي الثكنة العسكرية للأتراك في مرجعيون، في مهلة أقصاها يومان. فدبّ الذعر بين الأهالي، وأخذت الأمهات يبحثن عن مخبأ لأولادهن الشباب، فاجتمّع كبار الضيعة ووجهاؤها لإيجاد حل سريع لهذه المصيبة. حينها اقترح الشيخ "علي شمس الدين" الملقّب ب"البغدادي" والّذي كان قاضيًا في مرجعيون على مختار مجدل سلم آنذاك "صالح حرز" الذي كان يرتدي الحطّة والعقال والصّاية فوق ملابسه، أن يقوموا بتقطير "حليب التين" في عيون شباب "مجدل سلم" والقرى المجاورة (عندما كنت طفلة كانت أمي فيروز تداوي لي الثآليل المنتشرة على كف يدي بفركها بحليب التين، كنت أصرخ لأنها كانت تحرقني كثيرًا؛ فوصفة الطبّ العربي تقول: عليك إخراج الحليب الموجود في داخل سيقان فروع التين وتقطيرها على تلك الثآليل حتى تنكوي) فما بالك إن تقطّر هذا الحليب في العيون؟ فإنه يسبب بما يعرف بالعمى المؤقت ويؤدي إلى تورّم والتهاب العين.

وبالفعل هذا ما حصل بعد أن قام المختار ورجال الضيعة بتقطير حليب التين في عيون الشباب، ثم قاموا بربط أيديهم بعضهم ببعض بحبال وساقهم المختار صالح إلى "القِشلة"،  فوجد الأتراك أنّ الشباب الّذي أحضرهم المختار من مجدل سلم كلّهم عميان.

رفعت حاجبي الأيسر وأنهيت كلامي بابتسامة ماكرة قائلةً: "وهيك طلع الصّيت علينا يا علي إننا عميان المجدل، ف شو رأيك؟ العمى بالمجدل أو الموت بالسفربرلك؟". أُعجب علي بالقصة، فابتسم ابتسامة عريضة ونظر إلى سهى الّتي زمّت شفتيها وسألها: "طلعوا عميان عن ذكاء، بس إنتو ليش بتلبسوا أحمر؟".

 

 


*نشرت هذه القصة في المجموعة القصصيّة "أنا أسكن ضاحية بيروت الجنوبية"

*اللوحة للفنان الفرنسي "دانيال دينسبورن-  Daniel Densborn"