«المجمّع الإبداعيّ»: الثقافة لكلّ الناس


قليلةٌ هي التجارب الثقافية الجديدة في بلادنا. إذ يتعمّد أصحاب القرار والمناصب في بلادنا على التعامل مع الثقافة على أنّها ترف، فضلاً عن كونها لا "تنتج مالاً" بالتالي هي لا تستحق اهتماماً نهائياً. يأتي دار-المجمّع الإبداعي التجربة الثقافية المختلفة التي أبصرت النور قبل خمسة أعوامٍ تقريباً، والتي تحتفل في معرض بيروت العربي الدولي للكتاب الثالث والسّتين بإطلاقها لستة كتبٍ دفعةٍ واحدة. "الفكرة أن نستمر، رغم كل المعوقات، رغم الكورونا، والأوضاع الاقتصادية والسياسية السيئة التي تعصف بلبنان. إصرارنا كان أقوى، اصرار تلامذتنا كان أقوى، ومن هنا كانت التجربة هذه السنة مختلفة وللغاية"، يشير الزميل عبدالرحمن جاسم المدرب الرئيسي في ورشة الكتابة الإبداعية؛ الصف –أو المنهج- الذي ينتج هذه الكتب ويعمل "متدربوا" الكتابة على أساسه.

"هذا العام القرّاء على موعد مع ست تجارب مختلفة للغاية"، تخبرنا الزميلة تهاني نصّار وهي مديرة دار-المجمّع الإبداعي (الشركة "الحلم" كما يسميها جاسم). "التجارب هذه نبدأها مع "بريتيوم" وهي أوّل رواية عربية يكتبها خمسة كتابٍ معاً؛ ونسمّيهم "مجموعة دائرة": حسين شكر، جيهان حمود، محمد الصغير، بشرى زهوة ونور يونس"، يشير الصحافي ومدرب الكتابة الإبداعية الفلسطيني؛ ويُضيف: "بريتيوم هي كلمة مأخوذة من اللاتينية والسوريانية وتعني "الثمن"، تقارب مفهوم الخير والشر، وإن بنطاقٍ أوسع وأكثر مقاربة لفكرة أن لا شيء مجاني ولكل حلمٍ ثمنه أياً كان". "كتابنا الثاني هو "خماسيات: 35 صباحاً وأنتظر، وكتبته آلاء شمس الدين ومريم علي؛ وهذه المجموعة تعيد الألق لفنٍ أدبي بات مفقوداً اليوم، هو "الخماسيات" فقد أعدنا تظهيره من جديد. إنه يقوم على كتابة خمس قصصٍ حول "فكرة" واحدة وتناوبت الكاتبتان بشكلٍ "خاص" على كتابة هذه الخماسيات". توقفنا هنا تهاني نصّار، لتشرح عن كتاب "بيروت أكس أو"، وحيث أنَّ العنوان كان لافتاً، إذ استخدم فيه اسم مدينة بيروت، وهذا أيضاً حصل في "أنا أسكن ضاحية بيروت الجنوبية" في السابق، فهل كان ذلك مقصوداً؟ "للحقيقة نعم، العنوان يتحدّث عن بطلتَي الرواية، وهي بالمناسبة من الروايات العربية القليلة جداً –ولربما النادرة- التي تكتبها كاتبتين معاً وهما: وسام رحّال وفاطمة شاهين. الرواية تتحدّث عن مدينة بيروت، المدينة الخاصة التي يأتي الناس من بقاع الأرض كافةً ليحلموا فيها وعندها؛ والبطلتان ريتاج ومريم لا تشذّان عن هذا الخط أبداً".

إذاً ماذا عن "اختلاج"؟ الاسم كما معظم أعمال الدار الإبداعية لهذا العمل يحمل بصمةً خاصة: "اختلاج هي الرجفة في القلب ما قبل الشعور بحد ذاته" يشير جاسم، "وهذه المجموعة تضم في طياتها "رواية قصيرة" البعض يسميها "نوفيلا"؛ وبصراحة أنا لا أحب هذه التسمية، فصنّاع الرواية القصيرة الأوائل مثل يوكيو ميشيما وياسوناري كاوباتا اليابانيَّين (كما في أعمالهما: الجميلات النائمات لِكاوباتا وعطش للحب لِمشيما) والأميركيَّين الجنوبيَّين كأمثال ماركيز (في عمله "في ساعة شؤم") أسموها "رواية قصيرة". وبالعودة للكتاب "اختلاج"، فهو يضم رواية قصيرة اسمها "لاءاتُ حبيبة" كتبتها سارة حمزة، فيما شاركتها زميلاتها من الجيل الثالث -أو كما نسميه في الدار: جيل نحن الكتابة، هلا ضاهر، غدير تقي، ودانيا النجّار بكتابة قصص قصيرة خاصة بهن".

ماذا عن القصص القصيرة "الكلاسيكية" نسأل جاسم، خصوصاً أنَّ دار-المجمع الإبداعي يشتهر بهذا النوع من النصوص وكان سبق قد قدّمها في السنوات السابقة مع كتابيه المهمّين: "أنا أسكن ضاحية بيروت الجنوبية" و"دافنشي لا يجيد الكتابة"؛ "بالتأكيد دائماً سيكون هناك متسعٌ للقصص القصيرة لخريجي ورشة الكتابة: لدينا هذا العام كتابَين يقدمان قصصاً قصيرة "كلاسيكية" إذا أحببتَ أن تسميها هكذا: "قلوب من ورق" لكتابه: علي نجم، زهراء سويدان، فاطمة الزهراء عمّار، سُهى شحادي، ألكسندرا الخطيب، منى داوود، أليسار حمدان، رجاء وهبي، آلاء السبلاني، فاطمة حيدر.

"ذاكرة ملّونة" لكتّابه: زينب رضا، راغدة حمية، مايا نور الدين، فاديه لوباني، نجوى دعجة، فرح رمّال، نسرين الرجب، سارة الشامي وهبة الحسيني. الكتابان عبارة عن مجموعتَين قصصيتَين كتبتهما مجموعات من خرّيجي الجيل الرابع في الدار".

ماذا إذاً عن "العمل الشاق" الـheavy lifting؛ أو كما يشار إليه اصطلاحاً "العمل المجهول" والذي لا يعرفه معظم القرّاء؟ هنا تشرح نصّار: "طبعاً هذه التجربة كما مثيلاتها قد أخذت قرابة العامين من العمل الدؤوب أولاً من الكتّاب؛ وثانياً من "مجموعة نون" وهي المجموعة المسؤولة عن إعداد الكتب في دار-المجمع الإبداعي". طبعاً نسأل أكثر حول مفهوم العمل على الرواية كي "تنضج" كما تخبرنا مديرة الدار: "نعم، الرواية –أو أي كتاب- يسلّمها صنّاعها بشكّلها الأوّلي بعد انتهائهم منها، ثم لاحقاً يتم قراءتها، ومراجعتها معهم سطراً سطراً، ثم يصار إلى التنبّه إلى النواقص وتفاصيلها، بعدها يعاد إرجاعها لكتّابها لكي يعيدوا قراءتها. لاحقاً يتم ارسال الكتاب/النص إلى مدقّق لغوي محترف، يصحّحه ويعيده إلينا، لنقرأه نحن والكتّاب أنفسهم، حتى نتأكّد أنّ النص قد صُحّح وأنّ فكرته الأصلية لم تُمَس. يتبع ذلك العمل التقني وهو يحتاج وقتاً هائلاً هو الآخر"، تشير تهاني. تشرح الأستاذة الجامعية الفلسطينية أنَّ العمل التقني ينقسم أيضاً إلى قسمين رئيسيين: "العمل داخل الكتاب، أي المضمون ومتابعته حتى آخر لحظة واختيار عنوان مناسب وسواها، أما الخارجي فبمعنى التنضيد(in design)  وصناعة الغلاف واختيار نوع الورق وحجم الكتاب فضلاً عن المتابعة مع المطبعة، وهذه الخطوات هي تقريباً حدثت في الست كتب وليس في بريتيوم فحسب".

أما الغلاف فهذا شأنٌ كبيرٌ آخر هذا العام لـ دار-المجمّع الإبداعي، إذ تعاون الدار مع أحد أهم "فقهاء الخط" في لبنان الدكتور عصام خازم، والذي "صنع لنا خطوطاً وأغلفةً خاصة للغاية authentic؛ فضلاً عن كونها "تشبهنا" وتشبه "هذه الأعمال"؛ وهذا يجعل اصدارات هذا العام مميزةً وخاصةً إلى حدٍ كبير. على الجانب الآخر تسأل الأخبار ماذا عن أسعار الكتب وصناعة الكتاب المرتفعة هذا العام؟ فتجيب: "نعم نعرف ذلك، وهذا ينهكنا كثيراً، خصوصاً أنَّنا كمؤسسة لا نأخذ أي تمويل ومن أي نوع من أحد، لا مؤسسات ولا دول ولا جهات مانحة، وهذا كان جزءاً من ثقافتنا الرئيسية كمؤسسة "تقاوم" على طريقتها. فلا شيء مجاني كما تعلم، أي جهة/مؤسسة ترغب بالتمويل تريد شيئاً بالمقابل، أما نحنُ ففكرتنا هي أن نترك مبدعين من كتابٍ وكاتبات أحراراً من أية قيود من هذا النوع". ماذا إذا عن أسعار كتب الدار لهذا العام: "للحقيقة راعينا كثيراً أوضاع الناس الاقتصادية خصوصاً وأننا أبناء المجتمع نفسه، لذلك حاولنا تخفيض النفقات قدر الإمكان، لكن كما هو معلوم فإنّ كلفة إنتاج الكتب قد ارتفعت للغاية" يشير جاسم؛ "لكننا بالتأكيد سنراعي الناس، ومن سيأتي إلى المعرض ويقول لنا: أريد أن أقرأ كتبكم لكنّي لا أملك المال، فأنا أتعهد هنا بأنّنا سنقدّم له الكتاب مجاناً: القراءة بالنسبة لنا، كما الثقافة هي للجميع وليست حكراً على أحد، لا على طبقة مجتمعية، ولا على مكانٍ جغرافي، ولا على "بيئةٍ معينة". الثقافة هي للناس، لكل الناس".

باختصّار، لدى دار-المجمّع الإبداعي ومن هم خلفه أحلام كثيرة يحاولون تحقيقها عبر كتبهم المتنوعة والمختلفة هذا العام، وهي تجربة تستحق الإضاءة عليها والحديث حولها، فأن تقدّم الثقافة في العصر الحالي وتهتم بحمايتها فهذا –لعمري- شيءٌ كبير.

 

التوقيعات: (كل يوم كتابين، على مدى ثلاثة أيام: السبت، الأحد، والثلاثاء):

رواية بريتيوم والمجموعة القصصية خماسيات: 35 يوماً وأنتظر: السبت 5-3-2022 من الساعة الخامسة والنصف إلى السابعة النصف

رواية بيروت اكس أو (أو بيروتxo) و المجموعة القصصية اختلاج: الأحد 6-3- 2022 من الساعة الخامسة والنصف إلى السابعة النصف

المجموعتين القصصيّتين: قلوب من ورق وذاكرة ملّونة: الثلاثاء 8-3-2022 من الساعة الخامسة والنصف إلى السابعة النصف

 

 

نُشر في صحيفة الأخبار اللبنانية بِتاريخ 4 آذار 2022

https://al-akhbar.com/Literature_Arts/331904