مقالات في الأدب والفن والفكر والرأي، يكتبها كتّاب دار، إلى جانب أستاذ الورشة ومديرة الدار، وتتناول موضوعات وقراءات من زوايا متنوّعة.
تتضمّن هذه الصفحة مقالاتٍ متنوّعة لأساتذة وطلاب
دار- المُجمّع الإبداعي، كما ننشرُ فيها مقالات ومقابلات مع إعلاميين وفنَّانين
ومثقَّفين من أنحاء العالم. بعض الكُتّاب لهم زوايا ثابتة في هذا الموقع ونُشارك
أيضًا مقالاتهم المنشورة في الصُحف العربية. أمّا القسم الثاني من المقالات،
فيكتبها مؤلّفوها بصفة "كاتبٍ زائر"، أو صديقٍ للدار.
<h1><strong><span style="font-size: 16pt;">«باتمان»... شاب في الثمانين</span></strong></h1> <p>تغيّر «باتمان»، أو الرجل الوطواط، منذ ولادته في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي على يدي الكاتبين والرسامين بيل فينغر وبوب كاين لشركة الكوميكس الشهيرة «دي سي» وصولاً حتى اليوم. إنه بطل خارق وعادي في آن. لا يمتلك أيّة قوى خارقة معروفة، سوى شخصيته المتميزة وتدريبه العالي. مع ذلك، فهو يستطيع أن يقف الندّ للند مع أبطالٍ بقوى فائقة التصوّر مثل «سوبرمان»، و«المرأة الخارقة». هذه هي مصدر شاعرية «باتمان»، وتحوّله إلى أيقونة خاصة وغير معتادة في عالم أبطال الكوميكس. بطل ذو ملامح ملحمية، إذ يبدو شاعرياً في غالبية مشاهده، ينطق بالحكم، لا يمزح كأبطال «الإلياذة» و«الأوديسة»، مسكونٌ بأهدافه كأخيل، محبٌ لعائلته وأصدقائه كجلجامش، شديد الألم والمصائب والتحمّل في آنٍ كهرقل. بطلٌ يزدادُ شباباً كل عام، ويبقى في الأربعين بزيادة سنة أو سنتين لا أكثر ولا أقل!</p> <p>في الكوميكس، يكثرُ الأبطال الخارقون الذي نصّبوا أنفسهم قضاةً وجلادين في آنٍ معاً. مثلاً، فروبن هود كان يقتل، وهذا لربما خلق نقاشاتٍ هائلة حول ما إذا كان يحق للبطل/ المقتصّ من الظالمين القتل أم لا. وحده «الوطواط» لم يقتل، ولن يفعل في قصصه الأصلية، فهو ذاق مرارة القتل حين قُتِلَ والد بروس واين (باتمان) ووالدته مارثا من قبل جاك تشيل أمام عينيه وناظريه في «زقاق القتل» (crime alley) كما يسمّى. هو أقسم لاحقاً ألا يقتل، وألا يحمل سلاحاً نارياً، وألا يصبح «جلاداً» مهما كلفه الأمر. هل رغب عشّاق باتمان وقصصه في أن يَقتل البطل الذي لا يقتل؟ في إحدى قصص «باتمان» الأخيرة، يطرح أحد الأشخاص الهامشيين سؤالاً فجاً، وإن واقعياً: «ماذا يعني أن يقبض «باتمان» على «الجوكر»؟» و«الجوكر» لمن لا يعرفه هو العدو اللدود والأشهر لـ«الوطواط»: شريرٌ أناركي، فوضوي، لا منهجي، يقتل بلا رحمة. تكمل الشخصية الهامشية كلامها القاسي: «سيقبض «باتمان» على «الجوكر»، ثم سيخرج «الجوكر» بعد ذلك ليعود ويقتل الناس. هذه دائرة مكتملة، وباتمان شريكٌ فيها».</p> <p>السؤال حول القتل وعدمه، ظلّ يطرق الباب أكثر في العصر الحديث، إذ إن عائلة «باتمان» (The batman family) التي تتكوّن من ديك غرايسون (جناح الليل)، وروبن الأحمر (تيم درايك)، والمرأة الوطواطة (باربارا غوردن)، وداميان واين (روبن)، ومساعده المخلص ومربيه ألفريد بينيورث... كلّهم يسألونه في قصة «موت العائلة» إن كان يستطيع القتل. لاحقاً، سنجد والده توماس واين يقرر القيام بأقصى ما يستطيعه لإجبار بروس على القتل. وللعلم توماس هو من الأرض الثانية، أي ليس والد بروس واين الذي تحوّل إلى «باتمان». ففي عالم توماس واين، قتل ولده بروس، فأصبح هو «باتمان». يقوم توماس بأفظع الأمور وآخرها هو قتل ألفريد بينيورث، والد «باتمان» بالتبني، ومربيه، ومساعده الشخصي الأصلي. هل كان هذا غيرةً منه لأن بينيورث ربّى بروس بدلاً منه؟ لا إجابة. المهم: لم يُقتل «باتمان» ولن يفعل بحسب الظاهر.<br>يحتفل «باتمان» هذه الأيّام بعيده الخامس والثمانين، فتياً، شاباً، متألقاً: يحبه الجميع، وتكسب شركات الكوميكس بفضله الملايين. هي البداية ربما، فقصص «باتمان»، لا تزال تُباع، رغم الأزمات الورقية، ومسلسلاته وأفلامه لا تزال مرغوبة بشدة، وفوق هذا لقد دخل عالم ألعاب الفيديو عبر ألعاب عدة نالت نصيبها الكبير من النجاح. إنها البداية فقط، هكذا قال بوب كاين لبيل فينغر حين باعا الشخصية لـ «دي سي». هل كان مخطئاً؟ بالتأكيد كلا.</p> <p><strong>نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 28-6-2024</strong></p>
اقرأ المقال
<h1><strong><span style="font-size: 16pt;">«السوق السوداء للدبلوماسية»... بين ماركيز وعمر الشريف وكيسنجر</span></strong></h1> <p>لا ريب أنَّ السياسة هي ماء الحياة اليومية في المشرق العربي والإسلامي، والحياة الدبلوماسية -حكماً- جزء لا يتجزأ من السياسة. من هنا جاء كتاب «السوق السوداء للدبلوماسية: عوالم القنوات الخلفية في السياسة الخارجية» (دار الرافدين) للباحث العراقي ياسر عبد الحسين إضافةً مهمة للمكتبة العربية، وخصوصاً أنه لا يضيء على جوانب معروفة من الدبلوماسية، بل يتجاوز ذلك ليحكي عن «سوقٍ سوداء دبلوماسية» بشكلٍ أو بآخر. وربما تأتي أهمية الكتاب في أنه يقارب موضوعاً لا يحكي عنه كثيرون بطريقةٍ أكاديمية، منهجية، وحكماً مجرّبة، كون صاحب البحث يعمل في السلك عينه أي الدبلوماسي منذ سنوات.</p> <p>يشرح الكاتب في المقدمة ما يمكن اعتباره تلخيصاً فعلياً لفكرة الكتاب على طريقته الخاصة: «قد يكون تعبير السوق السوداء تعبيراً سيئاً في الاقتصاد، لكن قد لا يكون مشابهاً للمفهوم ذاته في السياسة الخارجية والعمل الدبلوماسي، ففي المفهوم الاقتصادي، تعني التعاملات التجارية التي يتم فيها التحايل على القوانين الضريبية والتشريعات التجارية، ثمَّ التجاوز على القواعد المفروضة، ولكن أحياناً تنشأ هذه الأسواق بسب عدم قدرة الإنتاج الوطني والاستيراد على تغطية الطلب الداخلي، أي بالمفهوم الاقتصادي حصول حالة سوقية يزداد فيها الطلب إلى حد بعيد على العرض، وقد يتقارب هذا المعنى مع الحاجة الضرورية إلى قيام سوق دبلوماسية سوداء. غالباً ما تُمارس دبلوماسية القناة الخلفية خلف الكواليس بالتوازي مع دبلوماسية القنوات الأمامية، كما يجب التمييز بوضوح، بين دبلوماسية القنوات الخلفية والدبلوماسية السرية، أو سياسة خارجية سرية، كما قد يفهم البعض. إنَّ مفاوضات القنوات الخلفية سواء تلك التي مارسها رجال الدبلوماسية المهنية أو التي شغلها رجال الأعمال لإيجاد وساطات، لبدء الحوار كانت الأداة الأنجع لحل المشكلات. تأتي أهمية هذا الكتاب في بيان أهمية استخدام القنوات الخلفية في الوصول إلى الحلول الدبلوماسية المطلوبة بين مختلف الفواعل الدولية، وتقنين استخدام هذه القنوات الخلفية لكي تصبح أكثر فاعلية لتحقيق أهداف المصلحة الوطنية، وكذلك العمل على تجاوز حالة القطيعة والانسداد السياسي في العلاقات الثنائية على مستوى السياسة الخارجية، عبر إيجاد آليات تسمح بإيجاد حراك دبلوماسي معين، قد يصل إلى مرحلة توظيف العلاقات الشخصية والعامة في فتح القناة الخلفية».</p> <p>يضيء الكتاب على جوانب متعددة من اللعبة الدبلوماسية الخارجية، ويظهر كيف أنَّ الدبلوماسية والعلاقات الدولية تحتاج أحياناً إلى اجتراع حلول غير منهجية وحتى غير منطقية لإيجاد وسائل تواصل حتى بين أولئك الذين لا تواصل بينهم. يشرح المؤلف بدايةً الأمور المنهجية وشبه المعتادة في العلاقات الدبلوماسية، التي يقوم بها دبلوماسيون معروفون. كأن يشرح في أحد الفصول عن الدبلوماسي الأميركي المعروف هنري كيسنجر، أو عن اتفاقية سايكس بيكو المشؤومة، أو عهد روزفلت وطرائق الدبلوماسية فيه آنذاك، وصولاً إلى دور العواصم العربية المعروفة مثل الدوحة وسواها؛ من دون أن ينسى المرور على دونالد ترامب، وأسلوبه الخاص في خلق «قنواته الخلفية للدبلوماسية».</p> <p>وإذ أشرنا إلى تنوّع هذه الفصول فذلك أمرٌ حق. مثلاً يتحدث في أحد الفصول عن الدبلوماسية الروائية والكاتب الكولومبي المعروف غابرييل غارسيا ماركيز وقوته وحضوره الدبلوماسي؛ فيقول: «من الوهم الاعتقاد بأن النصوص الإبداعية والروائية تقع في عالم، بينما تقع السياسة في عالم آخر، أو أنه من الصعب أن يلتقي هذان العالمان في المجرى نفسه، فالسياسة تنتحر عندما تفقد كل خصائصها الإنسانية، وعندما تفقد الكلمة دورها في التأثير على الرأي العام... فقد استطاع غابرييل غارسيا ماركيز تغيير صورة بلده كولومبيا، في المحافل الدبلوماسية والإعلام الخارجي، من بلد المافيات والجرائم والمخدرات، ورفع اسمها في دول أميركا اللاتينية، وخصوصاً عندما يجسد ثقافة بلده، حتى وإن اختلف مع نظامه السياسي». ويروي عبد الحسين حكاية رواها له أحد الدبلوماسيين بأنّ «مجلس الأمن الدولي أصدر القرار 2379، وطلب من الأمين العام للأمم المتحدة تشكيل فريق تحقيق لدعم جهود العراق في محاسبة تنظيم داعش، عبر جمع الأدلة على الجرائم التي ارتكبها، وحفظها وتخزينها. التقى الأمين العام بأحد أعضاء الفريق، وهو يحمل بيده رواية «حدائق الرئيس» للروائي العراقي الدكتور محسن الرملي المقيم في مدريد. وعندما سأله عن سبب حمله لتلك الرواية المترجمة إلى الإسبانية، وهو يزور العراق للمرة الأولى، أجابه: إنها كاشفة عن عادات المجتمع العراقي، وتفاصيله الدقيقة، رغم أن الرواية تتحدث عن الحرب العراقية ــ الإيرانية، وما بعدها». الأمر نفسه ينسحب حين يتحدث في فصل «نجم السينما في مسار القنوات الخلفية»، إذ يحكي عن الفنان عمر الشريف الذي «دخل تاريخ صنع السلام العربي ــ الإسرائيلي عبر القناة الخلفية بصمت ومن دون علم أحد بحسب وصفه. يروي أنّ السادات طلب منه أن يجس نبض الجانب الإسرائيلي تمهيداً لزيارته الشهيرة إلى القدس عام 1977»، وتكمل الرواية بطلب السادات من الممثل الهوليوودي «جس نبض» الرئيس الصهيوني آنذاك مناحيم بيغن والاتصال بالقيادة الإسرائيلية لمعرفة ما إذا كانت مستعدة وراغبة «باستقباله في القدس». ولأن الدبلوماسية ــ بحسب الكتاب ــ لديها طرائقها الخاصة في كل شيء، فما الذي يمنع أن يكون «المفاوض الدبلوماسي» أو «فاتح الأبواب» هو «تاجر أقمشة» مثلاً؟: «في أواخر نيسان (أبريل) 2016، أخبر رئيس الأركان آكار خلوصي الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بأنّه قد تكون هناك قناة خلفية يمكن استخدامها لحلّ الأزمة عن طريق كافيت تشاغلار المستثمر في المنتوجات المرتبط لأعمال في جمهورية داغستان الفيدرالية الروسية، والذي كان يعرف الرئيس الداغستاني رمضان عبد اللطيفوف».</p> <p><strong><span style="font-size: 14pt;">الفريق البرازيلي ساعد على إطالة حقبة الحكم العسكري خلال كأس العالم عام 1970</span></strong></p> <p>فتح تاجر المنسوجات هذا الأبواب أمام «الدبلوماسية المكوكية» بين أنقرة وموسكو والعلاقة الشخصية بين إردوغان وبوتين. يورد الكاتب في هذا الفصل عدداً من الأمثلة على أدوارٍ لعبها تجارٌ محليون في فتح أبواب اتصال. الأمر نفسه ينسحب على الرياضة، إذ يشير الكاتب إلى أنه أثناء زيارته نادي ريال مدريد لكرة القدم، وهو أحد أعرق أندية كرة القدم في العالم، لفتت نظره «وزارة خارجية مصغّرة.. حتى إنه يطلق على بعض لاعبيه المخضرمين صفة سفير، ليمثلوا 600 مليون من عشاق ومعجبي النادي حول العالم، وأكثر من 455 مشروعاً في 75 دولة، فضلاً عن جمهور النادي الافتراضي المكون من 428 مليون متابع على منصات التواصل الاجتماعي». هو يؤكد الفكرة ذاتها بأنّ كرة القدم اليوم، لم تعد مجرّد رياضة تمارس بالأرجل، إنها بوابة دبلوماسية وعلاقات، ويعطي أمثلة كثيرةً على ذلك: «أصبحت كرة القدم أكثر من مجرد لعبة، وإنما تساعد على شن الحروب والثورات، ويتعلق بها المافيا والديكتاتوريون. عند لقاء فريق السلتك ورينجرز في غلاسكو، ازداد التوتر في إيرلندا، بل إنّ ما يزيد عن نصف السكان الهولنديين خرجوا للاحتفال بهزيمة ألمانيا عام 1988، ويُقال إنّ الفريق البرازيلي ساعد على إطالة حقبة الحكم العسكري في كأس العالم عام 1970 وإن الحرب النيجيرية البافارية توقفت لمدة يوم كامل لإتاحة الفرصة أمام النجم الراحل بيليه».</p> <p><strong>نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 24-8-2024</strong></p>
اقرأ المقال
<h1><strong><span style="font-size: 16pt;">الكاتبة اليسارية تعود بكتاب يدين الرأسمالية والاقتـصاد النيوليبرالي | نعومي كلاين: الصهيونية حوّلت «الصــدمة» اليهودية إلى سلاح سياسي</span></strong></h1> <p>في نيسان (أبريل) 2024، انتشر فيديو للكاتبة الكندية نعومي كلاين (1970) على منصات التواصل الاجتماعي، وهي تلقي خطاباً في مناسبة عيد الفصح اليهودي في أحد شوارع ولاية نيويورك الأميركية، ضمن نشاط يطالب بوقف تسليح «إسرائيل». كان المتظاهرون متجمعين بالقرب من منزل السيناتور الأميركي اليهودي تشاك شومر الذي أسهم في تمرير مشروع مساعدات بقيمة 26 مليار دولار للاحتلال الإسرائيلي، بينما وجّه في العلن انتقادات ــ غير مجدية ــ لرئيس وزراء العدو الصهيوني متهماً إياه بأنه يعرقل عملية «السلام» بين الشعبين.</p> <p>استغلّت أستاذة العدالة المناخية في «جامعة بريتيش كولومبيا» تلك المناسبة التي تعد رمزاً للتحرر والخلاص من العبودية، لتدعو اليهود إلى التخلص من دنس الصهيونية التي ترتكب الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين في غزة تحت اسم اليهودية: «كثير من شعبنا يعبدون صنماً زائفاً مرة أخرى، يبتهجون به، ويسكرون به، ويتدنسون به، وذلك الصنم الزائف يسمى الصهيونية. إنه وثن زائف أخذ أهم قصص الكتاب المقدس عن العدالة والتحرر من العبودية وقصة عيد الفصح، وحوّلها إلى أسلحة وحشية لسرقة الأراضي واستعمارها (جاعلاً منها) خارطة طريق للتطهير العرقي والإبادة الجماعية. إنه صنم زائف أخذ فكرة الأراضي الموعودة التي تعتبر رمزاً للتحرر الإنساني الذي انتقل عبر الأديان إلى كل ركن من أركان هذا العالم، وتجرّأ على تحويلها إلى صك بيع لدولة عرقية عسكرية. إنّ تصدير الصهيونية السياسية للتحرر هو بحد ذاته مدنّس، فمن بدايتها تطلب الأمر طرداً جماعياً للفلسطينيين من بيوتهم وأراضي أجدادهم خلال النكبة... إنها صنم زائف يساوي الحرية اليهودية بالقنابل العنقودية التي تقتل وتشوّه الأطفال الفلسطينيين وتقوم بخيانة كل القيم اليهودية».</p> <p>لم يكن خطاب نعومي كلاين الجريء، جديداً بالنسبة إلى موقفها من القضية الفلسطينية، فالكاتبة اليسارية والصحافية الاستقصائية أعلنت مراراً موقفها المعادي للاحتلال الصهيوني وجرائمه المستمرة. ويمكن القول إنّها لم تفوّت أي مناسبة حاشدة أو فرصة إعلامية إلا وسعَت عبرها إلى نقد سياسات الاستعمار الإسرائيلي، العسكرية والمدنية، الممارسة على الشعب الفلسطيني؛ وإن كانت المناسبة لا تتعلّق بفلسطين بصورة مباشرة. في مقابلة أجرتها معها مجلة AnOther حول كتابها الأخير «الشبيه» Doppelganger (2023) الأكثر مبيعاً وفقاً لقائمة «نيويورك تايمز»، أخذت كلاين الكرة إلى ملعبها. ففي الوقت الذي كانت فيه أسئلة المجلة المتخصّصة بالأزياء والفن وبعض المواضيع الثقافية العامة، مفتوحة وحمّالة أوجه، اختارت كلاين أن تجيب بكلامٍ مباشر يسمّي الأشياء بمسمّياتها، مبتعدةً عن الغموض والترميز. مثلاً أجابت عن سؤال محررة المجلة دومينيك سيسلي المتعلق بهوس الناس بمنصات التواصل الاجتماعي وربطه بـِ«الأحداث الكارثية التي تجري في العالم»، بقولها: «حسناً، أنا وأنت نتحدث في اليوم الذي أمرت فيه إسرائيل بترحيل جماعي لأكثر من مليون شخص في غزة. يحدث ذلك في سياق حملة قصف غير مسبوقة، بينما يتحدث القادة الإسرائيليون عن كونهم (الفلسطينيين) «حيوانات بشرية». ولهذا، لدينا اتفاقية الإبادة الجماعية، لمنع ذلك بالضبط. وأعتقد أن الناس على وسائل التواصل الاجتماعي يتصرفون انطلاقاً من خوف عميق. الفلسطينيون ومؤيدوهم يخشون الإبادة، وأعتقد أنّه حتى مؤيدي الإبادة الجماعية خائفون مما يدعمونه، لذا عليهم إسقاط كل الشر على الآخر. هذه هي «سياسة الشبيه»، حيث نعرض نقاءنا، ثم نُسقط كل ما هو سلبي على الآخر المكروه».</p> <p>اللافت في المقابلة عينها أنّ كلاين اعتذرت عن تسرّعها في كتابة مقالها في صحيفة «الغارديان» البريطانية فور السابع من أكتوبر 2023، الذي يبدو أنّه كان في نسخته الأصلية (قبل أن يجري تعديله على الموقع الإلكتروني للصحيفة بطلبٍ منها ــ راجع «الغارديان» 11/10/2024) يدين عملية «طوفان الأقصى» ويتعاطف بالكامل مع «الضحايا المدنيين» على حد توصيفها. لكن بعد مدة قصيرة من نشر المقال، أدركت صاحبة الكتاب الشهير «عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث» (2009) الذي تُرجم إلى حوالى 25 لغة، أنّ حكومة الاحتلال استغلّت ذلك اليوم لـ «تبرير جريمة حرب واسعة النطاق ومستمرة في غزة باسم حماية الشعب اليهودي». وقالت إنها تشعر بالأسف الشديد لمجرد فكرة أنها ربما تكون «قد أسهمت بأي شكل من الأشكال في الألم والخيانة اللذين يعيشهما الفلسطينيون الآن». ومن المرجّح أنّها استعجلت كتابة مقالها ونشره تخوّفاً من احتمال ضغط اللوبي اليهودي (البريطاني) ضدها، فقد أشارت في كلامها إلى عواقب تهمة «معاداة السامية» وتداعياتها التي تعرّض لها الزعيم السابق لحزب العمال الاشتراكي جيرمي كوربن خلال الانتخابات البريطانية قبل سنوات قليلة، عندما هاجمه كبير حاخامات المملكة المتحدة أفرايم ميرفس. كما ألقت محاضرة في «جامعة سوارثمور» في ولاية بنسلفانيا الأميركية حملت عنوان «إسرائيل، فلسطين، وتأثير الشبيه». ركّزت الباحثة الكندية على المقاربة بين النظام الفاشي في أوروبا وتجربة الحزب النازي ورؤية هتلر لتفوق العرق الآري «الذي استلهم أفكاره من الفصل العنصري وحركات تحسين النسل (Eugenics) التي فرضت إجراء تعقيم للأشخاص الذين يصنّفون بأنهم ذوو الأصول الجينية الأدنى وقوانين جيم كرو الأميركية العنصرية»، وبين الجرائم التي يرتكبها الاحتلال الصهيوني في غزة. استندَت كلاين في مطلع محاضرتها إلى مجموعة من التصريحات لشخصيات سياسية بارزة مثل الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو والرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا، حيث قام كلاهما كل على حدة، بتشبيه ما يقوم به الاحتلال في غزة بما فعله النازيون باليهود. وأضافت كلاين بأنّ حكومة الاحتلال ردّت على لولا بوصفه persona non grata أي شخص غير مرغوب فيه أو غير مرحّب به، ثم قامت بعد ذلك «بمسرحية ديبلوماسية غير تقليدية» حيث استدعى وزير خارجية الاحتلال السفير البرازيلي فيديريكو ماير «لتوبيخه»، ولكنه اختار موقعاً غريباً جداً للاجتماع الديبلوماسي؛ «ياد فاشيم» أي متحف الهولوكوست في القدس. وتعلّق الباحثة على هذه الحادثة بقولها «إن المكان له المنطق الخاص به: الأشخاص الذين عانوا من الإبادة، لا يمكنهم أن يرتكبوا إبادة جماعية».</p> <p>هناك مقابلة أخرى لنعومي كلاين مع الإعلامي مهدي حسن ذي الأصول الهندية، الذي فصلته قناة MSNBC وأوقفت برنامجه The Mehdi Hasan Show بعد أسئلته «المحرجة» لمستشار رئيس وزراء الاحتلال مارك ريغيف عن مصداقية ما تنشره القوات الصهيوني، مشيراً إلى فيديو اقتحام مستشفى مدني في غزة وعرض جدول بأيام الأسبوع باللغة العربية مدعياً أنه يحوي أسماء مناوبة «الإرهابيين»؛ حسب وصف المتحدث باسم قوات الاحتلال. بعد تلك الحادثة، أنشأ الصحافي منظمته الإعلامية الخاصة لتكون «صحافة مستقلة غير مفلترة» تحمل اسم «زيتيو Zeteo» (مشتق من اليونانية بمعنى البحث والسعي في إشارة إلى العمل الصحافي الحر). تضم المبادرة عدداً من الصحافيين المساهمين من بينهم نعومي كلاين التي تظهر ضمن برنامج «غير مصدوم/ Unshocked». تعلّق كلاين في المقابلة على وصف نتنياهو للطلاب المتظاهرين في «جامعة كولومبيا» بالـ«نازيين»، بقولها: «عندما يتعلّق الأمر بنتنياهو، لا أحد أكثر مهارة في استغلال الصدمة اليهودية، والصدمة التاريخية، وتحويلها إلى سلاح سياسي لمصلحته الخاصة».</p> <p>تركز كلاين في بداية حديثها على أهمية دراسة التاريخ والحاجة إلى مراجعة الماضي حتى نتمكن من «توجيه أنفسنا في المكان والزمان... ونفهم كيف وصلنا إلى هذه اللحظة من الرعب»، وتشير إلى وثيقة/مذكرة تاريخية حول وعد بلفور (1917) صدرت عن العضو اليهودي الوحيد في مجلس الوزراء البريطاني إدوارد مونتغيو، المعارض الأبرز لوعد بلفور، الذي قال «إن فكرة إنشاء وطن لليهود في فلسطين هي بحد ذاتها معادية للسامية»، كان مونتيغو قلقاً، حسب تعبير كلاين، من أنّ إنشاء دولة لليهود في فلسطين ستجعل حتماً اليهود الآخرين خارجها «مواطنين من الدرجة الثانية» في أي بلدٍ كانوا فيه. واعتبر حينها أنّ اليهود القادمين من أنحاء العالم، من بريطانيا وإسبانيا والعراق على سبيل المثال، رغم أنهم يشتركون في ديانة واحدة، إلا أنهم ليسوا أمة واحدة، فهم يتحدثون لغات مختلفة وهناك فوارق ثقافية كبيرة بينهم لا يمكن تجاهلها، وتنبّأ بأن «فلسطين حينها ستكون غيتو العالم لليهود»، وفقاً لما قالته كلاين في اقتباس مباشر عنه.</p> <p><strong><span style="font-size: 14pt;">تصف الغربيين بأنّهم في دعمهم للإبادة ما هم إلّا «مرآة تعكس المخزون النازي داخلهم»</span></strong></p> <p>ويمكن رصد أولى مشاركات مؤلفة كتاب «لا شعار» No Logo (1999) الذي ترجم إلى ثلاثين لغة ووزع في أنحاء العالم وجعل اسم نعومي كلاين بارزاً بين الكتّاب والمؤلفين، إلى عام 2009 حين زارت الباحثة فلسطين لإجراء عدد من المحاضرات حول كتابها الثاني الأبرز «عقيدة الصدمة» (2007)، في مناسبة ترجمة الكتاب إلى العبرية. تزامنت زيارتها مع العدوان الصهيوني على غزة، فوجدت الفرصة سانحة لإعلان مقاطعتها للاستعمار الإسرائيلي ودعت الجميع إلى المقاطعة بسبب السياسات العنصرية تجاه الفلسطينيين، مؤكدةً أنّ إجراءات حكومة الاحتلال بحق الفلسطينيين تتوافق مع التعريف الدولي للفصل العنصري. وفي محاضرتها في مدينة حيفا، وضّحت الناشطة اليسارية أنّ الجدوى من المقاطعة ليست محصورة فقط في الضغط على «إسرائيل» لتطبيق القرارات الدولية وإنهاء الاحتلال، بل «إنّ المقاطعة ضرورة للحفاظ على إنسانيتنا وعدم التطبيع مع الموت وتحويل غير الطبيعي إلى طبيعي». لكنّ كلاين ميّزت بين مقاطعة الاحتلال ومؤسساته الأكاديمية والاقتصادية، وبين الكتاب والأكاديميين الأفراد، ووضّحت أنّ زيارتها لا تتعارض مع المقاطعة لأنها تهدف إلى دعم الفلسطينيين وليس «التعاطف مع الإسرائيليين». كما تحدثت الكاتبة عن الحرب العنيفة على قطاع غزة (2009) وعن بعض الأشخاص الذين قابلتهم هناك مع زوجها المخرج وصانع الأفلام الوثائقية آفي لويس، وأدركت أكثر عبر قصصهم وحالهم درجة العنف التي يمارسها الصهاينة على سكان القطاع. روت كلاين قصة رجل غزاوي كان في السيارة مع ولديه، فأطلق جنود الاحتلال النار عليهم وأصابوه وابنه، ثم رفضوا السماح له بالوصول إلى المستشفى حتى توفي الولد. أضافت كلاين أنّ الأب يحاول مقاومة القهر والجنون عبر الكتابة، ولأنّ أدوات الكتابة ممنوعة بسبب الحصار الإسرائيلي للقطاع، لم يجد دفتراً يدوّن عليه قصته سوى قصاصات من دفتر «باربي« (الأخبار 14/7/2009).<br>ما يميّز الباحثة المناهضة للرأسمالية الليبرالية أنّها تستغل الفرص، سواء في كتبها المتعددة أو محاضراتها الأكاديمية أو حتى أمام الحشود في الشوارع، للقول بالفم الملآن إنّها مناهضة لسياسات الفصل العنصري وللمشروع الصهيوني في فلسطين المحتلة باعتباره مشروعاً اقتصادياً يجني أرباحاً هائلة عبر الحروب المستمرة. كما تبرع في ربط أي موضوع ثقافي، سياسي، بيئي، اقتصادي، بالقضية والمقاومة الفلسطينية التي تعتبرها كلاين أمراً طبيعياً لشعبٍ سُلبت منه أراضيه وبيوته وهُجِّر مئات الآلاف منه خلال النكبة، من أجل إعلان «دولة اليهود الزائفة»؛ فالصهيونية علمانية وليست يهودية كما يروّج الصهاينة باستمرار. وفي أحد كتبها عن المناخ، تشير كلاين إلى أن الفلاح الفلسطيني كان يحمي المناخ عبر الزراعة وممارسة حياته اليومية ورعي المواشي وحماية الأشجار البعلية وتلك التي تنمو لوحدها في الأرض، لكن الاحتلال جرف الأراضي واقتلع الكثير من الأشجار حتى يبني المستعمرات ما أثر سلباً على المناخ. تصرّح الناشطة اليسارية باستمرار أنّ ما تقوم به حكومة العدو هو إبادة جماعية محضّرة، ينفّذها جيشه بحماية من الدول الغربية الداعمة للاستعمار، وتصف الغربيين بأنّهم في دعمهم للإبادة ما هم إلّا «مرآة تعكس المخزون النازي داخلهم».</p> <p><strong>نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 31-8-2024</strong></p>
اقرأ المقال
<h1><strong><span style="font-size: 16pt;">منصّات التواصل في حظيرة الـ Big Brother: تليغرام آخر معاقل الحرية (الافتـراضية)؟</span></strong></h1> <p>لحظة وصوله إلى فرنسا قبل أيام، أُلقي القبض على مؤسس تليغرام بافيل دوروف، بتهمة «الاستعمال المسيء للتطبيق من قبل بعض المستخدمين». لكنّ الفرضية الأخرى أنّ التطبيق الذي بات يضمّ ما يقارب مليار مستخدم منذ انطلاقته في عام 2013، بات يخيف الأنظمة التي تسعى إلى سرقة بيانات أعضائه من دون جدوى. لكن لماذا الآن؟ وما المقصود بتهمة «تبرير الإرهاب» التي رفعها المحققون الفرنسيون ضده؟ وهل هي متعلّقة بحرب الإبادة الصهيونية على غزة؟</p> <p>قبل ثلاثة أيام، اعتقلت السلطات الفرنسية مؤسس تطبيق تليغرام، رجل الأعمال الروسي بافيل دوروف (1984)، لحظة وصوله إلى مطار لوبورجيه القريب من باريس، بعدما كان قادماً من أذربيجان لقضاء يومين في باريس. جاء إلقاء القبض على أغنى أثرياء الشرق الأوسط، وفقاً لمذكرة توقيف صدرت فوراً تحت ادعاءات بانتهاكات يقوم بها تطبيق التراسل الفوري المشفّر الذي يضم ما يقارب مليار مستخدم منذ انطلاقته في عام 2013.يواجه بافيل دوروف، الذي يحمل أيضاً الجنسية الفرنسية منذ عام 2021، عقوبة بالسجن قد تصل إلى عشرين عاماً في حال ثبتت التهم التي يسعى محققون فرنسيون إلى إغراقه بها بتهمة «الاستعمال المسيء للتطبيق من قبل بعض المستخدمين». وفقاً لقناة TF1 الفرنسية، فإنّ الشكوى الرئيسية لسلطات الاتحاد الأوروبي ضد تليغرام هي «الرسائل المشفرة». ولأنّ دوروف «لم يتجاوب مع قوات الأمن الفرنسية»، فإنّ ذلك يجعله شريكاً في الجرائم التي تحدث عبر التطبيق. وكان المكتب المسؤول عن «هيئة مكافحة العنف ضدّ القاصرين» (Ofmin) بصفته منسقاً في التحقيق الأولي في «جرائم الاحتيال وتهريب المخدرات والمضايقة عبر الإنترنت والجريمة المنظمة»، قد أصدر مذكرة اعتقال بحق دوروف متهماً إياه بـ«تبرير الإرهاب». بعد ساعات على توقيفه، أصدرت الشركة بياناً عبر تطبيقها وشاركته على منصة إكس، تقول فيه إنّ «تليغرام تمتثل لقوانين الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك قانون الخدمات الرقمية». وأضافت أنّه «ليس لدى الرئيس التنفيذي لشركة تليغرام بافيل دوروف ما يخفيه، فهو يسافر بوتيرة متكررة إلى أوروبا». كما اعتبرت أنه من «السخف» ادعاء مسؤولية المنصّة ومالكها عن سوء استخدامها، خاتمةً البيان بأنها في انتظار حلٍّ سريع.</p> <p>هنا يكمن السؤال في حقيقة اعتقال دوروف وأبعاده وتداعياته: لماذا الآن؟ وما المقصود بتهمة «تبرير الإرهاب» التي رفعها المحققون الفرنسيون ضده؟ وهل هي متعلقة بشكل مباشر بحرب الإبادة على غزة؟ جاء خبر اعتقال مؤسس تليغرام برد فعل احتجاجي عالمي وفقاً لما ظهر على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ كتب المدير التنفيذي ومالك منصة إكس (تويتر سابقاً) إيلون ماسك تغريدة ساخرة قائلاً: «من وجهة نظري، أعتقد أنه بحلول عام 2030 قد يتم إعدامك في أوروبا لمجرد إعجابك بصورة ساخرة meme». ثم أتبعها بأخرى ساخرة من التعديل الأول للقانون الذي يتعلق بحريات اعتناق الدين والتعبير والصحافة والحق في التجمّع السلمي للمواطنين، وتغريدة أخرى تقول: «أن تكون مدافعاً عن حرية التعبير في هذه الأيام يشبه أكثر فأكثر مشكلة كوباياشي مورو» (مستعار من مسلسل الخيال العلمي «ستار تريك»). ويقصد القول إنّ الدفاع عن حرية التعبير أصبح في عصرنا «سيناريو غير مربح». ونشر الإعلام الأميركي جاكسون هينكل، الذي اشتهر حسابه في الحرب الصهيونية الحالية على غزة بتعرية بروباغندا الاحتلال الإسرائيلي، تغريدةً عن الاتهامات التي تعرّض لها دوروف، موضحاً أنّ الحكومة الأميركية ترتكب جرائم حقيقية من «تمويل الإبادة، وتبييض الأموال عبر أوكرانيا، وتسليح كارتيلات المخدرات في المكسيك». وأعاد الصحافي تاكر كارلسون نشر مقابلة كان قد أجراها قبل أشهر مع مؤسس تليغرام معلّقاً: «لقد غادر بافيل دوروف روسيا عندما حاولت الدولة السيطرة على مؤسسته تليغرام. لكن في النهاية، لم يكن بوتين من اعتقله لسماحه للجماهير بممارسة حرية التعبير، بل كان بلداً غربياً، حليف إدارة بايدن وعضواً في الناتو. يجلس بافيل دوروف في سجن فرنسي الليلة، وهو تحذير حيّ لأي مالك منصة يرفض الرقابة على الحقيقة بناءً على طلب الحكومات ووكالات الاستخبارات» خاتماً تغريدته بجملة: «الظلام يحلّ بسرعة على العالم الذي كان في السابق حراً». واتّهمت حسابات أخرى جهاز الاستخبارات الصهيوني والأمن الفرنسي بوقوفهما وراء الاعتقال بغرض السيطرة على آخر وسيلة تواصل افتراضية «حرة»، بعد فشلهما في السيطرة على تيك توك الذي يحظى بغطاءٍ صيني رسمي.<br>لكن تغريدة إيلون ماسك الأحدث التي قارن فيها بين بافيل دوروف، ومؤسّس منصّة فايسبوك (ومالك إنستغرام وواتساب) مارك زوكربيرغ توضح الكثير، إذ أعاد نشر تغريدة تسأل عن السبب الذي يمنع من اعتقال مارك زوكربيرغ بتهمة «استغلال الأطفال»، مجيباً عليها بأنّ أحداً لن يعتقل رئيس شركة ميتا، لأنّه «يفرض رقابة على حرية التعبير ويمنح سلطات الدول الأخرى إمكانية الوصول إلى البيانات عبر الباب الخلفي». وأشار إلى الأمر نفسه معاون مؤسّس ويكيليكس جوليان أسانج، النائب الإيطالي أدريان ماكراي، في مقابلة أجراها مع وكالة ««سبوتنيك»، إذ قال إنّ اعتقال دوروف «يأتي بتوجيه من أجهزة الاستخبارات الأميركية وحلف شمال الأطلسي اللذين وصلا إلى حالة من اليأس بشأن الوصول إلى بيانات ومعلومات عن منصة تليغرام، بعدما وصلا بالطريقة نفسها إلى واتساب وجميع المنصات الإعلامية المملوكة من قبل شركة ميتا».<br><br><strong>ميزة الأمان والخصوصيّة</strong><br>هناك ميزات يوفّرها تطبيق تليغرام تجعل أجهزة الأمن في الدول الغربية تلهث للانتفاع منها، ويبدأ الأمر بالتضييق على مؤسسه ثم اعتقاله والتحقيق معه بغية الضغط عليه وإيجاد منفذ لسرقة بيانات المشتركين في التطبيق. يتميّز تطبيق تليغرام، عن منافسه واتساب (2009) الأكثر شعبية واستخداماً الذي يمتلكه زوكربيرغ منذ عام 2014، بخاصية إنشاء القنوات (channels) التي يمكنها استيعاب عدد هائل من الأعضاء/ المشتركين للقناة الواحدة، بالإضافة إلى «مجموعات» (groups) ضخمة تصل قدرة استيعابها إلى 200 ألف مشترك. في المقابل، يوفّر واتساب خدمة «محادثات جماعية» (chat groups) لا تتجاوز الألف، و«مجتمعات» (communities) قد تصل إلى 5 آلاف مشترك، بحسب معلومات الموقع الرسمي. أما في ما يتعلّق بحجم المواد المرسلة من صور وفيديوات، فيعدّ تليغرام الأكثر احترافية ومهنيةً بين تطبيقات المراسلات الهاتفية، نظراً إلى قدرته على إرسال ملفات كبيرة بحجم 2 جيغابايت وتخزينها وبدقة عالية للصور، مقابل 100 ميغا عبر واتساب إذ يتم ضغط الملفات وتقليل جودتها البصرية. كما إنّ تليغرام يحافظ على المصدر لدى مشاركة الرسائل والأخبار مع أي حسابٍ عبر التطبيق. لكن الأهم هنا يكمن في ميزة الأمان والخصوصية وحماية المحادثات والملفات المرسلة، فهناك مثلاً خاصية تمنع «لقطات الشاشة» (screenshots)، وأخرى تمنح المشترك في قناة ما اختيار إخفاء رقم هاتفه عن بقية المشتركين ومسؤولي القنوات. هذه الميزات بالتحديد (بالإضافة إلى سهولة مشاركة المعلومات وسرعتها في عصر الإنترنت) كانت السبب الذي دفع الكثير من المنظمات والجماعات حول العالم، إلى إنشاء قنواتها الإعلامية الخاصة التي تمكّنها من مشاركة أخبارها بلسانها ووفقاً لروايتها، من دون أي اعتراض أو تلاعب أو تضليل في المعلومات المنقولة، خصوصاً بعد عقودٍ من احتكار وسائل الإعلام الكلاسيكية العالمية لـ «الحقيقة» التي تناسبها، وإن كانت بروباغندا متحيّزة للطرف الأقوى سياسياً، عسكرياً، واقتصادياً. ففي الحرب بين روسيا وأوكرانيا على سبيل المثال، اتجهت الجماهير إلى متابعة قنوات تليغرام للحصول على الأخبار السريعة حول تطورات الحرب (في ظل حظر فايسبوك وواتساب)، فأصبح التليغرام من المصادر الأساسية والمباشرة للأخبار القادمة من الميدان.<br><br><strong>معكم «حماس»... من أرض المعركة</strong><br>خلال الحرب الصهيونية الحالية على غزة، تعرّض مالك المنصّة لموجة انتقادات بعد السابع من أكتوبر لرفضه حجب حساب حركة المقاومة الإسلامية «حماس» وجناحها العسكري «كتائب الشهيد عز الدين القسام». وتساءل يومها إن كان حجب الحساب سيساعد في إنقاذ الأرواح أم سيعرّضها للخطر؟ مشيراً إلى إنذار «حماس» لسكان مدينة عسقلان بضرورة المغادرة قبل إطلاق رشقات صاروخية. وأكّد دوروف بأنّه «لا يمكن استخدام حسابات تليغرام لتكثيف الدعاية، فهم يتلقون فقط المعلومات من القنوات التي يتابعونها»، فيما يستفيد الباحثون والصحافيون منها للتأكد من الحقائق. ويسعى العدو الصهيوني باستمرار إلى سلب «حماس» حسابها على التليغرام، خصوصاً بعدما زاد عدد المتابعين أكثر من ثلاثة أضعاف في هذه المدة القصيرة. وفقاً للقناة 13 الصهيونية، أرسلت «القسام» عبر التليغرام صوراً لعائلة أحد الأسرى الإسرائيليين الذي قتل في قصف إسرائيلي على غزة. منذ عملية «طوفان الأقصى»، لجأت «حماس» التي تعرّضت منذ أربع سنوات (2020) لاختراق مجموعاتها على الواتساب وحظر حساباتها وحجب منشوراتها على مختلف منصّات التواصل الاجتماعي، إلى تطبيق تليغرام لإرسال الصور والفيديوات والأخبار بشكل مباشر من أرض المعركة. وفرضت شركة غوغل على تليغرام حجب عدد من القنوات التابعة لـ «حماس» في نسخة التطبيق التي تعمل بنظام «أندرويد»، فأصبحت تلك القنوات غير متاحة للمستخدمين الذين حصلوا على تطبيق تليغرام من متجر «غوغل بلاي».</p> <p><strong><span style="font-size: 14pt;">تحذير حيّ لأي مالك منصة يرفض الرقابة على الحقيقة بناءً على أوامر الحكومات ووكالات الاستخبارات</span></strong></p> <p>لكن أليس من المفترض أن تكون منصّات التواصل الاجتماعي هذه فضاءً عاماً للمواطنين والجماهير حول العالم كما يشاع؟ ألم تكن الغاية الأولى من إنشائها تقديم خدمة التواصل الحر بين الناس وامتلاك كل مشترك منبراً خاصاً عبارة عن حسابه الذي يمكّنه من التعبير عن رأيه ونشر ما يريده بحسب الظاهر؟ حين نشأت هذه المنصات، قدّمت نفسها على شكل «فضاء عام بديل» في نقدٍ لنظرية الفضاء العام public sphere لصاحبها الفيلسوف الألماني (الصهيوني) يورغن هابرماس في سبعينيات القرن الماضي، وغدت من الأطروحات الأكاديمية المهمة التي جرت الإفادة منها في مجالات متعدّدة من بينها العلوم السياسية والدراسات الإعلامية والسوسيولوجيا. قدّم المفكر الأهم منذ عقود لدى الألمان، ووريث «مدرسة فرانكفورت» الفكرية النقدية، فكرته حول الفضاء العام والفعل التواصلي الذي يضمن الديموقراطية وحرية التعبير والتمثيل السياسي الصحيح، موجّهاً نقده إلى الأنظمة الشمولية التي سيطرت على الفضاء العام وأبعدت المواطنين عن الدولة وعملها ومساءلتها. واعتبر الفضاء العام المجال الذي يجتمع فيه الناس للتواصل ومشاركة آرائهم حول حقوقهم وأداء الدولة. كما رأى أنّ احتكار الإعلام من قبل الأنظمة السياسية الشمولية، يمنع تشكّل الفضاء العام. فتعدّد قنوات الإعلام وتدفق المعلومات المتنوعة المصادر، أمر يسهم في خلق مواطنين متساوين ذوي وعي بحقوقهم، وبالتالي يستطيعون التعبير عن آرائهم ومساءلة السياسيين ومعرفة واجباتهم. لكنّ المؤسسات الإعلامية التقليدية من صحف وإذاعات وقنوات تلفزة تابعة للدول الغربية، كما لبعض الدول العربية، أثبتت أنّها ــ وإن تعدّدت أسماؤها وجنسياتها ـــ منصة واحدة، وبوق واحد يردّد الرواية نفسها.</p> <p><strong><span style="font-size: 14pt;">تعرّض مالك المنصّة لموجة انتقادات بسبب رفضه حجب حساب «حماس» وجناحها العسكري</span></strong></p> <p>منذ اليوم الأول للعدوان الصهيوني على غزة والإعلام الغربي يمعن في التضليل ويمارس ازدواجية المعايير (راجع الأخبار 27/11/2023) في تغطيته للأخبار عن الحرب. ويكاد المشاهد لا يميز القنوات الأميركية عن تلك الفرنسية أو الألمانية والبريطانية من شدة التنسيق في المصطلحات وتوحيد الرواية التي تتهم باستمرار المقاومة الفلسطينية بالإرهاب، وتجيد فبركة المعطيات لتتوافق مع الرواية الصهيونية وبالتالي تبرئة الاحتلال. هذا الفضاء العام فشل فشلاً ذريعاً، حسب عشرات آلاف الحسابات على منصات التواصل الاجتماعي، التي تناولت «الحبة الحمراء» (ترمز إلى الوعي في فيلم «ماتريكس»/ 1999) وهجرت الإعلام الكلاسيكي، متّجهةً بقوة إلى منصات التواصل الاجتماعي (فايسبوك، إنستغرام، تويتر، تيك توك، تليغرام، واتساب...) بهدف الحصول على الحقائق كما هي من دون «فلترة» أو تضليل.<br>لكن مع ما يقوم به الاتحاد الأوروبي من توجيه تحذيرات رسمية لشركات منصّات التواصل الاجتماعي العالمية ومؤسّسيها، بهدف حجب الحسابات وحذف الأخبار المؤيدة والداعمة للمقاومة الفلسطينية، لم يعد الفضاء العام البديل «فضاءً عاماً». بعد إجبار شركة «ميتا» على حظر محتوى ضخم عن منصتَيها فايسبوك وإنستغرام صنّفته بأنّه «محتوى عنيف» أو «مضلّل»، وكذلك الأمر مع منصة إكس التي تلقّت تحذيرات رسمية بفرض عقوبات قانونية عليها إذا لم تحذف المحتوى المؤيّد لحركة «حماس»، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي نسخةً أخرى عن النظام الشمولي المحتكر للميديا وتدفّق المعلومات، وغدا الإنترنت ـــ بتنوع أشكال خدماته الإعلامية ـــ فضاءً ضيّقاً لا يتّسع للحقيقة إذ تأتي على لسان أصحابها.</p> <p><strong>نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 27-8-2024</strong></p>
اقرأ المقال
<p><br><br><br><strong><span style="font-size: 16pt;"><span lang="AR-SA" style="line-height: 200%; font-family: 'Times New Roman', serif; color: black;">المؤرخ الاميركي يعود مع «طوفان الأقصى» | نورمان فينكلشتاين: إخرسوا أيها النازيون الجدد</span></span></strong><span dir="LTR" style="font-size: 13.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Times New Roman',serif; mso-fareast-font-family: 'Times New Roman'; color: black; mso-font-kerning: 18.0pt;"><strong><span style="font-size: 16pt;"> !</span></strong></span><br><br><span style="font-size: 14pt;"><span lang="AR-SA" style="font-family: 'Times New Roman', serif; color: #4c4c4c;">عاد الباحث الأميركي اليهودي إلى الواجهة مع عملية «طوفان الأقصى»، عبر حسابه على منصّة أكس. خلال الساعات الماضية، دأب على نشر تغريدات وتعليقات حول الممارسات الصهيونية والإرهاب والإبادة والمحرقة التي تمارسها إسرائيل على قطاع غزّة وسط تواطؤ وتعاطف دولي</span></span><span dir="LTR" style="font-size: 18.0pt; font-family: 'Times New Roman',serif; mso-fareast-font-family: 'Times New Roman'; color: #4c4c4c;"><span style="font-size: 14pt;">!</span></span><br><br><span lang="AR-SA" style="font-size: 12.0pt; font-family: 'Times New Roman',serif; mso-fareast-font-family: 'Times New Roman'; color: #4c4c4c;">اشتهر نورمان فينكلشتاين (1953)، الباحث الأميركي اليهودي والأستاذ في العلوم السياسية بكتابه «صناعة المحرقة» (2000) الذي تناول فيه فكرة صناعة المحرقة اليهودية بخطابها وروايتها بعد مرور عقود عدة على الحدث الأساس المرتبط بالواقع. شاع اسم الكاتب وصورته في البلدان العربية أكثر، حين نشر فيديو له عبر وسائل التواصل الاجتماعي يجيب فيه، خلال إحدى محاضراته، على واحدة من الحاضرين تداعت بالبكاء على ما رأته إهانة لها وللجمهور اليهودي الذي يتابعه، مستخدمةً «بطاقة المحرقة»، فما كان من فينكلشتاين إلا أن اعترض على ما فعلته ووصفه بـ «دموع التماسيح». كان فينكلشتاين حينها يطرح إشكالية المعايير المزدوجة لدى اليهود الصهاينة والغرب الداعم للصهيونية. وفق كلامه، كانت عائلته في معسكرات التعذيب النازية، وخسرت عدداً من أفرادها هناك، لكنه يوضح أنه في المقابل إن كان هو نفسه يرى المحرقة النازية جريمةً كبرى، فلا يمكنه منطقياً وعقلانياً أن يقبل ويدعم المحرقة التي «يرتكبها اليهود بحقّ الفلسطينيين تحت الاحتلال</span><span style="color: #4c4c4c; font-family: 'Times New Roman', serif; font-size: 16px;">»</span><br><br><span lang="AR-SA" style="font-size: 12.0pt; font-family: 'Times New Roman',serif; mso-fareast-font-family: 'Times New Roman'; color: #4c4c4c;">عاد فينكلشتاين إلى الواجهة أخيراً مع معركة «طوفان الأقصى» التي تستمر في يومها الخامس على التوالي، ليتصدى عبر حسابه على منصة إكس (تويتر سابقاً) لمواقف العديد من الأميركيين والأوروبيين تجاه ما يحدث في غزة. علّق على تغريدة أستاذة التاريخ اليهودي و«مبعوثة الحكومة الأميركية لرصد ومكافحة معاداة السامية» ديبورا ليبستادت التي قالت «إنّ الإرهاب الهمجي الشنيع الذي حدث بالأمس ضد المدنيين الإسرائيليين، هو الاعتداء الأكثر فتكاً ضد اليهود منذ المحرقة، ولا مبرّر على الإطلاق لهذا القتل. كما أنه لا يحق لأحد أن يقول لإسرائيل كيف تدافع عن نفسها وكيف تمنع الهجمات المستقبلية وتردعها». هنا سخر فينكلشتاين منها، قائلاً إنّ التغريدة الاستثنائية هذه جاءت «بعد فوزها بجولتين من لعبة ماهجونغ» الصينية التي تقوم على فكرة تطابق بطاقتين للربح. كان فينكلشتاين قد أعاد أيضاً نشر تغريدة لفيديو يظهر فيه وزير «الدفاع» الصهيوني يوآف غلانت، وهو يعلن عن فرض حصار كامل على قطاع غزة وقطع الماء والطاقة الكهربائية وكل شيء عنه، لأنّ الاحتلال يحارب «حيوانات بشرية» وعليهم أن «يتصرفوا وفقاً لذلك». علّق نورمان فينكلشتاين بسخرية شديدة، قائلاً: «لماذا لا تختصر العملية وترشّ المكان بالـ«زيكلون ب» (أي سيانيد المبيد الحشري)</span><span dir="LTR" style="font-size: 12.0pt; font-family: 'Times New Roman',serif; mso-fareast-font-family: 'Times New Roman'; color: #4c4c4c;">.<br></span><span lang="AR-SA" style="font-size: 12.0pt; font-family: 'Times New Roman',serif; mso-fareast-font-family: 'Times New Roman'; color: #4c4c4c;">لا تمرّ من غربال فينكلشتاين أي تغريدة غير منطقية إلّا ويصوّب عليها مثلما فعل مع مهدي حسن، الإعلامي الأميركي ذو الأصول الهندية في قناة</span><span dir="LTR" style="font-size: 12.0pt; font-family: 'Times New Roman',serif; mso-fareast-font-family: 'Times New Roman'; color: #4c4c4c;"> MSNBC </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 12.0pt; font-family: 'Times New Roman',serif; mso-fareast-font-family: 'Times New Roman'; color: #4c4c4c;">و</span><span dir="LTR" style="font-size: 12.0pt; font-family: 'Times New Roman',serif; mso-fareast-font-family: 'Times New Roman'; color: #4c4c4c;"> NBC </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 12.0pt; font-family: 'Times New Roman',serif; mso-fareast-font-family: 'Times New Roman'; color: #4c4c4c;">الذي نشر تغريدة مضللة يقول فيها «إنّ أخذ الأطفال كرهائن، إذا تم تأكيده، هو، ببساطة واضحة، عمل همجي ولا يفعل شيئاً لدفع قضية السلام أو المقاومة أو إنهاء الاحتلال». علّق عليه فينكلشتاين: «إذا شممت رائحة كريهة لجرذ المجاري، ابحث حولك عن مهدي حسن». ثم أشار إلى أنّ الصحافي قد ذكر في تغريدته «إن تم تأكيد الخبر»، ما يعني أنه لا يعلم إن كان الخبر صحيحاً أم لا، لكن «لا أحد يهتم»، ولا يعني أحد احتجاز قوات الاحتلال لحوالي مليون طفل في غزة خلال عقدين من الزمن. ووصف الباحث الأميركي تغريدة عضو مجلس النواب الأميركي إلهان عمر، الصومالية الأصل، التي تدين فيها «الأعمال المروّعة التي تحدث في إسرائيل ضد الأطفال والنساء والمسنّين والعزّل الذين يذبحوا ويحتجزوا كرهائن من قبل حماس»، بالغباء، معلّقاً: «فقط لأنك تريدين أن تصبحي مثل ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز، لا يعني أن تكوني غبية وتافهة»</span><span dir="LTR" style="font-size: 12.0pt; font-family: 'Times New Roman',serif; mso-fareast-font-family: 'Times New Roman'; color: #4c4c4c;">.</span><br><br><span style="font-size: 16pt;"><strong><span lang="AR-SA" style="font-family: 'Times New Roman', serif; color: #4c4c4c;">علّق على وزير «الدفاع» الصهيوني ساخراً: «لماذا لا تختصر العملية وترشّ المكان بالـ«زيكلون ب»</span></strong></span><br><br><span style="font-size: 16pt;"><span style="color: #4c4c4c; font-family: GretaArabic, serif; font-size: 16px;">الأهم من كل ذلك، نشر فينكلشتاين صورةً لحيّ سكني مدمّر ومسوّى بالأرض تخاله للوهلة الأولى أنّه يقع في غزّة. لكنّ فينكلشتاين علّق عليها قائلاً: «هذا ما فعله النازيون بالغيتو اليهودي في وارسو بعدما تجرّأ اليهود على مقاومة النازيين الـ Übermensch» (نظرية نيتشه «الإنسان الأعلى» Übermensch التي تأثر بها أدولف هتلر)، في إشارة إلى الإبادة الذي يقوم بها الاحتلال الصهيوني اليوم تجاه غزّة، ومشبّهاً إياها بما فعلته النازية باليهود. حتى إنّ أحدهم علّق بأنّه لو لم يشر إلى السياق التاريخي، لكان الكلّ اعتقد بأنّ الصورة من غزّة.</span><br style="box-sizing: border-box; color: #4c4c4c; font-family: GretaArabic, serif; font-size: 16px;"><span style="color: #4c4c4c; font-family: GretaArabic, serif; font-size: 16px;">يذكر أنّ فينكلشتاين كان قد استنكر قبل سنتين قيام منصة اليوتيوب بحذف فيديو مصوّر يظهر قتل الاحتلال أطفالاً في غزة، وراسل حينئذٍ الشركة طالباً توضيحاً للحذف الذي يجد أنّه لا يخالف معايير النشر على المنصة. يجدر القول إن فينكلشتاين لا يفوّت فرصةً من دون أن يبدي فيها تضامنه مع الشعب الفلسطيني ضد سياسة الاحتلال الصهيوني، مشدداً على أهمية اللغة والمصطلحات في الحديث عن هذا الصراع، فالوجود «الإسرائيلي» على أرض فلسطين هو حتماً «احتلال»، ولا مبرّر لنظام الفصل العنصري والقمع اللذين تمارسهما الحكومة الصهيونية سوى التشبّه بالنازيّين ومرتكبي المحرقة.</span></span><br><br><span style="color: #666666; font-family: 'Simplified Arabic', 'serif'; font-size: 18.6667px; text-align: justify; background-color: #f8f8f8;">نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 11-10-2023</span></p> <p> </p>
اقرأ المقال
<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><strong><span lang="AR-SA" style="font-family: Arial, sans-serif; font-size: 16pt;">ناس دايلي... «عبد المنزل» يغسل أكثر بياضاً</span></strong></p> <p style="font-family: -apple-system, BlinkMacSystemFont, 'Segoe UI', Roboto, Oxygen, Ubuntu, Cantarell, 'Open Sans', 'Helvetica Neue', sans-serif; font-size: medium;"><span style="color: #4c4c4c; font-family: GretaArabic, serif; font-size: 16px;">بوقاحة مباشرة، كتب نصير ياسين صاحب محتوى «ناس دايلي» عبر حسابه على منصة «إكس» قبل أيّام أنه يعدّ نفسه من الآن فصاعداً - أي منذ بدء عملية «طوفان الأقصى» - «إسرائيلياً فلسطينياً». لم يحتمل الشاب ذو الملايين من المتابعين حول العالم، فكرة أن تكون المقاومة الفلسطينية قويةً وقادرةً على قلب موازين القوة السائدة منذ احتلال فلسطين، تماماً مثلما لم يحتمل مشغّلوه من الأميركيين ومؤسسات الـNGOs هذا الواقع الجديد والمفاجئ بالنسبة إلى العدو الصهيوني والعالم كله. لم يكتفِ ياسين الصهيوني الهوى بتلك التغريدة، بل أضاف شارحاً أنه كان يعاني من صراع في تحديد هويته والتعريف عن نفسه: هل هو فلسطيني أم «إسرائيلي»؟ في العام الماضي، فاجأ كثيراً من متابعيه بفيديو صرّح عبره أنّه ذو هوية مشتركة وهكذا يرى نفسه. الأسوأ من ذلك أنّه «اكتشف» مع الوقت بأنه: «لا أريد العيش في ظل حكومة فلسطينية، ما يعني أنّ لدي بيتاً واحداً حتى لو لم أكن يهودياً: إسرائيل، هنا حيث تعيش عائلتي كلها. هذه هي الدولة التي أريد أن أراها في ديمومة لكي أضمن بقائي».</span></p> <p style="font-family: -apple-system, BlinkMacSystemFont, 'Segoe UI', Roboto, Oxygen, Ubuntu, Cantarell, 'Open Sans', 'Helvetica Neue', sans-serif; font-size: medium;"><span style="color: #4c4c4c; font-family: GretaArabic, serif; font-size: 16px;">يبدو من كلامه أن ما فعلته المقاومة الفلسطينية مرعب جداً، فهو غير مصدق أن 900 «إسرائيلي» قد قُتلوا في اليومين الأولين لمعركة الطوفان، كما يصرّ على ذكر أن 40 من القتلى هم عرب «قُتلوا على يد عرب آخرين». لذلك هو يأمل أن تبقى فلسطين «قائمة بوصفها دولة مستقلة تتطور وتصبح أقل تطرفاً وأكثر ازدهاراً». وأنهى كلامه بأنه يعدّ نفسه «إسرائيلياً أولاً ثم فلسطينياً، فالرؤية بأقصى وضوح تتطلب أحياناً مثل تلك الصدمة».</span><br style="box-sizing: border-box; color: #4c4c4c; font-family: GretaArabic, serif; font-size: 16px;"><span style="color: #4c4c4c; font-family: GretaArabic, serif; font-size: 16px;">وكانت صفحة «إسرائيل تتكلم بالعربية» على الفايسبوك قد نشرت ما حرفيته: «فقرة من خواطر نصير ياسين المشهور باسم ناس دايلي نشرها على تويتر»، مُفرِدة صفحةً كاملةً مع صورة نصفية لشخصية السوشيال ميديا، وهو يشرح سبب اختيار ما هو عليه الآن: «لا أريد العيش في ظل حكومة فلسطينية، ما يعني أن لدي بيتاً واحداً حتى لو لم أكن يهودياً». ثم أتبعها بديباجة عن أهمية كونه إسرائيلياً، في نوعٍ من الغسيل التطهيري (white wash) لكيان الاحتلال. طبعاً هو لم ينسَ نهائياً أن يذرّ بعض الرماد في العيون عبر جمل من نوع: «فلسطين يجب أن تبقى قائمة أيضاً بوصفها دولة مستقلة. كلّي أمل أن أرى هذه الدولة تتطور وتصبح أقل تطرفاً وأكثر ازدهاراً. إني أحب فلسطين لكنها ليست بيتي». من يقرأ هذه السطور الأخيرة يفهم تلقائياً أن دايلي يرى أن فلسطين «متطرفة» وأنها لن تكون «غير متطرفة»، ولذلك هو يرجو أن تكون «أقل تطرفاً»، بمعنى أنه يعرف أن ذلك لن يتغيّر. إنه أسلوب الأوروبي الأبيض في النظر إلى مجتمعاتنا المشرقية، وعلى ما يبدو، إن النص هذا قد كتبه معدّو برنامج دايلي له، فهو نص مكتوب حرفياً كما يريد ويتحدث الإعلام الغربي والإسرائيلي عما يحدث حالياً.</span></p> <p style="font-family: -apple-system, BlinkMacSystemFont, 'Segoe UI', Roboto, Oxygen, Ubuntu, Cantarell, 'Open Sans', 'Helvetica Neue', sans-serif; font-size: medium;"> </p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-family: Arial, sans-serif;"><strong><span style="font-size: 16pt;">«حركة مقاطعة إسرائيل» حذرت من التعاطي معه ومع برنامجه</span></strong></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-family: Arial, sans-serif;"><span style="font-size: 16pt;"><span style="color: #4c4c4c; font-family: GretaArabic, serif; font-size: 16px;">إنه نوع من تأكيد الولاء وإثباته يقدمهما الشاب بكل ما أوتي من قوة لمشغليه: إنه يثبت أنه إسرائيلي قلباً وقالباً، مستعدٌ حتى لرمي انتمائه الفطري الفلسطيني مقابل انتمائه العقيدي الصهيوني. صانع المحتوى الشاب والقادم من قرية عرابة في الجليل، وخريج الاقتصاد وعلوم الكمبيوتر من «هارفرد» المقيم في سنغافورة، يعرف جيداً كيف يُعجب الجمهور الغربي الذي يحاكيه طوال الوقت. وكانت «حركة مقاطعة إسرائيل بي دي أس» قد حذرت من التعاطي معه ومع برنامجه باعتباره ينتج «محتوى تطبيعياً ناعماً يخدم مساعي إسرائيل في فرض نفسها ككيان طبيعي في المنطقة»، ناهيك بأنه كما فعل في بيانه الأخير «يتجاهل حقوق الشعب الفلسطيني، وعلى رأسها حق العودة».</span></span></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-family: Arial, sans-serif;"><span style="font-size: 16pt;"><span style="color: #666666; font-family: 'Simplified Arabic', 'serif'; font-size: 18.6667px; text-align: justify; background-color: #f8f8f8;">نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 13-10-2023</span></span></span></p> <p> </p> <p> </p>
اقرأ المقال
<p><span style="font-size: 16pt;"><strong>الإعلام الغربي ملطّخ بدماء غزة: على «الحرة» المجدُ للفوسفور الأبيض... وbbc شـريكة في الجريمة</strong></span></p> <p style="text-align: right;">على مرّ التاريخ، ومع تطور وسائل الإعلام الكلاسيكية من مطبوعات وتلفزيون قبل ظهور الوسائل الحديثة التي جاءت مع عصر الإنترنت، نجحت هذه الوسائل الجماهيرية في تشكيل الرأي العام عبر إستراتيجيات متنوعة مثل الدعاية والتلاعب بالأخبار وتضليل الجماهير. يوضح اللغوي والناقد الأميركي نعوم تشومسكي أن الدعاية الإعلامية أسهمت في خلق حركات اجتماعية، أو تحجيمها، أو القضاء عليها عبر تبرير الحروب وتحفيز أيديولوجيات معينة وإقناع النفس الجماعية (collective psyche) بأنّ الإعلام هو منتج للواقع. عمل تشومسكي على فضح هذه الممارسات وأعدّ لائحة بعشرة تكتيكات يقوم بها الإعلام بفعالية في سبيل التلاعب بالناس أشهرها استخدام الجانب العاطفي في تغطية الأحداث الهامة بهدف تحييد الحس المنطقي والتحليل العقلاني من قبل المتلقي/ المشاهد، وتعزيز الشعور بالذنب لديه. منهج استخدمته وسائل الإعلام الغربية في تغطيتها لمعركة «طوفان الأقصى» وظهر جلياً في محاولتها توحيد خطابها، وخصوصاً خلال استضافتها فلسطينيين وعرب داعمين ومدافعين عن القضية الفلسطينية في وجه الإبادة التي يمارسها العدو الصهيوني في قطاع غزة.وعلى الرغم من سعيها الدائم لشد التعاطف مع اليهود والإسرائيليين في كل مناسبة عبر التذكير بالهولوكوست وجرائم النازيين وحكومة هتلر الفاشية التي استخدمت سلطتها ونفوذها ودعايتها الإعلامية للتخلص من اليهود، نجد وسائل الإعلام الأميركية والأوروبية تسعى جاهدة إلى تبرير فاشية الصهيوني وعنصرية حكومته وجرائم حربه بحق الفلسطينيين والعرب. تستعمل قنوات التلفزة والصحف الغربية أسلوب البروباغاندا كما وصفه هتلر بالضبط في مذكراته، فالدعاية لا تبحث عن الحقيقة الموضوعية ولا تظهر سوى جانب واحد يهدف إلى تحقيق مصلحتها، وعامة الشعب «لا تتكون من ديبلوماسيين أو أساتذة في الفقه العام ولا من مجرد أشخاص قادرين على تكوين حكم منطقي في حالات معينة، بل تتكون من حشد متذبذب من الأطفال البشر الذين يتأرجحون باستمرار بين فكرة وأخرى».</p> <p style="text-align: right;">تتّصف وسائل الإعلام الكلاسيكية مثل «بي. بي. سي» بمهنية عالية فتتباهى باحترافيتها الفريدة. أمر يدركه العامة مثلما يفعل الإعلاميّون المتخصصون، لكن مهنية المؤسسة الإعلامية هذه لا تعني حكماً التزامها بأخلاقيات المهنة وقيامها بواجبها الأساس في نقل الأخبار، كما لا يعني بالضرورة التزامها بمعايير ثابتة. فقد بانت ازدواجية المعايير، وتكتيك جعل الآخر يشعر بالذنب عبر الضغط المفاجئ على سبيل المثال مع ضيف القناة، سفير فلسطين في بريطانيا حسام زملط، حين حاولت المذيعة جرّه إلى إدانة معركة «الطوفان»، فجاءت إجاباته ذكية غير مبرّرة بقدر ما كانت تهاجم القناة وتتّهمها بهوسها في إدانة الضحايا.<br>مع بداية عملية «طوفان الأقصى»، بدا الإعلام البريطاني «صادقاً» أكثر من المعتاد. عنونت صحيفة الـ «تايمز» البريطانية الشهيرة: «إسرائيل تنشر صور أطفالٍ مشوهين»، فيما أظهرت صوراً لأطفالٍ يبدو أنّهم تعرضوا لكارثة كبرى أشبه بالزلزال. ثيابٌ ممزقة، آثار أتربةٍ، دماء ودموعٌ متناثرة على الوجوه، وشيءٌ كبيرٌ من الذهول والصدمة، ناهيك بالصراخ والرعب. تكمل الصحيفة الغربية: «هذه هي أصعب صورة نشرناها على الإطلاق، نحن نرتجف خلال كتابة هذه الكلمات، لقد ترددنا كثيراً في نشر هذه الصورة، ولكننا بحاجة إلى أن يعرف الجميع أن ذلك قد حدث». هنا يظهر للقارئ أن الإعلام الغربي قد حقق هدفاً قاتلاً في مرمى خصومه: عرّى روايتهم الكاذبة، فضح وحشيتهم وكذبهم، وفوق كل هذا أظهر تعاطفه مع الضحايا محافظاً في الوقت عينه على مهنيةٍ حاضرة وبديهة متمكنة. هذا كلّه كان ليمر، لولا أن الصحيفة نفسها كتبت تحت صورة الأطفال بخطٍ صغيرٍ للغاية: الصورة المنشورة هي لأطفالٍ فلسطينيين.<br>في المعتاد، وفق المتوقع، فإن القارئ سينظر إلى العنوان ثم الصورة أو بالعكس، ولكن قلّما قرأ أو تنبه للكلام المكتوب على الصورة بعد «هول ما رآه وقرأه»، فبدل الغوص في تفصيل الصورة بحد ذاتها ليعرف أسماء الضحايا أو مكان التقاطها، سيهتم أكثر بقراءة المقال. إذاً هي مثل لعبة smoke and mirrors، بحيث يظهر لك الساحر شيئاً فيشغلك به، ثم ينفذ ضربته الكبرى. في الصفحة الثالثة، أكملت الصحيفة المقال، وهنا وضعت صورةً مشكوكاً بأمرها، صنعت بواسطة تقنيات الذكاء الصناعي الحديثة. هنا يتجلى كيف يعمل الإعلام الغربي في التعامل مع القضية والشعب الفلسطينيين منذ بدء أحداث «طوفان الأقصى». وكان عدد من الناشطين الإعلاميين أمثال الأميركي جاكسون هينكل، والمغني لو كي، أشاروا إلى هذه اللعبة الإعلامية التي باتت ظاهرة وبائنة. ولأنَّ الأمر بات أشبه بسباق بين الإعلام الغربي في محاولةٍ لتقديم الصهاينة بأحسن شكل، بدا أن القناة الأشهر بريطانياً والأكثر احترافيةً، وفق ما تشيع عن نفسها، منحازةً بشكلٍ فاضح للصهاينة وعدوانهم. مثلاً بمطالعة صغيرة لصفحة التلفزيون البريطاني على منصة أكس، يمكن ملاحظة طبيعة الأخبار المعنونة، وفحواها: «أنا لا آكل ولا أشرب» يقول زوجٌ لأمٍ حديثة الولادة فقدت بعد هجمات حركة حماس، «الآلاف من الناس قد قتلوا في إسرائيل وغزّة منذ السابع من الشهر الحالي»، «تكريمات كثيرة لمصور وكالة رويترز عصام العبدالله الذي قتل في جنوب لبنان إثر تطوراتٍ هناك»... مشكلة هذه العناوين أنها تظهر بوضح القصّة من طرفٍ واحدٍ فقط: الرواية الصهيونية. لا تخبر «من قتل عصام عبدالله»، ولا تشير في التغريدة/ الخبر إلى أنّ من قتل المصوّر هم الصهاينة عبر قصفهم سيارته من دون سببٍ منطقي، وأن التطورات المحكي عنها، لا شأن للعبدالله بها. الأمر نفسه في قصة الرجل الذي لا يأكل ولا يشرب، إنها قصة فارغة تقوم على الضغط العاطفي على القارئ، فيما تتجاهل أكثر من مليون إنسان يريد كيان الاحتلال رميهم من منازلهم وقتلهم غيلةً. أما العنوان الأكثر فجاجة، فهو مساواة القاتل بالضحية حين يشار «آلاف قتلوا». إنه اللعب على الكلام حتى في عدد الضحايا. وكان الإعلامي الإسكتلندي آلان مكلاود قد شارك فيديو لمحتجين في مدينة غلاسكو، جراء «تحيّز» الشبكة الواضح تجاه ما يحدث؛ وانتشرت صورٌ كذلك من تظاهرة كبيرة في لندن، توجهت صوب مقرّها، ورشّ الشبان الغاضبون جدران مكاتبها الأرضية برذاذ طلاء أحمر في تعبير عن مواقفها «المخزية» كما أشاروا. في المقابل، تمارس القناة البريطانية نوعاً من المراوغة على موقعها بالعربية، الذي يمكن متابعة عناوينه عبر تغريداتها على موقع أكس، إذ يمكن ملاحظة أن الأخبار بالعربية تختلف عن صفحتها الإنكليزية، ويمارس فيها نوعٌ من «التضامن» الخجول للغاية مع ما يحدث بحق الفلسطينيين، مع جملٍ فضفاضة من نوع: حرب غزة: «تركنا منازلنا ولا نعرف إلى أين سنتجه في الجنوب»، أو «كيف تبدو أنفاق حركة حماس السرية تحت قطاع غزة؟»، أو «يشير الإنذار الذي وجهته إسرائيل للفلسطينيين الذين يعيشون في غزة بضرورة الإخلاء للجنوب إلى أن المرحلة التالية من عمليتها العسكرية أصبحت وشيكة». إنه لعبٌ على الكلام، هل كانت «بي. بي. سي» ستنشر «معلوماتٍ سرية» عن أنفاقٍ سرية إسرائيلية إبان الحرب؟ ألم يكن ذلك ليعرّضها لتدمير مصداقيتها أوروبياً وغربياً؟ ماذا عن «تركنا منازلنا ولا نعرف أين سنتجه»؟ يظهر العنوان أن الشعب لا يؤيد حماس ولا المقاومة، وأنه «ضائع» وأن كلا الطرفين متساويان في القضية. أما العنوان الأخير عن الإنذار، فتظهر الإخبارية البريطانية كما لو أنه أمرٌ حكومي روتيني بسيط، كأن تقول الدولة يرجى وضع الأوشحة لأنّ هناك فيروساً منتشراً. التعامل بهذا التهاون والاستسخاف مع خبرٍ ثقيل وموجع بهذا الحجم يظهر مدى الضحالة التي تتعامل بها مع قرائها العرب.<br>وإذا كنا نتحدّث عن الانحياز الواضح، فإن الإعلام الأميركي كان الأسبق والأكثر تميزاً في هذا الموضوع، إذ إن قناة «الحرّة» مثلاً نشرت تعريفاً لمادة الفوسفور الأبيض، التي يستخدمها جيش العدو الصهيوني في القصف الحالي لمدينة غزّة، واستندت إلى مصادر عدّة خاتمة المقال بصورة عنونتها: «الفوسفور الأبيض غير محظور كسلاح كيماوي». إلى هذا الحد تطوّر الكذب في صنعة الإعلام هذه الأيام. إذ إن الأمر تعدى مرحلة نقاش إيقاف الحرب أو إجرامها، إلى تبرير وحشية إسرائيل بأي ثمن. أما «سكاي نيوز» فهي تمارس نوعاً من التقية الإعلامية، إذ سأل أحد إعلاميّيها رئيس وزراء حكومة العدو السابق نفتالي بينيت: «ماذا عن الأطفال المهددة حياتهم بسبب انقطاع الكهرباء؟» (ويقصد أطفال غزّة بعد قطع الاحتلال الكهرباء عن غزّة)، ليجيبه بينيت: «هل أنت جدّي؟ تسألني عن المدنيين في غزّة؟ ما الذي يجري معك؟» هذه الإجابة، والصمت الذي تلاها، يؤكد أنّ «سكاي نيوز» ليست متعاطفة، بل شريكة أيضاً. في مقابلة عبر الفيديو لمراسلة القناة الأميركية آنا بوتنغ مع الناطق العسكري باسم جيش الاحتلال بيتر ليرنر، تسكت وتستمع فيما هو «يعلّمها» كيف يجب أن تستقي الأخبار، مشيراً إلى أنه يجب «أن نكون حذرين وحريصين للغاية في الحكم قبل أن نرى الحقائق». فلنغيّر المشهد قليلاً: ماذا لو أن الناطق هذا كان باسم «كتائب القسام» أو «سرايا القدس»، هل كانت بوتنغ لتقبل بتلقينه إياها درساً في الإعلام؟ هل كانت لتبقى في وظيفتها في المحطة أصلاً؟</p> <p><strong><span style="font-size: 16pt;">«سكاي نيوز» حاولت ممارسة نوع من «التقية» الإعلامية</span></strong></p> <p dir="RTL">ولكي تكتمل الصورة، نشرت «هافنغتون بوست» مقالاً للكاتب أكبر شهيد أحمد، يشير فيه بذهولٍ تام، إلى مذكرةٍ داخلية أصدرتها وزارة الخارجية الأميركية لدبلوماسييها في الخارج، مادةً إياهم بإرشاداتٍ حول «الكلمات والتعابير والجمل» التي يجب أن يستخدموها في حديثهم عن العدوان الحالي على غزّة. وكانت الخارجية الأميركية قد طلبت من سفرائها عدم استخدام التعابير الثلاثة التالية: «وقف إطلاق النار/التقليل من التصعيد» ( de-escalation/ceasefire)، «إنهاء العنف/ سفك الدماء» ( end to violence/bloodshed)، و«حفظ الهدوء» (restoring calm). ويظهر من تحديد التعابير هذا أن الأميركي يريد أن يتجنّب الدبلوماسيون «الحد» من جموح كيان الاحتلال في عدوانه على غزّة وأهلها؛ وهذا الأمر كان الرئيس الأميركي الحالي بايدن قد أكده مراراً وتكراراً عبر دعمه اللامشروط وغير المحدود للاحتلال الصهيوني بدءاً من تبنيه قضية الأطفال الإسرائيليين مقطوعي الرأس التي أثبت كذبها، وصولاً إلى الطائرات المحمّلة بالعتاد والأسلحة الذي يصل تباعاً للكيان العبري.<br>في الختام، نشر المفكر الأميركي نورمان فينكلشتاين تغريدة عن اقتباس لكلام رئيس الوزراء الأول للعدو ديفيد بن غوريون في عام النكبة يقول فيها: «لم يبقَ لعرب أرض إسرائيل سوى مهمة واحدة وهي الهروب»، ثم أتبعها بأخرى مقارباً بين ما يقوم به «جيش» الاحتلال وخطة القتل التي أتبعتها جحافل المغول «ستقضي إسرائيل على كل ما يتنفس في النصف الشمالي من غزة ثم تعلنها منطقة أمنية إسرائيلية جديدة». إذاً هذا ما تطمح إليه حكومة الاحتلال، والإعلام الغربي يساعد في التستر على جرائمها الحربية والإنسانية ويشبّه مقاتلي المقاومة الفلسطينية بـ «داعش» ليُخيف الجماهير ويستمد الشرعية الشعبية والغربية لارتكاب نكبة جديدة في تاريخ الفلسطينيين.</p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="mso-margin-top-alt: auto; mso-margin-bottom-alt: auto; text-align: right; line-height: normal; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-family: ' simplified'; color: black;">نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 16-10-2023</span></p> <p class="MsoNormal"> </p>
اقرأ المقال
<h1 style="text-align: right;"><strong><span style="font-size: 16pt;">«الديمقراطية» الفرنسية تنكّل بالمناضلة مريم أبو دقة</span></strong></h1> <p style="text-align: right; line-height: 1.5;"><span style="font-family: arial, helvetica, sans-serif;">بقرار خاص صادر عن وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانين، اعتُقلت المناضلة الفلسطينية وعضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية مريم أبو دقة (1953) تمهيداً لترحيلها من البلد. كانت الغزّاوية ابنة بلدة عبسان في خان يونس، قد قدمت إلى فرنسا بتأشيرة دخول لمدة خمسين يوماً للمشاركة في مؤتمرات وندوات حول «النزاع» الإسرائيلي الفلسطيني، كونها ناشطة حقوقية ونسوية لما لها من جهود في تمكين المرأة الفلسطينية. لم يكن هذا القرار المجحف جديداً على المناضلة الفلسطينية، فهي في الأصل أسيرة محررة، اعتُقلت في سجون العدو الصهيوني مراراً إلى أن حكم الاحتلال عليها بالنفي عام 1970، فبقيت تتنقل بين بلدان العالم لمدة ثلاثين عاماً إلى أن قضت مدة نفيها واستطاعت العودة إلى فلسطين عام 1996.وضعت وزارة الداخلية الفرنسية أبو دقة قيد الإقامة الجبرية في مرسيليا جنوب فرنسا قبل انطلاقها إلى مدينة تولوز بسبب «تهديد تمثله للنظام العام في سياق توترات شديدة مرتبطة بالحرب بين إسرائيل وحماس». جاء هذا القرار وفقاً لصدور أمر بطردها «يتعذّر تنفيذه فوراً»، كما أعلنت منظمة «أورو باليستين» الفرنسية غير الحكومية. بذلك القرار، تُخيف فرنسا أبو دقة التي استُشهد عدد كبير من أفراد عائلتها في غزة هذين اليومين، وكل من يحاول التعبير عن رأيه وموقفه من القضية الفلسطينية، وتتهمه بالإرهاب وتأييده. لكنها «بلد الحريات» لا ترى في قمعها للكلمة والتظاهرة على حساب دعمها لكيان الاحتلال الصهيوني، أي تشجيع على الإرهاب والقتل والإبادة. التظاهرة المؤيدة للفلسطينيين ممنوعة، والكلمة المحقة ممنوعة، لكن إضاءة برج إيفل الشهير بعلم الاحتلال أمر حضاري تمارس فيه فرنسا حريتها وحرية جزء من الأوروبيين البيض في التعبير عن الرأي والمواقف السياسية. يبدو أننا أمام تناقضات في فكرتين: الأولى فرنسا بلد الحريات، والثانية في مكيالَي القياس اللذين تعتمدهما فرنسا في تحديد مفهوم الحرية وموضع ممارستها.</span></p> <p style="text-align: right; line-height: 1.5;"><span style="font-family: arial, helvetica, sans-serif;">في علم اللغة، هناك لازمات لغوية تأتي على لسان الناس وفي محكيّاتهم اليومية تجعلهم يستعملون تعابير معلّبة جاهزة للاستهلاك وفقاً لترتيب معين مثل القول: العدو الغاشم، الشيطان الأكبر. كذلك الأمر حين يذكر اسم فرنسا فتلزمه عبارة «بلد الحريات». لازمة تنجح في جعل «لا وعي» المستمع يربط هذه الكلمات بالفكرة لتصبح مؤكدة في وعيه وذهنه إلى الحد الذي تسأله في أي وقت عن الحرية في بلاد العالم، فيجيب بسرعة من دون تفكير: فرنسا، بلد الحريات. في الفلسفة اليونانية، تُعدّ الحرية أساس وجود المدينة الفاضلة بالنسبة إلى أفلاطون، إذ لا يقوم مجتمع مثالي إلّا بشرط تعزيز مبدأ الحرية للبشر سكان هذا المجتمع. لكن أفلاطون نفسه لم يكن عادلاً في طرحه مفهوم الحرية، إذ رأى أن الطبقة الحاكمة هي الأقدر على التفكير واتخاذ القرارات، فهي الوحيدة التي يحق لها التمتع بالحرية السياسية والتعبير الإيديولوجي. تعامل تلميذ سقراط مع الطبقة الدنيا بأنها لا تستطيع التفكير واتخاذ القرارات والمواقف السياسية، بعكس أستاذه الذي ربط بين الحرية والفضيلة، ووضّح بأن ممارسة الإنسان للفضائل هي دليلٌ على حريته، أما نزوحه للرذائل فدليلٌ على فقدانه الحرية، لأنه يصبح بذلك عبداً لهذه الأفعال المشينة. يحقّ للإنسان اكتساب حريته (أو انتزاعها)، فما من شخصٍ في هذا العالم يملك «الحق» في حرمان الآخر من حريته.</span></p> <p style="text-align: right; line-height: 1.5;"><span style="font-family: arial, helvetica, sans-serif;">لكن على ما يبدو أن الغرب لا ينفك يكيل بمكيالين مختلفين في مفهوم الحرية وممارستها. يحق لبلاد الحريات أن تعزّز حرية التعرّي وحرية إشهار المثلية وغيرهما من المواضيع التي تعدّها الحكومة الفرنسية خير تطبيق لحرية الأفراد والمجموعات، لكن إبداء الرأي والتعبير عن المواقف السياسية والانتماءات الدينية ليست ضمن مفهوم الحرية لدى فرنسا، فتتصرف بعنصرية مباشرة مع المسلمين على أراضيها، تحاول منعهم تارة من لبس الحجاب في المدارس الفرنسية، وطوراً تضيّق عليهم الحياة كما تفعل مع اللاجئين «غير البيض». تعطي فرنسا لنفسها الحق في قمع المتظاهرين دعماً للقضية الفلسطينية، ولا تستحي من حظر التظاهرات في الشارع العام بفرضها غرامات مالية باهظة تُخيف بها الأوروبيين والعرب من التعبير عن رأيهم. إذاً هي فرنسا ترى الحرية في فرض ما تريده الطبقة الحاكمة، وفقاً لرأي أفلاطون، فهذه الطبقة تمتلك القدرة على التفكير والتحليل واتخاذ القرارات الصحيحة، بينما عامة الناس باختلافات انتماءاتهم ومعتقداتهم وأشغالهم، ليسوا قادرين على اتخاذ القرارات الصحيحة.</span></p> <p style="text-align: right; line-height: 1.5;"><span style="font-family: arial, helvetica, sans-serif;">تخيف الحكومة الفرنسية المؤيدين للقضية الفلسطينية وتصفهم بـ«داعمين للإرهاب» وترهبهم في نزع «إنسانيّتها» عنهم، فيتجلى بوضوح هنا مفهوم الحرية لدى سقراط حتى نستلخص عقلانياً أنّ فرنسا تخلط بين الحرية والعبودية وبين الفضيلة والرذيلة، فهي في ادّعائها للحرية التي تحتكرها الطبقة الحاكمة تمارس الرذائل عبر دعمها غير المشروط للصهيونية وتشريعها لجرائم الحرب وإبادة الفلسطينيين. لكنها في المقابل تنتزع الحرية الحقيقية من الشعب الذي اختار بمحض إرادته من دون ترهيب أو ضغط أن يتظاهر ويندّد ويشارك رأيه السياسي والإيديولوجي والإنساني أولاً، في وقف المحرقة التي يمارسها الاحتلال الصهيوني في غزة منذ انطلاق معركة «طوفان الأقصى».</span></p> <p style="text-align: right;"><span style="color: #666666; font-family: 'Simplified Arabic', 'serif'; font-size: 18.6667px; text-align: justify;">نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 19-10-2023</span></p>
اقرأ المقال
<h1 style="line-height: 1.5;"><span style="font-size: 16pt;"><strong><span style="font-family: arial, helvetica, sans-serif;">المكارثية الصهيونية تطارد جوزيف مسعد</span></strong></span></h1> <div style="line-height: 1.5;"> <p><span style="font-family: arial, helvetica, sans-serif; font-size: 14pt; color: #34495e;">يتعرّض الأكاديمي الفلسطيني اليوم لحملة تهديدٍ ومحاولة قمع كلمته ورأيه والضغط لطرده من «جامعة كولومبيا». بعد مقاله «مجرّد معركة أخرى أو حرب التّحرير الفلسطينية؟» عن عملية «طوفان الأقصى»، أنشأت تلميذة عملت سابقاً صانعة محتوى لدى «جيش» الاحتلال الإسرائيلي تُدعى مايا بلاتيك، عريضةً بهدف الضغط على إدارة الجامعة لطرده</span></p> </div> <div> <p style="line-height: 1.5;"> </p> <p style="line-height: 1.5;"><span style="font-family: arial, helvetica, sans-serif;">ليست هي المرّة الأولى التي يتعرّض فيها الأكاديمي الفلسطيني جوزيف مسعد (1963) إلى التهديد ومحاولة قمع كلمته ورأيه، وعلى الأغلب لن تكون الأخيرة. مع أحداث أيلول 2001 التي هزّت الغرب ومنحته الذريعة لتفاقم عنصريته تجاه العرب والمسلمين، كان الأستاذ المساعد في السياسة والفكر العربي في «جامعة كولومبيا» آنذاك ينتظر فرصة تثبيته، فجاء الضغط على إدارة الجامعة من قِبل مجموعات اللوبي الصهيوني للعدول عن ذلك، لكنّها لم تُحقّق مبتغاها. وفي عام 2004، أي بعد وفاة المفكّر الفلسطيني الأبرز إدوارد سعيد صاحب نظرية الاستشراق الذي كان أستاذ مسعد ثم زميله في الجامعة، قام عددٌ من الطلّاب الأجانب بالادّعاء أنّ الدكتور في العلوم السياسية يضغط عليهم لموقفهم المؤيّد للكيان الصهيوني. لم يتوقّف الأمر عند ذلك، بل اتّهموه أيضاً بمعاداة للسامية، ما أغرقه أكثر في دوّامة الأخطاء المحرّمة في الغرب، وكان الهدف أن لا يولد أكاديميّ فلسطيني مؤثر في القضية الفلسطينية على خطى سعيد. لكنه تثبّت وبقي أستاذاً فيها بعدما جاء تحقيق لجنة الجامعة بتبرئته من تلك التهمة.</span></p> <p style="line-height: 1.5;"><span style="font-family: arial, helvetica, sans-serif;">يُعرف مسعد ابن مدينة يافا المولود في الأردن، الذي درس أميركا اللاتينية قبل أن ينال الدكتوراه من إحدى أقدم الجامعات الأميركية التي تُعد صانعة قادة الرأي في العالم من سياسيين (أمثال الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما) وعلماء متميّزين (بينهم الكيميائي لويس إي بروز الحائز جائزة نوبل، وإيميليا إيرهارت أوّل رائدة في الطيران الأميركي)، بأنّه شخصية «إشكالية». والإشكالية هنا لا تأتي بمعناها اللغوي المجرّد: وجود اشتباه أو التباس في شيء أو أمر أو شخص، إنّما بمثابة صفة يطلقها الغرب على الشخصيات ذات النتاج المعرفي التي تقدم طروحات لا يستطيع «الأبيض» في الغرب «هضمها» (digest)، إذ إنّها هامة ومتقدّمة لكنها في الوقت نفسه لا تخدم مصالحه. يرى مسعد أنّ مصطلح معاداة السامية (antisemitism) الذي يعرّفه الغرب على أنّه العداء لليهود والتحيّز ضدهم، لا يقتصر على اليهود فقط، بل يشمل التنميط السلبي للعرب والمسلمين والتحيّز ضدّهم. وبالتالي، فإنّ اليهود أنفسهم قد يكونون يمارسون العداء للسامية في تعاملهم مع الفلسطينيين والعرب. وبالفعل إن نظرنا إلى السامية على أنها تعود في أصلها إلى العرق السامي ولغاته المتعددة من بينها البابلية والآشورية والكنعانية والعربية والعبرية، وتتبعنا أولى استخدامات المصطلح من قبل الببليوغرافر وأحد مؤسسي اليهودية (غير المؤيدين للصهيونية) موريتز ستاينشنايدر (1816-1907)، فهو كان يطرح نقداً لنظرية تراتبية وطبقية الأعراق عند المؤرخ الفرنسي إرنست رينان، رافضاً فكرة أنّ العرق الآري يتفوّق على نظيره السامي من حيث الفهم والثقافة والمعرفة. أما استخدام الغرب للمصطلح منذ الهولوكوست، فقد انحصر في اضطهاد اليهود ومعاداتهم، ووظِّف كسلاح مخيف تجاه كل من يحاول الإشارة إلى جرائم الصهيونية بحقّ الفلسطينيين أو حتى نقد سياسات الكيان العبري وأفراده. كما يرفض صاحب كتاب «ديمومة المسألة الفلسطينية: مقالات بحثية حول الصهيونية والفلسطينيين» (2006)، فكرة أنّ العرب متخلّفون وأنّ الأوروبيين هم المثقفون والمتحضّرون، ويصرّح بشجاعة أنّ الأوروبيين بنوا حضاراتهم من استعمار البلاد العربية والأفريقية، وأنّ الصهاينة فعلوا مثل ذلك واستطاعوا أن يتحوّلوا ديموغرافياً إلى أكثرية يهودية في فلسطين عبر التطهير العرقي والاحتلال.</span></p> <p style="line-height: 1.5;"><span style="font-family: arial, helvetica, sans-serif;">قبل أن يتعرّف المتخصّص في دراسات الشرق الأوسط جوزيف مسعد إلى إدوارد سعيد، قرأ كتابه «الاستشراق» (1978) فوجده صعباً ومعقّداً، لكنه حين درس تحت إشراف سعيد أصبح يقضي حوارات طويلة معه واستمر على ذلك حين أصبح زميله في التعليم. ويمكن القول إنّ ما يحدث اليوم مع أستاذ الفكر العربي من ضغط صهيوني لطرده من الجامعة على إثر مقال نشره بعنوان «مجرّد معركة أخرى أم حرب التحرير الفلسطينية؟» (باللغة الإنكليزية) عن عملية «طوفان الأقصى»، ليس بالجديد أو المفاجئ. في عام 2000، تعرّض سعيد لحملات تشويه بوصفه «أستاذ الإرهاب»، وضغط الصهاينة على الأوروبيين مطالبين بطرده من «جامعة كولومبيا» بسبب انتشار صورة له وهو «يرمي حجراً على موقع إسرائيلي». في الحقيقة، كانت الصورة تلك تظهر سعيد وهو يرمي الحجر من دون إظهار وجهته، يرافقه المؤرخ اللبناني والأستاذ في الجامعة الأميركية في بيروت فوّاز طرابلسي الذي وضّح أكثر من مرّة، زمان ومكان الصورة. كان الاثنان في زيارة إلى جنوب لبنان بعد تحريره من الاحتلال الصهيوني الذي استمرّ ثمانية عشر عاماً. يومها شاركا في رمي الحجارة على برج مراقبة كان تابعاً للجنود الصهاينة على مقربة من بوابة فاطمة، والتقط الصورة مصوّر في «وكالة الأنباء الفرنسية» ثم نشرتها «يونايتد برس» لتبدأ حملة مطالبة باستبعاد سعيد عن الجامعة والندوات والمؤتمرات التي كانت مقررة مسبقاً مع مؤسسات أكاديمية أخرى. الأمر ذاته يحدث مع جوزيف مسعد منذ أن نشر مقاله في اليوم التالي لإعلان عملية «طوفان الأقصى»، مرفقاً إياه بصورٍ لمقاومي كتائب القسام (الجناح العسكري لحركة «حماس») خلال تنفيذهم للعملية. «ما الذي يمكن أن تفعله الطائرات الشراعية الآلية في وجه أقوى الجيوش في العالم؟ يبدو أنّ الكثير في أيدي المقاومة الفلسطينية المبتكرة، التي شنّت في وقتٍ باكر من صباح يوم السبت هجوماً مفاجئاً على إسرائيل جواً وبراً وبحراً. وفي الواقع، كما تُظهر مقاطع الفيديو المذهلة، أصبحت هذه الطائرات الشراعية هي القوة الجوية للمقاومة الفلسطينية». كتب مسعد على موقع «إلكترونيك انتفاضة» بكلامٍ مباشر يصف العملية بـ«المذهلة» (stunning). الموقف لم يتحمّله الأوروبيون الصهاينة مطلقاً، وشنّوا عليه حملات ضغط تطالب بطرده وتضييق الفرص عليه، بدءاً من التوقيع على عريضة أنشأتها في 13 تشرين الأول (أكتوبر) تلميذة عملت سابقاً صانعة محتوى مع «جيش» الاحتلال الإسرائيلي تُدعى مايا بلاتيك التي تقول حسب موقع «ميدل إيست آي»: «يشعر الكثير من الطلاب أنهم غير آمنين في وجود أستاذ يدعم قتل المدنيين..» في المقابل، انقسمت المواقف في الجامعات الأميركية بين مؤيّد ومبرّر وداعمٍ للإبادة التي يقوم بها العدو الصهيوني في غزة، وبين معارضٍ للمحرقة الجديدة؛ أو النكبة الثانية.</span></p> <p style="line-height: 1.5;"><span style="font-family: arial, helvetica, sans-serif;">بعد يومين من انتشار العريضة على وسائل الإعلام الرئيسية مثل «فوكس نيوز»، صدرت رسالة مفتوحة مضادّة باسم طلاب وخرّيجي وأساتذة «جامعة كولومبيا» وجامعات أخرى، تتضامن مع مسعد وتطالب بشجب العريضة لأنّها عمدت إلى النيل من سمعة الأستاذ الجامعي والتشهير به، كما أنه تعرّض إلى تهديدات بالقتل. وجاء فيها: «نشعر بقلقٍ بالغ إزاء التهديدات العديدة الصادرة ضد حياة البروفيسور مسعد وحريته في التعبير الأكاديمي. نحن نعتبر أنّ هذه محاولات للحد من البحث الفكري وخنقه بشأن مسألة ذات أهمية أخلاقية وسياسية وفكرية هائلة لقسمنا وخارجه. إنّ الفشل في إدانة هذه الهجمات هو بمثابة التغاضي عن الكراهية والمضايقات التي نعارضها بشدة».</span></p> <p style="line-height: 1.5;"><span style="font-family: arial, helvetica, sans-serif;">الجدير بالذكر أنّ التضييق على الأكاديميين المناصرين للقضية الفلسطينية أو أولئك الذين يقفون في صفّ الفلسطينيين بعد رؤيتهم للمجازر التي يرتكبها الاحتلال بحقّ أهل غزة منذ أسبوعين، يتمدّد بين الدول الغربية ويطال أيضاً الطلاب بحيث تعرّض طلاب «جامعة هارفارد» الذين وقّعوا على رسالة تحمّل مسؤولية الحرب والجرائم للكيان الصهيوني، إلى فضح معلوماتهم الشخصية وصورهم وأماكن إقامتهم. هذا المناخ السائد في الغرب تجاه الحرب دفع باتحاد أساتذة «الجامعة الأميركية» في بيروت إلى إصدار بيان بصفتهم تجمّعاً مستقلاً في الجامعة، أعربوا فيه عن «تضامنهم الكامل وغير المشروط مع الشعب الفلسطيني على خلفية الجرائم التي يرتكبها الكيان الصهيوني الآن في غزة من دون خوفٍ من أي محاسبة». وختم البيان بوقوفهم إلى جانب زملائهم من الأساتذة والطلاب في الجامعات والمؤسسات الأكاديمية في الغرب وفي فلسطين المحتلة «الذين يواجهون اعتداءات ومحاولات لتكميم أفواههم عبر اتهامهم بمعاداة السامية أو بنشر خطاب الكراهية لدى التعبير عن دعمهم للقضية الفلسطينية».</span></p> <p style="line-height: 1.5;"><strong><span style="font-family: arial, helvetica, sans-serif; font-size: 16pt;">ما الذي يمكن أن تفعله الطائرات الشراعية الآلية في وجه أقوى الجيوش في العالم؟ يبدو أنّ هناك الكثير في أيدي المقاومة (ج.م)</span></strong></p> <p style="line-height: 1.5;"><span style="font-family: arial, helvetica, sans-serif;">يستعمل الغرب -الصهيوني الهوى- مصطلح معاداة السامية بكثرة لإخافة الفلسطينيين والعرب وغيرهم من الناشطين والصحافيين والأكاديميين حتى الغربيين منهم، فهي تهمة لا يستطيع الفرد التخلّص منها بسهولة وتُعد بمثابة إعلان لسحب الامتيازات الإنسانية والأكاديمية الممنوحة من قبل الأميركيين والأوروبيين للمستفيدين منها. هذا الأمر يأخذنا إلى نقد الفجوة بين النظرية والتطبيق، بين ادعاء الحرية والديمقراطية في الغرب وتطبيقها على أراضيهم ومواطنيهم قبل أي شعب آخر. يمكن مقاربة الفكرة لما فعلته دكتورة العلوم السياسية الأميركية سوزان باك-موريس حين كتبت مقالها «هيغل وهايتي» (2000) ثم كتاب «هيغل وهايتي والتاريخ العالمي» (2009) في نقد فكر فيلسوف المثالية الألمانية هيغل الذي يُعد أحد أهم الفلاسفة الألمان. حينها رأت سوزان في كتابها أن التناقض واضح بين الفكر والتطبيق لدى هيغل والغرب عموماً، فهو الذي نظّر لمبدأ الحرية وجذورها في حقبة التنوير في أوروبا في القرنين السابع والثامن عشر، وجاءت أفكاره ونظرياته عن السيد والعبد والحرية نتيجة إلمامه بثورة هايتي (1791) التي لم تكن ثورة خفية أو بعيدة عن التغطية الصحافية، لكنه تجاهلها بالكامل فبقيت نظرياته وفلسفته عن الحرية محصورة في إطار أوروبي عنصري، وخصوصاً في ظلّ المناهج الجامعية في العلوم الاجتماعية التي تدرّس فلسفة هيغل التي تتجنب أو تستثني التطرّق إلى تأثير ثورة هايتي ضد الرق والاستعمار. إذاً هذا هو الغرب، نظرياته وأفكاره قابلة للتطبيق إذا ما مورست وفقاً لشروطه وبناءً على مصالحه السياسية والاقتصادية، أما أن يحاول الفرد تطبيقها وفقاً للمنطق وحسب الحقائق الواقعية، فذلك أمر محرّمٌ، ولربما كفر بأصحاب الحضارة والعرق الأسمى.</span></p> <p style="line-height: 1.5;"><strong><span style="font-family: arial, helvetica, sans-serif;">عريضة مضادّة: الحرية الأكاديمية مقدّسة</span></strong></p> <p style="line-height: 1.5;"><br><span style="font-family: arial, helvetica, sans-serif;">رداً على عريضة 13 أكتوبر، انطلقت عريضة مضادّة بعنوان «رسالة تضامنية مع حقّ البروفسور جوزيف مسعد بالحرية الأكاديمية» تدين الحملة على مسعد وتطالب رئيسة «جامعة كولومبيا» نعمت شفيق بـ «ضمان أمنه الجسدي وحريته الأكاديمية». ومن الموقعين عليها: جوديث باتلر، ووائل حلاق. هنا نصّها: «في ضوء التهديدات والهجمات المستمرة بالقتل التي يتلقاها البروفيسور جوزيف مسعد بسبب مقالته «مجرد معركة أخرى أو حرب التحرير الفلسطينية»، نحن، الموقّعون أدناه، طلاب وخريجو «جامعة كولومبيا»، وأعضاء هيئة التدريس والمنتسبون والباحثون من خارج «جامعة كولومبيا»، نعبّر عن تضامننا الثابت مع البروفيسور مسعد، الذي أكسبه تعليمه وأبحاثه حول فلسطين والشرق الأوسط والجنوب العالمي على نطاق أوسع لأكثر من عقدين من الزمن، إعجابنا الثابت. نطلب من أعضاء هيئة التدريس الانضمام إلينا في مطالبة الرئيسة شفيق بضمان سلامته الجسدية وحريته الأكاديمية بشكل لا لبس فيه، وكذلك سلامة أعضاء هيئة التدريس والطلاب في جامعتنا على نطاق أوسع. ندين العريضة التحريضية والتشهيرية التي وُزّعت في 13 أكتوبر 2023 من قبل طالبة من «جامعة كولومبيا» ومنتسبة سابقة لـ «جيش الدفاع الإسرائيلي» تدعو إلى عزل البروفيسور مسعد من «جامعة كولومبيا» بسبب ممارسة حقّه في الحرية الأكاديمية. وقد عُمّمت هذه العريضة في سياق نشرت فيه وسائل الإعلام المهيمنة مثل «فوكس نيوز» و«جيروزاليم بوست» مقالات تحرّف آراء البروفيسور مسعد على أنها «تتغاضى عن الإرهاب وتدعمه»، ما أدى إلى زيادة الهجمات ضدّ حريته الأكاديمية وسلامته الشخصية. كما نشعر بقلقٍ بالغ إزاء التهديدات العديدة بحقّ البروفيسور مسعد وحريته في التعبير الأكاديمي. نحن نعتبر هذه محاولات للحدّ من البحث الفكري وخنقه بشأن مسألة ذات أهمية أخلاقية وسياسية وفكرية هائلة لقسمنا وخارجه. إن الفشل في إدانة هذه الهجمات هو بمثابة التغاضي عن الكراهية والمضايقات، التي نعارضها بشدة. هذا هو الوقت الذي أصدرت فيه الجامعة دعوات لحماية حرية التعبير في الحرم الجامعي، كما هي الحال في رسالة إلكترونية بعثها العميد المؤقت دينيس ميتشل إلى مجتمع الحرم الجامعي في 12 أكتوبر 2023 مؤكداً فيها أنّ جامعتنا كانت دوماً منارة لحرية التعبير والحوار المفتوح، وتعزيز مجتمع متنوع وشامل حيث يمكن تبادل الأفكار والآراء بحرية. حرية التعبير قيمة أساسية نعتزّ بها، تعزّز النمو الفكري والتفكير النقدي واستكشاف وجهات نظر مختلفة. نأسف لفشل الرئيسة شفيق في التواصل مع مجتمع كولومبيا المتنوّع بأكمله في بيانها العام الذي خلق مناخاً في الحرم الجامعي سمح لهذه التهديدات بالتكاثر، ما هدّد سلامة وأمن ورفاهية أعضاء هيئة التدريس والطلاب الذين أسهموا في ترسيخ سمعة الجامعة في دراسات الشرق الأوسط. إنّ الفشل في إظهار الاهتمام والالتزام تجاه مجتمع كولومبيا المتنوّع برمّته ــــ وهو مجتمع يضم العرب والمسلمين واليهود المناهضين للصهيونية ومنتقدي السياسات الإسرائيلية التي تقمع الحرية الفلسطينية ــــ لا يليق بمؤسسة رائدة في التعليم العالي. إننا ندين الرئيسة شفيق لإهمالها الواجب الأساسي الذي تدين به الجامعة لأعضاء هيئة التدريس والطلاب في جامعة كولومبيا. نحن ننظر إلى إخفاقات الرئيسة شفيق كجزء لا يتجزأ من سجل الجامعة الحافل بإهمال حماية الحرية الأكاديمية في الحرم الجامعي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقسمنا الخاص بدراسات الشرق الأوسط. في عام 2004، كان الأساتذة جوزيف مسعد، وجورج صليبا وحميد دباشي موضوع فيلم وثائقيّ تشهيري بعنوان Columbia Unbecoming الذي كاد أن يكلف البروفيسور مسعد عمله في الجامعة وغرس ثقافة الخوف والانتقام في فصولنا الدراسية. نحن نعتقد أنّ إهمال جامعة كولومبيا هدّد المهمة الفكرية لقسمنا عبر تعزيز تزعزع البحث الأكاديمي والتعبير. إن الهجمات الحالية ضد البروفيسور مسعد هي استمرار لهذه المحاولات المستمرة منذ عقود لفرض الرقابة عليه وترهيبه بسبب أبحاثه الدقيقة حول فلسطين. يجب أيضاً وضع هذه الهجمات في السياق الأوسع للعنصرية الراسخة المتمثلة في كراهية الإسلام والعرب والفلسطينيين التي لا يزال قسمنا هدفاً لها، وقد فشلت الجامعة في إدانتها، ولا سيّما في ضوء الهجمات اللفظية والجسدية المستمرة ضد البالغين والأطفال الفلسطينيين والمسلمين والعرب في حرمنا الجامعي وفي جميع أنحاء العالم. ندعو «جامعة كولومبيا» والرئيسة شفيق للدفاع عن مجتمع كولومبيا من الهجمات المستمرة والمستقبلية على المهمة الفكرية لجامعتنا وإلى:</span></p> <p style="line-height: 1.5;"><span style="font-family: arial, helvetica, sans-serif;">1. تحديد ومحاسبة الفرد (الأفراد) المسؤولين عن وضع التهديد بالقتل تحت باب مكتب البروفيسور مسعد. نطالب بمحاسبة الفرد (الأفراد) المسؤولين عن التحريض على العنف علناً، وإذا تم تحديده على أنه تابع لكولومبيا، فسيتم إنهاء عمله على الفور أو حظره من الحرم الجامعي.</span></p> <p style="line-height: 1.5;"><span style="font-family: arial, helvetica, sans-serif;">2. فتح تحقيق شفّاف مع الأفراد الذين وجهوا تهديدات بالقتل إلى أرقام الهواتف الشخصية والعملية وعناوين البريد الإلكتروني للبروفيسور مسعد.</span></p> <p style="line-height: 1.5;"><span style="font-family: arial, helvetica, sans-serif;">3. إصدار بيان على مستوى الجامعة يدعم بشكلٍ لا لبس فيه حقّ البروفيسور مسعد في الحرية الأكاديمية على النحو المبيّن في بيان مهمة الجامعة، وضمان حماية أعضاء هيئة التدريس غير الدائمين في «جامعة كولومبيا» من الانتقام بسبب تعبيرهم عن دعمهم لتحرير الفلسطينيين و/ أو إدانتهم لهجمات الإبادة الجماعية الإسرائيلية على غزة؛ الاعتراف وإدانة أعمال العنف والخطابات المناهضة للعرب والفلسطينيين والمعادية للإسلام في الحرم الجامعي وإدانتها بشكلٍ لا لبس فيه؛ وتأكيد التزام الجامعة تجاه طلبتها وأعضاء هيئة التدريس الفلسطينيين والعرب والمسلمين.</span></p> <p style="line-height: 1.5;"><span style="font-family: arial, helvetica, sans-serif;">نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 25-10-2023</span></p> </div>
اقرأ المقال
<h1><span style="font-size: 16pt;">المقاومة تربح معركة الأرض... والصورة أيضاً</span></h1> <p style="font-size: medium; font-weight: 400;"><span style="font-size: 12pt;">بدا المشهد سوريالياً. محطات التلفزة الفضائية ــــ لا اللبنانية ــــ تنقل ما يحدث لحظةً بلحظة في غزّة وغلافها: شبانٌ غاضبون يحملون بنادقهم ويحرّرون «مغتصبات» (التسمية الأدق للمستوطنة الصهيونية) ما يسمى بمنطقة «غلاف غزّة» وفق التعبير الجيوسياسي. إنها إذاً مرحلة جديدة من التغطية الإعلامية في القضية الفلسطينية. في عام 2014، دخلت القضية الفلسطينية عالم السوشال ميديا، يومها كُسر الاحتكار الكبير لقنوات التلفزة الكلاسيكية صاحب الرأي الواحد، والتوجه الواحد أمام الصورة الحقيقية والمباشرة التي يصوّرها «متابعٌ/مراقب» للحدث يسجله بشكلٍ مباشر عبر آلةٍ بسيطة (هاتف خليوي أو ما شابه) ويبثه بالمباشرة نفسها من دون أي تعديل –إلا في ما ندر- ليتلقّفه ملايين المتابعين حول العالم. يومها كُسرت دائرة «المعتاد» في نقل الخبر الفلسطيني، وأصبح أصحاب الخبر هم صنّاعه، وانتشر الخبر الفلسطيني كما هو من دون «مواربات»؛ وإن ظلت قنوات التلفزة الكلاسيكية تمتلك ميزة «التحليل» و«التعليق» وحتى «التدليس».</span></p> <p style="font-size: medium; font-weight: 400;"> </p> <p style="font-size: medium; font-weight: 400;"><strong><span style="font-size: 14pt;">«صليات» الفيديو و«رشقات» الصور</span></strong></p> <p style="font-size: medium; font-weight: 400;"><span style="font-size: 12pt;">منذ الصباح الباكر أول من أمس السبت، بدأت بشائر المشاهد لما يحدث: شارعٌ أنيقٌ ونظيفٌ بشدة، يبدو من خارج «فلسطين». إنها إذاً مستوطنة صهيونية، كما يشير الفيديو المصوّر بواسطة هاتف خليوي. شبان ملثّمون بالحطّة الفلسطينية، يحملون بنادقهم الآلية بكثيرٍ من الفخر، ويدورون في هذه الشوارع. «إنه أمرٌ لا يُصدق»، يعلق أحد المتابعين على منصة «أكس». فعلياً إنه أمرٌ لا يصدق، هذه المستوطنة «سديروت» هي الأقرب إلى غزة، وقلب ما يسمّى بالعمل الصهيوني العسكري الممنهج تجاه غزّة. سرعان ما بدأت الصور والفيديوات تنتشر بشكلٍ ممنهج أقرب إلى «الرشقات» أو «الصليات» الصاروخية. كانت صوراً لا تصدق فعلياً: إنهم مقاومون فلسطينيون لا يقتحمون المواقع الصهيونية فحسب، بل يعتقلون جنوداً صهاينة يبدو عليهم الرعب الشديد، من هول المفاجأة والصدمة. كان معظم الجنود الصهاينة بثيابهم الداخلية، كما لو أن وقع المفاجأة عليهم كان شبيهاً بوقع المفاجأة على المتابع على السوشيال ميديا. كيف لهذا أن يحدث بهذه الطريقة؟ بدا أنّ «الجيش الذي لا يقهر» بحسب التوصيف الدائم لوسائل الإعلام الكلاسيكية «أوهن من بيت العنكبوت» كما يقول السيد حسن نصر الله. الجملة سرعان ما اقتبسها كثيرون في التعليقات على الصور والفيديوات لمجندي جيش الاحتلال العدو وهم في إطار الأسر.</span></p> <p style="font-size: medium; font-weight: 400;"><span style="font-size: 12pt;">لم يتوقف الأمر عند ذلك، بدا الإعلام العسكري التابع للمقاومة الفلسطينية ذكياً بما يكفي كي ينتشر أفقياً وعمودياً على وسائل التواصل الاجتماعي، فذهب إلى التيك توك وبدأ بنشر فيديواته بذكاء واحترافية. شاهدنا مجموعات «الصقر» تقتحم مواقع صهيونية في تدريباتٍ لإظهار أن ما حدث على الأرض والواقع اليوم هو أمرٌ غير عفوي. إنه عملٌ دؤوبٌ ومستمر. سرعان ما تضاعف الأمر وحتى قبل استيقاظ معظم الناس. في الساعة الثامنة كان الموعد مع خطابٍ صوتيٍ لمحمد الضيف، «أبو خالد»، قائد الجناح العسكري لكتائب الشهيد عزالدين القسام، أحد أهم قادة المقاومة الفلسطينية حالياً. لطالما كانت خطابات الضيف تحمل معنى رمزياً، إذ قلّما يتحدّث وهو لا يفعل ذلك إلا ليقول شيئاً خطيراً. أن يخطب في الساعة الثامنة، يعني أنّ ما حدث عظيمٌ للغاية. كل هذا كان يحدث بسرعةٍ بالغة عبر السوشال ميديا التي تحولت في لحظةٍ تاريخية إلى متحدث باسم المقاومة في غفلةٍ عن مُلّاكها الغربيّين.</span></p> <p style="font-size: medium; font-weight: 400;"><strong><span style="font-size: 14pt;">تحوّلت السوشال ميديا إلى متحدث إعلامي باسم المقاومة في غفلةٍ عن مُلاكها الغربيّين</span></strong></p> <p style="font-size: medium; font-weight: 400;">لاحقاً، بدأت صورٌ متوازية بالعمل معاً: صور الناس وردات أفعالهم، الصور والفيديوات المرسلة من الإعلام الحربي، ردة فعل الصهاينة، والأهم من ذلك صور الأسرى من ضباط جيش الاحتلال، وجنوده، ومستوطنيه. عاد المشهد السوريالي للظهور من جديد بقوة أكبر: شبانٌ فلسطينيون يركبون دبابة ميركافا صهيونية، مذكّرين بما حدث في عام 1982 حين أسر مقاومون لبنانيون وفلسطينيون دباباتٍ مماثلة على إثر مواجهات بطولية في خلدة. لم تتوقف التشبيهات عبر السوشيال ميديا هنا: انتشرت صورة من «عبور خط بارليف» ممهرة بتاريخها 6-10-1973 وصورةٍ لجنودٍ صهاينة أسرى بمهر تاريخ 7-10-2023، في إشارةٍ إلى أنّ النصر واحد. في إطارٍ موازٍ، بدأت صور الناس المحتفلين بالانتشار بشكلٍ أقوى وأسرع. اللافت أنه لم يكن بإمكان «لوغاريتمات» السوشيال ميديا محاصرة الأمر، ملاحقته والقضاء عليه، بسبب تدفقه الشديد والسريع ربما. انتشرت صور المواطنين الغزّيين المحتفلين بالأسرى الصهاينة: يكبّرون، يصرخون، يرفعون رايات النصر، ويركبون الدبابات المحترقة والمصادرة. إنه فرحٌ بالنصر، هنا أيضاً عادت الذاكرة بإحدى صفحات السوشيال ميديا لتقارن مع انتصار عام 2000 في لبنان، وتعتبر ما يحدث «بدايةً مباركة» و«فاتحة نصر».</p> <p style="text-align: right;">الهاشتاغات كانت كثيرةً هنا، فانتشرت وسوم مثل «سنَعبر»، و«الطريق إلى المنزل»، و«أوهن من بيت العنكبوت»، و«فلسطين حرة»، و«سنحرّرها»، و«عبَرنا» وسواها الكثير وكلها كتبها شبانٌ يشعرون بأن ما فعله ويفعله المقاومون الفلسطينيون هم فعلوه، وهم شركاء أصيلون فيه. بدا الشعب الفلسطيني مزهواً بانتصاره، غير مصدقٍ لما يحدث. لم يكن سكان غزة يحلمون بأكثر من ذلك، وهنا يستعاد نص محمود درويش «لسنا نحلمٌ بأكثر من ذلك». مشهد المجنّدين الصهاينة المصوّر عبر تقنياتٍ حديثة ومن خوذات المقاومين، يظهر بوضوح أنَّ المجندين الصهاينة أُخذوا بالمفاجأة، حتى إنّهم لم يستطيعوا ارتداء ملابسهم، بل إن بعضهم –بحسب صور جثثهم- قد ارتدوا جعبهم وحملوا بنادقهم فوق ثيابهم الداخلية: كان الأمر مفاجأة مدهشة. هذه المفاجأة جعلت أهل غزة ينطلقون في الشوارع بشكلٍ كرنفاليٍ احتفالي: زوجات وأمهات مقاومين وشهداء يرفعن عالياً بنادق أسرها المقاومون من جنود صهاينة. مجنداتٍ صهيونيات يجررن في شوارع غزّة بعدما كن يعرضن «كل من يمرّ أمامهن» للإذلال كما أشارت إحدى المعلقات التي تبدو أنها كانت أسيرة لدى الاحتلال.</p> <p style="font-size: medium; font-weight: 400;">في لبنان، وعبر العالم العربي، انطلقت حملات الاحتفال: انتشرت حول أماكن الوجود الفلسطيني كمخيمات العائدين، توزيعات للحلوى وانتشرت الأغنيات الوطنية والحماسية مطلقةً العنان لأحلام الناس بالعودة كما لو أن بشائرها قد آنت. الدعم الشعبي انتقل من الواقع الافتراضي ومواقع التواصل إلى الواقع المعاش، فصدحت جوامع ومساجد بيروت بتكبيرات العيد والانتصار، ووزعت الحلوى في ضاحية بيروت الجنوبية وتعلبايا وبيصور والمتن الشمالي وطرابلس، ومناطق لبنانية كثيرة على امتداده الجغرافي، وانطلقت مسيرات سيارةٌ وراجلة في شوارع المدن تغرد أغنيات المقاومة وتمجّدها. المشهد نفسه تكرر هذه المرة من تونس، فانتشرت فيديوات لرجالٍ بثيابهم التقليدية أو العربية، يرفعون علم فلسطين وأصوات الموسيقى والأهازيج تزغرد في الخلفية، مع رجالٍ ونساءٍ وأطفال من مختلف الأعمار ينشدون فلسطين. في موازاة ذلك، كان الإعلام العسكري للمقاومة ينشر صوراً أشد قوة وتأثيراً: شبانٌ فلسطينيون مقاومون ينزلون بالمظلات ومن السماء على مواقع الصهاينة، ومستوطناتهم. هنا بدأت الصورة تتضح شيئاً فشيئاً، إذاً كان الاقتحام البري مكملاً لاقتحامٍ جوي، وهذه كانت ربما المرة الأولى التي تستخدم فيها المقاومة الفلسطينية «الإنزال الجوي» و«الإسقاط الجوي البشري» كسلاحٍ مباشر. هذا الأمر أيضاً استدعى مقارنةً على السوشال ميديا مع عملية «قبية» الفلسطينية الشهيرة لـ «الجبهة الشعبية-القيادة العامة» التي نفذها البطلان الشهيدان السوري خالد أكرر والتونسي ميلود بن ناجح نومة اللذان اقتحما بطائرتهما الشراعية، معسكراً لوحدة جولاني، وأرديا جنود العدو بين قتلى وجرحى. عند الساعة الثانية عشرة تقريباً، طلع «المحبب» ذو الكوفية الحمراء، أبو عبيدة، الناطق باسم كتائب القسام، الذي بات جزءاً من قوة الحرب الإعلامية للمقاومة: قال ما يجب أن يقوله. ربما هو لم يكشف الكثير، فالسوشال ميديا كانت قد أضحت أمّ الخبر وأصله: صيدٌ كبير للمقاومة وانتصارٌ عظيم، جنرالٌ صهيوني كبير، يدعى نمرود ألون، يحمل رتبة قائد «لواء» غزة في قبضة المقاومة، ناهيك بعددٍ كبير من الأسرى الصهاينة. بدا أن الصهاينة يريدون رداً سريعاً، فخرج «المنسق» ليهدد الفلسطينيين وأهل قطاع غزّة تحديداً: «إن ما فعلته حماس كبير». إنها اللعبة الدرامية عينها: أن تعزل المقاومة، وأن تجعلها مرتبطة بحماس وحدها، فيما هي «كل الناس» لا حماس وحدها. انتشر الفيديو سريعاً، لكنه خفت بالسرعة نفسها وبدا تأثيره خلبياً تافهاً: كانت فرحة الناس أكبر، وأقوى وأعم، وخصوصاً مع انتشار فيديو قصير للشهيد باسل الأعرج قائلاً: «متكتكينها مزبوط الشباب» حيث كان المثقف المشتبك يتحدّث عن عملية سابقة للمقاومة، بدا فيه كما لو أنه كان عالماً بعملية «طوفان القدس» و«تكتكتة» المقاومين «المزبوطة» فيها.</p> <p style="font-size: medium; font-weight: 400;"><strong><span style="font-size: 14pt;">الإعلام العسكري ذهب إلى التيك توك وبدأ بنشر فيديواته بذكاء واحترافية</span></strong></p> <p style="font-size: medium; font-weight: 400;">في هذا الوقت، بدأت السخرية المدهشة والمعتادة في الحالات المشابهة، فانتشر تسجيلٌ صوتي، لا يعرف مصدره أو أصله، يدعو المواطنين الغزّيين، بلغة واثقة: «كل من أخذ أسيراً صهيونياً وخبأه في منزله، ندعو إلى إعادته كي يتم إحصاء الأسرى». هذا التسجيل الصوتي أعقبه «مشاهد» لمجنداتٍ صهيونيات ألبستهن المقاومة ثياباً جديدة أو بيجامات حمراء. كانت السخرية هذه المرة متجهةٍ أكثر صوب أنَّ «ادعاء البراءة» هذا كاذب وأنهن قاتلات ومقاتلات في جيشٍ للقتلة، كان يقتل الفلسطينيين ويذلهم ويهينهم بشكلٍ يومي. لذلك إن التعاطف من أي نوعٍ معهن مرفوض. وبدا الفرح كبيراً، مع بوستات من نوع: «ناطرين نفس السيناريو بالجليل. والله عم احسبها أديش بدنا لنوصل إذا طلعنا من المخيم»، أو «نكتة سريعة: الجيش الذي لا يقهر»، و«ما أجمل أن يعرف الأشخاص مكانهم الحقيقي» مع صورة لجنود صهاينة مختبئين داخل حاويات نفايات وجملة «أحدث الملاجئ في الكيان» على الصورة نفسها، و«أهل غزة مش ملحقين زق ونقل»، و«مطلوب شباب بتقدر تحمل أكتر من 10 طن بالنقلة الواحدة». بدا الفرح عارماً، ولأن الفرح جامع، شارك حتى المشجعون الرياضيون فرحهم، فأشار بوست فيسبوكي: «إذا الله راد، «العهد» رح يلعب مع فريق «جبل المكبر» على أرضه في فلسطين».</p> <p style="font-size: medium; font-weight: 400;"><strong><span style="font-size: 14pt;">محاولات لتشويه النصر</span></strong></p> <p style="font-size: medium; font-weight: 400;">انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، محاولات من كثيرين للتعاطف مع صور مجندات صهيونيات يجرهن مقاومون، فكانت تعليقات مؤذية ضمن منطق «العنف ضد المرأة» و«القمع الإسلامي» وسواهما. لكن سرعان ما تم الرد عليه مع فضح أن هؤلاء الفتيات هن مقاتلات في جيش الاحتلال، ومعظمهن شارك بشكلٍ فعلي إما في قتل نساء ورجال وأطفال فلسطينيين وعرب، أو على الأقل في إذلالهم وقمعهم على حواجز الاحتلال المحيطة بقطاع غزة والأراضي الفلسطينية كافة. جاءت معظم الردود بشكلٍ منطقي وعقلاني مع تصدير صور المجندات ببنادقهن لإظهار أنّها معركة بين محتلٍ للأرض وصاحب الأرض. لا يخفى على أحد هنا أنَّ لعبة «بوستات» مواقع التواصل، كما بعض «الشخصيات المشبوهة»، فضلاً عن «الصحافيين الصهاينة» الناطقين بالعربية، قائمة أساساً على تسخيف الصورة العربية وتكذيبها، وتصدير رؤية معاكسة، والأهم من ذلك تقديمها مخالفةً لـ «الديمقراطية الغربية» وضوابطها.</p> <p style="font-size: medium; font-weight: 400;"><span style="font-size: 14pt;">نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 9-10-2023</span></p>
اقرأ المقال
<h1><span style="font-size: 16pt;">الإعلام اللبناني في La La Land</span></h1> <p>إنه الحدث الأهم لربما عبر الوطن/ العالم العربي والإسلامي: إنها فلسطين، وقضيتها، وخصوصاً مع حدثٍ كبير بهذا الحجم كـ «طوفان القدس». اختارت بعض محطات التلفزة اللبنانية دفن رأسها في الرمال، على اعتبار أنّ لا شأن لها بما يحدث، وأكملت كما أشارت تغريدة للنائب اللبناني اللواء جميل السيد حين أشار بالحرف: «العالم كله متسمِّر على محطات التلفزة، كل القنوات العربية والأجنبية من دون استثناء عدّلت برامجها نحو البث المباشر لعملية المقاومة من غزّة حتى هذه اللحظة، إلا معظم المحطات اللبنانية الرئيسية التي تتابع اليوم برامجها العادية من الطبخ إلى المسلسلات!! أي كلمة سِرّ هي تلك التي منعت تلك المحطات من نقل هذا الحدث التاريخي اليوم؟». إذا هي «كلمة سرّ» بحسب السيد، وبحسب كثيرين آخرين غيره، أشاروا إلى أنَّ ما يحدث كبيرٌ وجلل، لكن مع ذلك، غابت الصورة ربما ضمن منطق revolution will not be televised.</p> <p>غطت قنوات محور المقاومة الثلاث المعروفة الحدث. كعادتها، خصّصت «المنار» كل بثها أول من أمس في خدمة الحدث، فهذا «أُس» وجودها، وسببه وأصله: أن تغطي المقاومة، أحداثها، فكيف إذا كان الأمر مرتبطاً بتحرير فلسطين. الـ «أن. بي. أن» فتحت البث بشكلٍ مشابه، وركّزت على متابعين ومداخلين يشاركون فرحة الناس بما حدث ويحدث. بدورها، شكّلت «الميادين» إحدى أبرز قنوات المحور وأقواها وتحديداً في تغطية الحدث الفلسطيني. وهنا لا بد من الإشارة إلى أنَّ قوة هذه المحطة، وأهميتها وشهرتها نالتها من أدائها خلال تغطية الحدث الفلسطيني، إذ إنها ربما من الفضائيات القليلة في الوطن العربي التي لا يختلف اثنان على مهارتها ومهنيتها وحتى مقدرتها في تغطية هذا الحدث، وخصوصاً بعد التشكيك في مصداقية «الجزيرة» ومواقفها المحايدة في كثيرٍ من الأحداث المهمة، والأهم لربما فتح المحطة القطرية الباب مشرعاً أمام الصهاينة (ضباطاً وإعلاميين) للظهور على شاشتها. ولربما كان آخر «خزعبلاتها» (أي الجزيرة)، كما أشارت إحدى مذيعاتها: «قمنا بتظليل وجوه أسرى الجنود الإسرائيليين، حرصاً على الجانب الأخلاقي والقانوني والمهني».</p> <p>في إطارٍ موازٍ، كانت قنوات التلفزة اللبنانية الأخرى تنام في «اللا لا لاند»: لقد طبّقت فعلياً نظرية «أصلاً ماذا يحدث» التي أرخ لها روبرت مردوخ الإعلامي الأسترالي/ الأميركي الشهير، حين سئل حول «تغطيته» لخبر لا يريد تغطيته، ليجيب بهدوء: «هذا الحدث لم يحدث أصلاً»، مبتعداً عن مدرسة «سي. أن. أن» الشهيرة في تغطية الخبر ولكن عبر «شرحه» و«توضيحه» للمشاهدين بطريقتها الخاصة. كان الحدث الفلسطيني حاضراً بقوة، حينما أكملت «أم. تي. في» اللبنانية بثها للأغنيات الراقصة وذات الـTempo السريع والمرتفع كما لو أن شيئاً لا يحدث، ثم عادت وأكملت برمجتها المعتادة، فغاصت في أحد برامجها السياسية في الحديث عن الانتخابات الرئاسية اللبنانية وغيرها من المواضيع المحلية. بدورها، كانت «أو. تي. في» تبث مسلسلاً لبنانياً -للمفارقة يدعى «وجع الروح»- وعلى ما يبدو أنها كذلك لم تصلها أحداثُ غزة والعملية الكبيرة هناك. لذلك أبقت على عملها محايداً وبثها كما هو من دون أي تغيير. «أل. بي. سي.» عملت بالمنطق العملاني نفسه: بثت وثائقيات عن الحيوانات البحرية، ومسلسلاً مصرياً، وسواهما. لم يكن هناك حدثٌ عربي يستحق البث أو النقل أو التعليق عليه بالنسبة إلى مشاهديها. «الجديد»، من جهتها، أمسكت العصا من المنتصف، غطت الخبر الفلسطيني ولكن في الوقت نفسه قاربت الوضع اللبناني الداخلي وركزت عليه أكثر من خلال الحديث عن الانتخابات الرئاسية. إمساك العصا من المنتصف خلال قضية مركزية رئيسية، كان ليبدو ناجحاً في ظرفٍ آخر، لكن مع حدث تاريخي، يعتبر «غلطة شاطرٍ» من «الجديد» بالتأكيد.</p> <p><span style="font-size: 14pt;">نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 9-10-2023</span></p>
اقرأ المقال
<h1><strong><span style="font-size: 16pt;">«الطنطورة»... وقائع مجزرة مُعلنة</span></strong></h1> <p>مع انطلاق عملية «طوفان الأقصى»، انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد وصور من الوثائقي الإسرائيلي «الطنطورة» (2022) الذي قدّم فيه المخرج الصهيوني آلون شفارتز صورةً حقيقية و«صادقة» للمقاتلين في جيش الاحتلال الصهيوني، وتحديداً في لواء «إسكندرون» المعروف. ارتكب قتلة هذا اللواء إحدى أفظع الجرائم البشرية، إذ أجهزوا على قرابة 500 فلسطيني، بين رجال ونساء وأطفال جمعوهم في أماكن متفرّقة وقتلوهم بأبشع الطرق بعدما مارسوا انتقاماتٍ وحشية بحقّهم كاغتصاب قصّر، وحرق بالنار، وحبس وإطلاق رصاصٍ مباشرٍ وتقطيع. كل هذه الجمل انتشرت ضمن فيديو تمت مشاركته مع بداية عملية «طوفان الأقصى». أتت هذه المشاركة كمحاولة للجم اندفاع ما يمكن اعتباره «طابوراً خامساً» بين الجماهير العربية. طابورٌ يعتبر أنّ أي عمليةٍ للمقاومة في وجه الصهاينة «بلا جدوى» وأن كيان الاحتلال «دولة حضارية ومسالمة». كل هذا الكلام دحضته جمل وكلمات القتلة الصهاينة المعترفين بجرائمهم علانية في الشريط الوثائقي. حدثت جريمة مجزرة الطنطورة في قرية الطنطورة في عام 1948، وقد استند الوثائقي إلى مقابلاتٍ شتى أجراها صانع العمل مع 135 شاهداً من اليهود والعرب على ما حدث.</p> <p>يشرح أحد القتلة الذي يظهر وجهه على الشاشة، أنه «شاهد بأم العين» جرائم لا تعد ولا تحصى. يقول علانية في الشريط: «اغتصب أحد الجنود فتاة تبلغ 16 عاماً». يقول الجملة كما لو أنه يتحدث عن أكل قطعةٍ من الحلوى. يبتسم، يتحدث بهدوء، كأنّه أمرٌ اعتيادي بالنسبة إلى الصهاينة. وبدلاً من محاكمة هؤلاء المجرمين، هم يعيشون اليوم حياةً مرفّهة في أحد الكيبوتسات أو «المغتصبات» المقامة على أراضٍ فلسطينية. «أخذ الجنود قاذفات اللهب في أيديهم وطاردوا القرويين وأشعلوا النار فيهم». يكمل الرجل حديثه «الشيق» كما لو أننا أمام فيلم «التطهير» (The purge). يطل بعد ذلك شخصٌ آخر، يبدو «طيباً»، لكنه يبدأ حديثه بالقول: «لم آخذ أسرى، قتلتُ الجميع؛ الأشخاص الذين رفعوا أيديهم في الحرب لم آخذهم كأسرى حرب». لا تبدو عليه أي علامات ندم، لكنه سرعان ما يستدرك قائلاً: «هذا الأمر أثّر عليّ نفسياً، لم أتمكن من تخطيه حتى اليوم». هنا يقف الضحايا وأهل الضحايا أمام معضلةٍ أخلاقيةٍ ووجودية: هل هناك تعاطفٌ مع القاتل باختياره؟ كان هؤلاء القتلة قتلة باختيارهم، هم أرادوا ذلك، فعلوا ذلك، والآن يتباكون لأنهم «يعانون». يعود القاتل نفسه للحديث عن جرائمه بفخر واضح: «في تلك الأيام، إذا رأيت حتى طلاب المدارس يرفعون أيديهم، كنت أقتلهم». يسأله المخرج هنا: «كم قتلت؟ كم عدد من قتلت؟» ليجيبه بضحكةٍ خافتة: «لا أعرف، لم أعدهم، لكن في مخزني كانت هناك 250 رصاصة، أطلقت النار وقتلت الجميع».</p> <p><span style="font-size: 14pt;"><strong>يعترف أحد القتلة: اغتصب أحد الجنود فتاة تبلغ 16 عاماً</strong></span></p> <p>اللافت أنه رغم كل هذه الاعترافات العلنية، لا يزال الكيان العبري يصرّ على نفي حدوثها. أما اللافت أكثر، فهو أنَّ المخرج عينه يقول في أحد حواراته مع صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» إنه «صهيوني»، مضيفاً: «يعتقد الناس أنني لست كذلك، لكنهم مخطئون. أنا صهيوني أكثر من اليمينيين الذين يريدون الاستيطان في المناطق الفلسطينية. أنا لا أقول أعيدوا العرب إلى الطنطورة واطردوا اليهود. ليس هذا ما أقوله. هذا ليس ما يجب أن يحدث. لستُ مع حق العودة بأي وسيلة. أريد دولة يهودية». هو حتى لا يرى في ما فعله هؤلاء جريمة: «أنا لا أكرههم. هؤلاء الناس مثل أجدادي. لستُ غاضباً منهم… لقد فعلوا أشياء فظيعة. معظمهم لم يمارسوا القتل بأنفسهم، لكنهم رأوا زملاءهم يُقتلون وتغاضوا عن الأمر. هذا هو جوهر كل شيء. لا أحكم عليهم. لقد كانت حرباً. لكن حتى لو قمت بنقل أو تطهير الناس عرقياً من الأرض، وهي أيضاً جريمة حرب – كان يجب القيام بها – لا تذهب وتقتل الناس بعد المعركة». انتشار هذا النوع من الفيديوات على قسوتها ضروري للتذكير بالصراع وتفاصيله وتاريخه ربما لأجيالٍ لم ترَ من العدو الصهيوني إلا ما يقدمه الإعلام الكلاسيكي الداعم لكيان الاحتلال، والسوشال ميديا التي تحارب أي محتوى مقاوم بكل الوسائل.</p> <p><span style="font-size: 14pt;">نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 11-10-2023</span></p>
اقرأ المقال
<h1><strong><span style="font-size: 16pt;">شادي زقطان يوبّخ «أنغامي»: باعت فلسطين بخمسة دولارات</span></strong></h1> <p>في أحد الحوارات الصحافية معه، يشير المغنّي والمؤلّف الفلسطيني إلى أنّ عمّه وضاح زقطان الذي عاش معه أثناء طفولته، بغيتاره والكلاشنكوف معاً، شكّل صورة أسطورية في ذهنه. أمر شكّل وعيه الباكر وانحيازه إلى أغنيات سياسية اجتماعية تحكي الاحتلال والحرية والحرب والتراجيديا الفلسطينية المستمّرة منذ عام 1948. جاء «طوفان الأقصى» ليعرّي الفنانين الذي لا يرون ضيراً في التطبيل للأنظمة والملوك، لكنّ البكم أصابهم حين تعلّق الأمر بمحرقة غزّة. وها هو شادي زقطان يقف وحيداً، معلناً انسحابه من «أنغامي» احتجاجاً على محتواها الذي يسوّق الأغنيات الإسرئيلية</p> <p>قبل أيام، كتب المغني والمؤلف الموسيقي الفلسطيني شادي زقطان «بوستاً» على فايسبوك هنا نصّه: «الأعزاء في «أنغامي»، لا أريد كتابة خطبة هنا. أنا شخصياً، لم أكن أعلم بوجود فنانين إسرائيليين على المنصة العربية الأولى لنشر الموسيقى العربية. في حال لم تتم إزالة أعمال الفنانين الإسرائيليين من على منصتكم، وليس فقط منع المشتركين من الشرق الأوسط من الوصول إلى محتواهم، سأقوم بسحب أعمالي المتواضعة من منصتكم الغراء. وأدعو كل الزملاء ورفاق الخشب والكوابل لعمل المثل. عيب». بدا النص متفجّراً وحاسماً في موقفه، فأن يخرج فنانٌ عربي ليقول رأياً مقاوماً، شكّل خطوةً شجاعةً للغاية، وخصوصاً في ظلّ غياب أي موقف مناصر لفلسطين من فناني الـ «A بلس» كما تسمّيهم شركات الإنتاج الفنية الكبرى أمثال عمرو دياب ونجوى كرم. لم يخرج أحد من هؤلاء بكلمة واضحة إزاء ما يحدث في فلسطين وتحديداً غزة، اللهم باستثناء بعض التغريدات اليتيمة أو البوستات المسطّحة الشبيهة بذلك الفيديو المريب الذي تحدّث فيه أشهر لاعب كرة قدم عربي حالي محمد صلاح عند بداية الأحداث في فلسطين قبل أكثر من شهرين. طبعاً، غياب الفنانين من أي طينةٍ أو لونٍ أو نوع، انسحب على شخصيات معروفة عربياً وفلسطينياً، حتى طال أيضاً الكاتب الفلسطيني المعروف إبراهيم نصرالله (صاحب «الملهاة الفلسطينية»)، الذي لا يزال منذ بدء الأحداث يمارس «ترفّعاً أدبياً» على صفحته الشخصية على الفايسبوك، بنشره جملاً مطّاطة من رواياته من دون تبني أي موقف صريح أو مؤيد للمقاومة بشكلٍ شبه علني وظاهر. الأمر نفسه ينسحب على فرج سليمان. حتى اللحظة، لم يسجّل صاحب «جبنا للولد بيانو» و«أحلى من برلين» أي موقف إزاء المجازر والدمار اللذين يحدثان بشكلٍ يومي في بلاده. طبعاً الأسماء الغائبة التي أصابها البكم، كثيرة للغاية، ما جعل موقف زقطان حدثاً مؤثراً يدعو إلى القليل من التفاؤل بأنه لا يزال هناك أملٌ ولو ضئيل بفناني العالم العربي، وخصوصاً مع استعداد هؤلاء أنفسهم ــــ أي فناني الصف الأول ـــــ للتطبيل لأي نظام عربي وفي أي مناسبة كانت.</p> <p><strong><span style="font-size: 14pt;">المنصّة مدعومة من «أمهات» مؤسسات إعلامية كبرى تسيطر بشكلٍ شبه كلي على الميديا في الخليج</span></strong></p> <p>شادي زقطان صاحب أغنية «وطن» الذي يعزف على الغيتار، يقدم موسيقى حية ومتطورة أوجدت له مساحة خاصة عند الجمهور العربي. أكمل نقاشه على بوسته الفايسبوكي، ناشراً صورة لقائمة الاستماع الموجودة على «أنغامي» باسم «أغنيات إسرائيلية جميلة»، معلّقاً: «في إشي هيك بالعالم؟ بيوتيفول أغاني من الاحتلال؟ أنا ما كنت بصراحة أعرف. من زمان موجودين كمان مش جديد». وحين علم من إحدى متابعات صفحته بأنَّ «أنغامي» وقّعت «شراكة إستراتيجية حصرية مع مجموعة «إم بي سي» الرائدة»، أجاب بشكلٍ مباشر: «آاااه، يعني على الفاضي... شكراً على المعلومة، غائبين طوشة إحنا»، ليعود ويسأل بشكلٍ مباشر: «مين عندو «أنغامي» هون؟ ممكن حدا يتأكد أنّ المحتوى (يقصد الإسرائيلي) متوقف أو لا؟». ثم عاد وأضاف: «تواصل معي مدير محتوى «أنغامي»، لا يوجد محتوى لهم (للإسرائيليين) في «أنغامي»». طبعاً هذا الكلام سرعان ما كذّبه متابعو الصفحة حينما علّقوا بأنّ المحتوى الإسرائيلي في «أنغامي» متوقّف «فقط في مناطقنا»، إذ يبدو أنّ الشركة تمارس لعبة التذاكي، فمنعت تصفّح واستماع أغنيات العدو في المنطقة العربية. لكنّ هذا أيضاً سرعان ما عاد ونفاه مشارك مصري على الصفحة، مشيراً إلى أنّ «المحتوى مش متوقف، موجود وشغال في مصر، وفيه كمان بودكاست لــ Times of Israel». ردود أفعال بعض المعلّقين كانت بإلغاء اشتراكاتهم في «أنغامي»، وهذا «أضعف الإيمان» من وجهة نظرهم.</p> <p>«أنغامي» فعلياً شركة عربية أسّسها إيلي حبيب وإيدي مارون من بيروت عام 2012. وبحسب التعريف عنها الوارد على موقعها الرسمي، فإنّها «منصة البث الموسيقي القانونية والرائدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي تضم مكتبتها أكثر من 57 مليون أغنية عربية وأجنبيّة، إضافة إلى حوالى 200 ألف بودكاست عربية وأجنبية، متاحة للاستماع والتحميل من قِبَل أكثر من 70 مليون مستخدم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وأوروبا والولايات المتحدة الأميركية». في عام 2021، انتقل مقرّ «أنغامي» الرئيسي إلى أبو ظبي في الإمارات في إطار التعاون مع «سوق أبو ظبي العالمي» (ADGM) و«مكتب أبو ظبي للاستثمار» (ADIO). للشركة أيضاً مكاتب في كل من بيروت، ودبي، والقاهرة والرياض، وتضم أكثر من 160 موظفاً. يُضاف إلى كل هذا أنّ الشركة/ المنصّة مدعومة بحسب نص التعريف المتوافر على موقعها «من كبرى شركات رأس المال الاستثماري، إضافة إلى شركاء إستراتيجيين مثل Middle East وVenture Partners (MEVP) وMBC Group، وشركة الاتصالات السعودية «موبايلي»، وشركة الاتصالات الإماراتية Du، إضافةً إلى شركة «شعاع كابيتال»، وSamena Capital الإماراتية، وMegladon السعودية، وEndeavor الأميركية، وSal & Co الأميركية». ولمن لا يعلم، فإنّ كل هذه الشركات هي «أمهات» مؤسسات إعلامية كبرى تسيطر بشكلٍ شبه كلي على الميديا والمنظومة الإعلامية في دول الخليج والكثير من دول الوطن العربي. في الوقت نفسه، يشير تعريفٌ آخر إلى أنَّ المنصّة تعرض محتويات مرخّصة لشركات عربية وأجنبية معروفة مثل «بلاتينيوم ريكوردز» و«مزّيكا» و«ميلودي» و«روتانا»، وأجنبية مثل «يونيفرسال» و«سوني» وEMI و«وورنر». باختصار، تبدو «أنغامي» أشبه بـ «جنة» للموسيقى لمن يستطيع الدفع. يتأمّن مفتاح هذه «الجنة المفترضة» بحوالى خمسة دولارات شهرياً، أو قرابة الخمسة والأربعين دولاراً سنوياً. مبلغ شبه مرتفع حتى على الطبقة الوسطى في بلاد مثل سوريا، ومصر، أو حتى لبنان.<br>في المحصّلة، يبدو أنَّ تأثيرات «طوفان الأقصى»، وأحداثه لا تزال تُحدث هزاتٍ ثقافية واجتماعية وحتى فنية في المجتمع المشرقي العربي وتُعيد تعريف الثقافة والفن ورؤية المجتمع لهما ولمقدميهما.</p> <p><span style="font-size: 14pt;">نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 28-12-2023</span></p>
اقرأ المقال
<h1 style="line-height: 1.2;"><span style="font-size: 14pt;"><strong>يوم فتح الحاج قاسم طريق طهران بغداد دمشق بيروت: «المعبر»... المسرح الانغماسي يشقّ طريقه إلى الضاحية</strong></span></h1> <p><span style="color: #4c4c4c; font-family: GretaArabic, serif; font-size: 14pt;">اللافت في «المعبَر» أنّه تفاعليٌّ يطرح حكايا وقصصاً من صميم الواقع تقارب القضية الكبرى: المقاومة. يحمل العمل توقيع مجموعة من الفنانين الشباب، يقدّمون ربما للمرة الأولى عرضاً تشاركياً مرتكزاً على الموقع، يشكّل المشاهد جزءاً أساسياً منه. قلّما تشجّعت تجارب عربية ومحلية للانخراط في تجارب مماثلة تتطلّب الكثير من «التضحيات»، خصوصاً مع جمهورٍ ينفضّ تدريجياً عن الفنّ الرابع</span></p> <p>لا ريب أنّ الأحداث الكبرى تحتاج أعمالاً فنيةً من ذات النوع. تأتي مسرحية «المعبَر» (إنتاج «مكتب الحاج قاسم سليماني»)، لتحاكي عملاً مقاوماً كبيراً كتحرير منطقة البوكمال (محافظة دير الزور) الإستراتيجية، عبر القائد البارز الفريق الشهيد قاسم سليماني (1957 ــــ 2020). لكنها لا تتناول الحدث بطريقة مباشرة، بل أثر هذا الحدث على الآخرين من أفراد ومجتمعات. عبر ثلاثة مسارات، يرسم العرض في إطار مسرحي انغماسي حكايا ترتبط بالقضيّة المقاومة ككلّ، وتطرح بأسلوب مباشر ودقيق، قصصاً من صميم الواقع تقارب عبرها القضية الكبرى: المقاومة. يحظى «المسرح الموقعي» (المسرح المرتبط بالموقع ـــ Site-specific theatre) الانغماسي بكثير من التقدير في عالم الفنّ الرابع، لما يتطلبه من جهدٍ وإتقانٍ ومتابعة. قلّما تشجّعت تجارب عربية/محلية للقيام بذلك، إذ إنه يتطلب الكثير من «التضحيات»، خصوصاً مع جمهورٍ ينفضّ تدريجياً عن المسرح. في عام 2018، دخلت الأكاديمية والمخرجة والممثلة اللبنانية سحر عسّاف هذه التجربة حين «لبنَنَت» مسرحية «عرس الدم» للشاعر القتيل فدريكو لوركا (راجع الأخبار 18/4/2018) وقدّمتها في بلدة حمّانا (محافظة جبل لبنان)، مستغلةً طبيعة المنطقة بأكملها، وقُدِّمت المسرحية على مساحة القرية بأكملها بين بيوت، وساحات، وشوارع، وأزقة.</p> <p>تأتي مسرحية «المعبر» اليوم عملاً مقاوماً من نوعٍ خاص تحمل توقيع مجموعة من الفنانين الشباب، المجتهدين والمجدّين في آنٍ معاً، لتعود إلى خوض هذه التجربة، لا عبر قصةٍ واحدةٍ فقط، بل عبر ثلاث قصص مختلفة، تتصل في ما بينها في نهاياتها التي تتقارب أو تتعقد في صورةٍ/ لوحةٍ ختاميةٍ واحدة. تقدّم المخرجة ريان خير الدين، والكاتبان أحمد بزّي وحسن قطيش محاولة جادة لخوض غمار هذا العالم المسرحي المنهك. تنقسم المسرحية إلى ثلاثة مسارات يمكن تسميتها بقصص/ حكايا، إلا أنّ تعبير «مسارات» حتمي، فعلى المشاهد أن يتحرّك من مكانٍ إلى آخر، تبعاً لتحرّك الممثلين كما المشهد. مثلاً في مشهدية «أجلناها»، نحن أمام عائلةٍ من الطبقة الوسطى، تريد تزويج ابنتها نور الهدى (زينب برجاوي) إلى خطيبها نور علي (حسن قطيش)، إذ إنهما مرتبطان منذ خمس سنوات مع تأجيل الزواج مراراً: يجلس المشاهد يراقب صالون منزل العائلة، فيما الحوارات تدور أمامه وحوله. قصةٌ بسيطة معتادة على المسارح اللبنانية، لكن النقلة بعد ذلك، تخرج المعتاد/ المتوقع من عباءته. ينتقل المشاهدون حين يشير إليهم بطل هذا المشهد وكاتبه حسن قطيش، للحاق به إلى «مكتب صاحب الصالة». يتحرّك الجمهور فعلياً ويصبح جزءاً من العرض. هنا يمكن القول إنّ التجربة لا تزال جديدة على صنّاعها، وهذا لا يقلل نهائياً من الجهد المبذول. ربما كان ذلك يتطلّب استدراج الحاضرين إلى نوع أكبر من التفاعل، بمعنى أن ينغمس بطل العمل ويرمي إحدى نكاته لهم، أو أن يسألهم قبل الذهاب إلى المشهد التالي وينتظر حتى إجابتهم قبل الذهاب. لعل هذا ما كان كفيلاً بزيادة تفاعلية المسرح الموقعي/ التشاركي. في المشهدية الثانية التي تحمل عنوان «احتمال»، نحن أمام عالمٍ آخر، وحكايةٍ بعيدة إلى حدٍ كبير عن المشهدية الأولى. إنها حكاية أربعة مقاومين في موقعهم يواجهون قوة تكفيرية، ينقطع الماء عن الأربعة، وهنا تتعقّد الحكاية: هل يقعون في الأسر، خصوصاً مع خوف أحدهم الكبير من التجربة؟ أم يتقدّمون للالتحاق بالشهيد قاسم سليماني، محاولين تحرير منطقة البوكمال؟ الأمر نفسه ينسحب على الحكاية الثالثة التي تتناول المسعف «حسن أبو الحسن» (علي منصور) الذي يشتهر بلقب «عزرائيل»؛ والشهرة تعود إلى «ورا هالإيد ما بتعيد»، بمعنى أنه حالما يلمس «أبو الحسن» أي جريحٍ، فإنه سرعان ما يستشهد. أبطال القصص الثلاث، يتلقون نداءً خاصاً للحاق بالشهيد قاسم سليماني، وتحديداً إلى معبر البوكمال ومعركته المفصلية الشهيرة. يحمل أبو الحسن قارورتي أوكسجين لإيصالهما إلى سليماني نظراً إلى علمه بحاجته إليهما. يرغب الشباب الأربعة في رؤية سليماني، والمشاركة في عملية تحرير البوكمال؛ فيما نور علي يريد إيصال «حرز» (حجاب) لسليماني أعطاه إياه أحد أصدقائه الشهداء. أما نور الهدى، فهي إعلامية، ناداها الواجب لتغطية الحدث في تلك المنطقة الشديدة الخطورة. يظهر الشهيد سليماني ومعبر البوكمال بمنزلة القدر في المسرح اليوناني، لكننا لا نراهما فعلياً (اللهم باستثناء مشهد قصير ختامي)، إلا أنّه لا يمكن تجاهل ذكرهما وسيطرتهما على الأحداث نهائياً. إنهما أشبه بالمشتهى/ المرغوب في الكتابة الإبداعية، حيث يسعى إليهما جميع أبطال العمل، بشكلٍ واعٍ أو لا واعٍ.<br>قبل أي شيء، تتمثل نقاط قوة العمل في ثلاثة نقاط رئيسية: الأولى أنّ مخرجة العمل اعتمدت بشكلٍ كلي وتام على فريق عمل من ممثلين ومساعدي مخرجين ومصورين ومحضرين وسواهم من خارج الإطار المعتاد/ المستهلك في المسرح اللبناني، فشاهدنا وجوهاً جديدة، بعضها آت من تجارب السوشال ميديا، وبعضها الآخر ربما يمثّل للمرة الأولى. يحسب لفريق العمل أنّه يتمتع بنوع من الحيوية العالية، أكثر من الخبرة أو حتى الاحترافية في التمثيل، لكن ذلك لا يجعله يؤدي بشكلٍ أقل نهائياً. طبعاً هنا تجب الإشارة إلى أن من يأتي للمشاهدة لا يجوز له طلب أداء مشابه لأداء منى واصف أو غسان مسعود، فهؤلاء الشباب يصنعون تجربتهم الخاصة، وما زالوا في البدايات. في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل تطور تجربة زينب برجاوي الأدائية، فالصبية التي بدأت مع المخرج والممثل علي منصور قبل أعوام عبر تجارب مسرحية محلية، تطوّرت كثيراً، وقد استطاعت عبر شخصية نور الهدى، أن تؤدي بتلقائية بعيداً عن متكرر شخصية الفتاة المحجّبة المؤمنة/ المتدينة التي استهلكتها مسلسلات «مركز بيروت الدولي». هذا بالتأكيد يحسب للكاتبين أحمد بزي وحسن قطيش. بزي بدوره، يمكن اعتباره واحداً من الكتّاب الدراميين اللبنانيين الشباب الأبرز حالياً، عمل ويعمل على تقديم عدد من المسرحيات مثل «عم تقطش» (مع علي منصور، وإخراج ريان خير الدين) فضلاً عن كثير من الأعمال المشهدية العاشورائية. يمتاز نص بزّي بواقعيته المفرطة، فضلاً عن محاولته دخول النفس البشرية. حسن قطيش، بدوره، يمثّل أيضاً في العمل بدور «نور علي»، إحدى الشخصيات من قصة «أجلناها»، قادم من تجربةٍ السوشال ميديا، إذ إنه معروفٌ في هذا الوسط عبر برنامجه «بالأملية» الذي يقدّم فيه مع زميليه (في المسرحية كذلك) عبد النبي سلمان، وحسين ناصر الدين مجموعةً من الاسكتشات الاجتماعية والسياسية الساخرة. يحسب لقطيش أنه حاول دمج تجربة برنامجه والسوشال ميديا مع المسرح، خصوصاً أنّه قدّم مع فرقة «107» المسرحية عدداً من الأعمال. هذه التجربة تستحق القراءة كما المراكمة عليها ولو شابتها الأخطاء. لكن مجرد المحاولة والمراكمة حتى الوصول إلى الصورة الأنجح أمرٌ يستحق التنويه به. أدائياً، يمكن صقل مهاراته أكثر في هذا المضمار، فالمسرح يتطلب تنبهاً ومراعاةً للمحيط كما للممثلين والجمهور أكثر من الشاشة، التي يمكن الإعادة معها مئات المرات. أما على المسرح، فالأمر أشد تطلباً. لعلّ علي منصور أكثر الممثلين خبرةً بين جميع الحضور، يمتلك حرفة ممثلٍ خاصةٍ به، راكم عليها عبر عددٍ كبير من المسرحيات التي كتبها وأخرجها وأداها، فضلاً عن مشاركته في البرنامج الكوميدي «كتير سلبي شو» التلفزيوني. هذه المرّة يؤدي دور «حسن أبو الحسن» المسعف الذي يلاحقه شبح «موت من يعالجهم». يستطيع منصور بسهولة الخروج من عباءة الكوميديا ليؤدي بجدية، إذ إنه يمتلك حرفته إلى جانب شكلٍ يمكن المراكمة عليه. أبرز وجوه العمل الجديدة هو علي كلوت، الذي يؤدي دور القائد في المقاومة الحاج نزار، وأيضاً صاحب الصالة بهجت سرور، وأيضاً المحقق. يمتاز كلوت بسلاسة عالية في الأداء، وقدرةٍ على التنويع في شخصيته، إلى درجة أنّ المشاهد لا يشعر أنه أمام الشخص نفسه، بالتأكيد هناك بعض الأخطاء الصغيرة الناتجة عن عدم الخبرة، لكن ذلك يمكن تلافيه بسهولة. وأخيراً، يؤدي حسين محيي الدين دوره بصدقية عالية.</p> <p><strong><span style="font-size: 14pt;">طريق الخروج من العرض صُمِّم على شكل نفق مشابه لأنفاق غزّة</span></strong></p> <p>المخرجة ريان خير الدين، كانت قد قدّمت عدداً من الأعمال المسرحية، ربما آخرها «أبجدية النصر» التي كانت بمنزلة عمل مسرحي «مواكب» قدمته للمقاومة في عيدها الأربعين ساردةً تاريخها آنذاك، وقد كان النص المكتوب والرؤية للمهندس محمد كوثراني. جهدت الشابة المجتهدة ونجحت في تقديم عمل يتضمن أكثر من عشرين مؤدياً، وثلاث مشهديات بمسارات ووقفات مختلفة، وعدداً كبيراً من المؤثرات والسينوغرافيا المختلفة. يعتبر هذا العمل بمنزلة ولادة جديدة لمخرجة يمكن المراكمة على مهاراتها وتقنياتها في أعمالٍ مشابهة لاحقة. طبعاً الحديث عن المسرحية، ينسحب على فريق العمل النشط من مديرتي المسرح فاطمة باز وملاك بزي. باز تولت أيضاً تصميم الملابس والإكسسوارات، فيما أدّت ملاك دور مساعدة المخرج في العمل، إلى صانع السينوغرافيا الجميلة أيمن جابر، الذي بذل جهداً كبيراً في تقديم «واقعي» لمشاهد القتال والرصاص والانفجارات. تشارك جابر مع محمد مهدي وفاطمة جابر في صناعة ديكور المسرحية كذلك، فيما ألّف موسيقى العمل حسن حريري. يذكر أنه حال اختتام المسرحية، يمكن ملاحظة طريق الخروج من العرض الذي صُمِّم على شكل نفق مشابه لأنفاق غزّة الشهيرة. تزدان هذه الأنفاق بجداريات وصور وأقوال لقادة مقاومين شهداء، فيما يرتدي شبانٌ ثياب كتائب المقاومة من «سرايا القدس» (جناح الجهاد الإسلامي العسكري)، و«كتائب الشهيد عز الدين القسّام» (جناح «حماس» العسكري) فضلاً عن «كتائب الرضوان» و«حزب الله». ويتولى هؤلاء الشبان مهمة الدليل أثناء المسير في النفق الصغير.</p> <p>باختصار، «المعبر» يستحق المشاهدة، يقدّم ربما للمرة الأولى عملاً مسرحياً مرتكزاً على الموقع، تشاركي، يحضر فيه المشاهد كجزء من العمل لا خارجه. تكمن ميزة العمل ــ قبل أي شيء ـــ في أنّ صنّاعه هم من رحم الأرض ذاتها، من البيئة عينها، معظمهم من الشباب يراكمون على هذا التجربة التي تعد بالكثير، وتمهّد لأعمالٍ متقدمة وخاصة.</p> <p> </p> <p><span style="font-size: 14pt;">نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 23-1-2024</span></p> <p> </p>
اقرأ المقال
<h1><strong><span style="font-size: 18pt;">Fallout: مخابئ نووية وحروب كونية</span></strong></h1> <p style="font-size: medium; font-weight: 400;">فهم صنّاع الدراما الهوليووديون منذ مدّة تأثير ألعاب الفيديو ومدى قدرته على الجذب لعشاق الدراما، التلفزيون، وبالتالي المتابعين. من هنا كانت صناعة مسلسل قصير (يمتد على ثماني حلقات فقط) مشتق من لعبة Fallout أمراً بديهياً. لعبة الفيديو ذات النفس «البوست أبوكاليبس» (post-apocalyptic) اخترعها توم كاين وليونارد بيوارسكي لشركة «انتربلاي انترتاينمت» في عام 1997. ظلّت تجذب جمهورها حتى جزئها الأخير Fallout 76 الذي صدر في عام 2018، مع العلم أنَّ الشركة المنتجة الحالية (أي Bethesda Softworks) تحضّر للجزء الخامس من اللعبة المعنون Fallout 5 في الأعوام الثلاثة المقبلة.</p> <p style="font-size: medium; font-weight: 400;">يحكي المسلسل (تنتجه شركة «أمازون» وتبثه عبر «أمازون برايم») المقتبس عن اللعبة (بحرفيةٍ إلى حدٍ ما)، حكاية عالم ما بعد الحرب العالمية الكبرى التي وقعت عام 2077. إنها أرضٌ دمّرتها الحروب النووية. وفي الوقت نفسه، هي أرضٌ تقع في عالمٍ موازٍ تختلف عن كوكب الأرض كما نعرفه، إذ إن تطوّرها قائمٌ على مرحلة «العصر النووي» الذي حصل ما بعد الحرب العالمية الثانية، ولم تتطوّر بعده جراء الحرب التي حدثت فيها. في المسلسل، تعيش مجموعةٌ من الناجين في مخابئ نووية أعدّتها شركة «فولت تيك» (vault-tec)، كي تكون بمثابة حماية للبشرية في حال حدوث حرب نووية وهو ما يحدث بالفعل. لوسي (ايلا بورنيل) هي إحدى الناجيات في هذه المخابئ، تعيش حياةً هانئة في «المخبأ 33». ما يدمر هذه الحياة هو هجومٌ من سكان «السطح» على مخبئها، وخطفهم والدها. يحدث هذا الهجوم بعد أكثر من 200 عام على الحرب الكونية، والانفجارات النووية الكبرى. يعرف المشاهدون بعد ذلك أنّ هناك أناساً نجوا على السطح، وأنّ هناك حياةً عليه. هذه الحياة مشوّهة بالكامل، ومتأثرة بشكلٍ حقيقي بالانفجارات النووية التي حدثت. لقد حدث تحوّر لدى الحيوانات والنباتات وحتّى البشر شكلاً، وعقلاً، ومنطق تفكيرٍ وحياة. لقد تدمّرت معظم العقود الاجتماعية البشرية، ما خلق مجتمعاتٍ جديدة. أثناء رحلتها للتفتيش عن والدها لاحقاً، تلتقي بماكسيموس (آرون موتين)، وهو مقاتلٌ شاب من طائفة عسكرية تسمى «أخوة الفولاذ» (brotherhood of steel)؛ وهؤلاء عبارة عن بشر يعيشون حياةً عسكرية، ويرتدون دروعاً معدنية إلكترونية، محاولين السيطرة على «أرض اليباب» (wasteland) التي يعيش فيها معظم البشر ممن لم يسكنوا المخابئ النووية. في الوقت نفسه، يلاحق لوسي صائد جوائز معروف يدعى «الغول» (والتون غوغنز)، وتكشف الحلقات أنَّ الغول هو الممثل الهوليوودي الشهير كوبر هاورد، الذي تحوّل إلى «غول» أي آكل للحوم البشر ومتحوّر نووي. وهو يعالج نفسه كي لا يفقد عقله بواسطة دواء خاص يحمله ضمن عتاده.<br>يحاول صنّاع العمل غراهام واغنر وجنيفا روبرتسون دوريت والمخرج جوناثان نولان أن يظلا مخلصين للعبة الفيديو، وهذا ما يحصل فعلياً. يكفي فقط أن نشير إلى أنَّ معظم منصات بيع الألعاب مثل «ستيم؛ وسواها قد أعادت نشر اللعبة وباعت منها ملايين النسخ من جديد، نتيجة إطلاق المسلسل هذه الأيّام. حافظ واغنر ودوريت ونولان على معظم سمات اللعبة الأصلية، فألبسوا مثلاً البطلة «بيب-بوي» وهو عبارة عن سوار إلكتروني يعطي اللاعب قراءة لحالته الجسدية ويجعله يسيطر بشكلٍ ما على الآلات حوله. وهذا ما حصل في المسلسل. الأمر نفسه انسحب على الألوان، إذ حافظ المسلسل على الألوان الأصلية من اللعبة، فارتدت البطلة الزي الأزرق الشهير لسكان المخابئ، ولبست الساعة ذات الشاشة الخضراء، والدرع كان رمادياً وفضياً معدنياً، والجو العام كان قاحلاً، صحراوياً، مائلاً كل الوقت إلى ما يشبه الأراضي القاحلة من حيث الجو والطقس. فوق كل هذا، ميّزوا بين البطلة التي تهتم بنظافتها وعاشت تحت الأرض لسنواتٍ طوال، وبين سكان السطح، فبدت بشرتها شديدة النظافة والنقاء واللون الأبيض الناصع، فيما كان سكان السطح الذي عاشوا تحت سماءٍ منهكة بالغبار النووي متّسخين حتى ولو اغتسلوا.</p> <p style="font-size: medium; font-weight: 400;"><span style="font-size: 14pt;"><strong>شركة «أمازون» وقّعت عقداً للجزء الثاني من المسلسل</strong></span></p> <p style="font-size: medium; font-weight: 400;">نجح مخرج العمل جوناثان نولان في تقديم عمل متكامل وتقني ذي أبعاد فنية جميلة، وهو الذي عرفه الجمهور عبر مسلسله الرائع «ويست وورلد» (westworld) الذي كان السبب في إقناع الشركة المنتجة للعبة بإسناد الإخراج إليه، كون روح المسلسلين متشابهة. منح الجو العام في المسلسل شعوراً كبيراً بالتضارب في المشاعر لمشاهديه، إذ إنه يجمع بين اليأس والدمار الكبيرين اللذين يعيش فيهما سكان السطح المدمّر بشكلٍ شبه كلي، حيث تسود العصابات والمجرمون والحيوانات المتوحشة المشوهة، والمخابئ النووية التي تعيش حياةً خلابة وأقرب إلى الجنّة. من جهةٍ أخرى، جهد صنّاع العمل في تقديم شخصيات أبطالٍ غير مسطحة، تتطوّر خلال القصّة، مثل لوسي، بطلة العمل، التي بدت بسيطة، ساذجة، وطيبة إلى أبعد حد، لكنها سرعان ما تبدأ بالتحوّل مع تطور القصة، وعلاقتها مع سكان السطح. إذ يخبرها «الغول» بأنها في لحظةٍ ما ستصبح مثله جراء تأثير السطح عليها. ماكسيموس هو الآخر، يبدأ القصّة بريئاً، شجاعاً، لكنه شيئاً فشيئاً، يصبح مثل زملائه في أخويته، قاتلاً مصمماً على الربح مهما كانت النتائج.<br>أدائياً، بدا أن معظم أبطال العمل يعرفون أدوارهم جيداً، فمزجوا بين شخصيات اللعبة المعتادة، وبين أدوارهم، ما خلق توازناً جيداً، وخصوصاً لعشاق اللعبة ومهووسيها الذين كانوا في انتظار ما إذا كانت الشخصيات ستكون مشابهة لتلك في اللعبة، وهذا ما حصل بالفعل. Fallout مسلسل ليس للجميع بالتأكيد، ولن يراه كثيرون كجوهرة لهذا العام، لكن بالنسبة إلى عشاق ألعاب الفيديو، وهم كثر، ومؤثرون ــــ على الأقل من الناحية الشرائية ــــ يمكن اعتباره كنزاً. يكفي أن نعلم بأنَّ شركة «أمازون» قد وقعت بالفعل عقداً للجزء الثاني من المسلسل بعد إطلاقها له بأيامٍ قليلة.</p> <p style="font-size: medium; font-weight: 400;"><span style="font-size: 12pt;">* Fallout على «أمازون برايم»</span></p> <p style="font-size: medium; font-weight: 400;"><span style="font-size: 14pt;">نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 16-5-2024</span></p>
اقرأ المقال
<h1><strong><span style="font-size: 18pt;">الحطّة الفلسطينية في حكاياتٍ ثلاث *</span></strong></h1> <p>الحكاية الأولى: منذ نعومة أظافري وأنا أرتاد مدارس فلسطينية تابعة لوكالة الأونروا، من مدرسة طولكرم الابتدائية، إلى مدرسة اليُبنة، ثم متوسطة جالود وصولاً إلى ثانوية الجليل. في المدارس الأربع هذه، كنتُ محاطة بالفلسطينيين من أبناء مخيمات بيروت (برج البراجنة، شاتيلا، ومار إلياس) وبعض ممن كانوا يقطنون في الأحياء المجاورة. كلّ ما في المدرسة كان فلسطينياً بالكامل: المعلمات، المديرة، الناظرة، بائعة المناقيش والكولا في دكان المدرسة، سائق الباص، حتى إنّ الاحتفالات المدرسية كانت وطنية والحطّة الفلسطينية حاضرة بصورة بديهية. كل ذلك تبدّل لحظة انتقلتُ إلى مدرسة لبنانية رسمية ليس فيها شيء فلسطيني: النشيد الوطني قبل بدء الحصص الدراسية، صورة الرئيس في مكتب المديرة، مجلة الحائط بلا محمود درويش وغسان كنفاني، واللهجة مختلفة جداً عن لهجتي. في يومي الأول، علمتُ أنّني سأكون خارج منطقة الأمان التي اعتدتها في مدرستي السابقة، فوجدت نفسي أضع الحطة الفلسطينية على كتفيّ وأترك طرفيها مسدلين إلى جانبيّ. كنتُ أرى فيها أماناً يبقيني فلسطينية خارج منطقتي. بسذاجة تخيّلتُ نفسي سفيرة المخيم في المدرسة اللبنانية ودخلت إلى الباحة الأمامية متبسّمة بتوتّر. لم تفرح الناظرة التي كنت قد قابلتها قبل بدء العام الدراسي لمظهري، رمقتني من بعيد. وحين اقتربت أشارت إلى حطتي وخاطبتني بنبرة شعرتها متعالية وغير مرحّبة «شو هيدي؟ ممنوع تلبسيها بالمدرسة، آخر النهار بتاخديها من مكتبي وما بترجعي بتفوتيها على المدرسة، ممنوع الرموز السياسية هون». يومها حبست دموعي طوال الحصص حتى انتهى الدوام وعدت إلى البيت. دخلتُ إلى الدار غاضبة ورميت حقيبتي والحطة على الأرض، فوبختني جدتي. وحين سردت لها ما حدث معي، مسحت دموعي وشرحت لي أمرين هامّين بقيا يرافقاني بعد وفاتها: أنا مخطئة والناظرة على حق، فهذه مدرسة لبنانية ويحب عليّ الاندماج فيها ومن الخطأ مقاومة النشيد اللبناني. لكن جدتي نصرتني حين قالت لي إنّ الناظرة مخطئة في فهمها ومعرفتها للحطة، فهي ليست رمزاً سياسياً، بل هي رمز ثقافي وجزء من تراثنا وهويتنا الفلسطينية. حثّتني جدتي أن أصحّح للناظرة تلك المعلومة وأخبرها عن استعمالاتها الوظيفية اليومية لتفهم سبب ارتدائي للحطة.</p> <p>الحكاية الثانية: ظهرت الجمعيات غير الحكومية في المخيمات منذ تسعينيات القرن الماضي ونشطت بشدة في العقدين الماضيين، فكانت أختي تتردّد على إحداها للعمل التطوعي. في أحد الأيام، طرحوا في الجمعية فكرة تسجيل فيلم عن الحياة في المخيم مع مخرج سويدي الجنسية، وكان على أختي أن تتحدث مع الفريق خلال التصوير باللغة الإنكليزية. أذكر أنها كانت سعيدة جداً لمشاركتها في شيء يشبه ما كنا نراه على شاشة التلفزيون وفي برامج قناة «ديزني». جاءت صباح اليوم التالي مستضيفة معها المخرج ذا الحطة الزهرية الفاقعة وبعضاً من طاقم العمل إلى دار جدي حيدر الذي حين رآهم قبض على عكازه الخشبي الصلب ورفعها عالياً يهرول وراء الضيوف ويشتمهم: «ينعن أبوكو ولاد كلب، انقلعوا من داري، جايبيتلي يهود يا «مالِيتْ الجَدَرَة!». يومها لم نفهم نحن الأحفاد غضب جدي وطريقة تعامله، وشعرَت أختي بالإحراج الشديد منهم وبكت كثيراً في المنزل معتقدة أنّ جدي قضى على مستقبلها بفعلته تلك. أما بالنسبة إلى جدي فقد أغضبه شيئان: الحوار الذي سمعه بالإنكليزية فذكّره بالاستعمار البريطاني لفلسطين، والحطة الملوّنة «المزيّفة» التي لا توحي بالرجولة، فهو كان يتسلل بين عام النكبة وبداية الخمسينيات إلى فلسطين وينقل أمانات من الداخل إلى المخيم في لبنان.</p> <p>الحكاية الثالثة: في الجامعة الأميركية في بيروت قبل ثلاث سنوات، كنتُ وزملائي في احتفال التخرج الذي لم يحضره الأهل ولا الأصدقاء بسبب جائحة كورونا، بل اقتصر على الطلاب وبعض الأساتذة وعدد من المنظّمين. يومها كنا نحاول التعرف إلى بعضنا بوجود اللثام على وجه كل منا. كانت تقف إلى جانبي «إسثر» زميلة من أوغاندا لم نتشارك حضور أي صف دراسي، لكن صديقة مشتركة عرّفتني إليها ذات مرة. لفتني أنّها كانت ترتدي بلوزة مصنوعة من الحطة الفلسطينية البيضاء والسوداء، وعليها بعض التطريزات الفلسطينية. ابتسمت لها وأبديت إعجابي بثيابها وسألتها عن سبب اختيارها للحطة. قالت إنّها اشترتها من متجر على رصيف شارع الحمراء، وأنها لا تعرف أن اسمها «حطة» وأنّها في الأصل «فلسطينية»، لكنّها لبستها لأنها «رمز للتحرّر والنضال».</p> <p>هذه الحكايات الثلاث أسهمت في تشكّل وعيي ومعرفتي بالحطة الفلسطينية، وتاريخها ورمزيتها وسبب وجودها في كل بيت فلسطيني، واستعمالاتها الوظيفية واليومية قبل أن تصبح رمزاً للثورة. تشيع تسميتها بالـ«كوفية»، لكنها فلسطينياً يُشار إليها بالـ«حطة» لأن تسمية «الكوفية» جاءت من الكوفة في العراق بينما الحطة جاءت من الفعل المرافق للاستعمال: «حطّ» أي وضع الشيء أو استقر. وبالفعل إنّ الحطة الفلسطينية التي تُعد اليوم رمزاً لمقاومة الاستعمار والنضال في وجه الظلم والكفاح للتحرر من الاحتلال، لم تولد لأجل هذا السبب بالتحديد. صحيح أنها اشتهرت منذ عام 1936 في الثورة الفلسطينية الكبرى ضد مخطّط تقسيم فلسطين وسياسات الانتداب البريطاني المجحفة بحق الفلسطينيين، إذ اتفق المقاومون والفدائيون على التخلّي عن الطربوش العثماني وتوحيد الرمز بينهم. اختاروا وضع الحطة على رؤوسهم ولفّها على وجوههم حتى لا تميّزهم الشرطة البريطانية ويصعب عليها تحديد هوية الثائر الذي لا يبين من وجهه سوى عينيه. لكن لماذا اختاروا الحطة على وجه التحديد؟</p> <p>كانت الحطة جزءاً من لباس الفلاح الفلسطيني، فقطعة القماش البيضاء المصنوعة من القطن التي يبلغ حجمها متراً مربعاً وعليها نقوش/ تطريزات باللون الأسود أو الأحمر، كانت ترافق الفلاح يومياً ولا يخرج من بيته إلا والحطة معه. هي جزء من تراثه لما لها من استخدامات وظيفية يومية: يضعها الفلاح على رأسه وهو يعمل في زراعة أرضه وسقايتها حتى تحميه من الشمس. وعند المغيب تنخفض درجات الحرارة، فيقوم الفلاح بلفّ ظهره وبطنه فيها حتى لا يتأذّى من النسيم البارد. أما وقت الاستراحة وتناول الغداء في ظلّ إحدى الأشجار، فكان الفلاح يفرد الحطة على الأرض ويستعملها كحصيرة يجلس عليها أو تجلس عليها زوجته التي كانت ترافقه في حصد الزيتون والثمار وقت نضوجها. كانت الحطة تستعمل أيضاً كـ«بقجة» أي ما يشبه الحقيبة بحيث توضع الملابس أو الأغراض التي يريد الفلاح حملها في وسط الحطة المفرودة على وسعها، ثم تربط ربطتين: طرفا اليمين واليسار يربطان معاً، ثم ربطة أخرى تجمع الطرفين المتبقيين الأعلى والأسفل. كما جاء استخدامها كحزام عند طيّها وربطها على الخصر، وخصوصاً لتثبيت أدوات (أو سلاح) عليها، ويرتديها بعض الثوار بربط طرفيها المسدلَين إلى الخلف، عند منتصف الظهر لتشدّ الكتفين وتبقي الظهر جالساً جاهزاً للمعركة.</p> <p>في الأصل، جاءت الحطة بلونٍ أحادي أبيض، لكنها مع الوقت اكتسبت نقوشاً تعد كلغة تواصل مثلما هي حال الثوب الفلسطيني المطرّز، إذ تدل كل تطريزة وشكلها ولونها على الحالة الاجتماعية والطبقية للمرأة والأسرة التي تنتمي إليها، كما ترمز إلى المنطقة الجغرافية التي تأتي منها، فالـ«قطبة» أو «الغرزة» الفلاحية هي تطريزة تنتمي إلى سكان القرى بينما أهل المدن لهم تطريزات مختلفة. تتميّز الحطة الفلسطينية بثلاث نقشات تزيّن القماش القطني: المساحة الأكبر في الوسط تشغلها شكل شبكة، وترمز إلى طبيعة جغرافية المنطقة أي إلى المدن والقرى الساحلية التي عمل سكانها في البحر والصيد واعتمدوا على المأكولات البحرية في مطبخهم مثل قرية الزيب شمال مدينة عكا. أما النقوش الصغيرة المتماوجة التي تحيط بالشبكة، فهي ترمز إلى أوراق الزيتون المعمّرة لمئات السنين، فيتباهى الفلسطيني لدى الحديث عن كونه صاحب الأرض بقوله إنّ أصغر شجرة زيتون هي أكثر قدماً من دولة الاحتلال الصهيوني. تشتهر أرض فلسطين بالزيتون، ويعد مكوناً هاماً في المطبخ الفلسطيني وأصل الطبق الشهير «المسخّن» يعتمد بالأساس على غمس أرغفة الخبز العربي السميك بزيت الزيتون ثم إضافة المكونات الأخرى. والزيتون شجرة مباركة في القرآن، يتعامل معها الفلسطينيون خارج معتقداتهم الدينية كذلك. فقد ورثت الجدات الفلسطينيات في الشتات -بعد تهجيرهن من أراضيهن في النكبة- استعمالات زيت الزيتون في حالات كثيرة لا تنحصر بالطبخ. يعد هذا الزيت علاجاً لكثير من الأوجاع والعوارض المرضية، يُدهن على الكتفين، الرقبة، الرجلين، للتخفيف من آلام التشنجات العضلية، وعلى البطن لتخفيف المغص واضطرابات الأمعاء، كما تستعمله النساء مرطباً للبشرة للحفاظ على نضارتها وجمالها. تبقى الخطوط العريضة التي تمتد على أطراف الحطة هي النقش الأخير الذي يرمز إلى خطوط التجارة في فلسطين وبين المدن.</p> <p><strong><span style="font-size: 14pt;">حاول الصهيوني سرقتها وتشويهها عبر تحويلها إلى «موضة» و«ترند»</span></strong></p> <p>ويربط الفلسطينيون طرفَي الحطة على شكل عقدة للدلالة على الحالة الاجتماعية: يربط طرفاً واحداً إن كان خاطباً، وطرفين إن كان متزوجاً، أما في حال كان أعزب، فيترك الطرفين مسدلين من دون ربط.</p> <p>تعود الحطة الفلسطينية بشكلها الحالي ولونها الثنائي ونقوشها المطرزة إلى ما قبل ثورة الـ36، فهناك صورة للمناضل محمد جمجوم يرتدي الحطة وتعود إلى ما قبل قيام السلطات البريطانية بالـ«الثلاثاء الحمراء» أي إعدام المقاومين الثلاثة في سجن عكا عام 1930: محمد جموم، فؤاد حجازي، وعطا الزير، شهداء ثورة البراق الذين «لعبوا دوراً بارزاً في التظاهر ضد اليهود» والهجوم على مراكز الشرطة البريطانية للاستحواذ على أسلحة ومحاولة اغتيال المندوب السامي البريطاني. وقد أرّخت فرقة «العاشقين» الفلسطينية لتلك الحادثة عبر الأغنية الوطنية «من سجن عكا» وتقول: «من سجن عكا وطلعت جنازة، محمد جمجوم وفؤاد حجازي، جازي عليهم يا شعبي جازي، المندوب السامي وربعه عُموماً، محمد جمجوم ومع عطا الزير، فؤاد حجازي عزّ الذخير، أنظر المقدر والتقادير، بأحكام الظالم تَيِعِدمونا». وتشير مصادر إلى ظهور الحطة الفلسطينية منذ أواخر القرن التاسع عشر في الفترة التي بدأت تشهد هجرات يهودية إلى السواحل الفلسطينية وإنشاء مستعمرات زراعية. أصبحت الحطة معروفة عالمياً كرمز فلسطيني للنضال ضد الاحتلال مع ظهور الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في خطابه في الأمم المتحدة عام 1974 وهو يرتديها بطريقته الخاصة. كان أبو عمار يستعملها أيضاً لغة تواصل بحيث أضاف إليها فكرة لفها بطريقة ترسم القدس (المسجد الأقصى) من الأمام، وتتدلى الحطة إلى يمينه فترسم شكل خريطة فلسطين. ارتداء عرفات للحطة باستمرار جعلها بالنسبة لكثيرين من الفلسطينيين، وغيرهم، يعدون الحطة البيضاء ذات النقوش السوداء رمزاً لحركة «فتح»، ما دفع بمناضلي «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» إلى استعمال الحطة الحمراء (ذات نقوش حمراء بدلاً من اللون الأسود التي تشتهر بها المناطق الداخلية)، كما أنّهم وجدوا في لونها الأحمر دلالة على الحركات اليسارية.</p> <p>تبرز الحطة الحمراء اليوم مع معركة طوفان الأقصى حيث يلفّها على وجهه «أبو عبيدة» الناطق العسكري باسم «كتائب القسام» التابع لحركة «حماس» (نسبةً إلى الشهيد عز الدين القسام)، يطلّ محمد الضيف القائد العام للجناح العسكري وهو يرتديها أيضاً. وقبلهما اشتهر فيها مهندس التفجيرات الشهيد يحيى عياش، والشهيد عماد عقل الغزاوي الذي كان من مؤسسي القسام في الضفة الغربية وأطلق عليه رئيس وزراء العدو الصهيوني إسحاق رابين، لقب «الأسطورة» لكثرة العمليات النوعية التي خططها ونفذها ضد الاحتلال. إذاً جاء الاعتماد أكثر على الحطة الحمراء لتمييزها عن الحطة البيضاء باعتبارها سياسياً «فتحاوية»، لكن كلتا الحطتين هما من التراث الفلسطيني وترمزان إلى الرجولة والثورة في وجه الظلم والاحتلال. هذه الرمزية التي تعكس طبيعة الشعب الفلسطيني، حاول الصهيوني سرقتها ثم تشويهها عبر سعيه إلى تحويلها إلى «موضة» و«ترند»، فجاءت أزياء المصمم الإسرائيلي يارون مينكوفسكي في عرضه عام 2015 معتمدة على الحطة الفلسطينية، إذ ارتدت إحدى العارضات الحطة الفلسطينية فوق مايوه، وفي صورة أخرى من العرض ارتدته فتاتان كانتا تبدوان كأنهما تريدان تقبيل بعضهما. كما انتشرت الحطات الملوّنة التي يسمّيها الفلسطينيون بـ«الحطات المزيّفة» في مقابل «الحطة الأصلية»، ومنها اللون الزهري والأصفر والفوسفوري. ألوان لا يعتبرها الفلسطينيون «رجولية» بل يرون في الحطات الملونة تقليلاً لرجولتهم وتشويهاً لتاريخهم وتراثهم.</p> <p>* من محاضرة عن الحطة ألقتها صاحبة هذه السطور في جناح «دار المجمّع الإبداعي» ضمن فعاليات «معرض لبنان الدولي للكتاب»</p> <p><span style="font-size: 14pt;">نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 28-10-2023</span></p> <p> </p>
اقرأ المقال
<h1><strong><span style="font-size: 18pt;">التتار قطعوا الاتصالات... الإعلام على رؤوس الأشهاد!</span></strong></h1> <p style="font-size: medium; font-weight: 400;">عمد بعض الصحافيين في غزة إلى اعتلاء سطوح المباني حتى يرسلوا فيديوات وأخباراً تطمئن الناس إلى أحوالهم بعد قطع إسرائيل شبكة الاتصالات والإنترنت. هؤلاء وغيرهم من العزاويين، الذين استطاعوا الاتصال بشبكات مصرية أو إنترنت فضائي، نقلوا مستجدات الحرب على القطاع بدءاً من مساء الجمعة</p> <p style="font-size: medium; font-weight: 400;">منذ بدء الأسبوع الثالث لمعركة «طوفان الأقصى»، بدأ العدو الإسرائيلي الإعلان عن تحضيره لعملية عسكرية برية على غزة بعدما اعتمد بالكامل في الأيام الماضية على قصفٍ عنيف متواصل، حتى بلغ حجم الصواريخ والمتفجرات ما يقارب الـ12 ألف طن، أي ما يعادل قنبلة اليورانيوم المخصّب التي ألقتها الولايات المتحدة الأميركية على هيروشيما في الحرب العالمية الثانية، وفقاً لكلام الخبير العسكري الأردني فايز الدويري.العملية المضادة التي أسماها جيش الاحتلال «السيوف الحديدية»، لم تأتِ بهدف استرجاع أسراها الموجودين لدى المقاومة الفلسطينية في غزة، ولم تحقق أي هدفٍ واضح آخر بعد الصدمة التي أحدثتها عملية «الطوفان» لدى حكومة الاحتلال، كما جاء في عنوان الصحيفة الإسرائيلية المقرّبة من رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو «إسرائيل اليوم» بعد الأسبوع الأول للمعركة: «مطلوب هدف واضح وفوري».</p> <p style="font-size: medium; font-weight: 400;">إذاً، أراد «جيش» الاحتلال تدمير غزة وإبادة أهلها، خصوصاً لدى فشله في استهداف حركة «حماس»، وفي استعادة هيبته العسكرية وسمعته الوحشية. إذ أتى ذلك جلياً في ارتكابه لمجزرة «مستشفى المعمداني»، وقصفه لـ «كنيسة القديس برفيريوس»، وعدد من المساجد، ومدارس تابعة لوكالة «الأونروا»، ومقرات القنوات التلفزيونية والإعلامية، حتى كتب الصحافي الاستقصائي الأميركي سيمور هيرش إنّ «إسرائيل تعتزم تحويل مدينة غزة إلى هيروشيما، مع الفارق أنها لن تستخدم الأسلحة النووية». وحدد جيش الاحتلال هدفه من العملية التي سيتبعها اجتياح يقضي فيه على «حماس». وقبل أن يبدأ بالتوغل بريّاً مساء الجمعة، كثّف الغارات وأطلق الصواريخ الارتجاجية بقصد تدمير الأنفاق وإغلاق مداخلها على رؤوس من فيها (من ضمنهم المستوطنين المحتجزين لدى «كتائب القسام»)، وقطع عمداً جميع سبل الاتصال عن المدينة من خطوط الاتصالات إلى شبكات الإنترنت. أراد العدو الصهيوني عزل غزة بالكامل عن العالم حتى يستطيع اقتراف جرائمه الحربية بعيداً عن عدسات الكاميرات والتلفونات الخلوية، وليس هذا بالجديد عن العدو الصهيوني الذي ارتكب مجزرة صبرا وشاتيلا في عام 1982 بعد خروج «منظمة التحرير» من لبنان وضمانات الولايات المتحدة الأميركية بسلامة الفلسطينيين. كما وضّح المفكر والكاتب نعوم تشومسكي أنّ أميركا تتحمل المسؤولية لإعطائها الضوء الأخضر لجيش الاحتلال باجتياح لبنان. ولولا شهادة بعض الصحافيين الأجانب مثل روبرت فيسك، الذي كان حينها مراسلاً لصحيفة الـ«إندبندت» البريطانية، والكاتب الفرنسي جان جينيه، اللذين رويا المشاهد المروعة للمجزرة، لكانت دُفنت وأُخفيت كما لو أنها لم تحدث. كان العدو الصهيوني جاهزاً لإنكار ما حدث وفقاً لما أورد الصحافي الصهيوني شيمون شيفر في كتابه «كرة الثلج – أسرار التدخل الإسرائيلي في لبنان» (1985). كان ذلك في عام 1982، أما اليوم، فتتحمل أميركا أيضاً المسؤولية عما يحدث في غزة، فقد أتت بنخبة من جيشها وأسلحتها وآلياتها لتدعم إبادة الغزّيين وتتأكد من التخلص من المقاومة، وتنكر الجرائم التي ستُرتكب بالتأكيد في غزة، فليس هناك من مبرر لقطع الاتصالات بالكامل عن الغزاويين وعزلهم التام عن العالم إلّا لإبادة الفلسطينيين سرّاً. كما جاء من تحذيرات صادرة عن منظمات دولية مثل «هيومان رايتس واتش» التي اعتبرت أن قطع الاتصالات قد يكون «غطاء لفظائع جماعية ويسهم في الإفلات من العقاب على انتهاكات لحقوق الإنسان».</p> <p style="font-size: medium; font-weight: 400;">في بداية الستينيات من القرن الماضي، تنبأ الفيلسوف الكندي والمنظّر في وسائل الاتصال الجماهيري مارشال ماكلوهان بتحويل العالم إلى قرية كونية، قبل الإعلان عن اختراع الإنترنت في عام 1969. ومنذ ذلك الحين والعالم بقارّاته وبلدانه انكمش على بعضه وأصبح «قرية عالمية»، أي مترابطاً بفعل وسائل الاتصال الجماهيرية التي قربّت المسافات ونقلت الصورة والخبر لسكان العالم، وأسهمت منصات التواصل الاجتماعي في تعزيز ذلك حتى لم تبقَ منطقة معزولة عن الاتصال بالإنترنت ومشاركة أخبارها اليومية. أما اليوم في عام 2023، فقد قرّر الاحتلال الإسرائيلي عزل غزة عن العالم، العالم كله قرية واحدة متصلة بالإنترنت وتنقل أخبارها وسائل الإعلام الكلاسيكية، بينما مدينة غزة خارج هذه التغطية. أعلنت منظمة الصحة العالمية أنها فقدت الاتصال بموظفيها، وصرّح الهلال الأحمر الفلسطيني عن انقطاع الاتصال «بصورة كاملة عن غرفة العمليات في قطاع غزة، وعن طواقمنا العاملة هناك كافة وسط قطع سلطات الاحتلال لشبكات الاتصالات الأرضية والخلوية والإنترنت على نحو كامل»، وبدأت قنوات التلفزة أيضاً بنشر خبر انقطاعها عن مراسليها في الداخل. استغلت هذا الانقطاع بوقاحة القناة الأميركية CNN، ففتحت المجال لاستضافة مراسلين «إسرائيليين» وأعطت الهواء للمتحدث باسم حكومة الاحتلال فاتحة المجال أمام الرواية الصهيونية لما يحدث في غزة، مطلقين على تغطيتهم مستجدات «إسرائيل في حرب».</p> <p style="font-size: medium; font-weight: 400;">ورغم ذلك كله، استطاع بعض الغزاويين القريبين من الحدود مع مصر الذين يحملون شريحات أرقام هواتف مصرية، أن يتلقوا إشارات شبكات مباشرة من الأراضي المصرية، فتحولوا إلى مراسلين ينقلون ما يحدث ساعة بساعة حسب ما تسعفهم في ذلك شبكة الانترنت. كتب المدوّن أحمد الحاجز: «أنا في غزة وأهلي أيضاً ولكن لا أعلم أي شيء عنهم، لا أحد يعلم عن الآخر شيئاً في القطاع ولا أحد يعلم عنا شيئاً في الخارج. غزة شهدت ليلةً هي الأصعب في تاريخها، الاحتلال استهدفها بالصواريخ طوال الليل بحراً وجواً وبراً. خرج عليّ الصباح لأقول لكم: في اليوم الـ 22 من الحرب، غزة تُباد». وروى الصحافي محمد الزعنون تفاصيل تلك الليلة بقوله: «كل الناس تواصلوا معنا عشان يساعدونا في موضوع الإنترنت. كل الصحافيين بخير. حنحاول نوصلكم الصورة ورسالتنا مرة أو مرتين يومياً، وإذا ما تواصلنا خلال فترات كبيرة فبنكون فقدنا الاتصال عن العالم وروحنا إلى بارئنا».</p> <p style="font-size: medium; font-weight: 400;"><strong><span style="font-size: 14pt;">ظهر المصور بلال خالد في تسجيلين مباشرين عند منتصف الليل نقل فيهما حالة القطاع</span></strong></p> <p style="font-size: medium; font-weight: 400;">ونشر المصور بلال خالد عبر منصة إنستغرام منشوراً على شكل صورة كتب فيها عن انقطاع التواصل التام داخل غزة، وتخوفه من ارتكاب جيش الاحتلال لجريمة لن يعرف بأمرها العالم، ثم عاد وأتبعها برسالة طمأن الناس إلى أنّ التوغل البري لم يتجاوز حدود غزة. قام خالد بدور المراسل، إذ ظهر بتسجيلين مباشرين عند منتصف الليل نقل فيهما حالة القطاع تحت القصف البري والجوي والبحري للمناطق الشمالية والمجازر التي حدثت هناك، واستهدافات أخرى في مخيم الشاطئ وحي التفاح ومحيط برج الغفري. كما غرّد محمد سميري فور قطع الاتصالات عن القطاع بأنّ غزة معزولة عن أي شبكة تواصل وأنهم يحاولون أن يلتقطوا إشارات شبكات إنترنت مصرية، وألحقها بتغريدات متتالية: «العالم خذلنا»، و«قد تكون تغريدتي الأخيرة»، ثم عاد وكتب بأنه «لا يزال على قيد الحياة». وعمد الصحافيون في غزة إلى اعتلاء سطوح مبانٍ مرتفعة مخاطرين بحياتهم من أجل محاولة التقاط شبكة اتصال حتى يرسلوا فيديوات وأخباراً يطمئنون فيها الناس إلى أحوالهم في القطاع. كان هؤلاء وغيرهم من الغزاويين، الذين استطاعوا الاتصال بشبكات مصرية أو إنترنت فضائي، ينقلون مستجدات الحرب على غزة في الوقت الذي غابت فيه المحطات التلفزيونية عن نقل ما يحدث من الداخل. ونشر حساب مسمى بعنوان «ياسر غزّة» مجموعةً من الرسائل الصوتية عبر الواتساب تجمعه بعائلته التي انقطعت اتصالاته بها لحظة انقطاع الإنترنت. الرسائل التي تروي حالةً إنسانية مؤلمة، عادت ووصلته بعد عودة الإنترنت، فعلّق عليها بقوله: «مجموعة تسجيلات صوتية من عائلتي للقصف الصهيوني على #غزة تم تسجيلها خلال انقطاع الإنترنت ووصلت اليوم بعد عودته، هذه الأصوات ستبقى خالدة في الذاكرة البشعة للاحتلال، وستكون شاهدة في أرشيفنا بعد تحرير فلسطين». أما هند خضري، فروت بصورة مستمرة حالة انقطاع الإنترنت خطوة بخطوة، وظلّت تتابع الحالة التي تحدث كما لو أنها أقرب إلى مراسل لا يروي الحدث فقط، بل يعلّق عليه، فتنشر فيديو للقصف الذي يحدث أمامها، ثم تعود لتشارك الأخبار عن حالة الإنترنت.</p> <p style="font-size: medium; font-weight: 400;"><span style="font-size: 14pt;">نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 30-10-2023</span></p>
اقرأ المقال
<h1><strong><span style="font-size: 18pt;">المناضلة النسوية تضامنت مع غزة بعدما أدانت «عنف حماس»: إلى أي جانب تقفين «رفيقة» جـوديث بتلر؟</span></strong></h1> <p>وقّعت المنظّرة اليهودية الأميركية جوديث بتلر (1956) على رسالة مفتوحة من «المجتمع الفني إلى المنظمات الثقافية» لوقف الحرب على غزة وإدانة الجرائم الإسرائيلية و«كسر الصمت المؤسّسي فوراً بشأن الأزمة الإنسانية التي يواجهها 2.3 مليون فلسطيني في قطاع غزة المحتل والمحاصر». جاء اسمها بين عدد من الشخصيات الثقافية الأكاديمية والفنية البارزة مثل الفنانتَين الأميركيّتَين جوان جوناس أستاذة الفن البصري في «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا»، والرسامة كارا واكر. لكنّ السم في العسل هو معظم ما يقدمه الغرب للشرق، إذ إنها في الوقت نفسه كتبت مقالاً بعد الأسبوع الأول للجرائم الحربية على غزة تدين فيه ما تقوم به حركة «حماس» من عنف و«جرائم بحق الإسرائيليين».</p> <p>«أنا أدين من دون قيد أو شرط أعمال العنف التي ترتكبها «حماس». كانت مذبحة مرعبة ومثيرة للاشمئزاز. كان هذا رد فعلي الأساسي، وهو مستمر» تقول النسويّة وأستاذة الدراسات الجندرية في «جامعة كاليفورنيا» في بيركلي في مقالها المنشور في London Review of books الذي قدّمته على أنّه يحاول طرح القضية الأكثر أهمية التي يجب مناقشتها على نحو عاجلٍ. توضح بتلر أنّ مثل هذا النوع من القضايا يصعب مناقشته في العادة كما يصعب اتخاذ موقف حاسم ومباشر بشأنه من دون النظر إلى الإطار المحيط بالصراع الفلسطيني «الإسرائيلي». لذلك فإنّ الإجابة عن السؤال «إلى أي جانب تقفون؟» لا تأتي باتخاذ موقف منحاز لأحد الطرفين ولا بتأييد كامل لأيّ منهما، بل تتشكل أولاً في «رفض العنف وإدانته» وفقاً لبتلر. تبرّر الأكاديمية كلامها بأنها تود الحديث عن العنف وتاريخه وممارسته في الوقت الحالي قبل أن تصرّح في مطلع كلامها بأي موقف قد يبدو «نسبياً»، وتدعو إلى السؤال عن مدى صحة اللغة التي نستعملها في الحديث عن الإدانة (لأي من الطرفين) والفهم التاريخي الذي نكوّنه لاتخاذ موقف واضح. هكذا إذاً تغرقنا بتلر في أسئلتها الأخلاقية والمنطقية وفي طرحها المغلّف بالعقلانية: «سيكون من الغريب بصورة خاصة الاعتقاد بأن الإدانة تتطلب رفض الفهم، خوفاً من أن المعرفة لا يمكن أن تخدم سوى وظيفة نسبية وتقوّض قدرتنا على الحكم. وماذا لو كان من الضروري أخلاقياً أن نوسّع نطاق إدانتنا للجرائم المروعة مثل تلك التي سلطت وسائل الإعلام الضوء عليها مراراً وتكراراً؟ متى وأين تبدأ إدانتنا وتنتهي؟ ألا نحتاج إلى تقييم نقدي ومستنير للوضع تصاحبه الإدانة الأخلاقية والسياسية، من دون أن نخشى أن يؤدي اكتسابنا للمعرفة إلى تحويلنا، في نظر الآخرين، إلى إخفاقات أخلاقية متواطئة في الجرائم البشعة؟».</p> <p>تتأرجح الباحثة الجندرية في مقالها بين التعاطف مع الفلسطينيين وإدانة «جرائم حماس»، وبين مطالبتها بوقف الجرائم التي يرتكبها العدو الصهيوني في غزة والتعاطف مع خوف الإسرائيليين مما يحدث، فتقول: «صديقة إسرائيلية، تصف نفسها بأنها «معادية للصهيونية»، تكتب على الإنترنت أنها تشعر بالرعب على عائلتها وأصدقائها، وأنها فقدت الناس. ويجب أن تتوجه قلوبنا إليها، كما تفعل قلوبنا بالتأكيد. إنه أمر فظيع على نحو لا لبس فيه. مع ذلك، ألا توجد لحظة يمكن أن نتصور فيها أن تجربتها الخاصة من الرعب والخسارة لأصدقائها وعائلتها هي ما قد يشعر به الفلسطيني على الجانب الآخر، أو ما شعر به بعد سنوات من القصف والسجن والعنف العسكري؟». تلعب صاحبة كتاب «مفترق الطرق: اليهودية ونقد الصهيونية» (2017) بوتيرة متواصلة على موقفها من الصراع، هي التي صرّحت بشجاعة عام 2006 تعليقاً على «حرب تموز» بأنّها ترى «حزب الله» و«حماس» ضمن الحركات الاجتماعية التقدمية مع المحافظة على الجانب النقدي في تناول الحالتين. حينها، اكتسبت المنظّرة شعبيةً في الأوساط الأكاديمية العربية ونالت احترام كثيرين بصفتها يهودية من جيل يحمل معاناة أهله مع النازية والهولوكوست ويمتلك المعرفة والوعي الأخلاقي للتمييز بين الحق والباطل، ويساند الحق من دون خوف. كان المؤرخ الأميركي نورمان فينكلستين أبرز من تحدث عن ضرورة وقوف اليهود الناجين من المحرقة إلى جانب القضية الفلسطينية لأنهم يعرفون معنى الظلم والتنكيل والإبادة الجماعية. وكان يرد على اليهود الصهاينة بأنهم «لو كانوا يمتلكون قلباً لوقفوا بالتأكيد مع الفلسطينيين وناصروا قضيتهم». يمكن اعتبار موقف فينكلستين المعيار ليهودي فقد عدداً من أفراد أسرته في المحرقة، وهو يرفض اليوم أن يتحوّل من ضحية إلى جلّاد ومن مضطهَد إلى مضطهِد للآخرين بحكم واقعية القوة وامتلاكها.</p> <p>صحيح أنّ الأكاديمية معادية للصهيونية، انتُخبت في عام 2009 رئيسة «محكمة هوسرل حول فلسطين» التي تقوم على تجمّع المثقفين الأميركيين المؤيدين للقضية الفلسطينية بغرض حشد شروط سلام دائم وعادل بين «إسرائيل» وفلسطين، وأنّ موقفها معادٍ لسياسات العنف المختلفة التي يمارسها الصهيوني على الفلسطينيين، لكنّها للأسف تُعدّ اليوم خيبة أمل في تاريخ التضامن الأكاديمي والغربي مع القضية الفلسطينية. هنا بالتحديد يجدر الإعلان والتوضيح بأن هذا الحكم على الباحثة الحائزة «جائزة أدورنو» (الفيلسوف تيودور أدورنو من مؤسسي «مدرسة فرانفورت للنظرية النقدية»)، لا يأتي متسرّعاً ولا عاطفياً. هناك عدد من النقاط يجب الإضاءة عليها في مقال بتلر الذي قد يبدو بالنسبة إلى كثيرين من الغرب -وبعض العرب أيضاً - أنه منطقي ونقدي وعادل: أولاً المساواة بين حركة «حماس» والكيان الصهيوني، بين الفلسطينيين والصهاينة، بين المستعمَر والمستعمِر، بين الضحية والجلاد؛ وهو شيء مستغرب أن يصدر عن باحثة تنادي بالعدالة والحرية وتحرير الجسد من السلطة والقمع المجتمعي والنفسي. العدالة لا تعني فقط المساواة المجرّدة من دون إدراك للصراع التاريخي القائم بين الطرفين، كما أنّها في مفهومها الفلسفي اليوناني تُعد فضيلة أخلاقية عند أفلاطون، والدولة هي التي تضمن ممارستها وتطبيقها عبر القانون، لكنّ العدالة وفقاً لنقدٍ مهم من أرسطو لا تقف عند المساواة فقط لأنها «فضيلة مدنية قد تلحقها أخطاء». لذلك تكون العدالة الحقيقية في الإنصاف، أي إعطاء كل فردٍ حقه بعيداً عن القانون الذي تضعه وتشكّله وتمتلكه السلطة/ القوة الحاكمة، وهو الشيء الذي ينقص بتلر. لا يمكن لبتلر ادعاء العدالة في طرحها للصراع الفلسطيني الصهيوني بوصفهما طرفين متساويين ومحاسبتهما على هذا الأساس. المحتل المنتصر بواقع قوته العسكرية وعتاده الحربي وسيطرته على كثير من المؤسسات الإعلامية والأكاديمية عالمياً، هو الذي يمتلك رواية التاريخ وفقاً للفيلسوف اللغوي نعوم تشومسكي وغيره من المفكّرين والمؤرّخين، بينما الفلسطيني الذي سُلبت منه أرضه - وما زالت تُقضم - وارتُكبَت بحقه مجازر الطنطورة ودير ياسين لرفضه التخلي عن مدنه وقراه في النكبة، والذي كان يبيع بقرة مقابل بارودة يدافع بها عن بيته، ويقاوم اليوم لكتابة تاريخه الشفهي، لا يتساوى على أي نحو مع الكيان الصهيوني. لا يمكن المساواة بين أطنان من المتفجرات والصواريخ التي تنزل على المستشفيات والجوامع والكنائس وقتل أكثر من خمسة آلاف فلسطيني في غزة وقمع الأسرى الفلسطينيين وترهيبهم بهدف الإبادة واستعادة «هيبة» الكيان المتوحش، وبين العملية التي جاءت بفعل المقاومة والتحرر. ثانياً، هناك تناقض واضح في طرح المنظّرة لأفكارها وموقفها. تقرّ بأن الكيان العبري على أرض فلسطين هو احتلال واستعمار قائم على سياسة الفصل العنصري وإبادة الفلسطينيين وقضم أراضيهم: «قصف بلا هوادة، وقتل الناس من كل الأعمار في منازلهم وفي الشوارع، والتعذيب في سجونهم، وأساليب التجويع في غزة وسلب المنازل. وتتم ممارسة هذا العنف بأشكاله المتعددة ضد شعب يخضع لقواعد الفصل العنصري والحكم الاستعماري وانعدام الجنسية». لكنها في الوقت نفسه، وللمفارقة، لا تجد أنّ من حق المقاومة الفلسطينية الرد على هذا العنف الذي يرتكبه الصهيوني منذ أكثر من سبعين عاماً. بناءً عليه، تصف الأكاديميين والمثقفين الذين يستندون إلى تاريخ العنف الصهيوني لـِ«تبرئة حماس»، بأنهم «يستخدمون شكلاً فاسداً من التفكير الأخلاقي لتحقيق هذا الهدف». تقصد بَتْلر الأكاديميين في «جامعة هارفرد» الأميركية بقولها: «عندما تصدر لجنة التضامن مع فلسطين في «جامعة هارفرد» بياناً تزعم فيه أنّ «نظام الفصل العنصري هو المسؤول الوحيد» عن الهجمات القاتلة التي تشنها «حماس» على أهداف إسرائيلية، فإنها ترتكب خطأً. ومن الخطأ توزيع المسؤولية على هذا النحو، ولا شيء ينبغي أن يعفي «حماس» من المسؤولية عن أعمال القتل البشعة التي ارتكبتها». ثالثاً، هناك إشكالية في الانطلاق من منظور العنف ورفض العنف بالمطلق بوصفه المقياس السحري لنقد الصراع الفلسطيني الصهيوني، فهل يتساوى لغوياً وتطبيقياً «العنف» الصادر من الطرفين؟ ألا يجدر بالمنظّرة والأكاديمية التنبّه إلى أن الاختلاف الحاد بين المقاومة الفلسطينية وجيش الاحتلال على جميع الأصعدة (بدءاً من الحق والسلاح ومجموعات اللوبي والتمويل المادي وغيرها) يفرض على استعمالات اللغة والمصطلحات دقة أكثر وإدراكاً أعمق يتناسبان مع حجم القضية؟ إن كانت «حماس» قد ارتكبت عنفاً في عمليتها وفي مقاومتها للاحتلال، فماذا يمكن وصف حجم «العنف» المستمر ودرجته، والذي يمارسه الصهيوني وحكومته؟</p> <p><strong><span style="font-size: 14pt;">صرّحت عام 2006 بأنّها ترى «حزب الله» و«حماس» ضمن الحركات الاجتماعية التقدمية</span></strong></p> <div> <div> <p>يحاول الغرب المدافع عن الصهيونية ــ كفكرة وممارسة ــ والداعم لها بالمال والخطاب والسلاح، السيطرة على الرأي العام عبر وسائل الإعلام العالمية والجامعات والمؤسسات البحثية والأكاديمية والشركات التجارية والفنية والرياضية الكبرى (أندية كرة القدم وشركات المصارعة التي ضغطت على الرياضيين «الموظفين» لديها بدعم الاحتلال الإسرائيلي)، ويستخدم «اللوبيات الصهيونية» من طلّاب جامعيين وبلوغرز وصانعي محتوى ومؤثرين في منصات التواصل الاجتماعي. وذلك أمر بديهي شهده وتنبّه له كثير من المثقفين والمؤثرين العرب ونجحوا نسبياً في رصده والرد عليه والإشهار به. لكن ما تفعله جوديث بتلر في موقفها اليوم وتبريرها «المنطقي» و«النقدي» له، يشي بمرحلة جديدة في الدعاية الصهيونية منذ بدء الطوفان وهي تنبّه العدو والغرب إلى حجم التعاطف والتضامن مع القضية الفلسطينية الذي يمتد ويتوسع مع وجود الإعلام البديل وتذاكي صانعي المحتوى والخبر على الخوارزميات الرقمية التي تحجب الحقيقة عن العالم. ومن أجل ذلك، قد يكون العدو اليوم قد بدأ باستخدام طريقة جديدة لمخاطبة المثقفين والأكاديميين الغربيين الذين يميلون إلى استخلاص موقفهم الخاص عبر التحليل المنطقي والمراجعة التاريخية للصراع، فهؤلاء إن كانوا باحثين وأساتذة في الأصل غير معنيين بمتابعة الصراع، سيميلون مع استمرار الإبادة والتطهير في غزة، إلى التعاطف مع الشعب الفلسطيني. من أجل هؤلاء الذين بدأوا يعلنون تضامنهم من الجامعات الأميركية والأوروبية، جاءت لغة جديدة لمخاطبتهم: إن كنتم تتعاطفون من الفلسطينيين، لا مشكلة، لكن حافظوا على إدانة «حماس» والمطالبة «باختفائها» وعدم التبرير لها بالمقاومة والعنف حتى في وجه آلة الحرب. من أجل نجاح الخطاب الجديد، كان اختيار فيلسوفة الجندر والهوية، اليهودية المعادية للصهيونية التي تحظى باحترام في الأوساط الأكاديمية العربية لموقفها السابق باعتبار حزب الله وحماس «حركات اجتماعية تقدمية».</p> <p><span style="font-size: 14pt;">نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 1-11-2023</span></p> </div> <p> </p> </div>
اقرأ المقال
<h1><strong><span style="font-size: 18pt;">«مراسلكم» من غزة يضحك من القصف: عبّود فناناً فطرياً ومقاوماً</span></strong></h1> <p style="font-size: medium; font-weight: 400;">«أقوى صحافي عربي فالعالم»! إنّه عبد الرحمن بطاح الذي شاع اسمه بين الغزّاويين منذ بدء معركة «طوفان الأقصى». رغم أنه موجودٌ على منصّات التواصل مثل «إنستا» و«تيك توك» من قبل العدوان، إلا أنّ متابعيه ازدادوا بوتيرة سريعة وبات عشرات الآلاف من المؤيدين للقضية الفلسطينية يتشاركون فيديواته التي ينقلها بحسّ ساخر من قلب المدينة المحاصرة بآلة القصف الصهيونية</p> <p style="font-size: medium; font-weight: 400;">يكفي أن تكتبَ اسم «آن» على مُحرّك البحث غوغل، وقبل أن تُضيف أيّ حرفٍ بعدها، تأخذك نتائج البحث إلى آن فرانك (1929-1945)، الفتاة اليهودية التي اشتهرَت بدفتر مذكراتها الذي دوّنت عليه يومياتها في فترة اختبائها من الجنود النازيّين في قبوٍ في أمستردام. لكنّ آن ليست الصغيرة الوحيدة التي نقلَت تجربتها ومعاناتها خلال الحرب والإبادة، فَـ «عبّود» المراسل الصغير من مدينة غزة المحاصرة واقعياً وافتراضياً بجدار حديدي يمتد من تحت الأرض إلى فوقها، وجدار عسكري من أعتى الآليات الحربية المنتشرة على خطٍّ حدودي مع القطاع، وجدار افتراضي يعزل غزة عن العالم لـِ 24 ساعة ويحجب توثيق الجرائم الحربية على منصّات التواصل الاجتماعي، ينقل الخبر اليومي بطريقته الخاصة.</p> <p style="font-size: medium; font-weight: 400;">منذ أن نُشر كتاب «آن فرانك: يوميات فتاة صغيرة» (1947)، تحوّلت صاحبة المذكّرات أنيليس ماري فرانك بعد وفاتها بعامين إلى أيقونة أطفال المحرقة اليهودية وأشهر الكُتّاب الصغار، وأصبحت مدوّنتها التي تُرجمت إلى ما يقرب من 70 لغة حول العالم من أكثر الكتب قراءة حول الهولوكوست والاضطهاد والإبادة. كانت الفتاة المولودة في فرانكفورت التي انتقلَت عائلتها للعيش في هولندا عام 1934 مع اعتلاء هتلر الحكم في ألمانيا وسيطرة الحزب النازي على البلاد، وبدء اضطهاده لليهود، قد حصلت على دفتر المذكرات هدية عيد مولدها الثالث عشر . بعد احتلال ألمانيا لهولندا (1940) في الحرب العالمية الثانية، وتصاعد مخاوف اليهود من ملاحقة النازيين لهم، اختبأت مع أمها ووالدها وأختها في أمستردام ودوّنت على صفحات الدفتر يومياتها بين عامَي 1942-1944 حيث كان آخر ما كتبته في شهر آب (أغسطس). اعتُقلَت عائلتها نهاية ذاك العام ووضِعَت في معسكر الاعتقال «أوشفيتز»، ثم نُقلت وأختها إلى مخيم «بيرغن بيلسن» حيث توفّتا بعدها بأشهر قليلة من المرض وسوء التغذية. تحوّلت يوميات فرانك إلى مسرحية (1955)، ثم إلى عمل سينمائي (1959)، تلاه العديد من الأفلام، وأقيم مركزٌ باسمها، وأصبح منزل اختبائها في أمستردام متحفاً (1960) يُعد من المعالم السياحية الأكثر زيارة. تحتفل أهم المؤسسات والمنظمات العالمية والمواقع الإلكترونية بذكرى رحيل آن فرانك، فأينما تشيح نظرك تجد معلومات عنها على «هيستوري تشانل»، و«ناشونال جيوغرافيك»، و«هولوكوست إنسايكلوبيديا»، و«بي. بي. سي». حتى إنّ الأمم المتحدة أقامت في عام 2017 ورشة عمل لحوالى 500 طالب من المدارس الثانوية تحت عنوان «من اليأس إلى الإلهام: الذكرى السبعون لمذكرات آن فرانك» لتكريم إرث آن فرانك والتعرّف إلى المحرقة وتأثيرها المدمّر على المجتمع اليهودي، ناهيك بالمطبوعات والكتب التي تناولت حياة فرانك -القصيرة- خلف المذكرات وصورها وحلمها في أن تصبح كاتبة وصحافية حين تكبر؛ مثل كتاب «آن فرانك ما وراء المذكرات: ذكرى فوتوغرافية» (1995).</p> <p style="font-size: medium; font-weight: 400;">كذلك يحلم عبد الرحمن بطاح (2006) ابن مدينة غزة، المعروف على منصّات التواصل الاجتماعي بلقب «عبّود»، أن يصبح مراسلاً ناجحاً ذا شهرة واسعة ويعرّف نفسه بـِ«مراسل الجزيرة» و«أقوى صحافي عربي فالعالم» (حرفياً كتب في تعريف حسابه على الإنستغرام). شاع اسمه بين الغزّاويين الذين وجدوا أنفسهم مراسلين ينقلون مستجدات الأخبار من بيوتهم وحاراتهم في ظلّ التعتيم الإعلامي على جرائم الحرب التي يرتكبها الاحتلال الصهيوني في قطاع غزة منذ بدء معركة «طوفان الأقصى». رغم أنه موجودٌ على منصّات التواصل مثل «إنستا» و«تيك توك» من قبل العدوان على المدينة، ويقوم باستمرار بتسجيل فيديوهات مصوّرة من سطح منزله وفي أزقة الحي، إلا أنّ متابعيه ازدادوا بوتيرة سريعة وأصبحت فيديوهاته يتشاركها عشرات الآلاف من المؤيدين للقضية الفلسطينية والمتعاطفين عربياً وعالمياً مع الغزّاويين المحاصرين تحت آلة القصف الصهيونية. يمكن ملاحظة عدد المتفاعلين مع منشوراته قبل 7 تشرين (تاريخ عملية الطوفان) وبعدها، إذ ارتفع من 16 ألفاً إلى 430 ألفاً للفيديو المنشور بتاريخ 11 تشرين الأول (أكتوبر) حيث يظهر «عبّود» بلثامٍ على وجهه لحمايته من الدخان السام المنبعث من الغارات والصواريخ ذات الفوسفور الأبيض المحرّم دولياً، ويحمل بيده «لمبة مربوطة بسلك كهربائي»، أراد عبرها استنساخ شكل ميكروفون المراسل التلفزيوني الذي يكون عادة موصولاً بكاميرا مصوّر القناة. في الفيديو يقف عبد الرحمن بطاح على سطح منزله، وفي الخلفية صوت القصف والقذائف التي يرميها جيش الاحتلال باستمرار على الأحياء السكنية في غزة، ويبدو دخان القصف يعلو في السماء. يقول عبّود: «إخواني رح نصير صحافة لإنه فش إشي ماشي بهالبلد». يقطع كلامه صوت الغارات فيعلّق بقوله: «الله أكبر»، ثم يُكمل: «طبعاً لا كهربا، لا مي، لا أكل، لا شرب، لا نت، فش إشي في الحياة، قطعونا عن العالم. حسبي الله ونعم الوكيل». يعود صوت القصف في الخلفية لكنه يكمل ويأخذ نبرة المراسل وباللغة العربية الفصحى يقول: «قوات الاحتلال تشن غارات متتالية على شمال قطاع غزة في الجنوب الشرقي»، ثم يضحك مازحاً إن كان كلامه دقيقاً جغرافياً أم لا، ويكمل: «في شارع الدّكة، فَضَحوا عَرْضها صواريخ من الـ4 الفجر وهُمَّ بضربوا فيها نفس الصواريخ.. كما نشاهد معكم الآن عدة غارات متتالية» ويختم الفيديو: «قناة الجزيرة، والله إنّي صحافي قد الدنيا، شركة الجزيرة اُطلبوني عالمطرح.. تمام». ويظهر من بين المعلّقين على الفيديو والمشجّعين له ولموهبته الفنانة السورية نادين تحسين بك والمخرجة المسرحية سحر عساف وغيرهم الآلاف.</p> <p style="font-size: medium; font-weight: 400;"><br>تتّسم فيديوهات عبّود بالأسلوب المباشر والطريف المتناسب مع عمره وتجربته، فهو ينقل أخبار الحرب الشاهد عليها بطريقته الخاصة. يتحدّث بالعامية ثم يميل إلى الفصحى حين يود أخذ دور المراسل الجاد، لكنه يعود ويعلّق ساخراً على ما يجري حوله. على سبيل المثال، في الفيديو المنشور بتاريخ 15 تشرين الأول الذي يتحدث فيه عن تهديد العدو الصهيوني للغزو البرّي لمدينة غزة يقول: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، معكم عبّود من قناة الجزيرة وسوف نوافيكم بآخر التطورات من قطاع غزة». لكنه سرعان ما يضحك ويعلّق: «لا بَمزح».</p> <p style="font-size: medium; font-weight: 400;">يبتسم عبّود في معظم فيديوهاته وإن كانت جميعها مأساوية وفيها الكثير من الدمار والمعاناة، بنقل الحياة اليومية في غزة كما هي بلغة محكية بسيطة تصل إلى الجميع، كما جاء في الفيديو المنشور بتاريخ 21 تشرين الأول: «في كتير ناس بتسألني إنتو كيف عايشين في غزة؟ حَ قولكم كيف عايشين. متخيّل إنّك تصحى الساعة 5 الصبح عشان تروح عالمخبز وتلحق تكون من أول 50 عالدور؟ متخيّل إنّك رح تمشي من 3 لـ4 كيلو (متر) عشان تعبّي غَلَن مي حلوة، متخيّل إنّك رح تدخل الدكان أو السوبرماركت وتدوّر على حاجة تاكلها بالآخر تشتري جبنة لإن فش عندكو غاز تعملوا أكل؟ متخيّل إنّك رح تمشي من نص ساعة لساعة عشان تلاقي محل فيه طاقة شمسية ويشحنلك الجوال 30 بالمية عشان يكفيك لطول اليوم؟ ومتخيّل إنّه هادا الواقع عنّا في غزة ومش خيال من عندي؟ الوضع آيس كوفي عالآخر». وفي فيديو عاد فيه بعد انقطاع الاتصال التام عن غزة لأكثر من 24 ساعة، وقف في الطريق ينقل الصورة من أمام مخبز معلّقاً: «يا زلمي أنا كنت آكل ربطة، هَالْكِيْت (الآن) صرت آكل رغيف إلّا (أقل من رغيف واحد)».</p> <p style="font-size: medium; font-weight: 400;"><strong><span style="font-size: 14pt;">يحافظ على ابتسامته وحسّه الطريف في معظم ما يصوّره، ولا تغيب عفويّته في إظهار صموده وتكيّفه مع الحرب</span></strong></p> <p style="font-size: medium; font-weight: 400;">في الفيديوهات الأخيرة القصيرة، يظهر عبّود حاملاً «مايك» صغيراً موصولاً إلى تلفونه محاولاً في هذه الوضعية ونبرة المراسل أن يقوم بهذا الدور بشكل جدّي، بينما يظهر في الخلفية وراءه صوت القصف والضوء المنبعث من الغارات. ربّما ما يميّز عبّود أنّه يحافظ على ابتسامته وحسّه الطريف في معظم ما يصوّره، ولا تغيب عفويّته في إظهار صموده وتكيّفه مع الحرب حتى تنتصر المقاومة الفلسطينية، فيقول في آخر فيديو نشره: «يا إخوان، عشان تعرفوا إنه نحنا شعب بحب الحياة، بدل ما نقف عند المخبز 8 ساعات هاي أنا والمصوّر حارقين الدنيا ومنعمل خبز صاج، خبز بلادي هاد من الـ1948 ما عملناهوش..».</p> <p style="font-size: medium; font-weight: 400;">قد تُنسينا لغة الغزّاوي عبد الرحمن بطاح ونبرته وأسلوبه الساخر أنّنا نتابع شاباً صغيراً في غزة المهدّدة من جيش الاحتلال بتوسيع التوغّل البرّي، وتكثيف القصف الهمجي، وتهجير سكانها إلى داخل الحدود المصرية بهدف احتلالها والقضاء على المقاومة الفلسطينية فيها. قد تنسينا ضحكاته الحاضرة في كل فيديو أنّ هذا المراسل الذي يدوّن الحياة اليومية وينقل لنا آخر المستجدات وتشهد كاميرا تلفونه جرائم العدو ومجازره، قد لا تستثنيه نيران جيش الاحتلال التي تسعى لإسكات كل من يرفع الصوت عالياً ويوثّق ما يريد العدو إخفاءه عن العالم. إن كانت آن فرانك قد نقلت خوفها من الاضطهاد وأزمة إسقاط الهوية/ الجنسية عن عائلتها اليهودية واختبائها من النازيين الذين أرادوا إبادتهم، بلغة يومية حقيقية غير مصطنعة، فإن عبّود فعل ذلك في ظروف أشد قساوة وظلماً، فهو يصوّر الفيديو والقصف يحدث في مكان قريب منه. فهل سننظر إلى عبّود وأطفال غزة الشاهدين على جرائم العدو الصهيوني مثلما نظر العالم إلى آن فرانك؟ أليست الجرائم التي يرتكبها الاحتلال والضغط النفسي الذي يقوم به الإعلام الغربي تجاه العرب والمؤيدين للقضة الفلسطينية هو «معاداة للسامية» أيضاً؟</p> <p style="font-size: medium; font-weight: 400;"><span style="font-size: 14pt;">نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 2-11-2023</span></p>
اقرأ المقال
<h1><strong><span style="font-size: 14pt;">السرديّة المفبركة عن فلسطيـن... المواجهة تبدأ من اللغة</span></strong></h1> <p><strong><span style="box-sizing: border-box; color: #4c4c4c; font-family: GretaArabic, serif; font-size: 16px; background-color: #ffffff;">يُ</span>طلق المؤرّخ اليهودي العراقي البريطاني آفي شلايم تسمية المؤرّخين «القدماء» على هؤلاء الذين قدّموا «الرؤية الصهيونية التقليدية» ولعبوا دوراً فعّالاً في تزوير الحقائق وكتابة التاريخ من منظور عسكري واستعماري يبرّر قيام الدولة اليهودية. وحين أتى المؤرّخون الجدد أمثال إيلان بابيه وبيني موريس، أضافوا نظرةً جديدةً إلى قراءة تاريخ الصهيونية والاحتلال الإسرائيلي لفلسطين. في محاضرة ألقاها قبل أيام، اعتبر بابيه أنّ أكبر التحديات التي يواجهها المناضلون اليوم عقود من البروباغندا والتلفيقات والسرديات المضادة التي رسمت صورة خاطئة عن فلسطين تشكّلت بمؤازرة الأوساط الأكاديمية والإعلام وهوليوود والمسلسلات التلفزيونية. برأيه، المطلوب اليوم إرفاق العدالة بالمعرفة التاريخية العميقة و«تحليل عميق ودقيق للواقع باستخدام اللغة الصحيحة»</strong></p> <p>لاحظ المفكّر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد (1935-2003) في كتابه «مسألة فلسطين» (1979) كيف أنّ الترويج للصهيونية كفكرة ظهرت عند مؤلّفين أوروبيين منذ السبعينيّات من القرن التاسع عشر، أمثال جورج إليوت (اسم مستعار للكاتبة الإنكليزية ماري آن إيفانز) في رواية «دانيال ديروندا». كان الكتّاب في الغرب يهيّئون ويشجّعون عبر الأدب فكرة تجمّع اليهود المظلومين والمشرّدين في شتّى أصقاع العالم، في وطن واحدٍ خاص بهم ولهم. ولأنّ الغرب حينها كان لا يدرك شيئاً عن الشرق سوى ما ينقله المستشرقون من «همجية» و«تخلّف» و«جهل» و«ظلام»، كان بديهياً حث اليهود على احتلال أرضٍ عربية في الشرق، فالشرق لا يستحق أن يكون له صوت أو رأي. اللافت والصادم في الأمر أنّ أسماء كبيرة من الفلاسفة المنظّرين للعدالة والرافضين للظلم والقمع مالوا إلى أن «الحرية والتمثيل الحكومي والسعادة الفردية لا ينبغي تطبيقها في الشرق». يمكن القول اليوم إنّه حتى بعد مؤلف سعيد المرجعي «الاستشراق» الذي يُدرّس في الجامعات الغربية، ما زال الغرب بمعظم منظّريه ومؤرّخيه، يدافع عن الاستعمار الصهيوني ويبرّر له احتلاله لفلسطين وإبادته للشعب العربي الذي تنبّه منذ عشرينيات القرن الماضي إلى خطر الهجرات اليهودية الكثيفة وإنشاء «الكيبوتسات»، ونقل مخاوفه عبر الصحف الفلسطينية قبل تنظيم الحركات المقاومة للاستيطان.</p> <p>لعب المؤرّخون «القدماء» في الكيان الصهيوني ـــ وفق تعبير المؤرّخ البريطاني آفي شلايم (1945، وهو يهودي عراقي هُجّرت عائلته إلى «إسرائيل») الذي يُشير عبره إلى «الرؤية الصهيونية التقليدية» ـــ دوراً فعّالاً في تزوير الحقائق وكتابة التاريخ من منظور عسكري واستعماري يبرّر قيام الدولة اليهودية بسردية غير مهنية ولا موضوعية. لكن ظهور مجموعة من المؤرّخين الجدد في الكيان العبري أمثال إيلان بابيه وآفي شلايم وبيني موريس أضافت نظرةً جديدة إلى قراءة تاريخ الصهيونية والاحتلال الإسرائيلي لفلسطين. أمر دفع بالمؤرخين القدماء من بينهم الصهيوني شبتاي تيفيث (1925 - 2014) مؤلّف سيرة رئيس وزراء العدو الأول ديفيد بن غوريون، إلى اتهامهم بأنّهم «ذوو دوافع سياسية ومناصرين للفلسطينيين ويهدفون إلى نزع الشرعية عن الصهيونية ودولة إسرائيل».</p> <p>في نصّه «النقاش حول 1948» (The Debate about 1948) الصادر عام 1995، بيّن شلايم أنّ «التاريخ هو، بمعنى ما، دعاية المُنتصِرين»، موضحاً أنّ المؤرّخين الكلاسيكيين لم يميّزوا بين كتابة التاريخ والبروباغندا، فدور المؤرّخ لا يكمن في «تأريخ» العمليات العسكرية وتدوينها، بل في قراءة الأحداث و«تقييمها». شارك شلايم مع موريس وبابيه في عمل مشترك قدّمهم في الساحة الأكاديمية والمهنية على أنّهم «مؤرّخون جدد» يعيدون كتابة التاريخ عبر نفي معظم الروايات التقليدية القائمة على الأساطير اليهودية والدعاية الصهيونية، وخصوصاً بعد حصولهم على وثائق كانت سرية وغير متاحة سابقاً للمؤرّخين القدماء. إذاً يعترف المؤرّخون الجدد بإنشاء الدولة اليهودية على أرض فلسطين بواقعية القوة العسكرية والسياسية، ويرون أنّ الوجود الصهيوني استعمار واحتلال قام تاريخياً على حساب السكان الأصليين بعد قتلهم وترهيبهم وطردهم وتطهير «الدولة» جغرافياً من غير السكّان اليهود. كذلك الأمر بالنسبة إلى المؤرخين اليهود خارج فلسطين المحتلة والمعادين للصهيونية أمثال المؤرّخ والباحث نورمان فينكلستين الذي يرى أن الكيان الصهيوني ومناصريه يستخدمون «بطاقة المحرقة» اليهودية لجرّ الغرب إلى التعاطف غير المشروط معه. كما كان موقف المنظّرة النسوية والجندرية جوديث بتلر التي أعلنت أكثر من مرة أنّها «يهودية غير صهيونية» تنظر إلى الوجود الإسرائيلي في فلسطين على أنّه استعمار واحتلال ذو نظام عنصري يرتكب العنف والجرائم بحق السكان الأصليين. لكنّ مع انطلاق عملية «طوفان الأقصى» في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، كان لبتلر بالتحديد موقف جديد مغاير لكلامها المعتاد عن الفلسطينيين والمقاومة الفلسطينية، وخصوصاً حركة «حماس». هذا التغيير في اللغة والطرح لدى الأكاديمية، يجب الوقوف عنده وتأمله باعتباره لغة خطابٍ جديدة ينتهجها العدو الصهيوني، مغلّفة بالتحليل المنطقي والتاريخي للصراع الفلسطيني الصهيوني الذي يدفع القارئ الغربي المحايد أو غير المتابع للمسألة، إلى قبول طرحها «العقلاني» وتبنّي موقفها الرافض «للعنف» من كلا الطرفين (الكيان الصهيوني من جهة وحركة «حماس» من جهة أخرى).</p> <p><br>في ما يلي نعرض موقف المؤرّخين والمنظّرين اليهود الثلاثة من «معركة الطوفان» والحرب على غزة التي تستمر لليوم الثامن والعشرين حيث يستعمل العدو الصهيوني أسلحة محرّمة دولياً ويرتكب جرائم حرب وإبادة من بينها: قصف المستشفيات، واستهداف المجمّعات السكنية المدنية والمكاتب الصحفية والإعلامية، وشن غارات على مدارس تابعة لوكالة الأونروا.</p> <p><strong>نورمان فينكلستين يتصدى للبروباغندا</strong><br>منذ بدء عملية «طوفان الأقصى» ظهر المؤرخ نورمان فينكلستين (1953) بدور هام وفعّال على منصّة إكس (تويتر سابقاً) متصدّياً للدعاية الصهيونية في الغرب. الباحث اليهودي المعادي للصهيونية الذي صرّح مراراً أنّه ينبغي لليهود عدم التحوّل إلى مضطهِدين لغيرهم لأنّ ذلك يجعلهم أسوأ من النازيين ويشوّه تاريخهم، قال في إحدى المحاضرات المصوّرة أخيراً أنه «لو كان لليهود قلوب لوقفوا بالتأكيد إلى جانب القضية الفلسطينيين ضد الصهيونية والاستعمار». يمكن اعتبار حساب فينكلستين على المنصّة بمثابة «فِلتر» للأخبار والمواقف المضلّلة التي تسهم في التلاعب بعقول وعواطف الجماهير عبر ترسيخ الرواية الصهيونية للصراع الفلسطيني الصهيوني. يعلّق المؤرّخ بشجاعة على تغريدات عدد من السياسيين والإعلاميين والمثقفين الغربيّي الانتماء والصهيونيّي الهوى، وإن كانت جذورهم شرقية مثل الإعلامي في قناة MSNBC مهدي حسن ذي الأصول الهندية، الذي نشر تغريدة عن خبر غير صحيح يقول فيها «إنّ أخذ الأطفال كرهائن، إذا تم تأكيده، هو، ببساطة واضحة، عمل همجي ولا يفعل شيئاً لدفع قضية السلام أو المقاومة أو إنهاء الاحتلال» (يجدر القول إنّ القناة استبعدته في ما بعد مع صحافيَّين آخرين لأنهم مسلمون). كما وصف فينكلستين بـ «الغباء» تغريدة عضو مجلس النواب الأميركي إلهان عمر الصومالية الأصل، التي تدين فيها «الأعمال المروّعة التي تحدث في إسرائيل ضد الأطفال والنساء والمسنّين والعزّل الذين يذبحون ويحتجزون كرهائن من قبل حماس». وقبل أيام، تحدّى تشاك شومر مطالباً بإجراء نقاشٍ هادف عن غزة بينهما. وفي لقاء آخر عبر منصة اليوتيوب في «برنامج كاتي هالبر» التي تعرّف عن نفسها عبر حسابها بأنها «يهودية من أجل الوقف الفوري لإطلاق النار» A Jew for #CeasefireNow، قال فينكلستين «إنّ التظاهرات في الغرب تقوم بفارق ملحوظ، تعليقاً على التظاهر في Grand Central Station بأنّها كانت مبهرة تحبس الأنفاس».</p> <p><strong>إيلان بابيه يشرّح الأزمة الصهيونية</strong><br>اشتهر المؤرّخ الإسرائيلي ومدير «المركز الأوروبي للدراسات الفلسطينية» في «جامعة إكستر» البريطانية إيلان بابيه (1954)، بعمله «التطهير العرقي في فلسطين» (The Ethnic Cleansing of Palestine ــــــ 2006) الذي يعدّ من الكتب الأكثر انتشاراً في الأوساط الأكاديمية والبحثية في ما يتعلّق بتاريخ الصهيونية الحديثة وإستراتيجيات احتلالها لفلسطين عام 1948، عبر التطهير العرقي بشتى الوسائل والأساليب. أبرز ما توصّل إليه بابيه في الكتاب ما وصفه بـ«الجريمة ضد الإنسانية» أي Plan Dalet (كان قد نشرها قبله المؤرخ الفلسطيني وليد الخالدي عام 1988)، الخطة المفصّلة التي تضمّنت أوامر مباشرة لعصابة الهاغاناه بالقتل المباشر وقصف القرى وزرع الألغام وهدم البيوت وإثارة الرعب في نفوس السكان الأصليين حتى يفرّ من يبقى منهم على قيد الحياة. علماً أنّ بابيه كان أستاذاً محاضراً في جامعة حيفا لأكثر من عقدَين، لكنّه تعرّض للضغوط والمضايقات والتهديد والطرد من الجامعة بعد عام على نشر كتابه، إذ أصبح «غير مرحّب به في إسرائيل» بسبب موقفه وأفكاره ورؤيته النقدية الجديدة لتاريخ الدولة اليهودية القائمة على أرض فلسطين.</p> <p><strong><span style="font-size: 14pt;">الصراع في كيان الاحتلال «بين الأبارتهايد العلماني والأبارتهايد المسيحاني الديني والثيوقراطي» (إيلان بابيه)</span></strong></p> <p>قبل أيام قليلة، ألقى إيلان بابيه محاضرة في «جامعة يو سي بيركلي» بعنوان «أزمة في الصهيونية: هل تكون فرصة لفلسطين؟» طرح في مقدمتها موضوع الحرب «الأهلية» الإسرائيلية (الثقافية) باعتبار أنّ السنوات الأخيرة قد أظهرت انقسامات بائنة في المجتمع، بالإضافة إلى تظاهرات حاشدة خرجت في الآونة الأخيرة للاحتجاج على تعديل الدستور الذي تحاول فيه الحكومة الإسرائيلية «إنشاء نظام سياسي جديد تتمتع بموجبه القوى السياسية بالسيطرة الكاملة على النظام القضائي، وسيكون المجال العام خاضعاً لسيطرة أكبر بكثير من قِبل الجماعات اليهودية الدينية والمسيحية». شرح بابيه أنّ الصراع على هوية «إسرائيل» كان محتّماً أن يحدث بين دولة يهودا «التي أنشأها المستوطنون اليهود في الضفة الغربية، وكانت، نوعاً ما، مزيجاً من اليهودية المسيحانية والتعصّب الصهيوني والعنصرية» وقد حاولت «فرض حياتها، وتصورها للحياة على بقية إسرائيل، خارج ما نسميه يهودا، بمعنى ما خارج الضفة الغربية أو المساحة اليهودية في الضفة الغربية»، وبين دولة إسرائيل المتمثلة في مدينة تل أبيب التي تقوم على «فكرة أنّ إسرائيل تعددية، ديموقراطية، علمانية، غربية، أوروبية إذا أردت، وتقاتل من أجل حياتها ضد دولة يهودا». يوضح المؤرّخ المعادي للصهيونية بأنّ دولة الاحتلال تجاهلت تماماً الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية وفي غزة، باعتبار أنّ الدولة الفلسطينية ضعيفة، والمناسبة لا تسمح بالنقاش في موضوع الاحتلال كجزء من «مستقبل إسرائيل». في الواقع، «كل من كان يحاول طرح الاحتلال كموضوع للاحتجاجات الأسبوعية ضد الإصلاح القانوني أو الثورة القانونية -كما يحلو لهم أن يسموها- طُلب منه المغادرة وعدم الظهور مع المجموعة الأكبر من المتظاهرين الذين كانوا يلوّحون بالعلم الإسرائيلي. بالتأكيد، لو أحضرت العلم الفلسطيني إلى تلك التظاهرة، فسوف تُضرب وتُطرد من التظاهرة». وأكمل قائلاً إنّ المواضيع الهامة لم يتم التطرق إليها أو السماح بمناقشتها لأنّ الصراع في دولة الاحتلال «هو في جوهره صراع بين شكلين من أشكال التمييز العنصري: الأبارتهايد العلماني الإسرائيلي حيث يتنعّم اليهود الإسرائيليون بديموقراطية تعددية، ديموقراطية على النمط الغربي، وهذا هو نوع الأبارتهايد الذي يريدون الحفاظ عليه، ولديك النسخة المضادة وهو الأبارتهايد المسيحاني الديني والثيوقراطي. لذا كانت المعركة عبارة عن قضية يهودية محلية تتعلق بنوع الحياة اليهودية التي ستكون في المجال العام من دون أي إشارة إلى حياة الفلسطينيين». وأشار بابيه إلى الصحافية في جريدة «هآرتس» عميرة هاس التي كتبت أنّه «طالما أنّ الإسرائيليين غير قلقين ــــ ينطبق هذا الأمر حتى تاريخ السابع من أكتوبر 2023 - فإن الاحتلال غير موجود، بمعنى أنه لم يعد مشكلة بعد الآن بل جرى حلّها».</p> <p>يوضح المؤرّخ الأكاديمي في محاضرته إلى أنّ «إسرائيل الآن تحت وهم بصري بسبب الصدمة التي مرّت بها في صباح السبت 7 أكتوبر، اختفت كل هذه الشقوق في البنية الصهيونية لأن هجوم «حماس» كان مؤلماً ومدمّراً إلى درجة نسيان كل السجالات الداخلية. اتحد الجميع خلف الجيش وخطته الحالية لغزو قطاع غزّة، وإكمال ما سبق أن بدأه بالفعل وهو سياسات الإبادة الجماعية على الأرض.</p> <p><strong><span style="font-size: 14pt;">اللغة التي يستخدمها مَن يُسمّون بـ «القوى التقدمية الليبرالية» تحصّن إسرائيل، ولا تسمح بتبرير النضال الفلسطيني ضد الاستعمار</span></strong></p> <p>لكنني أعتقد أن هذا مجرد وهم بصري، فالصراع الداخلي الإسرائيلي لم ينته وسيعاود الظهور».</p> <p>يوضح بابيه أن قراءة السابع من أكتوبر لا يجب أن تحدث بمعزل عن «سياقها ومسارها التاريخي: وهذا أمرٌ لن يتغير في الأسابيع المقبلة. فالواقع على الأرض لا يزال الواقع نفسه الذي كان قائماً قبل 7 أكتوبر. منذ عام 1929 على الأرجح، والشعب الفلسطيني منخرط في نضال من أجل التحرير. إنه نضالٌ ضد الاستعمار الاستيطاني وكل نضال مناهض للاستعمار يمرّ بمطبات ويمتلك لحظات من المجد، كما يمر بلحظاتٍ عصيبة من العنف، فإنهاء الاستعمار ليس عملية سلسة ومنظّمة، بل عملية بلا قوانين. وكلما طال أمد الاستعمار والقمع، كلما زاد احتمال أن يؤول إلى فورة عنيفة ومحرقة على صعد كثيرة. وهذا مهم جداً لتذكير الناس بتاريخ تمرّد العبيد في هذه البلاد، وكيف أُنهي الاستعباد». يذكر بابيه بأنّه في 7 أكتوبر الذي جرت فيه عملية «طوفان الأقصى»، يحتفل الإسرائيليون بالحب والسلام بينما يقبع على بُعد كيلومترين «وراء ذلك السور أكثر الحصارات وحشيةً في تاريخ البشرية، وهو حصار مستمر منذ أكثر من 15 عاماً». ويضيف إنّ «أكبر التحديات التي نواجهها كناشطين من أجل فلسطين أنّنا لا نستطيع تحدّي عقود من البروباغندا والتلفيقات والسرديات المضادة بالمقاطع الصوتية، وهذه مشكلتنا الرئيسية، نحن بحاجة إلى مساحة ووقت لشرح الواقع لأنّ الكثير من المنصّات والكثير من مصادر المعلومات والكثير من الأماكن التي تنتج المعرفة، رسمت صورة ووضعت تحليلات خاطئة عن فلسطين جرى تشكيلها على مرّ السنين بمساعدة الأوساط الأكاديمية والإعلام وهوليوود والمسلسلات التلفزيونية التي تؤثر على عقول الناس وعواطفهم». يشرح بابيه أنّ القصة المفبركة عن فلسطين لا يمكننا تحدّيها بقصة أو بالإحساس الفردي بالعدالة، بل نستطيع تحدّيها بإرفاق العدالة بالمعرفة التاريخية العميقة و«تحليل عميق ودقيق للواقع باستخدام اللغة الصحيحة لأنّ اللغة التي يستخدمها مَن يُسمّون بالقوى التقدمية الليبرالية تحصّن إسرائيل، ولا تسمح بتبرير النضال الفلسطيني ضد الاستعمار، ولا يجعله مقبولاً شرعياً».</p> <p><strong>جوديث بتلر تلعب على اللغة</strong><br>يمكن الانتقال بسلاسة بين ما قاله المؤرخ إيلان بابيه وما صرّحت به الأكاديمية النسوية جوديث بتلر. على الرغم من تناقض موقفيهما في قراءة عملية «طوفان الأقصى» وما قامت به المقاومة الفلسطينية، إلّا أنّ بتلر التي قالت في مقالها «بوصلة الحداد»: «أنا أدين من دون قيد أو شرط أعمال العنف التي ترتكبها حماس. كانت مذبحة مرعبة ومثيرة للاشمئزاز. كان هذا رد فعلي الأساسي، وهو مستمر»، حاولت اللعب على اللغة التي وصفها إيلان بابيه بأنها «لغة تحصّن إسرائيل ويستخدمها من يُسمون بالقوى التقدمية الليبرالية». تأرجحت بتلر في مقالها بين الاعتراف لغوياً بالوجود الإسرائيلي على أرض فلسطين بوصفه احتلالاً واستعماراً يقوم على «قصف بلا هوادة، وقتل الناس من كل الأعمار في منازلهم وفي الشوارع، والتعذيب في سجونهم، وأساليب التجويع في غزة وسلب المنازل. ويُمارس هذا العنف بأشكاله المتعددة ضد شعب يخضع لقواعد الفصل العنصري والحكم الاستعماري وانعدام الجنسية»، وبين إدانة ما قامت به المقاومة الفلسطينية من عملية جاءت ردة فعل على الاحتلال وقضم الأراضي وقتل الفلسطينيين. الخطير في ما تقدّمه بتلر كونها يهودية معادية للصهيونية ومنظّرة تحرير الجسد من القمع والضغط والسلطة، هي اللغة التي تستعملها في تناول عملية الطوفان وحق الفلسطينيين في الرد على الوحشية والاضطهاد اللذين يمارسهما العدو الصهيوني منذ ما قبل النكبة. تنادي بتلر بالعدالة وتدّعي فهمها وإدراكها للصراع التاريخي بين الاحتلال والفلسطينيين وتحاضر بالمثقفين والأكاديميين الذين حدّدوا موقفهم من الصراع بمناصرتهم «غير المشروطة» للقضية الفلسطينية بما في ذلك النقاش في عملية «طوفان الأقصى»، معتبرةً أن ما يقومون به من تبرير فعل حركة «حماس» برد طبيعي على جرائم الاحتلال والإبادة والتطهير الممنهجين هو ممارسة «شكل فاسد من التفكير الأخلاقي لتحقيق هذا الهدف». لا تخجل من مساواتها لطرفي الصراع، معتبرةً أنّ همجية الاحتلال الصهيوني تجاه الفلسطينيين هو «عنف» وما فعلته حركة «حماس» في «طوفان الأقصى» هو «عنف» أيضاً. هذا ما نبّه إليه إيلان بابيه في إجابته على طريقة الرد وتحدّي البروباغندا الصهيونية الغربية التي رسمت على مر العقود صورة غير حقيقية عن الفلسطينيين وزوّرت الواقع عبر وسائل الإعلام والأفلام والمسلسلات التلفزيونية.</p> <p><span style="font-size: 14pt;">نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 4-11-2023</span></p> <p> </p>
اقرأ المقال
<h1><strong><span style="font-size: 18pt;">تصريحات المسؤولين الصهاينة تحــت مجهر فرويد: زلّات اللسان تفضح حقيقة إسرائيل</span></strong></h1> <p><span style="color: #34495e;">منذ بدء عملية «طوفان الأقصى»، سادت لغة موحّدة في الحديث عن الحرب على غزة، استخدمها مثقّفون وكتّاب وأكاديميّون في الغرب، حتى أولئك الذين كانوا يدّعون أنّهم «معادون للصهيونية». لكنّ واقعية المعركة أظهرت بعد الأسبوع الثالث للحرب أنّ العدو لم يحقّق أهدافاً واضحة، ما جعله يعتمد سياسة «الأرض المحروقة». أما الدبلوماسيون الإسرائيليون الذين ألقوا خطابات شفهية مصوّرة، فقد كانوا «نجوم» الانزلاقات اللغوية التي فضحت نواياهم الفاشية التي حاولوا كبتها وقمعها حفظاً للصورة التي يحاول الكيان تصديرها للرأي العام</span></p> <p>لا شيء يحدث بالمصادفة، هكذا كان يعتقد مؤسّس التحليل النفسي والفيلسوف النمسوي سيغموند فرويد (1856-1939) الذي يُرجع كلّ سلوكاتنا البشرية واضطراباتنا النفسية ومنها الجسدية، إلى ما هو مكبوتٌ في اللاوعي. صحيح أنّه أَولى مرحلة الطفولة كل الاهتمام واعتبرها المحرّك الرئيس وراء تشكّل شخصية الفرد، فهي الفترة التي يخزّن فيها الطفل ما يراه ويختبره في الصغر من مواقف ومشاعر، إلا أنّ فرويد ناقش أهميّة الغرائز والرغبات الجنسية الأصل وغيرها من المشتهى والأمنيات والمشاعر - قد تكون إيجابية أو سلبية - التي تُقمع وتُكبت في باطن الشخص، فتنعكس في الظواهر السلوكية والأحلام (والكوابيس) والاستعمالات اللغوية وتعبيراتها. وفق أبي علم النفس الحديث، يمكننا أن نناقش دلالات استعمال اللغة و«زلّاتها» التي تشي بمكبوتات النفس، بعيداً قليلاً من منظور التحليل البنيوي اللغوي وفق مطوّر علم الألسنة ومؤسّس السيميائية فيردينان دو سوسور.</p> <p>لا شيء يحدث بالمصادفة، هكذا كان يعتقد مؤسّس التحليل النفسي والفيلسوف النمسوي سيغموند فرويد (1856-1939) الذي يُرجع كلّ سلوكاتنا البشرية واضطراباتنا النفسية ومنها الجسدية، إلى ما هو مكبوتٌ في اللاوعي. صحيح أنّه أَولى مرحلة الطفولة كل الاهتمام واعتبرها المحرّك الرئيس وراء تشكّل شخصية الفرد، فهي الفترة التي يخزّن فيها الطفل ما يراه ويختبره في الصغر من مواقف ومشاعر، إلا أنّ فرويد ناقش أهميّة الغرائز والرغبات الجنسية الأصل وغيرها من المشتهى والأمنيات والمشاعر - قد تكون إيجابية أو سلبية - التي تُقمع وتُكبت في باطن الشخص، فتنعكس في الظواهر السلوكية والأحلام (والكوابيس) والاستعمالات اللغوية وتعبيراتها. وفق أبي علم النفس الحديث، يمكننا أن نناقش دلالات استعمال اللغة و«زلّاتها» التي تشي بمكبوتات النفس، بعيداً قليلاً من منظور التحليل البنيوي اللغوي وفق مطوّر علم الألسنة ومؤسّس السيميائية فيردينان دو سوسور.</p> <p>نعم، كانت هناك إرادة واعية للحفاظ على اللغة الموحّدة في الحديث عن الحرب على غزة، تشارك في استخدامها المثقفون والكتّاب والأكاديميون في الغرب، حتى أولئك الذين كانوا يدّعون أنّهم «معادون للصهيونية». لكنّ واقعية المعركة أظهرت بعد الأسبوع الثالث للحرب أنّ العدو الصهيوني لم يحقّق أهدافاً واضحة، فهو لم يستطع التوغّل برياً إلى داخل غزة ولم يتوصّل إلى أماكن الرهائن المحتجزين لدى المقاومة الفلسطينية، ولم يتمكّن من استهداف أماكن المقاومة وقادتها. لأجل ذلك، انفعل الاحتلال عسكرياً وتعامل مع غزة بسياسة «الأرض المحروقة»، فتمادى في جرائمه الحربية محاولاً حرق كل شيء يمكن أن يستفيد منه خصمه بما فيها المستشفيات والكنائس والمساجد. انعكس هذا الواقع على الدبلوماسيين الصهاينة الذين ألقوا خطابات شفهية مصوّرة برزت فيها «انزلاقات لغوية» غير بريئة وفق مفهوم الـ Freudian slip، فضحت بها نوايا الخطيب ومشاعره التي حاول كبتها وقمعها في داخله خلال سيطرته على ما يخرج من كلامٍ على لسانه.</p> <p>منذ معركة «طوفان الأقصى» التي بدأت في السابع من تشرين الأول، شنّ العدو الصهيوني حرباً مكثّفة على قطاع غزة فحاصرها براً وبحراً وجواً وارتكب فيها عشرات الجرائم الحربية من دون أن يردعه القانون الدولي أو يخيفه العقاب اللاحق لقصف مدارس إيواء النازحين من الأطفال والنساء، واستهداف مستشفيات القطاع، وتفجير مكاتب الوكالات الإخبارية والمؤسسات الإعلامية، واستخدام الأسلحة المحرّمة دولياً. لكن جيش الاحتلال بقي محافظاً على خطابه في تجريم حركة «حماس» على قيامها بعملية «طوفان الأقصى»، وتبرئة نفسه من الجرائم التي لا يزال يرتكبها حتى اليوم في غزة بقوله إنّ مقاتلي حماس «يستعملون المدنيين في غزة دروعاً بشرية»، وإنّ المقاومة الفلسطينية تتخذ من أسفل المستشفيات «قواعد عسكرية» لها. لكنّ لغة الخطاب هذه وإن أراد الاحتلال استمرارها وتكرارها حتى تصبح واقعاً يصدّقه هو ومؤيّدوه قبل الآخرين، قد لا يستطيع دائماً قمع اللسان وفرض سلطة الوعي عليه، وبالتأكيد ستحدث زلّاتٌ لغوية تجد لنفسها طريقاً إلى الخارج.</p> <p>في مقابلة لها على قناة الـCNN الأميركية، استنكرت تال هينريش، المتحدثة باسم رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو، موقف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش واتهمته بأنّه منحاز «ضد إسرائيل» وأنّ «معاييره المزدوجة مجنونة». خلال اعتراضها على خطاب غوتيريش والدفاع عن حكومة الاحتلال، انزلق لسانها وقالت: «أستطيع القول لك إنّنا لا نستهدف أحداً في غزة سوى المدنيّين، حماس آثمة». ثم تنبّهت إلى الخطأ الفظيع الذي ارتكبته فعادت وصحَّحت: «بل سوى الإرهابيين طبعاً». الأمر ذاته تكرّر مع أمير ميمون، سفير الاحتلال الإسرائيلي لدى أستراليا، في خطابه الذي قال فيه: «أنا أيضاً مستاءٌ منذ السابع من أكتوبر، التركيز في الوقت الحالي على الجانب الآخر، الناس يحاولون اقتراح أنّ هناك نوعاً من المساواة الأخلاقية. ليس هناك من مساواة أخلاقية، نحن لسنا الضحايا». لكنّه صمت لثانية متنبّهاً للمصيبة التي تفوّه بها، فعاد واعتذر مصحّحاً خطأه: «عفواً، نحن الضحايا، نحن لسنا المعتدين، عفواً».</p> <p><strong><span style="font-size: 14pt;">«أستطيع القول لك إنّنا لا نستهدف أحداً في غزة سوى المدنيّين» (المتحدثة باسم رئيس وزراء العدو)</span></strong></p> <p>كان كلّ من هينريش وميمون يحاول الضغط على نفسه بهدف السيطرة على الوعي في سبيل ضبط اللغة وإيصال الرسالة المحضّرة مسبقاً، لكن الحقيقة الكامنة داخل كل منهما كانت أقوى من إرادة الوعي، ففي محاولتهما لقمع اللسان، انزلق وخرجت منه المفردات الصحيحة في سياق الحدث الذي يناقشون فيه. لم تقتصر الفضيحة هذه على الدبلوماسيين الإسرائيليين، فقد وقع رئيس وزراء كندا جاستن ترودو أيضاً في الانزلاق الفرويدي حين قال: «إنّنا نحتاج أن نرى وقف...» لكنّه توقّف وضرب بإصبعه على سطح المنصة الموضوعة أمامه لإلقاء الخطاب متراجعاً عن إكمال الكلمة التي خرج نصفها من دون قصدٍ على لسانه (ceasefire)، وصحّح كلامه: «نحتاج أن نرى هدنة إنسانية حتى نتمكن من التدفق، نحتاج إلى وقف مستويات العنف التي نشهدها». يعود تراجع ترودو عن طلب وقف إطلاق النار في غزة إلى امتناع الاحتلال الإسرائيلي والغرب المؤيّد له عن هذا المطلب باعتبار أنّه يُظهر ضعفه في هذه الحرب ويخدم المقاومة الفلسطينية في تخفيف الضغط عنها. ويمكن ملاحظة اللغة التي استخدمتها الجمعية العامة للأمم المتحدة التي لم تتناول كلمة ceasefire في تصريحاتها بل استبدلتها بتعبير «هدنة إنسانية» humanitarian pause. مثلما فعل الرئيس الأميركي جو بايدن في قوله: «أعتقد، إننا نحتاج إلى هدنة تسمح بخروج الرهائن».</p> <p><strong><span style="font-size: 14pt;">«الناس يحاولون اقتراح أنّ هناك نوعاً من المساواة الأخلاقية. ليس هناك من مساواة أخلاقية، نحن لسنا الضحايا» (سفير الاحتلال الإسرائيلي لدى أستراليا)</span></strong></p> <p>خلال شهر من الحرب التي لم يحقق فيها جيش الاحتلال وحكومته أيّ إنجاز عسكري، سمعنا مواقف وخطابات لكثير من السياسيّين والدبلوماسيّين الإسرائيليين والغربيين الداعمين للصهيونية «من دون شروط» الذين سارعوا إلى إدانة حركة «حماس» ووصف ما قامت به المقاومة الفلسطينية من عملية بطولية مذهلة بكلام من نوع: «جريمة شنيعة» و«عنف» و«إرهاب». كان هناك توحيد للخطاب واللغة والمصطلحات في الحديث عن «معركة الطوفان» رأيناه في أسئلة الإعلاميين والمحاورين على «أهم» قنوات التلفزة وأكثرها «احترافية» و«مهنية» مثل تلفزيون BBC. «إدانة حماس»، و«هل تدين ما فعلته حماس؟»، و«لا تستطيع أن تجلس هكذا من دون أن تدين حماس» وغيرها من الأسئلة التي كانت تُطرح على شكل Rhetorical questions أي أسئلة منطقية تطرح على الآخرين لكنّها لا تحتاج إلى إجابة، ولا ينتظر منها إجابة فعلية. كما كانت وزارة الخارجية الأميركية قد نبّهت دبلوماسيّيها في بداية الحرب عبر إيميلات داخلية عن اللغة التي يجب استخدامها في الحديث عن الحرب على غزة، وحذّرتهم من التعابير والمصطلحات التي لا تريدها أن تستعمل في أي تصريحات علنية أهمها: «خفض التصعيد/وقف إطلاق النار»، و«إنهاء العنف/ إراقة الدماء»، و«استعادة الهدوء» وفق موقع «هافينغتون بوست». وتجدر الإشارة إلى أنّ «هيئة الإذاعة البريطانية» BBC لم تستطع تحمّل ما يمكن تسميته «زلة لسان» مراسلتهم اللبنانية ندى عبد الصمد التي وصفت «حماس» بالمقاومة، فأوقفت من عملها بعد ما يزيد عن 25 عاماً من العمل لدى الإذاعة البريطانية.</p> <p><span style="font-size: 14pt;">نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 7-11-2023</span></p> <p> </p>
اقرأ المقال
<h1><strong><span style="font-size: 18pt;">انتحار معالج نتنياهو مزحة مجازية: إلا الصهيونية المسعورة أعيت مَن يداويها!</span></strong></h1> <p><span style="color: #7e8c8d;">«جاء بيبي عند الثالثة وادّعى أنّ منزلي هو منزله. حبَسني في القبو بينما كان يستمتع ببذخ مع أصدقائه في الطابق العلوي. عندما حاولتُ الهرب، وصفَني بالإرهابي ووضعني في الأغلال». هذا نصّ من مقالة قديمة كتبها مايكل ك. سميث بهدف نقد سياسات الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي لأرض فلسطين. إلا أنّ النصّ سرعان ما عاد إلى الواجهة مع العدوان الحالي على غزة، وانتشر كالنار في الهشيم على مواقع التواصل مع اختلاف في السردية. مَن نبش هذه القصة ولماذا؟ هنا محاولة لتتبّع المصدر وفهم الخلفيات والدوافع وراء الإضاءة على هذا النصّ الذي يعود إلى عام 2010</span></p> <p>قبل مدّة، انتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي وبعض المنصّات الإخبارية خبر انتحار موشيه ياتوم، الطبيب النفسي الخاص برئيس وزراء العدو الصهيوني بنيامين نتنياهو باعتبار أنه أنهى حياته أخيراً بسبب العدوان على غزة وارتكاب قوات الاحتلال ــ بأوامر من رئيس وزرائه ــــ جرائم حرب ومجازر وحشية أودت بحياة ما يزيد عن عشرة آلاف فلسطيني نصفهم من الأطفال الصغار. ورغم أنّ الخبر ليس صحيحاً، لكن ذلك لا يستبعد وحشية وإجرام ولا عقلانية نتنياهو في التعامل مع الفلسطينيين، وفي إدارته لحكومة الاحتلال.في البحث عن صحة الخبر ودقته، كانت هناك مرحلتان من التتبّع للوصول إلى أصل الحدث والنص المنشور أولاً عن انتحار الطبيب النفسي موشيه ياتوم الذي عالج بنيامين نتنياهو لمدة تسع سنوات كاملة، قبل أن يُقدم على الانتحار بكامل إرادته. المجموعة الأولى من المصادر ـــ العربية والغربية ــــ ادّعت أنّها تقصّت الخبر وجذوره حتى وصلت أخيراً إلى الحقيقة التي تُفيد بأنّ ياتوم كان فعلاً طبيب رئيس وزراء حكومة الاحتلال وبقي على تواصل معه عبر جلسات الاستماع والعلاج لسنوات، لكنّها تظهر للقارئ أنّ الخبر ليس دقيقاً في ما يتعلّق بتاريخ موت ياتوم الذي أنهى حياته في عام 2010. تشاركت تلك المصادر في نقل المعلومات ذاتها عن المعالج النفسي الذي أمضى حياته في خدمة مهنته، وحقّق نجاحات عديدة في مساعدة مرضاه النفسيين لتخطي أزماتهم وفهم دوافعهم الداخلية اللاواعية. هذه المواقع الإخبارية لم تنسَ أن تنقل نص رثاء المجتمع الطبي النفسي في الكيان الصهيوني الذي نعى ياتوم مذكّراً بمسيرته المهنية وخدمته المخلصة لرئيس الوزراء الصهيوني لسنوات طويلة، قبل أن يدرك أنّ محاولاته المستمرة لم تنجح في مساعدة نتنياهو للتحسن نفسياً وعقلياً، وأنّه فشل في فهم عقل نتنياهو المليء بالتناقض الذاتي واصفاً إياه بـ«شلال الأكاذيب».</p> <p>أما المرحلة الثانية من البحث الأعمق، فقد جاءت في محاولة تقصّي الخبر الأول، والوصول إلى المصدر الذي نَشر للمرة الأولى عبر الإنترنت اسم الطبيب وقصة الانتحار ومضمون الرسالة التي تركها ياتوم، وبالفعل كانت هناك مقالة باللغة الإنكليزية للكاتب مايكل ك. سميث بعنوان «انتحار الطبيب النفسي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو»، تعود إلى تاريخ 23 حزيران (يونيو) من عام 2010. وفي هذه المقالة، نشر سميث تفاصيل من مذكرة وفاة موشيه ياتوم كما كتب بخط يده: «نتنياهو امتصّ الحياة منّي»، و«لا أستطيع أن أتحمّل الأمر بعد الآن.. السرقة فداء، والفصل العنصري حرية، ونشطاء السلام إرهابيون، والقتل هو دفاع عن النفس، والقرصنة شرعية، والفلسطينيون أصلهم أردنيون، والاستيطان تحرير، ولا نهاية لتناقضاته»، مستخلصاً أنّ مؤسّس التحليل النفسي الفيلسوف سيغموند فرويد «وعد بأن العقلانية ستسيطر على المشاعر الغريزية، لكنه لم يلتقِ ببيبي نتنياهو قط». وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ هذا النص حقيقي، فهو موجود فعلاً للكاتب سميث، لكنّه منشور تحت تصنيف «هجاء سياسي» (political satire)، لصاحب كتاب «جنون الملك جورج: الجنون العبقري لأكثر رئيس أسيء تقديره» (2003) الذي يتحدث عن مدة حكم الرئيس الأميركي جورج دابليو بوش وقراراته السياسية. ما يعني أنّ المقال عن انتحار موشيه ياتوم هو في الأصل كما نقلت وكالة «أسوشييتد برس» الأميركية، «قصة» متخيّلة اخترعها سميث «كان الغرض منها لفت الانتباه إلى الجنون اليائس للسياسة الإسرائيلية بطريقة مسلّية». إذاً أراد الكاتب أن يُحاكي جنون الاحتلال الصهيوني تجاه ما يرتكبه من جرائم بحق الفلسطينيين. في النص الأصلي، يقول سميث عن لسان الطبيب المنتحر: «جاء بيبي عند الساعة الثالثة بعد الظهر لحضور جلسته، وفي الساعة الرابعة رفض المغادرة وادّعى أنّ منزلي هو منزله بالفعل. ثم حبَسني في القبو طوال الليل بينما كان يستمتع ببذخ مع أصدقائه في الطابق العلوي. وعندما حاولتُ الهرب، وصفَني بالإرهابي ووضعني في الأغلال. لقد توسّلت إليه أن يرحمني ويتركني، لكنه قال إنه من الصعب أن يمنحها (الرحمة) لشخصٍ لم يكن موجوداً من الأساس».</p> <p>وفي محاولةٍ للعثور على الطبيب الحقيقي موشيه ياتوم، لم تكن هناك أي معلومات عنه لا باللغة الإنكليزية ولا بالعربية، باستثناء ما جاء عن تاريخ انتحاره عبر نص سميث. وبالتالي يمكن القول إنّ المعالج النفسي شخصية وهمية اخترعها الكاتب لتكون جزءاً من روايته وتخدم الفكرة التي يحاول إيصالها للقارئ الغربي. عبر مؤلفات سميث التي تتشارك في نقد الحكومة الأميركية وقراراتها السياسية الداخلية والخارجية، ونقد الاحتلال الإسرائيلي بوصف رئيس حكومة العدو بالـ«مجنون» والـ«مليء بالتناقضات الذاتية» و«شلال من الأكاذيب»، يمكن القول إنّه يحاول توعية القارئ المؤيد للصهيونية في الغرب بأنّ «الوجود الإسرائيلي» على أرض فلسطين ما هو إلا احتلال واستيطان غير شرعي جاء نتيجة فرض القوة العسكرية.</p> <p lang="en"><strong><span style="font-size: 14pt;">Netanyahu didn't have a psychiatrist who killed himself. That is an obvious satire article, genius. No wonder you believe in insane conspiracies. <a href="https://t.co/MsiayP74E3">pic.twitter.com/MsiayP74E3</a></span></strong></p> <p><strong><span style="font-size: 14pt;">— Ridvan Aydemir | Apostate Prophet (@ApostateProphet) <a href="https://twitter.com/ApostateProphet/status/1722413268319326290?ref_src=twsrc%5Etfw">November 9, 2023</a></span></strong></p> <p>قد يسأل القارئ عن سبب استخدام سميث لشخصية الطبيب النفسي في قصته، وسبب عدم اختياره أي شخصية أخرى ذات مهنة مختلفة وعلاقة مغايرة للطبيب النفسي ومريضه. يمكن تحليل هذا الاختيار بربطه بإدراك الكاتب لهيمنة السردية الصهيونية على المجتمعات الغربية، عبر وسائل الإعلام الكلاسيكية التي تنقل الأخبار عن الصراع الفلسطيني الصهيوني بلسان الاحتلال، حتى يظهر للعالم على أنّه الضحية، ويكسب التأييد لمشروعه الاستعماري. ربما أراد الكاتب أن يظهر لنا أن رئيس الحكومة هو بالفعل «ضحية»، لكنه ليس ضحية الآخرين، إنّما ضحية نفسه وعقله غير المتوازن وتاريخه الشخصي المتطرّف، فهو يعاني من اضطرابات وتناقضات كثيرة تجعله يقتنع بالأكاذيب التي يختلقها، ويبرّر لذاته الجرائم التي يرتكبها بحق الآخرين. إنّ دلالة تقصّد سميث لتقديم شخصية المعالج النفسي والقول إنّه بقي يقدّم جلسات علاجية لنتنياهو لمدة تسعة أعوام، تظهر أنّ الطب النفسي هو في الأصل وفق فرويد يعمل لفهم العقل الباطني ومكبوتات النفس والصراع بين الوعي واللاوعي، عبر جلسات الحوار بين الطبيب والمريض والتداعي الحرّ الذي من شأنه أن يدفع بالذكريات والرغبات المكبوتة للخروج عبر اللسان. كما أنّ من السمات المهنية للطبيب النفسي أن يكون «صحيحاً» قادراً على سماع اضطرابات الآخرين النفسية والعقلية والتوصل مع المريض إلى إيضاحات عن مشاعره وأفكاره، تسهم في تقدّم حالة المريض النفسية وعلاجها مع الوقت. لكن الأهم في هذه القصة المتخيّلة أنّ الطبيب النفسي الذي يمثّل الوعي والإدراك والمعرفة، بقي يحاول لسنوات مع نتنياهو إلى أن فشل في علاج جنونه وأقدم على قتل نفسه، ما يوحي بأنّه لا يمكن لأي «عاقل» أن يرى أفعال الاحتلال وممارساته العنصرية على أنّها «طبيعية» أو «مبرّرة» يمكن «الدفاع عنها». ودلالة سنوات العلاج التسع تُظهر أنّ الخداع الصهيوني للجمهور في الغرب قد يستمر لمدّة لكنه في النهاية سيظهر على حقيقته، فلا كذبة تستطيع النجاة إلى الأبد.</p> <p>هنا تجدر الإشارة إلى أنّ «جنون» نتنياهو ليس مبرّراً لما يقوم به الاحتلال الصهيوني من انتهاكات للقوانين الدولية وارتكاب جرائم حرب في العدوان على غزة أبرزها الاستهداف المباشر والمتعمّد للمستشفيات كافة ولمدارس الإيواء التي يحتمي فيها الأطفال والنساء والمدنيون. يجب التنبّه هنا وطرح سؤال: مَن المستفيد من إعادة نشر قصة انتحار طبيب نتنياهو وشخصيته المجنونة في هذا الوقت تحديداً؟ لوضوح احتمال أن يكون العدو الصهيوني وراء هذا التعويم بهدف التخلّي عن المسؤولية والتهرب منها أمام المجتمع «الإسرائيلي» والرأي العام الدولي، والأهم من ذلك كله أمام المحاكم الدولية التي قد تحاول -تحت الضغط- الحفاظ على ماء وجهها في المرحلة اللاحقة للعدوان على غزة، فينجو الاحتلال الصهيوني من العقوبات الدولية باعتباره كان تحت سلطة رئيس الوزراء، فبذلك يتحمّل نتنياهو «المجنون» وحكومته مسؤولية الجرائم كلها، ويخرج كيان الاحتلال بريئاً من كل ما حدث.</p> <p><strong><span style="font-size: 14pt;">منهم من يقول بالفم الملآن: «خدعونا وغسلوا دماغنا لسنوات، الآن نرى الحقيقة، نرى ما يحدث في غزة»</span></strong></p> <p>لكن ماذا عن «عقل» نتنياهو الحقيقي، بعيداً من القصة المتخيّلة (المبنية على الشخصية الواقعية)؟ منذ عملية «طوفان الأقصى» التي خططت لها ونفّذتها «كتائب القسام» الجناح العسكري لـ«حركة حماس» في السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، تعرّض رئيس حكومة العدو لموجة من الهجوم والانتقادات من المجتمع «الإسرائيلي»، ليس فقط لفشله في تحديد الهدف من الحرب على غزة أو تحقيق أي إنجاز عسكري، بل لـ «تهرّبه من المسؤولية» و«تخبّطه في مواقفه» و«عدم اتزانه في تصريحات يجبر بعدها على الاعتذار تحت الضغط»، مثلما رأيناه يحذف تغريدة نشرها على موقع إكس يحمّل فيها أجهزة استخبارات العدو كامل المسؤولية لفشلها في التصدي لعملية «الطوفان»، لكنه عاد وحذفها معتذراً. في دراسة بحثية أجراها الباحث وأستاذ علم النفس في «جامعة تل أبيب» شاؤول كيمخي، عبر قراءة شخصية نتنياهو عبر كتبه وخطاباته ومقابلاته الصحافية وأفكاره وتصرفاته وسلوكه، توصّل إلى أنّه ذو شخصية egocentric تلتف حول ذاتها وترى في ما تفعله صواباً مطلقاً. يسعى نتنياهو إلى تحقيق النجاح الشخصي على حساب الأيديولوجيا ولا يتردّد في استغلال الآخرين من أجل تحقيق مبتغاه، فهو يسعى إلى السيطرة تحثّه رغبة عالية للبقاء في السلطة. يشرح الباحث أنّ نتنياهو يعاني التوتر المفاجئ الذي يجعله يشعر بعدم الأمان والخوف من الفضيحة ووسم الآخرين له بالفشل، وإنّ توتره وخوفه يجعلانه مضطرباً ومتسرّعاً في التعامل مع الأحداث غير المتوقعة، حتى أنّه قد يقدّم وعوداً كبيرة غير واقعية أو يوقّع اتفاقيات من دون تأنٍّ في دراستها. الخداع والتضليل هما لعبة نتنياهو، فهو يجيد الخطابة والتحدث مع الصحافة باستخدام اللغة التي تتناسب مع مصالحه والسردية التي يريد تصديرها، فلا يتوانى عن فبركة الأخبار واختراع أحداث غير حقيقية تسهم بنسبة معينة في دعم موقفه، تماماً مثل الصورة التي نشرها وهو يزعم أنّها لـ «طفل إسرائيلي أحرقته نيران حماس»، لكن الإعلامي الأميركي المعادي للصهيونية جاكسون هينكل نشر عبر صفحته على موقع إكس أن الصورة مزيّفة وقد تمّت فبركتها باستخدام الذكاء الاصطناعي وهي تعود في الأصل إلى «كلبٍ في عيادة الطب البيطري».</p> <p>وبالعودة إلى انتشار نص مايكل ك. سميث في معركة «طوفان الأقصى» والعدوان الصهيوني على غزة، فإنّ السبب وراء ذلك يكمن في حقيقة أنّ ما هو مكتوب في القصة يتطابق مع ما يحدث اليوم في فلسطين. صحيح أنّ ثلاثة عشر عاماً تفصل بين كتابة سميث لنصّه المتخيّل وبين حرب أكتوبر 2023 على قطاع غزة، لكن العدو الصهيوني ما زال عنصرياً، مجرماً، متوحشاً، مجنوناً، يعاني من «انفصام» وازدواجية معايير، كما أنّ الخداع الذي طال عقول الناس لعقود نراه اليوم يسقط ويخرج مئات آلاف الأميركيين والأوروبيين يتظاهرون في واشنطن ولندن وبرلين وباريس لوقف الجرائم الحربية على غزة، ومنهم من يقول بالفم الملآن: «خدعونا وغسلوا دماغنا لسنوات، الآن نرى الحقيقة، نرى ما يحدث في غزة»</p> <p><span style="font-size: 14pt;">نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 17-11-2023</span></p> <p> </p>
اقرأ المقال
<h1><strong><span style="font-size: 18pt;">غزة أكبر سجن مفتوح في العالم: يومَ امتلكَ المستعمَرون المعرفة... ونسفوا الـ«بانوبتيكون»</span></strong></h1> <p><strong>في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، قامت «كتائب القسام» الجناح العسكري لـِ «حركة حماس» بعملية «طوفان الأقصى» التي وصفها آلاف المتضامنين مع القضية الفلسطينية، من بينهم مؤرّخون ومنظّرون وأكاديميّون وخبراء عسكريون، بأنّها بطولية ومذهلة. يأتي هذا التوصيف مع إدراك للواقع الذي يعيشه قطاع غزة كونه محاصراً من قبل الاحتلال الصهيوني تحدّه مواقع عسكرية وحواجز وكيبوتسات استيطانية، والكثير من المراقبة المشددة لكل ما يتحرّك في القطاع حتى أودت بحكومة الاستيطان إلى بناء جدار يمتد من باطن الأرض إلى عشرة أمتار فوقها. في هذه المقالة، محاولة لنقد مفهوم الـ«بانوبتيكون» أي برج المراقبة المركزي وفق المنظّر الإنكليزي جيرمي بنثام، في ضوء «الطوفان» باعتبار أنّ المعرفة ـــ وفق الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو ـــ مرتبطة بالسلطة وممارستها لقوتها، وبأنّ امتلاك «السكان الأصليين» للمعرفة والوعي ـــ وفق فرانز فانون ــــ هو بداية التحرر من الاستعمار الذي قدّمه جان بول سارتر على أنّه ذو عنفٍ «يجرّد السكان الأصليين من إنسانيتهم ويقوم بعمليات التطهير»</strong></p> <p>في كتابه الشهير «المراقبة والعقاب: ولادة السجن» (1975)، تناول الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو (1926-1984) فكرة «البانوبتيكون» انطلاقاً من تصميم المنظّر الإنكليزي جيريمي بنثام (1748-1832) الذي أراد إيجاد طريقة تستطيع السلطة عبرها مراقبة كل الأفراد الخاضعين لها بأسهل وسيلة ممكنة. وجاءت كلمة «بانوبتيكون» في الأصل من اللغة اليونانية لتعني «كل الرؤية»، أي القدرة على ترقّب جميع الموجودين. طرح بنثام تصوّره المعماري للسجن الذي يحتوي عدداً كبيراً من المسجونين، تتم مراقبتهم وترقّب تصرفاتهم طوال الوقت عبر برجٍ مركزي مرتفع يعتليه سجّان أو مشرف واحد. تمتاز غرف المعتقَلين بنافذة مصمّمة في مواجهة البرج، تُمكّن الموظّف من رؤية ما يحدث في كل الغرف من دون الحاجة لأن يتحرّك من مكانه، بينما لا يكون باستطاعة المسجونين أن يشاهدوا المراقب أو أن يعرفوا أي شيءٍ عنه. تطوّرت فكرة «البانوبتيكون» لتأخذ شكل المؤسّسات والمصانع التي وَجدت أنّ من مصلحة استمراريتها وضمان زيادة إنتاجها أن تراقب العمّال أثناء تأديتهم وظائفهم. يرى فوكو أنّ «البانوبتيكون» أصبح رمزاً للسيطرة الاجتماعية التي تمتدّ إلى حياة المواطنين اليومية عبر مؤسسات السلطة التي تختلف أشكالها من مدارس ومؤسسات ومستشفيات، ويهدف إلى تهديد حرية الفرد واختراق وعيه، فيقنعه بأنه خاضع للإشراف والمراقبة المستمرة والمتواصلة. هذا الخوف من مشاهدة السجّان (أو المراقب) له تجعل جسده طيّعاً إلى درجة أنه سيضبط نفسه بنفسه. يربط فوكو بين مفهومَي المعرفة والسلطة، باعتبار أنّ المعرفة هي شكل من أشكال السلطة وهي بمثابة قوة تمتلكها الجهة القادرة على جمع المعلومات والاستحواذ عليها. هنا يمكننا اقتراح نقدٍ ثنائي الأبعاد لمفهوم «البانوبتيكون» في ظل الحديث عن عملية «طوفان الأقصى»: البُعد الأول يتناول اتجاه «البانوبتيكون» والترتيب الطبقي للطرفين المنخرطين فيه: المسجونون والسجّان، بينما يقوم البُعد الثاني على مركزية السلطة التي تراقب الجميع.</p> <p>يسير «البانوبتيكون» في وظيفته وممارسته للسّلطة في اتجاه واحدٍ ثابت: من السجّان إلى المسجونين، بحيث يستطيع السجّان أن يراقب المسجون ويجمع المعلومات عنه وعن تحركاته لحظة بلحظة من دون أن يتمكن الأخير من معرفة أي شيء عن الذي يراقبه. يُعد قطاع غزة أكبر سجنٍ (مفتوح) في العالم، يمتد على 365 كيلومتراً مربعاً ويسكنه ما يزيد عن مليونَي شخص، وهو محاصرٌ من الاحتلال الصهيوني الذي يتمتع بالسيطرة الكاملة على المجال الجوي والمياه الإقليمية الخاصة به. في غلاف غزة، أي المنطقة التي تحيط بالقطاع وتخضع لسلطة الاحتلال، مواقع عسكرية ومستوطنات يهودية ومعابر ونقاط تفتيش عدة تحاصر الغزّيين وتراقب تحركاتهم اليومية وتحدّد لهم حصتهم من المياه والبضائع. كما أنّها تجمع معلومات استخباراتية عنهم بوتيرة متواصلة. عبر عقود من المراقبة والسيطرة، كان العدو الصهيوني يسعى إلى بث الخوف والرعب في نفوس الفلسطينيين «المسجونين» في غزة، حتى يقتنعوا نفسياً أنّهم تحت مراقبة مباشرة، وإن لم تبقَ المراقبة هذه مادية ومتواصلة ليل نهار. لكن يبدو أنّه في السابع من أكتوبر، حين نفّذت المقاومة الفلسطينية عمليتها «طوفان الأقصى» وخرجت من «سجنها» متجهةً إلى مراكز المراقبة في غلاف القطاع، سار «البانوبتيكون» عكس طبيعته الأصلية. بعدما كان السجّان/ المراقب يمثّل طبقة أعلى من المسجونين ويعتلي البرج المركزي ويجمع المعرفة عن كل من يخضع للمراقبة، تبدّلت الأدوار وسارت في الاتجاه المعاكس، إذ نجحت المقاومة الفلسطينية في مراقبة مراكز الاحتلال وجمع المعلومات الدقيقة عن المستوطنين والجنود ومن ثم مهاجمتهم وأسر المئات منهم. يمكن القول إن الصهيوني الذي تعامل مع «البانوبتيكون» على أنّه سلاح فعّال ومستمر، قد عرّض نفسه للخضوع له نفسياً باعتباره موجوداً دائماً وسيؤدي ــ من دون شك ـــ وظيفته المعتادة. هنا تظهر الـ«تويست»، فعوضاً عن أن يعمل «البانوبتيكون» في التأثير نفسياً وجسدياً على المسجونين (وهنا الغزّيين)، وجدناه قد أصاب السجّان (جنود الاحتلال) وجعله مستسلماً لتأثيره باعتباره شديد الأمان وغير قابلٍ للاختراق.</p> <p>أما في ما يخص البعد الثاني لـ «البانوبتيكون» أي مركزية برج المراقبة الذي يراقب جميع الأفراد المسجونين، فقد وجدنا أنّ الواقع قد تبدّل. هناك لا مركزية في موضع المراقَب (الجهة الفلسطينية)، إذ أدّى الغزّيون دور المترقّب لتحرّكات العدو الصهيوني ولم تنفرد جهة أو فرد بهذه المهمة. صحيح أن المعرفة التي كوّنتها المقاومة الفلسطينية تعد الأساس ونقطة البداية، إلا أنّ الغزّيين تحوّلوا بمعظمهم إلى مراقبين وموثّقين لممارسات العدو وجرائمه في القطاع. بدل أن يكون هناك برج مراقبة مركزي واحد، أو عين/ عدسة/ نافذة للتلصّص على مليونَي فلسطيني في غزة، بات كل من يحمل هاتفاً محمولاً فيه كاميرا وموصول بشبكة الإنترنت -سواء كان مدنياً أم صحافياً أو مصوراً- يستخدمه لمراقبة الاحتلال وجمع المعلومات وتوثيق أفعال العدو المجرمة. هنا انقلبَت صورة «البانوبتيكون» الأصلية، إذ أصبح السجناء يستطيعون رؤية السجّان من النوافذ الصغيرة لغرف زنازينهم.</p> <p>تشكّل المعرفة التي حصّلتها المقاومة الفلسطينية في مراقبتها لقوات الاحتلال والمستوطنات والكيبوتسات الموجودة على حدود القطاع نقطة قوة بالنسبة إليها، ففوكو يتعامل مع المفهومين (المعرفة والقوة/ السلطة) بأنّهما مترابطان بشكل لا يمكن فصله. يعني ذلك أنّ الجسم الخاضع للاستعمار لم يعد ضعيفاً، بل بات يمتلك قوة اكتسبها من المعرفة الجديدة التي حصّلها، بعدما استبدّ المستعمِر في الماضي بسلطته الناتجة عن كمّ المعلومات والمعرفة الذي كان قد جمعه عن أصحاب الأرض. أدركت المقاومة الفلسطينية حقيقة القوة التي امتلكتها منذ اللحظة التي تحرّرت فيها من السيطرة النفسية التي كان الاحتلال الصهيوني قد فرضها عبر آلياته العسكرية وجهاز أمنه واستخباراته. يقول الطبيب النفسي والفيلسوف القادم من جزر المارتينيك فرانز فانون في كتابه «معذبو الأرض» (1961): «لقد وضعَت أوروبا بأرجلها على أراضينا، فينبغي أن نظل نجرحها إلى أن تسحبها. واللحظة مؤاتية، فما من شيء يحدث في بنزرت أو في إليزابث فيل أو في مجاهل الجزائر، إلا وتعلم به الأرض قاطبة، والكتل المتعارضة، ويهيب بعضها البعض، فلنستفد من هذا الشلل، ولندخل التاريخ، وليكن دخولنا المفاجئ هذا عاملاً يجعل التاريخ عاماً للمرة الأولى، لنقاتل، وحسبنا الخنجر الصابر سلاحاً إذا أعوزتنا أسلحة أخرى». وهكذا تفعل المقاومة التي أدركت أخيراً أنّ العدو الصهيوني ليس بالإله الذي لا يقهر، بل إنها تستطيع أن تجعله ينزف إلى أن يفقد توازنه ويقتنع أنّ لا مكان له على أرضها.</p> <p>يقول الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر في تقديمه لكتاب فانون: «إن هذا المناضل يحرق المراحل. انظروا إلى صبره الطويل. يحلم أحياناً بـِ «ديان-بيان-فو» جديدة (ويقصد المعركة المصيرية «ديان بيان فو» التي انتصرت فيها قوات اتحاد تحرير فيتنام على الجيش الفرنسي الذي كان مدعوماً من قوات من حلف الناتو في آذار/ مارس 1954). لكن ثقوا بأنّه لا يعتمد على ذلك حق الاعتماد. أي صعلوك يناضل، وهو في الفقر والبؤس، ضد أناس أغنياء مسلّحين تسليحاً قوياً، وهو إذ ينتظر الانتصارات النهائية، أو لا ينتظر شيئاً في كثير من الأحيان، يثير في أعدائه الحقد، ولا يتحقق هذا من دون خسارات فظيعة. إنّ جيش الاستعمار يصبح كاسراً، فهو يرتكب عمليات تطهير ويشن حملات انتقامية، ويقتل النساء والأطفال، والمناضل يعرف ذلك. إنّ هذا الإنسان الجديد يبدأ حياته من نهايتها. إنّه يعد نفسه ميتاً بالقوة. نحن نجد إنسانيتنا سابقة على الموت واليأس، أما هو فيجدها بعد العذاب وبعد الموت. نحن كنا ننثر هواءً، أما العاصفة فهو. إنّه ابن العنف يستمد منه في كل لحظة إنسانيته، لقد كنّا بشراً على حسابه، وهو يصبح بشراً على حسابنا، يصبح إنساناً أفضل». وبالفعل، رأينا حكومة الاحتلال تبرّر إبادتها للفلسطينيين في غزة وتطهير الشمال من سكانه، بنزع الإنسانية عنهم ووصفهم بـ«الـحيوانات البشرية» في الوقت الذي يشن فيه العدو حربه على مستشفيات القطاع ومدارس إيواء النازحين المكتظة بالأطفال والنساء وكبار السن، ويستهدف المدنيّين في التجمعات السكنية والطبية. يضيف سارتر: «لقد أصبحت أساليبنا رثةً باليةً: قد تؤخّر التحرّر في بعض الأحيان، ولكنها لن توقفه.. إن أساليبنا المكيافلية ليس لها سلطان كبير على هذا العالم الذي تيقظ تيقظاً قوياً وفضح أكاذيبنا واحدة بعد الأخرى».</p> <p><strong><span style="font-size: 14pt;">كتب سارتر في رسالة إلى الأوروبيين: تتظاهرون أنكم نسيتم أنّ لكم مستعمرات وأنّ أناساً يمارسون القتل الجماعي باسمكم</span></strong></p> <p>حاول الاحتلال لعب دور الضحية عبر وسائل إعلامه الكلاسيكية والرقمية وسانده في ذلك الغرب المؤيّد للاستعمار الصهيوني «من دون شرط»، فكان يروّج لرواية الاحتلال عبر نشر الأكاذيب والأخبار الملفّقة من خبر «الأطفال الإسرائيليين مقطوعي الرأس» إلى «الطفل المحروق والمتفحّم» والمعلومات التي ادّعوا فيها أن هناك قواعد عسكرية للمقاومة الفلسطينية أسفل مباني مستشفيات غزة. ما أظهرته الصحافة الغربية من ازدواجية المعايير في تعاملها مع الظلم والمجازر التي يتعرض لها سكان غزة ورفضها طلب وقف إطلاق النار، بعد عقود من ادّعائها الحرية والديموقراطية، يعود بنا إلى كلام سارتر في رسالته الموجّهة إلى الأوروبيين: «يا لها من ثرثرة: حرية، مساواة، أخوة، محبة، شرف، وطن، ولا أدري ماذا أيضاً! كأنّ هذا الكلام لا يمنعنا من أن نقول في الوقت نفسه كلاماً ينمّ عن عصبية عرقية: زنجي قذر... لم يستطع الأوروبي أن يجعل نفسه إنساناً إلا بخلق عبيد ومسوخ. إنكم وأنتم مَن أنتم، من تحررية وإنسانية وحبّ للثقافة إلى حدّ التصنع، تتظاهرون بأنكم تنسون أنّ لكم مستعمرات، وأنّ أناساً يرتكبون القتل الجماعي باسمكم. إنّ ضحايانا يعرفوننا بواسطة جراحهم وأغلالهم: وهذا ما يجعل شهادتهم صادقة لا ترد، يكفي أن يظهروا لنا ما صنعناه بهم حتى نعرف ما صنعناه بأنفسنا».</p> <p><span style="font-size: 14pt;">نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 18-11-2023</span></p>
اقرأ المقال
<h1><strong><span style="font-size: 18pt;">آلة حربية استعمارية تمعن في التضليل وازدواجية المعايير</span></strong></h1> <p>منذ السابع من أكتوبر، سارع الإعلام الأوروبي والأميركي إلى تقديم دعمه غير المشروط في خدمة البروباغاندا الصهيونية القائمة على نشر الأكاذيب واستخدام الذكاء الاصطناعي في تزوير الصور لسرد تفاصيل الحرب بما يخدم مصالح جيش الاحتلال الاستيطاني. عملية تبادل الأسرى لم تشذّ عن هذه القاعدة!</p> <p>منذ بداية العدوان الصهيوني على قطاع غزة عقب تنفيذ عملية «طوفان الأقصى» في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، شهدنا كيان الاحتلال يجيّش وسائل إعلامه لخدمة روايته المضلّلة في الحديث عن «كتائب القسام» والمقاومة الفلسطينية، والمدنيين الغزيّين الذين وصف جلّهم بأنهم «ليسوا بشراً»، وبالتالي يحقّ إبادتهم. يومها، سارع الإعلام الغربي إلى تقديم دعمه غير المشروط لخدمة البروباغاندا الصهيونية القائمة على نشر الأكاذيب واستخدام الذكاء الاصطناعي في تزوير الصور لسرد تفاصيل الحرب بما يخدم مصالح جيش الاحتلال الاستيطاني. لم يكتفِ العدو بذلك، بل استخدم كل وسائله التي أثبتت فشلها بسرعة غير مسبوقة، مثل التمثيل وتنكرّ إسرائيليين (ممثلون/ فنانون هزليون/مستخدمو مواقع تواصل) بدور فلسطينيين من غزة، راحوا يشكون «حماس» أو يقدّمون تمثيلية عسكرية تشتري لهم بعض الوقت من التأييد المحلي والعالمي لآلة الحرب المتوحشة التي مارست مذابح وإبادات لعشرات آلاف الغزّيين.</p> <p>في قراءة الإعلام الغربي خلال العدوان على غزة، ظهرت بوضوح شديد ازدواجية المعايير في التعامل مع الفلسطينيين والأخبار المتعلقة بكل ما كان يحدث في الحرب. ويمكن القول إنّ أبرز ما نقده، حتى كثيرون من الغربيين المعادين للصهيونية، يتلخّص في اللغة المستخدمة في الحرب الإعلامية. في محاضرته قبل أسابيع في جامعة «يو سي بيركلي»، شدّد إيلان بابيه، أحد أبرز المؤرخين الجدد في كيان الاحتلال، على اللغة التي يستخدمها الصهاينة في سرد الصراع الصهيوني الفلسطيني: لغة «تحصّن إسرائيل ولا تسمح بتبرير النضال الفلسطيني ضد الاستعمار». شدّد بابيه حينها على أهمية استخدام اللغة، مع إدراك عالٍ لما تخدمه في نشر الفكر الصهيوني وحشد التأييد العالمي له، قائلاً: «أكبر التحديات التي نواجهها كناشطين من أجل فلسطين أنّنا لا نستطيع تحدّي عقود من البروباغندا والتلفيقات والسرديات المضادة بالمقاطع الصوتية، وهذه مشكلتنا الرئيسية. نحن بحاجة إلى مساحة ووقت لشرح الواقع لأنّ الكثير من المنصّات ومصادر المعلومات والأماكن التي تنتج المعرفة، رسمت صورةً ووضعت تحليلات خطأ عن فلسطين جرى تشكيلها على مرّ السنوات بمساعدة الأوساط الأكاديمية والإعلام وهوليوود والمسلسلات التلفزيونية التي تؤثر في عقول الناس وعواطفهم».</p> <p>يرى أبو السيميولوجيا ومطوّر علم اللسانيات اللغوي السويسري فيردينان دو سوسير (1857-1913)، أنّ اللغة بطبيعتها بنيوية، أي إنّها بُنية قائمة بحد ذاتها يمكن فهمها على أنّها أداة تخدم التواصل البشري عبر نظام من الرموز (الكلمات والأحرف). البنيوية، المشتقة في الأصل من اللغة اللاتينية التي تعني «شيّد أو بنى»، توحي باسمها أنها شيء منظّم له ترتيبه الخاص، والمعنى يظهر من ترتيب العناصر التي تشكّل الجملة، فأي تغيير في ترتيب الكلامات يؤدي بنسبة معينة إلى تغيير معنى الجملة. قدّم سوسير العلاقة «التركيبية/ Syntagm» والعلاقة «التبادلية/ Paradigm» في اللغة، معتبراً أنّ «السينتاغم» هو تركيبة الجملة الأفقي. أما «البرادايم» (عامودي)، فهو مجموعة الاحتمالات والإشارات اللغوية التي تستبدل كلمة واحدة في الجملة، وأي تبديل للكلمة بمرادف آخر لها، وإن كان يخدم معنى مشابهاً يبقى في إيحائه الثقافي والمجتمعي، يضيف شيئاً جديداً على المعنى العام للجملة. لتبسيط الفكرة، يمكن تناول موضوع المصطلحات المستخدمة في الإعلام مثل «شهيد/ قتيل»، «فدائي/ إرهابي»، «مقاوم/مخرّب»، «جيش الدفاع الإسرائيلي»/ قوات الاحتلال» أو «جيش العدو الصهيوني»، فكل واحدة وإن كانت تدل في الظاهر على الشخص ذاته، إلا أنّ تفضيل استخدام كلمة من بين عدد من الاحتمالات، يوحي بمدلول ثقافي وإيديولوجي. هذا الاختيار الواعي والمتعمّد للإشارة اللغوية (الكلمة/ المصطلح) وجدناه حاضراً بقوة في تغطية الإعلام الغربي لاتفاق التبادل بين المقاومة الفلسطينية وجيش الاحتلال. المعركة الإعلامية وتأثيرها في الجماهير، يكمنان في اللغة المستعملة والمصطلحات التي تتكرّر وتترسّخ لدى المستمع، حتى تقنعه بما يخدم الأجندات السياسية للمنصّات الإعلامية.</p> <p>في نقد اللغة التي يستخدمها الإعلام الغربي للحديث عن الهدنة واتفاق تبادل الأسرى المستوطنين بالأسرى الفلسطينيين، يمكن رصد أبرز المصطلحات التي قد تبدو في ظاهرها مرادفات تدل على الشيء/ الشخص ذاته، أما في مدلولها الثقافي والسياسي، فهي تختلف أشد اختلاف، خصوصاً في معناها وأثرها النفسي في الجماهير: «أطفال/ أشخاص دون الثامنة عشر/ قاصر»، و«مدنيون/ أضرار جانبية»، و«النساء والأطفال/ دروع بشرية»، و«رهائن/ معتقلون/ مساجين»، و«قُتل/ مات»، «هجوم/ انفجار». مجموعة لغوية أضاء عليها الإعلام الإيرلندي تحت عنوان «لغة التجريد من الإنسانية»، في محاولة لفضح الانحياز الغربي وازدواجيته في التعامل مع الحرب بين الاحتلال الصهيوني والمقاومة الفلسطينية.</p> <p><strong><span style="font-size: 14pt;">أثبت السفير الفلسطيني حسام زملط أنّه لا يقع ضحية الترهيب الذي يمارسه الإعلاميون المتمرّسون في مهنتهم</span></strong></p> <p>في إطار تغطيتها لتبادل الأسرى، أوردت قناة CNN الأميركية على لسان إحدى مذيعاتها إنّ ««حماس» أفرجَت عن أطفال إسرائيليين (Israeli children)، وإسرائيل أفرجَت في المقابل عن ذكور فلسطينيين غير بالغين (Immature Palestinian male)». أصرّت القناة أوّلاً على تفادي المساواة بين الأطفال المحتجزين لدى «الطرفين»، وهو أضعف الإيمان في التغنّي بشعار «الموضوعية الإعلامية»، إحدى خرافات الغرب الذي بات مفضوحاً اليوم. طبعاً، يجب القول إنّ المساواة هنا من منظور الإعلام المقاوم باطلة وغير عادلة، إذ لا يمكن المساواة بين المستوطن الطارئ والدخيل، وصاحب الأرض. ثانياً، دلالة انتقائها المتعمّد للمصطلحَين يخدم في التأثير النفسي على الجمهور، والحفاظ على اللغة التي تبرّئ الاحتلال من انتهاكه للقضايا الإنسانية واختراقه للقانون الدولي. يأتي سؤال القارئ: لماذا بدّلت الأطفال بـِ «ذكور غير بالغين»؟ تدرك المحطة أنّها لا تستطيع استخدام كلمة «أطفال» في الحديث عن الأسرى الفلسطينيين في السجون الصهيونية، فذلك يؤكّد الفكرة الأهم بأنّ سلطات الاحتلال تعتقل الأطفال، وبالتالي يتحرّك الرأي العام ليسأل: لماذا تعتقل إسرائيل في الأصل الأطفال؟ ومنذ متى تفعل ذلك؟</p> <p>تُجيد CNN هذه اللعبة اللغوية وتستعملها أيضاً في محاولتها للتشكيك في السردية الفلسطينية. قبل يومين، أطلّ السفير الفلسطيني في بريطانيا حسام زملط على القناة للحديث عن عملية التبادل. افتتح ريتشارد كويست الحوار بمقدمة عن الأسرى (المستوطنين طبعاً)، «منهم نساء يبلغن 85 عاماً وأطفال في التاسعة، اختطفتهم «حماس» على الدراجات النارية... نحن نتحدّث هنا عن أشخاص مخطوفين سيُطلق خاطفوهم سراحهم». كرّر المذيع كلمة «خطف» و«مخطوفين»، وأصرّ على المناشدة العاطفية (appeal to emotions) في تقديمه لأعمار الأسرى، فهم إما أطفال صغار أو طاعنون في السن، أي كلاهما يتعاطف معه الرأي العام. لكن زملط أثبت مراراً تيقّظه للغة واستعمالاتها ودلالاتها. واللافت عند السفير الفلسطيني أنّه لا يهاب المواجهة ولا يقع ضحية الترهيب الذي يمارسه الإعلاميون المتمرّسون في مهنتهم، فلا ينجحون في إغراقه بالرد الانفعالي على أسئلتهم الملغومة. بل إنّ زملط يهاجم بأسئلته الخاصة ويطلب من الإعلاميين أنفسهم الرد على أسئلته: «جيد أنك تسأل عنهم... لكن لمَ لم تسألني عن الرهائن الفلسطينيين، الأطفال الذين أطلق سراحهم اليوم وكانوا في السجون الإسرائيلية قبل السابع من أكتوبر؟ كما تعلم، لدينا المئات من الأطفال الفلسطينيين الذين تعتقلهم إسرائيل على مدى سنوات من دون تهمة، ولا محاكمة، ولا إمكانية الوصول إلى المحامين أو عائلاتهم وأولياء أمورهم. هذا أمر غير مقبول حقاً، إنه لا ينتمي إلى يومنا هذا وإنسانيتنا. وبالتالي، فإنه الوقت المناسب للتركيز حقاً على نظام القمع الشامل. وأنتم تعلمون ما هو معبّر جداً أن الكثير من وسائل الإعلام الدولية تركّز على الإسرائيليين الخمسين». يقاطعه كويست معلّقاً: «السبب بسيط بالنظر إلى الطور التي توضح كيفية اختطاف هؤلاء الأشخاص، تم إلقاء جميع النساء المسنّات على دراجات نارية وهن يصرخن، ونٌقلن عبر الحدود ودفعهن إلى الأنفاق وبقين في الظلام. هناك فرق كمي ونوعي في طريقة الاحتجاز بين الاثنين». لكن زملط يجيب مجدداً: «الفارق أن الأول يقوم به أفراد، أما الثاني فتقوم به دولة ترعى جيشاً يداهم منازل الأبرياء في منتصف الليل وفي ساعات الصباح الأولى، يوقظ هؤلاء الأطفال في حالة رعب شديد». يقاطعه المذيع ولا يسمح له بإكمال كلامه، لكن زملط يكمل: «من المشين حتى إقامة أي مساواة/ إنصاف equity بين دولة عضو في الأمم المتحدة هي إسرائيل ومسؤوليتها بموجب القانون الدولي وبين الأفراد. لذا في الواقع، فإن الافتقار إلى العدالة هو التركيز على المسؤولية بين الجهات الفاعلة بين قوسين التي يجب أن تؤديها بما يتوافق تماماً مع القانون الدولي».</p> <p>يحاول مذيع CNN أن يضغط على حساسية فرض سيادة السلطة الفلسطينية في غزة، بقوله إنّ نتياهو قال إنّ السلطة الفلسطينية لن تكون قادرة على فرض سيطرتها، ولن يكون لها دور في ما يحدث في غزة بعد الحرب. يأتيه الرد: «هذه أجندة نتنياهو منذ ربع قرن وهو يصرح علناً بذلك. لذلك نحن لا نستمع إلى السياسيين الإسرائيليين ويجب أن نتوقف عن سماعهم. هو موجود ليمنع تحقيق حلّ الدولتين وتحقيق جبهة فلسطينية جغرافية موحدة، ويحافظ على الانقسام ويهاجم منظمة التحرير. وماذا يفعل المستوطنون غير الشرعيين في الضفة الغربية؟ قُتل أكثر من 200 شخص منذ الحرب على غزة. هذا منطق نتنياهو في الحفاظ على الاحتلال». الخطاب الموحّد واللغة العاطفية التي تستعملها القناة، نراها أيضاً في تغريدات موظفيها وحساباتهم الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي مثل تغريدة الإعلامي الأميركي بيرس مورغان الذي لديه من الإحساس والمشاعر ليتعاطف مع عائلة «إسرائيلية» لم يكن أفرادها من ضمن الأسرى الذين سيُطلق سراحهم، إذ كتب «إن المعاناة المستمرة لعائلات هؤلاء الرهائن المساكين لا يمكن التعبير عنها»، متجاهلاً أنّ هناك آلاف الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية. في المقابل، ظهر مذيع القناة الأميركي وولف بليتزر في اتصال مع نعمة الباقر، مراسلة التحقيقات الدولية حول عملية تبادل الأسرى، لكنّ النظرة على وجه بليتزر تظهر أنّه لم يكن يتوقع كلامها، إذ قالت: «السلطات الإسرائيلية أغلقت الطرق، وحاصرت وسائل الإعلام في مكان واحد، وأحضرت الفلسطينيين من الباب الخلفي عندما استقبلوهم، ولم تسمح لأفراد الأسرة إلا بالحضور في صف واحد محدود جداً في سيارات فردية، وهناك سبب لذلك، فبعكس مظاهر الاحتفالات في رام الله والضفة الغربية، هنا في شرق القدس، تستطيع السلطات الإسرائيلية فرض تنفيذ تصريح وزير الأمن القومي اليميني المتطرف الذي اعتبر السجناء المفرج عنهم اليوم إرهابيين، ولكن ليس هذا فقط، بل قال إن أي فلسطيني يحتفل، سيواجَه بتهمة الإرهاب. لا سبب لوصفهم بالإرهابيين، لأنه بحسب تقديرات إسرائيل نفسها، كان هؤلاء السجناء 15 قاصراً، و10 منهم متّهمون فقط، و24 امرأة معتقلة، لم توجه إليهم اتهامات. تخيل أن ابنتك قد عادت إليك إلى المنزل وعليك أن تختبئ في الداخل للتعبير عن فرحتك».</p> <p>بالانتقال إلى BBC البريطانية التي ادّعت لعقود أنّها الأكثر مهنية وتعتبر مقياساً مهماً في الاحترافية الإعلامية، فقد سقطَت ورقة التوت عنها منذ بداية «الطوفان». إذ أثبتت أنّ «المهنية» غير متلازمة مع «الأخلاق»، فالقناة المحترفة ليست بالضرورة «أخلاقية» و«موضوعية». بثت المحطة خبراً تعزّز فيه توجّهها السياسي بالقول إنّ عدداً من الأشخاص من بينهم طفلان «ماتوا» في غزة، بينما «قُتِل» عدد في «إسرائيل». الفارق هنا بين مصطلحي «الموت» و«القتل»، أنّ الأول لا يضع اللوم على أي جهة، فالموت يحدث حتى من دون سبب، أمّا القتل فيحثّ المستمع ليسأل: من القاتل؟ تحاول القناة الحفاظ على سرديتها عبر استضافتها مسؤوليين ومتحدثين صهاينة، لكنها في أحيانٍ عدة تشي بما يجب التستر عليه حسب سياسة القناة، مثلما حدث مع استضافة المتحدث الرسمي باسم الحكومة الإسرائيلية إيلون ليفي، فسألته المذيعة عن إمكانية سماح «الجيش الإسرائيلي» للصحافيين الدوليين بمساندة زملائهم المحليين في غزة ونقل القصة ميدانياً خلال مدة الهدنة. جاء رده بأن الإعلام العالمي كان يرافق الجيش لفضح «دلائل جرائم حماس»، و«النفق أسفل المستشفى سيجعلهم يرون بالدليل الكامل كيف تستخدمها «حماس» كدروع بشرية في خرقها للقوانين الإنسانية»، و«تستغل المدنيين لتحقيق أهدافها الخاصة بالحرب والجهاد ضد الشعب الإسرائيلي سيتوضح». لكن حين تعلّق الصحافية أنّ في خدمة الوضوح السماح للصحافيين بحرية الوصول لرؤية ذلك، والجيش يقوم بتسهيل الزيارات الصحافية ولكنه في الوقت نفسه «يمارس القيود على المواد التي يستعملها الصحافيون... فماذا عن حرية الوصول المهم؟» فيجيب إجابة ضعيفة جداً: «لا أستطيع التعليق بالتحديد كيف يخطّط الجيش لتسهيل وصول الصحافيين للمعلومات في غزة».</p> <p><strong><span style="font-size: 14pt;">مجموعة لغوية أضاء عليها الإعلام الإيرلندي تحت عنوان «لغة التجريد من الإنسانية»</span></strong></p> <p>بوقاحة أيضاً يقول أحد المتحدثين عبر القناة ذاتها: «سيأتي وقت، وأعتقد أنّ الإسرائيليين يدركون ذلك عندما يصبح الضغط الديبلوماسي من الغرب قوياً جداً إذ يتعيّن عليهم الرد على ذلك، ليس بسبب العدد المرعب من القتلى الفلسطينيين ولكن أيضاً لأن الغرب يعاني الآن. ويعاني الحلفاء الغربيون من الضرر الذي لحق بسمعتهم في بقية العالم لأن بقية العالم يرى المعايير المزدوجة». عدد الشهداء الفلسطينيين وعدد الأطفال الذين قتلتهم «إسرائيل» ليس الدافع لهذه الرسالة، إنّما الخوف على «سمعة» الغرب التي يفقدها في أعين العالم ككل.</p> <p>أما «واشنطن بوست»، فقد عنونت إحدى المقالات بقلم شيرا روبين «إسرائيل تطارد عدواً مراوغاً ومروعاً: الاغتصاب كسلاح حرب». اتهم المقال المقاومة الفلسطينية باغتصاب جماعي وعنف جسدي أجرته على الفتيات اللواتي كنّ في الاحتفال يوم تنفيذ «عملية الطوفان»، ويظهر في النص «تحذير بأنّ التقرير التالي يتضمن أوصافاً بيانية للعنف الجنسي». أما صحيفة «غارديان»، فنشرت الخبر: «الرهائن (الإسرائيليون) الذين سيُطلق سراحهم هم نساء وأطفال، وعلى الجانب الفلسطيني مساجين نساء وأشخاص تحت الثامنة عشر».</p> <p>على قناة «سكاي نيوز»، توجّهت المذيعة للمتحدث الإسرائيلي مارك ريغيف، مستشار رئيس وزراء الاحتلال، بالقول إنّهم أطلقوا سراح 39 امرأة وطفلاً، فقاطعها بأنه «لا يمكنه أن يتقبّل فكرة المساواة بين «هم أطلقوا سراح أطفال ونحن أطلقنا سراح أطفال»، قبل أن يسألها: «كيف يمكنك أن تقارني بين طفلة في الرابعة والخامسة والتاسعة بقاصر في السادسة عشر والسابعة عشر متورط في هجوم طعن أو رمي قنبلة أو أي عنف آخر. يمكنك القول «نساء وقاصرون»، لكن مقارنة ذلك بطفل إسرائيلي ذي عامين هو أمر غير موفق». أخافها ريغيف باتهامه فارتبكت وقاطعها مرة أخرى بنبرة أعلى: «إنك للمرة الثانية تتحدثين عن أطفال أبرياء مقابل مراهقين تلاعبت بعقولهم منظمات إرهابية».</p> <p>في استضافتها لديانا بطو، وهي محامية سابقة في «منظمة التحرير الفلسطينية»، بدأت قناة MSNBC بسؤالٍ بدا ذا نبرة استخفاف، كأنّه منطقي وإجابته معروفة، إذ قال المذيع: «هل تقولين إنّ الـ150 شخصاً (من الفلسطينيين) الذين سيطلق سراحهم في عملية التبادل لم يخضعوا لأي معاملات قضائية ولم يعرضوا على النظام القانوني؟» فردّت بطو بأن معظمهم كذلك، وبأنّ هناك «نظاماً داخل إسرائيل يسمى الاعتقال الإداري، حيث يمكن احتجاز الشخص من دون تهمة أو محاكمة لمدة تصل إلى ستة أشهر، ويُجدّد اعتقاله كل ستة أشهر. معظم من اسمه على اللائحة، هو من هؤلاء. من المهم جداً أن ندرك أنه لسوء الحظ، فإن الضغط الدولي هو الشيء الوحيد الذي نجح في إطلاق سراح الأشخاص، ولم يكن هناك أي ضغط دولي على إسرائيل طوال هذه السنوات التي خلت».</p> <p>أما قناة «فوكس» الأميركية، فقد عرضت تقريراً عن جنود صهاينة يقبضون على شاب فلسطيني من غزة، معصوب العينين بشريط أبيض ويظهر في خلفية المراسل بثياب داخلية زرقاء (أو رمادية) والجنود يجرّونه يحاولون تجريده من أي حركة. لكن للمصادفة التي تتشارك فيها القناة مع وسائل الإعلام الصهيونية، فإنّ «حبل الكذب قصير جداً»، فبعد لحظات، ظهر في الفيديو الشخص نفسه وقد أزال العصبة البيضاء عن عينيه ورماها إلى جانبه على الأرض، كما يستطيع المشاهد رؤيته في الخلفية يرتدي بنطالونه بعدما أنهى «أداء تمثيليته» أمام الكاميرا.</p> <p><span style="font-size: 14pt;">نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 27-11-2023</span></p> <p> </p>
اقرأ المقال
<h1><span style="font-size: 16pt;"><strong>عملية تبادل الأسرى بين المقاومة والاحتلال: لغة الجسد تُسقط البروباغندا الصهيونية بالضربة القاضية</strong></span></h1> <p><strong>جاءت فيديوات الأسرى الإسرائيليّين لتشكّل ما يشبه الضربة القاضية للبروباغندا الصهيونية التي روّجت بمنهجية منذ بدء «طوفان الأقصى» لسردية أنّ المقاومة الفلسطينية نسخة عن «داعش» عبر بث الأخبار الكاذبة والشائعات عن نساء اغتُصبن ورضّع قُطّعت رؤوسهم. لكنّ العكس هو الصحيح كما رأى العالم في الأيام الخمسين الأخيرة، فالأطفال الفلسطينيون في سجون الاحتلال يتعرّضون لمختلف أشكال التعذيب التي لا يمكن لعقل أن يتخيّلها. وبينما تظهر لحظات تسليم الأسرى من قبل «القسّام» و«سرايا القدس» مدى قوّة وثبات عزيمة المقاومة ونجاحها في إيصال رسالتها عبر المستوطنين إلى مجتمعهم وحكومتهم أولاً، ثم إلى شعوب العالم أجمع، تفضح ممارسات العدو تجاه الأسرى الفلسطينيين المراد الإفراج عنهم، درجة ضعف قوات الاحتلال والدرك الذي وصل إليه، انتقاماً لفشله في تحقيق أي أهداف عسكرية من العدوان على القطاع</strong></p> <p>أثناء الهدنة العسكرية بين «حماس» و«جيش» الاحتلال الصهيوني في 24 تشرين الثاني (نوفمبر)، توجّهت أنظار العالم إلى عمليات تبادل الأسرى من المستوطنين والأجانب الذين احتجزتهم المقاومة في غزة بالأسرى الفلسطينيين في سجون العدو. وبينما تظهر لحظات تسليم الأسرى من «القسّام» و«سرايا القدس» مدى قوّة وثبات عزيمة المقاومة ونجاحها في إيصال رسالتها عبر المستوطنين إلى مجتمعهم وحكومتهم أولاً، ثم إلى شعوب العالم أجمع، تفضح ممارسات العدو تجاه الأسرى الفلسطينيين المراد الإفراج عنهم، درجة ضعف قوات الاحتلال والدرك الذي وصل إليه، انتقاماً لفشله في تحقيق أي أهداف عسكرية من العدوان على القطاع.</p> <p>عندما شاع خبر عملية «طوفان الأقصى» في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، وانتشرت معه صور توثّق الإبداع في التخطيط والتنفيذ للعملية البطولية التي نفّذها الغزّيون، وأُعلن عن أسر عددٍ من الأسرى المستوطنين يتجاوز المئتين، عادت معه ذكريات العمليات الخارجية في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي. حينها، قال القائد الفلسطيني وديع حداد جملته الأشهر: «وراء العدو في كل مكان». وكانت العملية الأولى لخطف الطائرات التي نفّذها المقاتلان في الجبهة الشعبية ليلى خالد وسالم العيساوي، بخطف طائرة أميركية. بالطبع، هناك فوارق عديدة ومتعدّدة في الحديث عن عملية الطوفان والعمليات الخارجية، من بينها أماكن حدوث كلاهما، والأسلوب المتّبع من المقاتلين الفلسطينيين، لكنّنا نستطيع -إلى حدٍ ما- المقاربة بينهما في نقطتين: في كونها عمليات خارجية جاءت نتيجة رفض مخططات العدو الصهيوني لقضم المزيد من الأراضي الفلسطينية والنهب العلني لثروات الأرض، والثانية في الهدف الرئيس من التخطيط وتنفيذ هذا النوع من العمليات المقاوِمة، الذي يتلخّص في رفع صوت الفلسطينيين وإعادة القضية الفلسطينية إلى الواجهة بعدما «ذابت الصورة» مع مرور عقود -حينها- على احتلال فلسطين.<br>في البدء، حين قرّرت الجبهة الشعبية بجناحها المختص في العمليات النوعية خارج كيان الاحتلال، القيام بـِ«عملية الرحلة 840» (آب/ أغسطس 1969)، كانت تهدف إلى أسر «غربيّين» من جنسياتٍ مختلفة، تستطيع عبرهم القيام بعمليات تبادل لإطلاق الأسرى العرب والفلسطينيين من سجون الاحتلال. وكذلك فعلت «كتائب القسّام» في «عملية الطوفان» حين استغلّت وجود مهرجان موسيقي «سوبر نوفا سوكوت»، على بُعد كيلومترات قليلة من الحاجز الفاصل بين قطاع غزة والاحتلال، بالقرب من «كيبوتس رعيم»، وهدفت إلى أسر أكبر عدد ممكن لاستبداله بالأسرى الفلسطينيين من النساء والأطفال. ويمكن النقاش حول فكرة عملية «خارجية» في التعامل مع المهرجان الذي ضم جنسيات متعددة من بينهم أميركيون وألمان وبريطانيّون وتايلانديون وأرجنتينيون، باعتبار أنّ «كتائب القسّام» استطاعت الخروج من السجن الأكبر في العالم، ذي الحراسة المستمرّة والمشدّدة، إلى أماكن الاحتلال التي تضم يوم العملية، مئات الحاضرين من بلدان مختلفة لحضور الاحتفال. أما في ما يتعلّق بإعادة القضية الفلسطينية إلى الواجهة عالمياً، فلا يمكن لأحد النقاش فيها. لقد استطاعت هذه العملية تذكير الجميع بالاحتلال الاستيطاني الذي كان واثقاً (واهماً) أنّه قد أسكت الصوت الفلسطيني إلى الأبد، وخصوصاً في مساعيه الأخيرة للتطبيع مع بعض الدول العربية باعتبار أنّه لم يعد هناك قضية فلسطينية. لكن ما يستحق الوقوف عنده هو الاحتفاظ بالأسرى ما يتجاوز شهراً ونصف الشهر في غزة المحاصرة التي نفد منها الطعام والماء وكل مقومات الحياة.</p> <p>في الحديث عن عمليات التبادل المتتالية للمحتجزين بالأسرى الفلسطينيين من النساء والأطفال، وخصوصاً عند قراءة الصور والفيديوات التي توثّق ما يحدث مع الانتباه إلى لغة الجسد (حركات الجسم وتعابير الوجه ونظرة العينين)، يجب توجيه رسالة إلى المنظّرة النسوية جوديث بتلر (ليس لتفضيل ذكرها على الآخرين، إنما بسبب مقال نقدي سابق عنها في «الأخبار» 1/11/2023) وكل الأكاديميين والكتّاب والإعلاميين والفنانين ومدّعي السلام والإنسانية حول العالم (غربيّين ومشرقيّين) الذين ساووا بين الضحية والجلاد. بسذاجة غريبة تنمّ عن قصور في المعرفة والتاريخ حول الصراع الفلسطيني الصهيوني، رأى هؤلاء في عملية الطوفان «عنفاً» يجب «إدانته»، وهم يتغنّون بشعارات الحرية والديموقراطية والعدالة والإنسانية. هؤلاء بالتحديد يجب أن يروا لحظات الإفراج عن الأسرى لدى الطرفين، ليدلوا بدلوهم عن «العنف» و«العنف المتبادل» و«الإدانة» التي لا يهنأ للإعلام الغربي جفنٌ إذا ما فشل في سحبها من لسان كل ضيف على قنواته ومنصّاته. تطلق المقاومة الفلسطينية سراح الأسرى من المستوطنين «الإسرائيليين» وحملة الجنسيات الأخرى، علناً موثّقة كل شيء بالصوت والصورة، ومن أماكن لا يتوقّعها جيش الاحتلال، مثلما صرّح الصهيوني اللواء الاحتياط إسحاق بريك بقوله «حركة حماس تُخرج الأسرى من الأماكن التي يُفترض أنّ الجيش يسيطر عليها في شمالي القطاع». كما يوحي ذلك بمحافظة المقاومة على قوتها وثباتها أثناء العدوان الهمجي والإبادة المتعمّدة في غزة. يظهر في الفيديوات خروج الأسرى بضيافة مثل قناني الماء وعلب العصير الكرتونية، يأخذونها مع ابتسامات على وجوههم، لا يرميها أيّ منهم حين يصل إلى سيارة الصليب الأحمر، بل على العكس توضح الصور أنّ منهم من يبقيها في حضنه أو بيده. يُسلّم الأسرى المستوطنون على مقاتلي «القسّام» بحرارة، يحيّونهم باندفاع، حركات أجسادهم لا تندفع بقوة إلى داخل السيارة كما يتوقّع الجميع، بل على العكس، تمرّ لحظات وهم يودّعون مقاتلي «القسّام» بمصافحة اليد وبالكلام والابتسامات المتبادلة.</p> <p>في أحد الفيديوات المنشورة من قبل الإعلام العسكري لـ«كتائب القسام»، تُظهر فتاة تبدو في الـ16 من عمرها، ترتدي ثياباً سوداء، شعرها مفرود، تبتسم وتودّع المرافقين بحرارة: «إلى اللقاء» (بالإنكليزية) و«مع السلامة» (بالعربية)، وتلوّح لهم كأنّها تودّع أصدقاءها أو أفراداً من عائلتها. وفي المقطع المصوّر نفسه، تظهر أسيرة في أواخر الخمسينيات من عمرها، وهي تودّع المقاومين الفلسطينيّين وتحيّيهم بـِ «هاي فايف» ( أي تضرب كفّ يدها بكف يد المرافق من القسّام)، ويرد عليها الملثّم: «حظاً سعيداً» (بالإنكليزية). لكنها لا تكتفي بذلك، بل حين تجلس في مركبة النقل، تشكرهم ملوّحة بيدٍ مرفوعة في الهواء وتقول: «باي باي، شكراً» (بالعربية)، ثم تحيّيهم بتحية الاحترام (أقرب للتحية العسكرية بوضع يدها إلى جانب رأسها). يظهر في الفيديو أيضاً شابان من الأسرى يودّعان الفلسطينيين باحتضانهم قبل أن يتحرّكا باتجاه الصليب الأحمر، ويناولهما المقاتلان من كلا الجانبَين قنينة ماء. اللافت أيضاً أنّهما ــــ بالإضافة إلى كل الأسرى الذين أصبحوا في السيارة ــــ يكرّران التحية ويقول المرافق من القسّام لأحدهم: «سأشتاق لك» (بالإنكليزية). وفي فيديو آخر لمجموعة ثانية من المستوطنين الذين جرى تسليمهم إلى الصليب الأحمر، يودّع جميع الأسرى مرافقيهم من «حماس» بابتسامات، ويسلّم عليه أحدهم باليد شاداً عليها كأنّه صديقه. وانتشرت أيضاً صورة المستوطنة العجوز التي حملها أحد مقاتلي «القسّام» ومشى بها إلى أن أوصلها إلى المركبة.</p> <p>هذا الارتياح للمقاومين تُشير إليه حركات جسد الأسرى من اتجاه القدمين عند تسليمهم إلى حركات اليدين في السلام والتحية، والابتسامات التي فسّرها المدافعون عن الصهيونية على وسائل التواصل الاجتماعي بأنّها ابتسامات وضحكات ناتجة عن «الخوف والرعب النفسي» الذي يشعرون به، فيما راح «التحليل» الغربي المضلّل يفسّر ذلك بأنّها «عقدة استوكهولهم» (أي تعاطف المخطوف مع خاطفه وقضيته). وهنا تظهر حقيقة الاحتلال الصهيوني المستعد دوماً إلى التضحية بكل شيء في سبيل المحافظة على روايته، وإن كان الثمن اتهام مستوطنيه بالاضطرابات النفسية. يمكن ملاحظة أنّ لغة جسد الأسرى لم تتغير أو تتبدّل حين أصبحوا داخل مركبة نقل الصليب الأحمر، الوسيلة الآمنة التي ستُعيدهم إلى منازلهم، بل على العكس، يُظهر الفيديو أنّ منهم من كان يتبادل الحديث والضحكات في ما بينهم، ومنهم من بقي منشغلاً بتحية الوداع للمقاتلين الفلسطينيين. يمكن القول أيضاً إنّه «شهد شاهد من أهله» على السلوك الإنساني والأخلاقي للمقاومة، الذي حافظت عليه مع مستوطنين (العدو) وفي ظروف قاسية تحت أطنان الصواريخ والأسلحة المحرّمة دولياً التي أبادت عائلات كثيرة في غزة، وقتلت أكثر من 14 ألف شهيد، نصفهم من الأطفال والرضّع والخدّج. في رسالة كتبتها المستوطنة دانييل ألوني التي كانت محتجزة مع ابنتها في غزة، قالت: «إلى الجنرالات الذين رافقوني في الأسابيع الأخيرة يبدو أننا سنفترق غداً، لكنني أشكركم من أعماق قلبي على إنسانيّتكم غير الطبيعية التي أظهرتموها تجاه ابنتي إميليا، وكنتم لها مثل الأبوين... أنا للأبد سأكون أسيرة شكر لأنها لم تخرج من هنا مع صدمة نفسية للأبد. سأذكر لكم تصرفكم الطيب الذي منح هنا، بالرغم من الوضع الصعب الذي كنتم تتعاملون معه بأنفسكم والخسائر الصعبة التي أصابتكم هنا في غزة». كذلك، تحدّثت مستوطنة أخرى عبر اتصال هاتفي على إحدى القنوات العبرية، قائلةً: «حرصوا على أن يكون لدينا كل شيء، لم نكن نحن من ينظف المراحيض الخاصة بنا، بل كانوا هم الذين يفعلون ذلك لأجلنا. كانوا رؤوفين معنا وحافظوا على نظافتنا، ولم يقصّروا في طعامنا بل كان لدينا الطعام نفسه الذي يتناولونه هم»، و«أقول لهم بصدق إنّهم عاملونا بأفضل معاملة، وأطعمونا أفضل طعام، ولم يضربونا ولم يؤذونا... كنت خائفة لأني لم أتصورهم هكذا»، ما دفع المذيع المصدوم من كلامها عن «حماس» إلى السؤال: «لكننا سمعنا أنهم ضربوكم»، فتنفي ذلك وتعلّق: «كلا، هذا كله كذب، لقد كنت محجوزة مع أختي وعاملونا أفضل معاملة، حتى أختي كانت في حال جيدة، فهي تعاني من مرض وعرفوا مرضها منذ الأول وجلبوا لها الأدوية». وختمَت كلامها: «أرفع لهم قبعة الاحترام». والجدير بالذكر أيضاً أنّه في الدفعة الثالثة من المستوطنين الذين أفرجت عنهم حركة «حماس»، طلب رئيس وزراء العدو مقابلة المسنّة الما أبراهام، لكنّ عائلتها رفضت مقابلته وصرّحت بأنّ مُسِنّتهم لم تتعرّض إلى أيّ أذى أو اعتداء أو معاملة سيئة.</p> <p>لكنّ «المعاملة السيئة» والاعتداء والأذى كلّه مارسه السجّانون الصهاينة على الأسرى الفلسطينيين من النساء والأطفال، كان أقلّها منعهم من إظهار فرحتهم بالحرية خارج معتقلات الموت، وتهديد أهاليهم بالاعتقال والسجن من جديد في حال صدر منهم ما يوحي باللهفة والاحتفال بحرية أولادهم ونسائهم، كما حصل حين اقتحم جنود العدو الصهيوني أخيراً منزل الأسير المحرّر أحمد العجلوني (18 عاماً) في القدس وطردوا الصحافيين والإعلاميين و«كل من ليس له علاقة بالعائلة». كانت قوات الاحتلال قد طوّقت المنازل والأحياء التي يسكنها الأسرى الذين سيُفرج عنهم، لمنعهم من التجمّع والاحتفال كما نقلَت مراسلة قناة «الجزيرة» ويظهر في الخلفية الجنود الصهاينة بسلاحهم وفي طرف الشاشة مراسلة تلفزيون «العربي» وهي تتعرض للمضايقة من قبل الجنود. يعلم المطّلعون على قضية الأسرى حجم المعاناة والألم الذي يتعرض له الأسير الفلسطيني في زنازين العدو، والتعذيب النفسي والجسدي الذي يستمتع المحتل بممارسته على المعتقلين باختلاف تهمهم وأعمارهم، حتى إنّ بعضهم يموت تحت التعذيب وترفض سلطات العدو الإفراج عن جثته.</p> <p><strong><span style="font-size: 14pt;">يقوم السجانون الصهاينة بإخراج المعتقلين وتجريدهم من كل ثيابهم، ثم تصويرهم عراة</span></strong></p> <p>لكن في الحديث عن الأطفال الذين طالبَت «حماس» بالإفراج عنهم مقابل المستوطنين الأسرى، لم يستطع الاحتلال تحمّل حقيقة أنّ المقاومة الفلسطينية تفرض الشروط وتحرّر أسراها من قيوده، فما كان منه إلا أن انهال بالتنكيل والضرب المبرح على الأطفال قبل تسليمهم إلى الصليب الأحمر. حين أُفرج عنه من سجن النقب في عملية التبادل، ظهر الفلسطيني محمد نزال ذو الـ16 عاماً، ابن بلدة قباطية في جنين، ويده مربوطة بسبب تعرّضها للكسر، وقال لمراسلة قناة «الجزيرة»: «وحدة الكيتر (وحدة القمع في سجون الاحتلال) فاتت علينا كسّرتنا، ظهري مشوَّه»، ويخبرها عن استشهاد أسير كان معه في الزنزانة من أثر الضرب والتعذيب. حين تحدّدت أسماء الأطفال الذين سيُفرَج عنهم، انتقم السجّانون منهم وكسروا لمحمد يده وأصابعه ولم يقدموا له أي علاج أو استطبابات، بل أبقوه يعاني من الألم لمدة أسبوع كامل إلى أن أُفرج عنه، فقام الصليب الأحمر بتقديم الاستطبابات حين تسلّمه مع الأسرى الآخرين الذين تعرضوا مثله أيضاً للضرب بالعصي على كل أنحاء جسمهم.</p> <p><strong><span style="font-size: 14pt;">ما يستحق الوقوف عنده هو الاحتفاظ بالأسرى ما يتجاوز شهراً ونصف الشهر في غزة المحاصرة التي نفد منها الطعام والماء</span></strong></p> <p>يصف نزّال الضرب الوحشي الذي قام به السجّانون إذ كانوا يضربونه على رأسه، فوضع كلتا يديه حماية لرأسه، فنزلت ضربات العصي على أصابع يده حتى تكسّرت. ينقل المعاناة في إبقاء الأسرى بثياب رقيقة حتى تتضرّر أجسامهم من البرد والصقيع، ولا يقدّم لهم السجانون ثياباً أو أغطية. يقول الأسير المحرر جهاد كميل إنّ الاحتلال يضعهم 24 ساعة تحت الخوف والهلع، يدخل السجّانون من دون أي سبب إلى إحدى الغرف ويقلبون الدنيا على رؤوس الأسرى، «في أي لحظة الأسير بيتعرّض للقتل، بالطريقة اللي بيضربوا فيها خاصة الضرب على الرأس، حتى أنّهم استبدلوا العصا بواحدة من الحديد، في ناس تكسّرت أضلاعها.. أخونا سلامة قطاوي كل يوم بيتمارس عليه الضرب من وحدة الكيتر، كل يوم بيضربوه وبيطلع معرّى». ويضيف بأنّ ما يحصل داخل السجون لا يتلخّص في الضرب والعنف الجسدي المبرح، إنّما يقوم السجانون بإخراج المعتقلين وتجريدهم من كل ثيابهم، ثم تصويرهم عراة. المشهد الذي يذكّرنا على الفور بفضيحة سجن أبو غريب أثناء احتلال العراق، وبما فعله الأميركيون بالمعتقلين العراقيّين من انتهاكات شديدة لحقوقهم وإنسانيتهم وأجسادهم، وتعذيبهم بشتى الوسائل الحقيرة. لا يختلف المستعمر والمحتل أينما ذهب، وكيفما غيّر اسمه، أو شكله، أو لونه، يبقى كما هو، فليس لديه من وجه سوى الإجرام والنهب والتنكيل بالسكان الأصليين.</p> <p><span style="font-size: 14pt;">نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 2-12-2023</span></p>
اقرأ المقال
<h1><strong><span style="font-size: 18pt;">في زمن «الواقع المفرط»... المقاومة تُعيدنا إلى الحقيقة</span></strong></h1> <p>منذ بدء العدوان الهمجي غير المسبوق على قطاع غزة، وربما الأكثر عنفاً منذ حرب النكبة واحتلال فلسطين عام 1948، وجيش الاحتلال يغرق أكثر في دوامة فشله العسكري والإعلامي. في الشهر الثالث لمعركة «طوفان الأقصى»، لم يستطع العدو الصهيوني تحقيق أيّ هدفٍ حقيقي وفقاً للرأي العام الإسرائيلي والصحف العبرية، سوى ارتكاب جرائم حرب من حيث نوع الأسلحة وطبيعة الأماكن المستهدفة والإبادة المتعمّدة للغزّيين في شمال القطاع. ومع أنّه استنفدَ كل جهوده في محاولاته المتكرّرة لتضليل الجماهير حول العالم عبر تصدير الصور والأخبار المفبركة، إلّا أنّ الإعلام البديل فضح تلك الادّعاءات وكشف زيفها عبر رد الصور إلى أصلها بعد نزع التعديلات عنها، ونشر مقاطع حقيقية مصوّرة لأرض المعركة. في هذه المقالة محاولة لقراءة الحرب عبر الصور المنتجة ونظرية الواقع المفرط أو «ما فوق الواقع» (Hyperreality)، أي المزج بين الواقع والخيال إلى درجة عدم التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مصطنع وفقاً للفيلسوف الفرنسي جان بودريار (1929-2007). كما تقترح المقالة تصنيف أو إدراج ما ينشره الإعلام الصهيوني (الإسرائيلي والغربي) تحت مصطلح «السيمولاكرا» Simulacra، أي صورة/ نسخة ومحاكاة للواقع فقدت أصلها وأي صلة حقيقية لها، فأصبحت لا تمثّل إلا نفسها وفقاً لما قدّمه بودريار، بينما يبقى الإعلام البديل يقدّم صوراً تعدّ تمثيلاً للواقع (representation)، أي نسخة مُخلِصة له وعنه.</p> <p>عُرف الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي جان بودريار بأطروحته للدكتوراه/ كتابه الأول «نظام الأشياء» (1968)، لكنه اشتهر خارج الأوساط الأكاديمية عبر كتابه (1981)Simulacra and Simulation («المصطنع والاصطناع» أو «التظاهرات والمحاكاة»، حسب اختلاف الترجمات العربية) الذي شاهده الملايين حول العالم في مكتبة «نيو» (قام بدوره الممثل كيانو ريفز) في فيلم «المصفوفة» The Matrix (1999)حيث كان يخبّئ في داخله ملفّات القرصنة الرقمية السرّية. اعتبر الأخوان وَتْشاوسْكي (قبل أن يتحوّلا جندريّاً إلى الأختين وتشاوسكي) اللذان تأثّرا بشدة بنظريات بودريار ، أنّ العالم الذي نعيش فيه ليس هو الحقيقة أو الواقع الحقيقي، إنّما هو مجرّد محاكاة خادعة يسيطر عليها الذكاء الاصطناعي. بالفعل، جاءت فكرة الماتريكس من الكتاب الذي يُعد أكاديمياً «معقّداً» أو غير سهل، ويتعرّض للنقد خاصة من بابَي العدَمية و«الحتمية التكنولوجية». كان بودريار قد شاع اسمه في البلدان العربية مع كتابه «حرب الخليج لم تقع» (1991) الذي طرح نقداً فلسفياً مختلفاً للحرب، إذ اعتبر أنّ حرب الخليج لم تحصل إنّما كانت محاكاة لحربٍ من الصور المتلفزة والبروباغندا التي لا تمثّل الواقع، وبالتأكيد لم ينكر العنف الذي حدث في أرض المعركة، لكنّه رأى أنّها لم تكن حرباً بمفهوم الحرب؛ من حيث طبيعة طرفَي الصراع والعتاد العسكري والصورة المنقولة والمتلفزة عن المعركة. كان بودريار من أشهر مفكّري ما بعد الحداثة، وجاءت نظرياته متأثرة بالسيميولوجيا ودور الرموز والدلالات في تقديم معنى للواقع، لكنه عارض العلاقة الحتمية بين الدال والمدلول التي اعتمد عليها هذا العِلم ومؤسّسه الفيلسوف السويسري فيردينان دو سوسير. بالنسبة إلى بودريار، إنّ غياب العلاقة بين الدال (signifier) والمدلول (signified) أدى إلى غياب الواقع أو اختفائه، لأنّ الدلالة (أو المعنى) تفترض وجود ترابط بين الصورة وما ترمز إليه. لكن في العصر الحديث القائم على التكنولوجيا وتطوّر وسائل الاتصال الجماهيري، فقدت الصورة علاقتها بالواقع واكتفَت بذاتها حتى أضحت لا تمثل أي مرجعية لمدلولها، بل تكون هي مرجعية نفسها. يشرح بودريار أن الإعلام بفعاليته المضاعفة لا يقدّم الواقع كما هو، بل حوّل الحياة الاجتماعية بين البشر إلى صورة غير حقيقية ولّدها الإعلام عن صورٍ أخرى مولّدة منه أيضاً. يقصد الناقد الثقافي أنّ ما نشاهده عبر الشاشة المتلفزة ليس صورة عن الواقع، فالواقع بذاته لم يعد موجوداً، وأنّنا اليوم نعيش في ما يسمّيه «ما فوق الواقع» أو «الواقعية المفرطة». هذه الـhyperreality التي فرضتها التكنولوجيا الرقمية عبارة عن عالم مؤلّفٍ من عمليات اصطناع وصور بلا أصل محدّد في الواقع، يُشير إليها بودريار بالسيمولاكروم (مفرد لكلمة سيمولاكرا) أي نسخة مصطنعة رقمياً عبر أجهزة الكومبيوتر يولّدها الإعلام من دون وجود أصل، صور متخيّلة ووهمية لا قيمة أصلية لها، لكنّها مهيمنة وتكسب قيمتها من قدرتها على غواية الجماهير. في ضوء الحرب على غزة أي منذ السابع من تشرين الأول والعدو الصهيوني يحاول مرة تلو الأخرى تصدير سرديّته الخاصة للعدوان، وتبرير حصاره الشامل للقطاع وقطعه كل مستلزمات الحياة الأساسية من ماء وطعام واستهداف المستشفيات وأماكن العبادة. ويمكن القول إنّه جرّب كلّ ما يمكن فعله، ليس للقضاء على «حركة حماس» فقط، بل لإخضاع الفلسطينيين للاحتلال الاستيطاني بالترهيب والقصف والإبادة، مصدّراً مجموعة من الصور التي نشرها عبر إعلامه الكلاسيكي والرقمي. كما خرج ممثلوه السياسيون والديبلوماسيون في الأرض المحتلة وحول العالم ينشرون هذه الصور التي يُفترض ـــ حسب قولهم ــــ أنّها مأخوذة من الواقع، تشكّل «تمثيلاً مخلِصاً» للواقع، وتنقل صورة الواقع من أرض المعركة. من أكثر تلك الصور انتشاراً وتأثيراً في بداية الحرب، تلك التي حملها رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو لاستعطاف الجماهير وحشد الرأي العام تجاه الحرب على «حماس» وغزة بالكامل، ويظهر فيها جسم محروق أسود اللون غير واضح المعالم، زعم أنها صورة لـِ «طفل إسرائيلي حرقته حماس بنيرانها». لكن هناك نقاط هامة عدة يجب إيضاحها حول هذه الصورة بالتحديد: أولاً: لم تكن لطفلٍ إسرائيلي محروق، ثانياً: ليست صورة طفل محروق (أي طفل من أي جنسية أو هوية)، ثالثاً: لم تكن لجسمٍ بشري محروق سواء كان طفلاً أم بالغاً، رابعاً: ليست صورة أي شيء محروق إن لم يكن بشرياً! من ضمن الأشخاص والمؤثرين الذين فضحوا الصورة، كان الإعلامي الأميركي جاكسون هينكل الذي نشر تغريدة كشف فيها أنها صورة مركّبة وجرى توليدها بالذكاء الاصطناعي، وهي في الأصل صورة كلب في عيادة بيطرية. قام هينكل يومها برد الصورة إلى ما قبل التعديلات المتتالية التي تعرّضت لها، عبر عملية عكسية للذكاء الاصطناعي.</p> <p>تحدّث بودريار صاحب كتاب «روح الإرهاب» (2003) عن ضياع الواقع في متاهة الصور المصطنعة اللامتناهية، أي المتخيّلة والوهمية التي تروّج لها الميديا وتتناقلها باعتبارها تمثيلاً للواقع، وما هي إلا صور مهيمنة لا قيمة أصلية لها، بل تكتسب قيمتها من قدرتها التأثيرية على إدراك الناس وفهمهم للواقع الاجتماعي والثقافي الذي يعيشونه. هذه الـ«سيمولاكرا» التي تبثّها الميديا تحاول إقناع الناس بأنّ «الحرب هي السلم» (بتعبير الكاتب جورج أورويل صاحب رواية «1984»)، وما يردّده المسؤولون الصهاينة والغرب من تبرير للمجازر المستمرة حتى لحظة كتابة هذه السطور، وتجاوز عدد الشهداء في غزة عشرين ألفاً، نصفهم من الأطفال الصغار، يُسهم في تعزيز الفكرة المروّجة نفسها. قد يسأل القارئ عن الغرض من فبركة الصور ومحاولة اصطناع مشاهد مزيّفة يعلم الصهيوني، ذو التكنولوجيا الحديثة والمتطورة، أنّها ستنكشف بعد وقتٍ قصير. هنا تجدر الإشارة إلى أهمية عمليات التضليل والخداع التي يستمر الاحتلال بالقيام بها، فإن كنا نستطيع فضحها بسهولة، يفرض السؤال نفسه: لماذا يستكمل العدو الفعل ذاته بعد الفضائح الإعلامية المتتالية؟ ببساطة، يمكن القول إنّ مسألة «الفضيحة» تشكّل فارقاً عند من هو أخلاقي بطبعه، فالفضيحة في اللغة تعني «كل ما ينكشف من انحرافٍ للقيم الأخلاقية» و«الشهرة بما يُعاب وما يجلب العار». هل يخاف الاحتلال الاستعماري والاستيطاني على سمعته من الفضيحة؟ هل كشف الكذب والبروباغاندا يخيف العدو الصهيوني بشيء؟ كيان احتلالٍ قام وجوده على نهب الأراضي وتهجير السكان الأصليين قسراً إلى خارج مدنهم وقراهم، وارتكاب المجازر وتهويد البلد، هل من الممكن أن تهزّه فضيحة صور مفبركة يمكن تبريرها بكونها جزءاً من المعركة والحرب الإعلامية؟ السبب الثاني والأهم الذي يجعل العدو يستمر في اصطناع الصور التي لا أصل لها، هو تكثيف المعلومات التي ستتراكم لدى الجماهير بفعل تأثير الميديا عليهم وبذلك يكون قد نجح في أمرين: تحصيل المزيد من الوقت في الحرب، فكلّما زيّف شيئاً جديداً ربح أياماً لاحقة في استمرار الحرب، كما أنّ الجماهير ستتناقل الصور والأخبار الأولى، أي التي نشرها للمرة الأولى مسؤولون كبار. في معظم الأحيان، يعتمد كثيرون من الجماهير على الخبر الذي سمعوه أولاً، والصورة التي شاهدوها للمرة الأولى، فتصبح بالنسبة إليهم هي الأصدق، وإن جاء فضحها بعد وقت لاحق. يوضح بودريار أنّ شاشات التلفزة ومحطات الراديو ووسائل الإعلام كافة من بينها الإنترنت، تروّج للصور والرسائل والقيم تبعاً للرغبات المتفاوتة، بحيث يتبنى المشاهد الصور في جهازه النفسي والسلوكي ويحدد عبرها علاقته مع الناس والحياة.</p> <p><strong><span style="font-size: 14pt;">أشار بودريار إلى ارتباط المصطنع بالاستعمار والهيمنة والتطور التكنولوجي</span></strong></p> <p>بالعودة إلى العالم الـhyperreal حسب بودريار، فإنّ عملية إنتاج الصورة تطوّرت مع الزمن، وتغيّرت الصورة المنتجة وفقاً للتكنولوجيا الحديثة، فالصور ما قبل الثورة الصناعية تختلف عن تلك التي جاءت بعدها بسبب وجود المكننة، كما تختلف الأخيرة عن الصور التي تُنتج باستخدام التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي. يرى بودريار أنّ النموذج الأول للصورة هو تمثيل للواقع representation، لا يهدّد الواقع بالحلول مكانه ولا يشوّه حقيقته أو أصله، بينما أنواع السيمولاكرا اللاحقة التي تنتج في العصر الحديث هي التي تقوم بالتلاعب بالأصل وتشويه طبيعته. وهنا يأتي السؤال: هل يمكن تصنيف الصور التي تنشرها المقاومة الفلسطينية، حسب فلسفة بودريار، واقعاً حقيقياً من النوع الذي يسبق «الواقع المفرط»؟ صحيح أن الفيلسوف الفرنسي يصف العالم الذي نعيش فيه، بنمط استهلاك البشر المفرط وخروج السلع عن قيمتها الوظيفية وغيرها من الوقائع، بمجمله واقعاً مفرطاً بسبب التكنولوجيا والإنتاج الضخم والصور المنسوخة وتلك المتلفزة، إلا أنّ نوع الصور والمقاطع المصوّرة التي تنشرها المقاومة، كما الهدف المراد منها، يمكن النظر إليه باعتباره تمثيلاً صادقاً للواقع، وإن كانت فيديوات الإعلام العسكري ممنتجة لتُضيف رموزاً افتراضية إلى الصورة الأصلية. فالعديد من الفيديوات نُشرت من دون مونتاج ربما لضيق الوقت. ولدى المقارنة بينها وبين تلك التي تخضع للتعديل، نرى أنّ التعديلات والإضافات ليست بالذكاء الاصطناعي ولا تهدف إلى تغيير الحقيقة أو تهديد الواقع بالحلول محله، بل تكون الإضافات مجرّد رموز وإشارات وأحياناً بعض المؤثرات الخفيفة مثل تخفيف سرعة ضرب دبابات العدو، التي تسهم في إيضاح الصورة المنقولة.</p> <p>قد يجلب هذا الاقتراح أنّ المقاومة الفلسطينية تستعيد الواقع الحقيقي في زمن الواقع المفرط، نقداً مفاده أنّ إعلام المقاومة يستخدم الأدوات التكنولوجية والإعلامية ذاتها -أو على الأقل أدوات مشابهة- لكن هنا يجب التذكير بأنّ بودريار أشار في أطروحته إلى ارتباط المصطنع بالاستعمار والهيمنة والتطور التكنولوجي. يعني ذلك أنّ العدو الصهيوني، بوجوده الاستعماري والاستيطاني وسيطرته على الأراضي المحتلة وحصاره للأراضي التي تخضع للحكم الفلسطيني مثل غزة، واحتكاره للتكنولوجيا المتطوّرة في صناعاته الحربية وفي خدمة إعلامه العسكري، هو الذي يقوم باصطناع صور ورموز ما فوق الواقعية، لا تمت للواقع بصلة، بل تخلق محاكاة مزيّفة لا أصل لها. نجد أنّ هذا التحليل يأخذنا إلى استنتاج أنّ الوجود الصهيوني على الأراضي الفلسطينية هو واقع مختلقٌ بفعل الاستعمار والقوة التكنولوجية العسكرية، أي إنّه مع روايته التاريخية المزيّفة، ليس إلّا سيمولاكرا ومحاكاة لواقع مصطنع لا أصل له... متاهة من الصور المولّدة عن صور سابقة من دون أصل.</p> <p><span style="font-size: 14pt;">نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 23-12-2023</span></p>
اقرأ المقال
<h1><strong><span style="font-size: 18pt;">المقاومة الفلسطينية تُعيدنا إلى «صحراء الواقع»</span></strong></h1> <p>منذ عملية «طوفان الأقصى» في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، والمقاومة الفلسطينية تحقّق أهدافاً جمّة ومتنوّعة لا يمكن حصرها فقط في الجانب العسكري من حيث التخطيط العبقري والتنفيذ المذهل، وعدد الأسرى الذين احتجزتهم، واستهداف جنود الاحتلال الذين تعمّدوا قصف بيوت المدنيين وقتل الغزّيين وقنص المسنّين والأطفال. نجحت المقاومة أيضاً في دحض السرديات الصهيونية المتعلّقة بالحرب عبر إعلامها والصور التي تنشرها يومياً من أرض المعركة، في حين كان جيش العدو يحاول تقديم واقع وهمي لا أصل له عن هذه المعركة عبر خطابات مسؤوليه وفبركة الصور والتضليل الإعلامي والافتراضي، فجاءت المقاومة الفلسطينية متصدّية لتضليلاته وكذبه. تقدّم هذه المقالة طرحاً مفاده أنّ «كتائب القسام» لعبت دوراً شبيهاً بما فعله «مورفيوس» في فيلم «ماتريكس» الشهير(1999)، متتبّعة عبارة الفيلسوف الفرنسي جان بودريار: «مرحباً بكم في صحراء الواقع»، لتظهر للقارئ الفارق بين الواقعين: المصطنَع والحقيقي، وكيف استطاعت المقاومة إيقاظ الجميع من الوهم الذي اصطنعه الاحتلال لمجتمعه ولكل العالم.</p> <p>في فيلم «ماتريكس»، حين يلتقي «مورفيوس» (لورانس فشبورن) الذي يمثّل دور قائد مجموعة المقاومة/ الأحرار خارج سيطرة نظام الماتريكس، بالبطل «نيو» (كيانو ريفز)، يجيبه على سؤاله المتعلّق بماهية الماتريكس: «إنها في كل مكان، موجودة حولنا باستمرار. بإمكانك رؤيتها من نافذة الغرفة، أو حتى عندما تشغّل التلفزيون. إنّها العالم الذي يُغطّي عينَيك لِخداعك، حتى يعميك عن الحقيقة».</p> <p>يسأله نيو عن أي حقيقة يتحدّث، فيجيبه: «حقيقة أنّك عبدٌ يا نيو، مثل أي شخص آخر. لقد وُلدتَ في العبودية، وُلدتَ في سجنٍ لا يمكنك شمّه، تذوقه، أو حتى لمسه، سجنٌ لعقلك». يمنح مورفيوس نيو حرية الاختيار، عارضاً عليه أن يتناول إحدى الحبّتَين: «هذه فرصتك الأخيرة، لا يمكن الرجوع بعد هذه اللحظة. إذا أخذت الحبة الزرقاء تنتهي القصة وتستيقظ في فراشك مصدقاً ما تريد تصديقه. وإن اخترت الحبة الحمراء، تبقى في ووندرلاند وسأريكَ مدى العمق الذي يمكن أن يصل إليه جحر الأرنب».</p> <p>تمثّل الحبة الزرقاء اختيار البقاء في الماتريكس، الواقع الوهم والخادع، الاصطناع أو الـ Simulation وفقاً لتعبير الفيلسوف الفرنسي جان بودريار (1927-2007)، فقد كانت صانِعتا الفيلم الأختان وتشاوسكي متأثرتين بنظريات بودريار وكتابه «المصطنع والاصطناع» (Simulacra and Simulation)، الذي يظهر في الفيلم أيضاً (راجع ملحق «كلمات» 23/12/2023). يُمنح «نيو» فرصة البقاء في هذا الواقع الوهمي الذي خلقه الذكاء الاصطناعي للسيطرة على البشر وعقولهم، أو رؤية الحقيقة عبر تناول الحبة الحمراء التي ستجعله يرى الواقع الفعلي من دون تأثير الماتريكس. إنّ اختيار اللون الأحمر للحبة ذات التأثير الواقعي لم يأتِ عبثياً، فالأحمر في نظرية الألوان هو لون قوي ظاهر يرمز إلى القوة والثقة والاندفاع، ويوصف بأنّه physical color، أي يحثّ على الحركة والاندفاع للقيام بفعلٍ أو تغيير. كما اعتمدته حركات ثورية كثيرة في العالم في شعاراتها؛ فالتغيير الفعلي يأتي عبر الثورات، وأحياناً كثيرة بالعنف والحرب والدم. أمّا الأزرق، فيُعدّ لوناً بارداً قد يوحي أحياناً بالهدوء والسلام، لكنه يرتبط بالحزن والكآبة ويدفع بالمتلقّي إلى الارتخاء.</p> <p>«مرحباً بك في صحراء الواقع»، يقول «مورفيوس» لـِ«نيو» حين يستفيق من الواقع الافتراضي الذي بناه الماتريكس للبشر. يرى الحقيقة كما هي: جغرافيا مهجورة مزّقتها الحرب لكنها مذهلة بواقعيّتها. استعار صنّاع العمل العبارة من المنظّر الثقافي جان بودريار حين وصف بها «الواقع المفرط» الذي نعيشه اليوم بسبب تطوّر التكنولوجيا والتدفق السريع للصور والفيديوات المعالَجة والخاضعة للتعديلات والتغييرات عبر وسائل الاتصال الجماهيرية. هذه الصور والأخبار التي يُفترض أن تكون نسخة عن الواقع تقدّم «تمثيلاً مخلصاً» يشبهه إلى حدٍ كبير، نجدها بفعل المؤثّرات البصرية والرقمية والإضافات الافتراضية من رموز وذكاء اصطناعي وغيرهما، لا تهدّد الواقع الأصلي فقط، بل أيضاً تحاكي واقعاً مُختلقاً لم يعد له أي صلة بالحقيقة. كان بودريار قد كتب في الأصل: Welcome to the desert of the real، معلّقاً على قصةٍ قصيرة للكاتب الأرجنتيني خورخي بورخيس تتحدث عن خريطة أمرَ أحد الملوك رسمها بدقة لإمبراطوريته حتى انتهى بها المطاف أن جاءت بحجم مساحة الإمبراطورية نفسها. يشرح بودريار أنه مع مرور الزمن وانحدار الإمبراطورية ومجيء الأجيال اللاحقة وغيرها من العوامل، لن يعود الفارق بين الخريطة والإمبراطورية واضحاً، ولن نستطيع بعدها فصل الاثنتين أو التمييز بين الأصل والرمز/ الصورة؛ وهذا ما يطلق عليه تسمية «الواقع المفرط». تأثّر الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجيك (1949) أيضاً بعبارة بودريار واستخدمها عنواناً لكتابه «مرحباً بك في صحراء الواقع» (2002) الذي يدور حول أحداث 11 سبتمبر وعودة الأميركيين إلى الواقع. اعتبر جيجيك أن تفجير برجَي التجارة العالميين كان حدثاً صادماً أيقظ الأميركيين من سباتهم وعالمهم الافتراضي وأعادهم إلى الواقع.</p> <p>في العودة إلى العدوان على غزة و«معركة الطوفان»، نسأل عن الواقع المفرط الذي يقدّمه الاحتلال الصهيوني بحكومته وخطاباته وإعلامه الكلاسيكي والرقمي، وكيف جاءت ردة فعل المقاومة الفلسطينية على ذلك الواقع. هل كانت عملية «طوفان الأقصى»، وما تبعها من إنجازات عسكرية وإعلامية، الحبة الحمراء التي أيقظت الشعوب العربية والعالمية من سبات العالم الافتراضي إلى «صحراء الواقع»؟</p> <p>قبل «طوفان الأقصى»، كان الكيان الاستيطاني في فلسطين يُظهر فائض قوة، معتبراً أنّه بالدعم الغربي والعالمي لوجوده، قد اقترب من التخلص من «المشكلة الفلسطينية». كان ذلك يظهر جلياً ليس فقط في غطرسته العسكرية تجاه الفلسطينيين، بل أيضاً في معاهدات السلام والتطبيع مع بعض الدول العربية، والأهم في سياسته الداخلية التي تحكم البلاد. يشرح المؤرخ اليهودي المعادي للصهيونية إيلان بابيه في محاضرته في جامعة «يو سي بيركلي» (راجع الأخبار 4/11/2023) أنّ «الحرب الأهلية الثقافية» في الكيان بين المتديّنين والعلمانيّين كانت قد برزت في السنوات الأخيرة، وخصوصاً في التظاهرات الحاشدة التي خرجت للاحتجاج على تعديل الدستور، وعلى نوع الحياة اليهودية بين ديومقراطية علمانية تعددية على النسق الأوروبي، ويهودية مسيحية ثيوقراطية. لكن اللافت أنّ قضية الاحتلال والوجود الفلسطيني العربي لم تكن من بين القضايا المطروحة لأنّه كما أشار بابيه نقلاً عن الصحافية عميرة هاس في «هآرتس»: «طالما أنّ الإسرائيليين غير قلقين، فإن الاحتلال غير موجود، بمعنى أنه لم يعد مشكلة بعد الآن، بل جرى حلّها». كان العدو الصهيوني يصدّر باستمرار صورته إلى الغرب من تطوّر تكنولوجي وتقني وتحضّر وعلم وسياحة دينية و«ثقافية»، مخاطباً الشعوب الغربية بأنّه مثلها يتمتع بنمط حياة غربي، مثلما استضاف مسابقة ملكة جمال الكون (2021) وأخذ المتسابقات في جولات سياحية داخلية شاركنَ خلالها في تحضير أطباق البلد التقليدية (الأطباق الفلسطينية طبعاً مثل المسخّن وورق العنب) وتصوّرت كل منهن في أثواب فلسطينية مختلفة التطريزات. كان الاحتلال يستغل تاريخ الاضطهاد الأوروبي لليهود في الحرب العالمية الثانية (وما قبلها)، ويقدّم نفسه بدور الضحية حتى يحافظ على مكاسب متعددة من بينها المساعدات المالية التي تدفعها ألمانيا على وجه الخصوص اعتذاراً عن الهولوكوست، وتدفعها أميركا تحت مسميّات أخرى. ويمكن القول إنّه نجح كثيراً في تقديم صورة اليهودي الأوروبي المحاط ببلادٍ عربية «معادية للسامية»، و«متطرفة»، و«متخلّفة»، مثلما أظهر حركة «حماس» وكل حركات المقاومة الفلسطينية بصورة «المنظمات الإرهابية». إضافة إلى ذلك، بنى الاحتلال الاستعماري لنفسه سمعةً مهيبة ترسّخت في أذهان الشعوب العربية بالتحديد، ما صعّب عليها فكرة المقاومة المسلّحة ضد «الجيش الذي لا يُقهر»، وتكنولوجيته الاستخباراتية التي تراقب الفلسطينيين والعرب في كل مكان وتعرف عنهم «كل شيء»، وتغتال من تشاء أينما تشاء. كان كل ذلك حتى السابع من تشرين الأول الذي شكّل ضربة أفقدت الاحتلال توازنه وجعلته يتخبّط في قراراته ويُسقط عنه قناع الإنسانية والضحية بسرعة غير مسبوقة.</p> <p>منذ عملية «طوفان الأقصى»، ومع موقف الحكومات الغربية الداعمة بالكامل للاحتلال الصهيوني ومجيء سياسيّي الدول الكبرى للوقوف إلى جانب رئيس وزراء العدو، حاولت قوات الاحتلال المحافظة على صورتَين: التظاهر بسيطرة الحكومة والجيش على الحرب وفبركة الإنجازات العسكرية، والاستمرار في لعب دور الضحية في وجه «الإرهاب» الفلسطيني. استخدم الاحتلال وسائل الإعلام التقليدية والرقمية من جرائد وقنوات تلفزيونية ومواقع إلكترونية إخبارية ومنصّات التواصل الاجتماعية وأدوات صناعة الصور والتأثير البصري مثل الذكاء الاصطناعي، لنشر الأخبار الكاذبة والمضلّلة. لم يفوّت العدو أي فرصة لمشاركة الأخبار والصور الوهمية، فتناقل الرئيس الأميركي جو بادين خبر أنّه رأى صور «الأطفال الإسرائيليين الذين قطعت «حماس» رؤوسهم في مستوطنات غلاف غزة» الذي حمله من كذبة أطلقها بنيامين نتنياهو. والحقيقة أنّ ليس هناك من أطفال قطعت رؤوسهم سواء كانوا يهوداً أم لا، وليس هناك من صورٍ لما زعمه كلاهما. كما تناقل الإعلام العبري خبر «اغتصاب جماعي وعنف جسدي» للفتيات اللواتي كنّ في المهرجان يوم تنفيذ عملية «طوفان الأقصى»، وخرج نتنياهو قبل ثلاثة أسابيع في خطاب وقح يخاطب منظمات حقوق المرأة والجمعيات النسوية ويتهمها بالتقصير تجاه النساء اليهوديات اللواتي تعرضن «للتحرش الجسدي والعنف والاغتصاب على يد حماس».</p> <p>حاول العدو الصهيوني التظاهر بسيطرته العسكرية ونشر فيديوات مضلّلة عن «مستشفى المعمداني» قبل تنفيذ المجزرة الوحشية، وصنع فيديو مفبرك عن «مستشفى الشفاء» قبل قصفها والاعتداء عليها والتنكيل بالموظفين فيها، نشره الصهيوني إيدي كوهين، حيث تدّعي فتاة أنها ممرضة فلسطينية وأنّ مقاتلي «حماس» يسرقون الأدوية والوقود. اتضح في ما بعد أنّها ممثلة مكسيكية تعيش في كيان الاحتلال وتدعى هانا. وأخيراً انتشرت على منصّة تيك توك فيديوات لمجنّدات صهيونيات يرقصن ببعض الإيحاءات الجنسية، وأخرى تظهر الجنود يحتفلون ويشاركون «غنائم» حصّلوها من اقتحاماتهم وسيطرتهم على بيوت الفلسطينيين في غزة.</p> <p><strong><span style="font-size: 14pt;">كسر السابع من أكتوبر صورة الكيان ذي التكنولوجيا العسكرية والاستخباراتية المتفوّقة</span></strong></p> <p>عبر هذه الفيديوات والصور التي يدّعي بأنّها من واقع الحرب، يحاول العدو الإيحاء بأنّه نجح في عملياته العسكرية. ومن فرط سيطرته، فإنّ مجنّديه في وضع عسكري جيّد يسمح لهم بالمرح وتسجيل المقاطع المصورة هنا وهناك. لكن في الحقيقة، هذه الأخبار بمجملها ما هي إلّا صور مصطنعة لم يعد لها أصل، وتمثل جزءاً من «الواقع المفرط» الذي تقدّمه وسائل الإعلام المشبّعة بهدف غواية الجماهير والتأثير النفسي عليها.</p> <p>يشكّل الواقع المفرط والحياة المصطنعة التي يقدّمها الاحتلال الاستيطاني في فلسطين عالماً شبيهاً بعالم الماتريكس، ليس مطابقاً من حيث الذكاء الاصطناعي الذي أدى بالآلات للسيطرة على البشر واحتلال عقولهم، إنّما بفكرة العالم الوهم الذي نجح في إشباع الناس بالصور التي تبدو في ظاهرها واقعية، لكنّها في أصلها فارغة من جوهرها ومضمونها. وهنا نسترجع مشهد «مورفيوس» والحبّتَين، لنسأل كيف استطاعت المقاومة الفلسطينية إيقاظ البشر من عالم «الماتريكس»... ماتريكس العدو الصهيوني الذي أعمى عقول وعيون الناس عن الحقيقة الفعلية؟ تبدأ القصة في إبداع التخطيط والتنفيذ لـ «عملية الطوفان» بحيث تحدّت المقاومة الفلسطينية أسطورة «الجيش الذي لا يُقهر»، وأثبتت أنّها تستطيع أن تقف في وجهه وإن ساندته مجموعات من المجنّدين المرتزقة وغيرهم من القوات الأميركية والأوروبية. ويمكن القول إنّ نجاح المقاومة في الخروج من غزة المحاصرة بجدار يمتد من تحت الأرض إلى فوقها، والكثير من كاميرات المراقبة والقواعد العسكرية والكيبوتسات اليهودية المحيطة بقطاع غزة، كسرت صورة الكيان ذي التكنولوجيا العسكرية والاستخباراتية المتفوّقة، ونسفَت الـ«بانوبتيكون»، فكرة برج المراقبة المركزي المرتبط بالسلطة (الأخبار 18/11/2023). أجبرت المقاومة الفلسطينية العالم كله على أن يلتفت إليها وإلى القضية الفلسطينية وسجن قطاع غزة الذي كان غائباً عن الصورة العامة لعقود مضت، عندما عادت ومعها ما يزيد عن المئتين من الأسرى الأجانب والإسرائيليين، تفاوِض فيهم العدو للإفراج عن الأسرى الفلسطينيين والعرب.</p> <p><strong><span style="font-size: 14pt;">«مرحباً بك في صحراء الواقع»، يقول «مورفيوس» لـِ«نيو» حين يستفيق من الواقع الافتراضي</span></strong></p> <p>منذ أن بدأ العدوان الهمجي على القطاع، أخذ العدو ينشر تلك الصور والأخبار الوهمية التي ذكرناها في الأعلى، لكن إعلام المقاومة العسكري تصدّى لها أولاً بأوّل عبر نشره لمواد خام مصوّرة من أرض المعركة. وحين أضاف رموزاً ومؤثرات خفيفة على بعض الفيديوات، جاءت بهدف إيضاح الصورة والتأكد من وصول المعلومة الصحيحة للجماهير، إضافة إلى تحوّل الغزيّين بكاميرات هواتفهم الذكية إلى مراسلين من أرض المعركة، يوثّقون استهداف المدنيّين في مدارس الإيواء والمرضى في المستشفيات، وارتكاب المجازر وسحب النساء من بين النازحين للاعتداء عليهن واعتقالهن من دون أي مبرّر. هذه الصور الحقيقية شاهدها الملايين حول العالم، فخرجوا في تظاهرات حاشدة في المدن الأميركية والأوروبية رافضين استمرار العدوان على غزة ومندّدين بقرارات حكومات بلادهم الداعمة للصهيونية. كما انتشرت فيديوات كثيرة على منصّات التواصل الاجتماعي، ولا سيّما التيك توك، لأجانب يردّدون عبارات من نوع: «كنّا مضلّلين»، «غسلوا أدمغتنا منذ الصغر وجعلونا نتعاطف مع إسرائيل»، «لم نكن نعلم شيئاً عن غزة»، «نحن مصدومون من ازدواجية المعايير التي يتعامل فيها الغرب مع الفلسطينيين»، «اكتشفنا أن الإنسانية والعدالة والمساواة غير موجودة في هذا العالم»... تشكل هذه المواقف ردة فعل الشعوب التي اعتبرت أنّها كانت مُضلّلة لعقود، وللحقيقة أسهم في ذلك تخلّي الاحتلال بسرعة غير مسبوقة عن قناع الحضارة والإنسانية، وخرجت على ألسنة مسؤوليه لغة فاضحة تبرّر القتل والعنف والإبادة والحرق لكل مقوّمات الحياة ولكل ما يتحرّك في غزة، فجاء على لسان وزير دفاع العدو في بداية العدوان قوله: «نحن نحارب حيوانات بشرية» مبرّراً حصاره وقطعه الماء والطعام والكهرباء عن الفلسطينيين في القطاع. كما ساعدت شهادات المحتجزين الذين أفرجت عنهم «كتائب القسام»، إذ نقلوا المعاملة الحسنة التي تلقّوها من مقاتلي «القسّام»، ونفوا كل الشائعات التي نشرها العدو عن تعرّضهم للاعتداء والعنف، وشهدت على ذلك أيضاً لغة جسدهم خلال تسليمهم إلى الصليب الأحمر (الأخبار 2/12/2023).</p> <p>إن ردة فعل الشعوب التي خرجت للضغط على حكوماتها من أجل إنهاء الحرب ووقف إطلاق النار بشكل نهائي، وقاطعت الشركات الداعمة للاحتلال وكل منتجاتها حتى استطاعت الحد من أرباحها كما حدث مع «ستاربكس»، تشير إلى تأثير المقاومة الفلسطينية في نزع الغشاء عن عقول الجماهير قبل أعينها. ويمكن القول إنّها أعادتنا إلى «صحراء الواقع» في زمن طغى عليه «الواقع المفرط» بحيث لم نعد نستطيع التمييز بين ما هو حقيقي وما هو افتراضي أو وهمي، كأنّ المقاومة أعطت الجماهير فرصة الاختيار بين الحبتَين: الزرقاء لمن يفضّل البقاء في الوهم، والحمراء لمن يختار بكامل وعيه أن يستفيق من عالم الماتريكس إلى حقيقة الواقع الفعلي. إن كنتم ترون رمز المثلث الأحمر المقلوب في المواد المصوّرة الأصلية التي ينشرها إعلام المقاومة وأنتم مبتسمون، فقد استيقظتم من الماتريكس.</p> <p><span style="font-size: 14pt;">نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 30-12-2023</span></p> <p> </p>
اقرأ المقال
<h1><span style="font-size: 16pt;"><strong>عودة إلى ألتوسير على ضوء محرقة غزّة: «المؤسّسات الأيديولوجية للدولة» حارسة الرأسمالية والصهيونية</strong></span></h1> <p>منذ عملية «طوفان الأقصى» والعالم الغربي يشهد تحوّلاً غير مسبوقٍ في مؤسّساته الإعلامية والثقافية والتعليمية والرياضية بمختلف انتماءاتها، حتى إنّها أظهرت بوتيرة سريعة نقيض ما كانت تدّعيه من ضوابط وقيم ومبادئ منذ تاريخ تأسيسها. في الوقت الذي قدّمت فيه هذه المؤسّسات نفسها على أنّها حضارية قانونية ترفض العنف الجسدي واللفظي وتسعى إلى تقديم المعرفة والحقيقة والتبادل الثقافي، وجدناها تُمارس القمع والترهيب والتضليل والفبركة والكذب</p> <p>في الأيام القليلة التي تلت معركة «طوفان الأقصى» واندلاع العدوان الإجرامي على قطاع غزة، والعالم الغربي يشهد تحوّلات حادة وغير مسبوقة في أداء مؤسّساته الأكاديمية والثقافية والإعلامية. حتى إنّها أظهرت بوتيرة سريعة نقيض ما كانت تدّعيه من ضوابط وقيم ومبادئ منذ تاريخ إنشائها. هل كانت تلك المؤسسات التي لا تنتمي إلى الدولة بشكل مباشر مختلفة في مواقفها السياسية والإنسانية والأخلاقية عن قرارات حكوماتها؟ أم أنها بشكلٍ أو بآخر صورة ثانية عن أجهزة الدولة القمعية التي تحلّ أي مشكلة تعترضها بالعنف؟ أليست المؤسّسات الإنسانية والسياسية والأكاديمية في وجودها قائمة على خلق أناس متحضّرين ذوي علمٍ ومعرفة وإدراك لقيمة الإنسان وأساليب التواصل بين البشر لتحقيق الغايات والأهداف من دون حاجة إلى اللجوء إلى العنف؟ ألا يجدر بالمؤسسات الإعلامية أن تعمل وفقاً لشعارات المهنية والموضوعية ومحاربة الأخبار الكاذبة؟ أليس على الجامعات أن تشجّع حرية التعبير لتخلق مجتمعات تُجيد استعمال المعرفة واللغة والخطاب بدلاً من اللجوء إلى العنصرية والتنكيل والتهديد بالقتل على أراضيها وبين رعاياها؟ تحاول هذه المقالة الإفادة من نظرية الفيلسوف الفرنسي لوي ألتوسير عن المؤسّسات الأيديولوجية للدولة (Ideological State Apparatuses) التي وإن كانت مؤسّسات ناعمة وتنتمي إلى القطاع الخاص مثل الجامعات والمحطات الإعلامية والكنائس، فإنّها لا تعارض استخدام العنف الظاهر والجسدي، مثلها مثل جهاز الدولة القمعي المتمثّل في الشرطة والمحاكم، لتستخلص أنّه في ضوء الحرب على غزة تشكّل هذه المؤسسات بطريقة عملها وقوانيها استمرارية الرأسمالية والمشروع الصهيوني.</p> <p>كان الفيلسوف الفرنسي لوي ألتوسير (1990-1918) المولود في الجزائر تحت حكم الاحتلال الفرنسي الذي دام لأكثر من قرن، من أبرز الفلاسفة الماركسيّين في القرن العشرين. إضافة إلى انخراطه في الحزب الشيوعي الفرنسي، كان لأهمية ألتوسير الفكرية أثر على تطوير النظرية الماركسية وتقديم أطروحات نقدية هدف عبرها إلى محاولة سدّ الهوة بين النظرية والتطبيق، والوقوف في وجه التهديدات التي تواجه الفكر الماركسي. ويمكن القول إنّ من أهم ما قدمه أستاذ الفلسفة في مدرسة الأساتذة العليا في باريس هو نقده للأيديولوجيا وطرحه لنظرية «الأجهزة الأيديولوجية للدولة»؛ متأثراً بدراسة الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي (1937-1891) لوضع المثقف ودوره في المجتمع. في مقالته الأكاديمية «الأيديولوجيا والأجهزة الأيديولوجية للدولة» (1970)، يميّز ألتوسير بين «جهاز الدولة القمعي» (RSA: Repressive State Apparatus) الذي تعرفه الماركسية التقليدية جيداً في المانيفستو الشيوعي، فيشمل أجهزة الجيش والشرطة والمحاكم والسجون... و«الأجهزة الأيديولوجية للدولة» (ISA: Ideological State Apparatuses) التي تشمل جهاز الدولة الأيديولوجي التعليمي، الديني، الأسري، السياسي، النقابي، الإعلامي، والثقافي.</p> <p>يوضح صاحب كتاب «قراءة رأس المال» (1970)، أنّه على عكس الجهاز القمعي للدولة الذي يبدو موحّداً ينتمي كله إلى المجال العام، فإنّ «الوحدة التي تشكّل هذه الجملة من الأجهزة الأيديولوجية للدولة كجسد، ليست ظاهرة فوراً للعين»، فهي تابعة للمجال الخاص على اختلاف مؤسّساتها. لكن الفرق الأساسي والأهم بين الاثنين يكمن في أنّ «جهاز الدولة القمعي يعمل بالاستعانة بالعنف، بينما أجهزة الدولة الأيديولوجية تعمل بالأيديولوجيا». هنا يضيف ألتوسير وجهة نظره الخاصة بأن كِلا الجسدَين يعملان بالعنف والأيديولوجيا في آنٍ معاً، ففي حين يكثّف جهاز الدولة القمعي استعماله للعنف في سبيل تحقيق وظيفته ويستعمل الأيديولوجيا بصورة ثانوية للترويج لقيَمه، تقوم أجهزة الدولة الأيديولوجية باستعمال الأيديولوجيا بقوة للوصول إلى غاياتها، لكنّها تلجأ إلى العنف بصورة ثانوية وبشكلٍ «خَفِي ومُتَخفّ وحتى رمزي. وهكذا فإن المدارس والكنائس تستخدم أساليب مناسبة للعقاب والطرد والاختيار... من أجل فرض انضباط عُمالها، وأيضاً لفرض تهذيب جمهورها». يحاول المنظّر الماركسي الوصول إلى استنتاج أن الأجهزة الأيديولوجية باختلاف طبيعتها «تُسهم في تحقيق النتيجة نفسها: إعادة إنتاج علاقات الإنتاج، أي علاقات الاستغلال الرأسمالية». تسهم مقالة ألتوسير هذه في تشكيل وعينا تجاه فهم طبيعة وجودنا في مجتمعاتنا التي نسكنها، وإدراك أنّ المجتمعات الرأسمالية لا يمكن أن تكون ديموقراطية، وإن ادّعت ذلك عبر المؤسسات الأيديولوجية للدولة، فهي في النهاية تُعيد إنتاج العامل والموظف والمواطن والمثقف، الذين يشكلّون استمرارية الدولة والسلطة القمعية ذاتها. يظهر الفيلسوف الفرنسي أنّ المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية الخاصة، غير التابعة للدولة بشكل مباشر، ليست حيادية ومستقلة بالكامل، وأنّ الفكر ليس حراً والأيديولوجيا ليست بريئة، بل هي أداة لإعادة إنتاج البنية الرأسمالية نفسها.</p> <p>منذ عملية «طوفان الأقصى» والعالم الغربي يشهد تحوّلاً غير مسبوقٍ في قرارات مؤسّساته الإعلامية والثقافية والتعليمية والرياضية بمختلف انتماءاتها، حتى إنّها أظهرت بوتيرة سريعة نقيض ما كانت تدّعيه من ضوابط وقيم ومبادئ منذ تاريخ تأسيسها. في الوقت الذي قدّمت فيه هذه المؤسّسات نفسها على أنّها مؤسّسات حضارية قانونية ترفض العنف الجسدي واللفظي وتسعى إلى تقديم المعرفة والحقيقة والتبادل الثقافي، وجدناها تقوم بالقمع والترهيب والتضليل والفبركة والكذب. ربّما كان أوضحها للقارئ عمل «جهاز الدولة الأيديولوجي الإعلامي» كما يسميه ألتوسير، فهذه القنوات التلفزيونية والمواقع الإخبارية والصحف «العريقة» و«المهنية» و«الاحترافية» مثل BBC وصحيفتَي الـ«تايمز» والـ«غارديان» وغيرها، نشرت أخباراً غير صحيحة بلا دليلٍ ملموس. كما تعاملت بازدواجية المعايير في نقل الأخبار ومحاورة ضيوفها (راجع الأخبار 16/10/2023). في مقابلة عبر BBC أجرتها أخيراً المذيعة جوليا بروير مع الناشط السياسي مصطفى البرغوثي (الأخبار 12/1/2024)، أظهرت المذيعة عنصريةً مباشرة بانت في لغة حوارها ونبرة صوتها وحركات جسدها، لأنّ الضيف لم يعطها الإجابة التي حاولت انتزاعها منه، وقاطعته أكثر من مرة، إلى أن علا صوتها مشيرة أنّه أضاع الوقت في الحديث عن التاريخ، فردّ عليها: «كلّما أتحدث عن حقوق الفلسطينيين أو وضعهم، تدّعين بأنّ ذلك من الماضي»، فما كان منها إلّا أن أجابته بكل وقاحة: «ربما لم تكن معتاداً على حديث النساء.. وأعتذر عن وجود امرأة تتحدث إليك». يوضح اللغوي والناقد الأميركي نعوم تشومسكي أن الدعاية الإعلامية أسهمت في خلق حركات اجتماعية، أو تحجيمها، أو القضاء عليها عبر تبرير الحروب وتحفيز أيديولوجيات معينة وإقناع النفس الجماعية (collective psyche) بأنّ الإعلام هو منتج للواقع. عمل تشومسكي على فضح هذه الممارسات وأعدّ لائحة بتكتيكات يقوم بها الإعلام في سبيل التلاعب بالناس أشهرها استخدام الجانب العاطفي في تغطية الأحداث الهامة بهدف تحييد الحس المنطقي والتحليل العقلاني من قبل المشاهد، وتعزيز الشعور بالذنب لديه. هذا ما ركّزت عليه المذيعة: توجيه الاتهام إلى البرغوثي ومحاولة جعله يشعر بالذنب. وكانت هناك أيضاً حملات فصل وطردٍ لمذيعين في القنوات الغربية بسبب مواقفهم من الحرب على غزة، كما حدث مع مراسلة BBC اللبنانية ندى عبدالصمد التي عملت معهم لأكثر من عشرين عاماً.</p> <p>أما بالنسبة إلى الجهاز التعليمي، فبإمكاننا الحديث عن الممارسات القمعية التي صدرت عن أهم الجامعات في العالم؛ رابطة جامعات Ivy League. تفخر هذه المجموعة الأكاديمية التي بدأت بثماني جامعات قبل أن تنضم إليها 25 مؤسسة أخرى، بنوعية التعليم المتميّز الذي تقدّمه إلى نخبةٍ من طلاب «قادة وأثرياء» العالم الغربي، بالأبحاث التي تقدّمها، والأنشطة التي تحتضنها وحرية التعبير التي تمنحها لمجتمعاتها؛ لكنّ كل ذلك سقط منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) عام 2023. في «جامعة كولومبيا»، تعرّض الأكاديمي الفلسطيني جوزيف مسعد (1963) الذي كان تلميذاً ثم زميلاً للمفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد، للتهديد بالقتل والتشهير بسمعته والضغط لطرده من الجامعة تحت ذريعة «التحريض على الكراهية» و«معاداة السامية» بسبب موقفه من عملية «الطوفان» (راجع الأخبار 25/10/2023). وفي «جامعة براون» التي خرج طلابها بفعاليات مناهضة للعدوان على غزة تطالب الإدارة بسحب استثماراتها من الشركات المتواطئة في جريمة الإبادة وإصدار بيان يدعم وقف إطلاق النار، قامت إدارة الجامعة باستدعاء الأمن الطلابي وقمع الطلاب واعتقال العشرات منهم في تشرين الثاني (نوفمبر) وكانون الأول (ديسمبر) 2023. كما أصيب أحد طلاب الجامعة هشام عورتاني مع زميليه تحسين علي وكنان عبدالحميد (من خارج «جامعة براون») في جريمة هجوم مسلّح في فيرمونت استهدفهم لأنّهم «كانوا يرتدون الكوفية (الحطة) الفلسطينية» بحسب تغريدة السفير الفلسطيني في بريطانيا حسام زملط. أما الحصّة الأكبر من التناقضات بين ادّعاء الديموقراطية وحرية التعبير والفكر والأيديولوجيا، فكانت من نصيب «جامعة هارفارد» التي تأسّست عام 1636 في مدينة كامبردج الأميركية. تعرّضت رئيسة الجامعة كلودين غاي للضغط من قبل إدارة الجامعة نفسها، وتمّ التحقيق معها والمطالبة بمحاكمتها بسبب سماحها للطلاب بالتظاهر دعماً لفلسطين ورفعهم شعار الانتفاضة (الأخبار 11/1/2024). اتُهمَت غاي بمعاداة السامية وبـ«التحريض على كراهية اليهود». كما لم يسلم ماضيها من التعرّض للانتهاك أيضاً، فحاولوا تشويه سمعتها واتهموها بالسرقة الأدبية إلى أن أُجبرت على تقديم استقالتها. لم تكتفِ «جامعة هارفارد» بهذا القدر من «نشر الكراهية» والتعرّض لطلابها وأساتذتها بالتهديد وقمع حريتهم في التعبير عن موقفهم السياسي والإنساني والأخلاقي، فقد طردت أيضاً الناشط إيلوم تيتي تاماكلو المؤيد للقضية الفلسطينية، ووصفه موظفو الجامعة بأنه «عضو عصابة» بعد حمايته للطلبة المؤيدين لفلسطين من شخص حاول التشهير بهم doxing (نشر معلومات شخصية عنهم عبر الإنترنت).</p> <p><strong><span style="font-size: 14pt;">كثيرة هي الأمثلة التي تظهر القمع الذي تعرض له الموظفون والطلاب والفنانون والكتّاب في المؤسّسات الغربية</span></strong></p> <p>كذلك الأمر بالنسبة إلى الجهاز الثقافي، إذ قامت دار النشر الفرنسية «فايار» بسحب نسخ كتاب «التطهير العرقي في فلسطين» للمؤرّخ اليهودي المعادي للصهيونية إيلان بابه، وألغى «معرض فرانكفورت الدولي للكتاب» تكريم الروائية الفلسطينية عدنية شبلي. كما طُردت الممثلة المكسيكية ميليسا باريرا من دور البطولة في سلسلة أفلام Scream بسبب منشوراتها الداعمة لفلسطين. ورُحّلت المناضلة الفلسطينية مريم أبو دقة (الأخبار 10/10/2023) التي تجاوزت السبعين وكانت قد حضرت بدعوة فرنسية للمشاركة في مؤتمرات ومحاضرات قبل السابع من أكتوبر، لكنّها وُضعت تحت الإقامة الجبرية قبل الترحيل. ولم تسلم الرياضة من القمع والترهيب، إذ لم تقف الأمور مع اللاعب الجزائري يوسف عطال عند الطرد من نادي «نيس» الفرنسي، بل واجه تهديدات بالسجن في فرنسا بسبب تعبيره عن رأيه وموقفه المؤيد للقضية الفلسطينية، وحُكم عليه أخيراً بالسجن لمدة ثمانية أشهر مع وقف التنفيذ وغرامة مالية بقيمة 45 ألف يورو بتهمة «التحريض على الكراهية». وحذف الاتحاد الدولي صورة تتويج السبّاح المصري عبدالرحمن سامح بكأس العالم للسباحة بسبب تضامنه مع غزة.</p> <p>كثيرة هي الأمثلة التي تظهر القمع والترهيب والعنف الذي تعرض له الموظفون والأساتذة والطلاب والفنانون والكتّاب في المؤسّسات الغربية بسبب تأييدهم للقضية الفلسطينية ومطالبتهم بوقف آلة الحرب الصهيونية، فلا يمكن حصرها في مقال واحد. لكن الأهم من رصدها، هو التأكيد على فكرة أنّ هذه المؤسّسات التي تنتمي إلى القطاع الخاص، ويبدو في ظاهرها أنها تشتغل بشكل مستقل عن الدولة، وتعمل بصورة أيديولوجية ناعمة لا تتقاطع مع أجهزة الدولة القمعية التي تستخدم العنف بصورة أولية لضمان عملها وتحقيق غاياتها، ما هي إلا مؤسسات «تعيد إنتاج ظروف الإنتاج» التي تضمن استمرارية أيديولوجية الرأسمالية ومعها الصهيونية. عبر الطرد والفصل والضغط والتحقيق وسحب الامتيازات عن الناشطين والأستاذة الجامعيين والطلاب وغيرها من الأفعال، تخلق هذه المؤسسات المؤدلجة نفس الأشخاص ذوي الأجساد الخاضعة للسلطة. بأماكنهم واختلاف وظائفهم، يقوم هؤلاء بدور الأجهزة القمعية، فيطيلون عُمر الاستعمار والاحتلال.</p> <p><span style="font-size: 14pt;">نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 13-1-2024</span></p>
اقرأ المقال
<h1><strong><span style="font-size: 16pt;">أسبوع فلسطين عروضاً وندوات في بيروت وجبيل: «الجامعة اللبنانية الأميركية»... تحرير المستقبل!</span></strong></h1> <p>تحت عنوان «عقود آجلة محرّرة» (Liberated Futures)، أطلقت «الجامعة اللبنانية الأميركية» (LAU) في منتصف الأسبوع الحالي فعاليات «أسبوع فلسطين ولبنان» في حرميها في بيروت وجبيل، لتستمرّ حتى 24 نيسان (أبريل). يتضمّن الأسبوع سلسلة أنشطة تتنوّع بين ندوات بحثية ومناقشات وعروض أفلام وميكروفون مفتوح للراغبين في تقديم أعمالهم الفنية من نثر وشعر. تأتي هذه المبادرة رفضاً «للإبادة الجماعية الإسرائيلية المستمرة في فلسطين والحرب على لبنان» ويشارك في تنظيمها وتقديمها أعضاء هيئة التدريس، والمعاهد، والأندية الطلابية، وطلاب الجامعة. يسهم هذا النوع من الأنشطة في تكريس القضايا المركزية للشعوب، وخصوصاً الشعب الفلسطيني الذي يتعرض للإبادة والتهجير القسري والذبح والتنكيل منذ ما يزيد على ستة أشهر على يد آلة الحرب الهمجية الصهيونية. بدأت الفعالية أول من أمس مع ميكروفون مفتوح للحديث عن «حفظ الذاكرة الجمعية عبر أرشفة الاحتلال»، لتستكمل مع «قراءاتٍ شعرية» (ضمن ميكروفون مفتوح أيضاً) تحت عنوان «أصواتٌ صامدة: قراءاتٌ شعرية». وشهد اليوم الثاني عرضاً مفتوحاً لفيلم «كفر قاسم» (1975) للمخرج اللبناني الراحل برهان علوية، الذي يعتبر من أوائل الأفلام التي تحدّثت عن النكبة وجرائم الاحتلال عبر تأريخ مجزرة كفر قاسم التي ارتكبها العدو الصهيوني بقتله حوالى خمسين فلسطينياً في قرية كفر قاسم عام 1958. الفيلم الذي تميّز بواقعيته أدى بطولته السوريان القديران عبدالرحمن آل رشي، وسليم صبري، وألّف موسيقاه التصويرية الراحل وليد غلمية. واليوم الجمعة، يستضيف «النادي الثقافي الفلسطيني» في الجامعة نشاطاً تشاركياً بين طلابٍ من الجامعة وآخرين فلسطينيين يقيمون في الأراضي المحتلة حول «الحق في التعلّم» (س:15:00). أما يوم الأحد، فسيكون النشاط سينمائياً بامتياز، يبدأ على خشبة «مسرح غولبنكيان»، بمناقشة فيلم «أحلام المنفى» (2001 ـــ س: 16:00) مع مخرجته اللبنانية الفلسطينية مي مصري، ثم يليه مباشرةً عرض فيلم «بونبونة» (2017) ومناقشته مع مخرجه الفلسطيني المقيم في ألمانيا راكان مياسي. يوم الإثنين، تعود الأنشطة المجتمعية والمحاضرات، مع محاضرة للباحث وأستاذ الفلسفة والدراسات الثقافية نديم محسن تحت عنوان «تعرية الكذبة» (بدءاً من الثانية ظهراً في Student Center ــــ القاعة 201 WKSC ) ويتبعه نشاطان مهمان: الأول حول «فلسفة المقاومة من أجل الوجود» باستضافة من نادي الفلسفة في الجامعة (بدءاً من الرابعة عصراً في Faculty Lounge)، والثاني عبارة عن لقاء افتراضي مع أسرى فلسطينيين حول الحركة الأسيرة ينظمه «النادي الثقافي الفلسطيني» في الجامعة (بدءاً من السادسة مساءً في AKSOB). تستكمل الفعاليات في الأيام اللاحقة عبر أنشطةٍ تفاعلية، فيحضر نشاط «التواصل مع مخيم مار الياس»، وتناقش نورا المصري «تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم في الإعلام الرسمي الغربي» (23/4 ـــ بدءاً من 12:00 عصراً في قاعة نيكول 406). يحضر بعد ذلك عرض ونقاش فيلم «احتلال العقل الأميركي» (2016 ــ بدءاً من الثالثة عصراً في «مبنى الجزائري») وهو وثائقي من إخراج لوريتا ألبر وجيرمي آرب، وبمشاركة المغني البريطاني الشهير المناصر للقضية الفلسطينية روجر ووترز. يظهر الفيلم انحياز الإعلام الغربي للرواية الصهيونية عبر عرض تبريرات المسؤولين الإسرائيليين وتكرارها، وتعتيمه على حجم جرائم الاحتلال وبشاعتها بحق الفلسطينيين، علماً أنّ أستاذ الدراسات الإعلامية في الجامعة جاد ملكي سيدير الندوة. تتنوع الأنشطة لاحقاً بين محاضراتٍ ثقافية وتوعوية حول «تطبيع العلاقات مع كيان الاحتلال وأثره على لبنان والمجتمعات العربية» و«الصراعات والجندر والنزوح الداخلي في جنوب لبنان وخارجه»، وأخرى مرتبطة بالثقافة الفلسطينية الفنية عبر نشاط مع الرقص التعبيري الفولكلوري (الدبكة) و«بيت أطفال الصمود» حيث سيقام صف «تدريبي» للراغبين (24/4 ــ بدءاً من الرابعة عصراً).</p> <p><span style="font-size: 14pt;">نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 19-4-2024</span></p>
اقرأ المقال
<h1><strong><span style="font-size: 16pt;">بين التقدّم الحضاري والعودة إلى النازية: «ملاك التاريخ» يحوم فوق ألمانيا</span></strong></h1> <p>هنا محاولة لقراءة موقف ألمانيا السياسي والقانوني والثقافي والإنساني من الحرب على غزة، هي التي لم تتخلّص بعد من أثر النازية وشبح الفوهرر الذي تدفع ثمنه ضريبةً سنوية لكيان الاحتلال منذ اتفاقية لوكسمبورغ (1952). كما نضيء على ردة فعل الفنانين والمثقفين الذين شكّلوا مبادرة «سترايك جيرماني» لمقاطعة المؤسّسات الثقافية الداعمة للاحتلال التي تقمع حرية التعبير وتراقب سياسات الفنانين وتشترط دعم الكيان الصهيوني في تمويلها للفنّ</p> <p>في عام 1940، كتب الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين (1940-1892) مؤلّفه الأخير «في مفهوم التاريخ» الذي يُعرف أكاديمياً بـِ «أطروحات في فلسفة التاريخ». بعدها، انتحر بجرعة زائدة من المورفين. قبل أن يُنهي حياته في شقته في باريس، أودع أوراقه ونصوصه لدى أمين المكتبة الوطنية الفيلسوف الفرنسي جورج باتاي؛ حالما أيقن أنه عالقٌ لا محالة في أيدي النازيين الذين زحفوا عسكرياً إلى باريس. حاول بنيامين أن يهرب مع مجموعة من اللاجئين عبر الحدود الإسبانية آملاً أن يصل إلى ملاذٍ آمن في أميركا حيث زملاؤه مؤسّسو «مدرسة فرانكفورت» الفكرية، لكن الحكومة الإسبانية كانت قد ألغت بشكلٍ مفاجئٍ كل تأشيرات العبور إلى العاصمة البرتغالية لشبونة، فانهار أمله الأخير بالنجاة من جنود الرايخ الثالث. ربما كان الناقد الثقافي قد شعر بقرب موعد رحيله عن الحياة، فقد كان في المرحلة الأخيرة من حياته مأخوذاً بفكرة الماضي وفلسفة التاريخ ودور المؤرّخ الحقيقي في مواجهة سرديات البورجوازية المنتصرة (الطبقة/ السلطة المنتصرة). تأثّر بنيامين بلوحة «الملاك الجديد» Angelus Novus للرسام الألماني بول كْلِي، وخصّص لها أطروحته التاسعة مطلقاً على هذا الملاك لقب «ملاك التاريخ» واصفاً إيّاه بأنّه يقف بعينَين مفتوحتين جاحظتين، فاغراً فاهه وفارداً جناحيه، في وجه العاصفة التي تدفع بجسده نحو المستقبل، بينما هو يدير وجهه نحو الماضي وعيناه مشدوهتان. يشرح المنظّر وحارس جماليات الفن أنّ «ملاك التاريخ» لا يرى الماضي كما نتصوّره نحن البشر سلسلةً من الأحداث المتتالية، بل يراه «كارثةً واحدةً تستمر في تكديس الحطام وقذفه أمام قدميه. يرغب الملاك في البقاء، وإيقاظ الموتى، وإصلاح ما حُطّم. لكن عاصفة تهب من الجنة. لقد علقت في جناحيه بعنف، إلى درجة أن الملاك لم يعد يستطيع أن يغلقهما. تدفعه العاصفة بشكل لا يقاوم إلى المستقبل الذي يدير له ظهره، بينما تنمو كومة الحطام أمامه نحو السماء. هذه العاصفة هي ما نسميه التقدّم».</p> <p>«لا توجد وثيقة حضارية ليست في الوقت نفسه وثيقةً همجيّة. ومثلما أنّ هذه الوثيقة غير خالية من الهمجية، فإن الأخيرة تُلطّخ أيضاً الطريقة التي نُقلت بها (الوثيقة الحضارية)». كتب بنيامين في الأطروحة السابعة متحدّثاً عن انتصار الطبقة الحاكمة وتوثيقها للتاريخ والماضي حسب سرديّتها التي تمجّد صورتها، لكنّ جلّ ما تصل إليه هذه السلطة الجديدة هو نتاج لهمجية سابقة لا يمكن محو آثارها. في هذه المقالة محاولة لقراءة موقف ألمانيا السياسي والقانوني والثقافي والإنساني من الحرب على غزة الداعم للإبادة الجديدة التي يقوم بها الاحتلال الصهيوني، وهي لم تتخلّص بعد من أثر النازية وشبح الفوهرر الذي تدفع ثمنه ضريبةً سنوية لكيان الاحتلال منذ اتفاقية لوكسمبورغ (1952). كما تتناول المقالة ردة فعل الفنانين والمثقفين الذين شكّلوا مبادرة «سترايك جيرماني» لمقاطعة المؤسّسات الثقافية الداعمة للاحتلال التي تقمع حرية التعبير وتراقب سياسات الفنانين وتشترط بتمويلها للفن دعم الكيان الصهيوني.</p> <p>منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، وفور تنفيذ المقاومة الفلسطينية عملية «طوفان الأقصى» التي جاءت كالصاعقة على كيان الاحتلال، فأفقدته توازنه العسكري والاستخباراتي والسياسي، سارعت الدول الغربية للتعبير عن تعاطفها مع الصهاينة وقدِم رؤساؤها من خلف البحار إلى الأرض المحتلة في استعراضٍ استعماري بحت. وقفوا إلى جانب رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو وأعلنوا مواقفهم المؤيدة للصهيونية والداعمة لاستمرار الاحتلال على أرض فلسطين، وأغدقوه بتشريعهم للعدوان على غزة من دون شروط، مؤكدين كما جاء متكرّراً على لسان الرئيس الأميركي جو بايدن بأنّ «إسرائيل ستدافع عن نفسها وفقاً للقانون الدولي». بكل وقاحة، تجاهل كبار سياسيّي أوروبا والولايات المتحدة الأميركية أصل المعركة وتاريخها الذي يمتد إلى أواخر القرن التاسع عشر. تناسى جميعهم أنّ الصهاينة احتلوا فلسطين عبر ارتكاب المجازر والترهيب والتنكيل بالسكان الأصليين، والتطهير العرقي، وطرد العرب من بيوتهم، وجرف قراهم، وبناء المستوطنات على أنقاض الحياة الأولى. اللافت من بين تلك الدول هو الموقف السياسي الألماني الذي لم يتعافَ إلى اليوم من أثر الإبادة ليس فقط بحق اليهود في أوروبا، بل أيضاً بحقّ كل من كان مختلفاً عن العرق الآري وأصحاب الإعاقات الجسدية وكل من كان يعادي الرايخ أو ينتقد سياسات الحكم حينها. تُجدّد ألمانيا اعترافها المستمر بهذه الإبادة، وتعتذر عند كل فرصة مناسبة عن تلك الجريمة كأنّ تاريخها قبل هتلر كان أبيض ناصعاً خالياً من أي جرائم مماثلة.</p> <p>في عام 1948 (عام النكبة واحتلال فلسطين وإعلان قيام دولة الاستيطان الصهيونية)، وقّعت 150 دولة في العالم على اتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، وكان من بينها الاحتلال الإسرائيلي وجنوب أفريقيا وألمانيا. لكن دور الاتفاقية لا يقتصر فقط على تجريم الإبادة الجماعية ومنع ارتكابها، بل إنها تُلزم الدول المشاركة على رفض أي إبادة وحظرها. سمحَت هذه الاتفاقية لجنوب أفريقيا برفع دعوى قضائية في محكمة العدل الدولية في 29 كانون الأول (ديسمبر) 2023 ضد دولة الاحتلال بتهمة انتهاك التزامها بالاتفاقية، وارتكابها الإبادة الجماعية المتعمّدة في حق الفلسطينيين في غزة منذ السابع من أكتوبر 2023. وحين أتى دفاع الاحتلال عن نفسه ضعيفاً جداً وغير مقنعٍ وظهر فيه تكرار الأكاذيب الدعائية الصهيونية (قطع رؤوس أطفال إسرائيليين) والتضليل (عرض صورة للأسرى الإسرائيليين لدى المقاومة الفلسطينية جاء فيها تكرار لصور الأشخاص حتى يبدو العدد كبيراً أمام المحكمة ويؤثر عاطفياً لمصلحة موقف الاحتلال)، فاجأت ألمانيا العالم بموقفها. إذ أعلنت أنّها ستنضم إلى المحاكمة كطرفٍ ثالث بموجب المادة 63 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، لتقوم «بمساعدة المحكمة بتفسير المعاهدة» وفقاً لموقع قناة DW الألمانية. وكانت الحكومة الألمانية قد صرّحت في بيان صحافي أنّها تعارض بحزم أي «استغلال سياسي» لاتفاقية منع الإبادة الجماعية، وأنّها ترفض الاتهامات الموجهة إلى الاحتلال الصهيوني «التي لا أساس لها من الصحّة». هذا الموقف الصادم الذي يأتي في دعم إبادة الغزيّين والتهجير القسري بشكل مباشر وعلني، دفع بجمهورية ناميبيا إلى تذكير ألمانيا بتاريخها الاستعماري، كما جاء في بيان مكتب الرئيس الناميبي هاكه كينكوب: «على الأراضي الناميبية، ارتكبت ألمانيا أول إبادة جماعية في القرن العشرين بين عامَي 1904 و1908، راح ضحيتها عشرات الآلاف من الناميبيين الأبرياء في ظروف غير إنسانية ووحشية للغاية».</p> <p>لم يقتصر دور ألمانيا على دعم الإبادة سياسياً وقانونياً، بل امتدّ إلى جميع الأصعدة الثقافية والفنية والتعليمية حتى أثبتَت أنّ «جهاز الدولة القمعي» لا يختلف عن «المؤسسات الأيديولوجية للدولة» حسب الفيلسوف الفرنسي لوي ألتوسير (راجع الأخبار 13/2/2024). في الوقت الذي حرّكت فيه الدولة الألمانية جهاز الشرطة في وجه المتظاهرين المؤيدين للقضية الفلسطينية والداعمين لوقف العدوان الصهيوني على غزة، مستخدمةً العنف عبر التعرض للمواطنين واعتقالهم وقمع أصواتهم لمجرّد أن رفعوا لافتةً في الشارع تدعو إلى وقف إطلاق النار، جاءت المؤسسات الثقافية والفنية لتقوم بالدور نفسه، وتستخدم العنف المختبئ خلف الأيديولوجيا. في الفترة الأولى من الحرب، ألغت ألمانيا العديد من الفعاليات الثقافية بذريعة «تباينات في وجهات النظر حول الحرب»، ثم أصدر منظمو «معرض فرانكفورت الدولي للكتاب» في 13 تشرين الأول (أكتوبر) 2023 بياناً أعلنوا فيه عن تضامنهم الكامل مع كيان الاحتلال، وقاموا بإلغاء منح الكاتبة الفلسطينية المقيمة في برلين عدنية شبلي، جائزة أدبية عن روايتها «تفصيل ثانوي» (2017 ـــــ الأخبار 15/10/2023)، التي تُرجمت إلى الألمانية واعتبرتها لجنة التحكيم المسؤولة عن الجائزة «عملاً فنّياً محترفاً يعالج مسألة الحدود والصراعات، وما تحفره الصراعات الدموية في كينونة الإنسان». وقبل ثلاثة أعوام كانت قناة DW الألمانية الناطقة بالعربية قد اتّهمت عدداً من الصحافيين العرب المناصرين للقضية الفلسطينية بتهمة «معاداة السامية» لتبرير طردهم من الشبكة («الأخبار» 9/12/2021). لكن الحدث الأبرز جاء أخيراً عن مجلس الشيوخ في برلين الذي أعلن أنّه سيبدأ من الآن فصاعداً بالطلب من الفنانين والعاملين في المجال الثقافي الموافقة على تعريف إشكالي لمعاداة السامية كشرط للحصول على تمويل من الدولة، ويبرّر عضو مجلس الشيوخ عن الثقافة في برلين، جو تشيالو، هذه الخطوة بأنّها «تمنع دعم التعبير العنصري والإقصائي». أدّت هذه الخطوة إلى إثارة احتجاجات في الوسط الثقافي الألماني، واعتبرت مجموعة «سترايك جيرماني» التي تشكّلت حديثاً «دعوة لرفض استخدام المؤسسات الثقافية الألمانية للسياسات المكارثية التي تقمع حرّية التعبير، وتحديداً تلك التي تقمع التعبير عن التضامن مع فلسطين» كما جاء على موقعها الرسمي (strikegermany.org) وحسابها على موقع إكس. رفض الفنانون والمثقفون حول العالم أيضاً الموافقة على التعريف الجديد الذي تطرحه الحكومة الألمانية لـِ«معاداة السامية» وأطلقوا عليه مصطلح «معاداة السامية المستوردة»، أي إنّه يمزج بين «معاداة الصهيونية» و«معاداة السامية». رأت مبادرة «سترايك جيرماني» أنّ هذا التعريف الجديد الذي تسعى الحكومة الألمانية إلى إلزام العاملين في المجال الثقافي على تبنّيه ما هو إلا خطوة عملية لحماية الاحتلال الإسرائيلي من أي انتقاد ضد سياساته العنصرية ومشروعه الاستيطاني في فلسطين، كما يفتقر التعريف إلى الدقة القانونية فيما قد يحدّ من الحقوق الأساسية، وخصوصاً حرية التعبير في الفنون.</p> <p>منذ الهولوكوست، حصر الغرب مفهوم «معاداة السامية» باليهود ومعاداتهم، ووظفه كسلاح مخيف تجاه كل من يحاول الإشارة إلى جرائم الصهيونية بحقّ الفلسطينيين أو حتى نقد سياسات الفصل العنصري التي يقوم بها الكيان العبري. لكن مصطلح «معاداة السامية» يعود في أصله إلى العرق السامي ولغاته المتعددة من بينها البابلية والآشورية والكنعانية والعربية والعبرية، وكان أول من استخدمه الببليوغرافر «غير المؤيد للصهيونية» موريتز ستاينشنايدر (1816-1907)، أحد مؤسسي اليهودية، حين كان يطرح نقداً لنظرية تراتبية وطبقية الأعراق عند المؤرخ الفرنسي إرنست رينان، رافضاً فكرة أنّ العرق الآري يتفوّق على نظيره السامي من حيث الفهم والثقافة والمعرفة. وكان الأكاديمي الفلسطيني جوزيف مسعد الذي تعرّض لتهمة «معاداة السامية» قد وضّح أنّ المصطلح لا يقتصر على اليهود فقط، بل يشمل التنميط السلبي للعرب والمسلمين والتحيّز ضدّهم. وبالتالي، فإنّ اليهود أنفسهم يمارسون العداء للسامية في تعاملهم مع الفلسطينيين والعرب (الأخبار 25/10/2023).</p> <p><strong><span style="font-size: 14pt;">مجموعة «سترايك جيرماني» تشكّلت حديثاً بهدف «رفض استخدام المؤسسات الثقافية الألمانية للسياسات المكارثية التي تقمع حرّية التعبير»</span></strong></p> <p>لاقت العريضة التي تدعو الفنانين إلى «تعليق العمل والحضور في المؤسسات الثقافية الألمانية والإحجام عن المشاركة في المهرجانات والمؤتمرات والمعارض في ألمانيا، حتى تتم تلبية المطالب»، ترحيباً وتضامناً عالمياً فوقّع عليها المئات من العاملين في الوسط الفني والثقافي، من بينهم الكاتبة الفرنسية الفائزة بجائزة «نوبل للآداب» عام 2022 آني إيرنو (1940) التي تُعد أول امرأة فرنسية تحصل على الجائزة. تكمن أهمية صاحبة كتاب «السنوات» (2008) في أنّها مناهضة للعنصرية وقّعت سابقاً عريضتَين (2018-2019) تدعوان إلى مقاطعة المبادرات الثقافية بين فرنسا والاحتلال الصهيوني لأنّ ذلك «يأتي على حساب الشعب الفلسطيني». كما قامت الروائية البوسنية الصربية لانا باستاسيتش الحائزة «جائزة الاتحاد الأوروبي للأدب» (2020) بقطع علاقتها مع دار نشر ألمانية اعتراضاً على «صمتها على الجرائم الإسرائيلية». وصرّحت أنّ «دعم ألمانيا الرسمي والقوي لما تفعله الحكومة الإسرائيلية بعيد كل البعد عن الإنسانية، ومن مسؤوليتي التنديد به بسبب نفاق ألمانيا وقبولها للتطهير العرقي في غزة». اللافت أنّ صاحبة كتاب «صيد الأرانب» (2020) تحدّثت عن المزايا الهامة والفرص التي كانت ستحصل عليها من التعامل مع دار النشر الألمانية (S. Fischer) من بينها «المشاركة في المهرجانات التجمعات الأدبية، لكن تلك المكاسب لم تثنها عن تجاهل معاناة الفلسطينيين». وكانت الكاتبة قد نشرت مقالاً في صحيفة الـ «غارديان» وصفت فيه القصف الإسرائيلي لغزة بـ«العقاب الجماعي». ووقعت على العريضة أيضاً الكاتبة الإيرلندية شارلوت برودجر الفائزة بجائزة «تيرنر» البريطانية (2018)، والممثلة إنديا مور. وانضم فنانون عرب أمثال الأردني لورنس أبو حمدان، المحقق الصوتي الحائز جائزة «تيرنر»، والناشط الفلسطيني محمد الكرد، والفنانة الفلسطينية جمانة مناع. كما بدأت وثيقة المقاطعة هذه تجذب أكاديميين حول العالم وجدوا أنّه آن لهم أن يشاركوا في وقف إبادة جيش الاحتلال الإسرائيلي للفلسطينيين في غزة، من بينهم الباحث الأكاديمي نادر أندراوس.</p> <p>في الوقت الذي تدّعي فيه ألمانيا خروجها من عصر النازية العنصرية التي ارتكبت إبادة بحق كل من اعتبرته دون العرق الآري، إلى عصر الديموقراطية والثقافة والفن وحرية التعبير، يقف الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين ليكرّر جملته «لا توجد وثيقة حضارية ليست في الوقت نفسه وثيقة همجية» بينما يحلّق «ملاك التاريخ» جاحظاً عينيه وفاغراً فاهه، تدفع عاصفة التقدم والحضارة جسده إلى الأمام، لكن وجهه المشدوه يميل إلى الخلف، فلا يرى سوى كارثة تستمر في تكديس الحطام وقذفه أمام قدميه.</p> <p>* <a href="https://docs.google.com/document/d/1djvDX1GHbzayLEeoYBpOpVFRGZVKKw4_7EdqEhFaTig/edit" target="_blank" rel="noopener">رابط العريضة</a><br><br><a href="https://twitter.com/strikegermany/" target="_blank" rel="noopener">https://twitter.com/strikegermany/</a><br><br><a href="https://www.aa.com.tr/en/europe/bosnian-author-cuts-ties-with-german-publisher-to-protest-its-silence-on-humanitarian-crisis-in-gaza/3110500" target="_blank" rel="noopener">https://www.aa.com.tr/en/europe/bosnian-author-cuts-ties-with-german-publisher-to-protest-its-silence-on-humanitarian-crisis-in-gaza/3110500</a></p> <p><span style="font-size: 14pt;">نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 20-1-2024</span></p>
اقرأ المقال
<h1><strong><span style="font-size: 16pt;">استعراض القتل والتنكيل والتعذيب وانتهاك الكرامة البشرية: إسرائيل تلميذة «نجيبة» للاستعمار الأبيض</span></strong></h1> <p>تستدعي علنية القتل والتنكيل والتدمير أمام الجماهير، وصف ميشال فوكو (1984 -1926) لمشهديات التعذيب في ساحات أوروبا بين القرنَين السادس عشر والثامن عشر. أما السلطة والتلذّذ في التعذيب فترتبط بعقدة تفوّق العرق الأبيض وفقاً للكاتب الأفرو-أميركي الراحل جيمس بالدوين (1987 -1924)</p> <p>في الشهر الرابع من العدوان الهمجي على قطاع غزة، تستمرّ آلة الحرب الصهيونية في ارتكاب جرائم حرب على مرأى العالم كله من دون تحقيق أي أهدافٍ عسكرية وفقاً للصحف العبرية. هذا الواقع الفعلي يدفع بالجماهير العربية المؤيدة للقضية الفلسطينية إلى تكرار السؤال الآتي بأكثر من صيغة مختلفة: لماذا لم تتوقف الحرب حتى اليوم؟ لماذا تستمرّ قوات الاحتلال في ارتكاب أفظع المجازر بحق الأطفال والنساء في غزة؟ لماذا يستمر جنود العدو في استهداف الأحياء السكنية والمستشفيات ومدارس الإيواء بالصواريخ السامة المحرّمة دولياً؟ كيف تسمح حكومة الاحتلال وإدارة قوّاته أن ينشر الجنود صوراً وفيديوات من أرض المعركة تفضح الجرائم والانتهاكات التي يرتكبونها؟ لماذا لا تضبط اللغة العنصرية التي تبثها قنوات التلفزة الرسمية المحرّضة على قتل المدنيين وإبادة كل شيء في غزة؟ لا ندّعي هنا الإحاطة بمختلف الأسباب الدافعة إلى استمرار الحرب، ولا تناول المشروع الاقتصادي/ الاستعماري لاحتلال غزة مجدداً بعد 17 عاماً من الانسحاب. تحاول هذه المقالة الإضاءة على علنية القتل والتنكيل والتدمير بشكل استعراضي أمام الجماهير، فتستدعي وصف الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو (1984 -1926) لمشهديات التعذيب في شوارع وساحات أوروبا بين القرنَين السادس عشر والثامن عشر، كما نستحضر مقالة الكاتب الأفرو-أميركي جيمس بالدوين (1987 -1924) «عن أن تكون أبيض... وأكاذيب أخرى» (1984) لتربط بين السلطة والتلذذ في التعذيب وعقدة تفوّق العرق الأبيض.</p> <p>يعدّ ميشال فوكو أحد أهم فلاسفة القرن العشرين. لم يقتصر تأثيره على العلوم الإنسانية ومجالات البحث العلمي فقط، بل طال أيضاً المجال الثقافي والسياسي وفقاً لثنائية المعرفة والسلطة التي انشغل بتقديمها عبر أبحاثه عن الجسد البشري وكيفية إخضاعه واستثماره. تميّز فوكو بأسلوبه البحثي الأركيولوجي الذي يسعى إلى تحليل الخطاب في مراحل تاريخية حضارية مختلفة تتتبّع ظهوره وضعفه واندثاره. اعتمد فوكو أيضاً على تفكيك أصل المعرفة وتتبع جذورها وتطورها عبر التاريخ. في كتابه الشهير «المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن» (1975) يدرس فوكو الآليات الاجتماعية والنظرية لتغيّر أنظمة العقاب في العصر الحديث، محاولاً فهم هذا التبدّل في تكنولوجيا العقاب من مرحلة تعذيب الجسد إلى مرحلة إخضاعه وتطويعه والاستثمار فيه. لفت فوكو إلى أنّ هذا التحوّل العميق قد حدث في أقل من قرنٍ واحد.</p> <p>في الجزء الأول من الكتاب الذي يحمل عنوان «التعذيب»، افتتح الفيلسوف الفرنسي الفصل الأول «جسد المحكوم عليهم» بوصف دقيقٍ وقاسٍ امتد على بضع صفحات لمشاهد متتابعة من عملية تعذيب «داميانز»؛ ويقصد الفرنسي روبير فرنسوا داميانز الذي حاول اغتيال ملك فرنسا لويس الخامس عشر. استند فوكو إلى صحيفة «غازيت أمستردام» التي ذكرت الخبر «في الثاني من آذار/ مارس 1757، حكم على داميانز بدفع غرامة معنوية هي الإقرار بذنبه علناً أمام باب كنيسة باريس الرئيسي، حيث يجب أن يُسحَب ويقاد في عربة عارياً إلا من قميص يستره... وعند ساحة «غريف» وفوق منصة الإعدام، يجري قرصه بالقارصة في حلمتيه وذراعيه وركبتيه وشحمات فخذيه وتحرق برصاص مذوّب، ثم يقطّع جسده بواسطة أربعة أحصنة».</p> <p>تراجع القصاص التشهيري تدريجاً في مطلع القرن التاسع عشر حتى اندثر «العقاب الملكي» في دول الغرب، وخصوصاً بعد الثورة الفرنسية والاحتجاجات ضد التعذيب من قبل الفلاسفة والمنظّرين الحقوقيين الذين نادوا بِـ «عقوبات إنسانية». أُلغي عمود التشهير في فرنسا أولاً ثم في إنكلترا، وتم التخلّي عن الأشغال الشاقة التي كانت تطبّقها النمسا وسويسرا وبعض الولايات الأميركية مثل بنسلفانيا في الشوارع العامة. حينذاك كان يُربط المحكوم عليه بقيدٍ حديدي في عنقه والكلل في قدميه ويوضع أمام شتائم ولكمات الجمهور. استبدلت فرنسا السلاسل التي كانت تجرّ المحكومين عبر البلاد كلها بعربات مقفلة مدهونة باللون الأسود. اتجه العقاب مع الوقت ليصبح جزءاً خفياً من العملية الجزائية، فغاب المشهد العلني للتنكيل بالجسد والتلذذ بالألم والموت البطيء، وحلّ مكانه إعدام كلّي مرةً واحدة. تغيّرت أنماط العقاب على الجسد البشري في دول الغرب، وكانت ولادة السجن تعد مرحلة تنويرية في تاريخ الشعوب ومؤشراً حضارياً وإنسانياً خلّص البشرية من مسرحيات التعذيب العلني الجماعي الذي يضمن استمرار سلطة الملكية ويهدف إلى إقصاء المحكوم، وجاء بمرحلة خضوع الجسد للرقابة والضبط والتقويم بهدف الاستثمار فيه وجعله طيّعاً مفيداً.</p> <p>بالعودة إلى الإبادة الممنهجة التي يتبعها العدو الصهيوني في عدوانه على غزة، تجاوز عدد الشهداء 25 ألفاً وأكثر من سبعة آلاف مفقود منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023 وفقاً لبيان وزارة الصحة في غزة، معظمهم من الأطفال والنساء. وأشار الجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء إلى أنّ هذا العدد المهول من ضحايا الاحتلال الصهيوني هو الأكبر في تاريخ فلسطين الحديث منذ النكبة عام 1948. استطاعت قوّات العدو إبادة هذا الكم من المدنيين باستخدام تكنولوجيا عسكرية متطورة من بينها صواريخ وقنابل مدفعية مزوّدة بالفوسفور الأبيض المحظور دولياً لأنه «يمكن استخدامه كسلاح حارق كما فعلت أميركا في معركة الفلّوجة الثانية في العراق عام 2004». هذا السلاح «قادر على التسبّب في أضرار للمدنيّين جراء الحروق الشديدة التي يُسبّبها وآثاره طويلة الأمد على الناجين. يُعدّ استخدامه في مناطق مكتظة بالسكّان في غزّة انتهاكاً لمتطلّبات القانون الدولي التي تقضي باتخاذ كل أطراف النزاع كلّ الاحتياطات الممكنة لتجنّب إصابة المدنيين ووقوع خسائر في الأرواح. يُسبّب الفوسفور الأبيض حروقاً شديدة، غالباً ما تصل إلى العظام. وحين تتجاوز هذه الحروق نسبة 10% من جسم الإنسان، فغالباً ما تكون قاتلة. وقد تتسبب أيضاً في تلف الجهاز التنفسي وفشل أعضاء الجسم، وغالباً ما تستمرّ معاناة الأشخاص الناجين من الإصابات الأوليّة مدى الحياة» وفقاً لما جاء في موقع «هيومان رايتس واتش». ارتكب الاحتلال ما يقرب من 2000 مجزرة في أقل من أربعة أشهر، من بينها مجازر متعمّدة وموثّقة لاستهداف مستشفيات القطاع، جاء في مطلعها مجزرة «مستشفى المعمداني» في 17 تشرين الأول التي راح ضحيتها 500 شخص. كان استهداف المرضى والطاقم الطبي والأطفال النازحين هناك بنيران صواريخ العدو مشهداً علنياً للتعذيب والحرق تلذّذ فيه العدو بذريعة وجود مقاتلين من «كتائب القسام» هناك. كرّت السبحة مع استهداف مجمّعات طبية ومستوصفات سيق فيها الأطباء إلى الخارج والأسلحة مصوّبة إلى رؤوسهم، مجبرين على ترك المرضى والأطفال الخدّج ليموتوا وحدهم.</p> <p>انتشرت في أيام الحرب الـ 112 الكثير من المواد المصوّرة الصادرة عن جنود الاحتلال من أرض المعركة، توثّق علناً الضرب والتنكيل والتشهير والانتهاك والاستهداف لأجساد المدنيّين الغزّيين بطريقة استعراضية متعجرفة، لعلّ أبرزها كانت صورة الاعتقالات الجماعية لشبان فلسطينيين سُحبوا من بيوتهم وأمام أعين زوجاتهم وأطفالهم. «يحاصر الجنود مجموعة من المنازل، ويطالبون بأسماء العائلات في المنطقة عبر مكبرات الصوت. يوضع الأطفال جانباً، وفي بعض الأحيان تُفصل النساء عنهم. يُعتقل الرجال، من سن المراهقة إلى الستين من عمرهم، بشكل منهجي ويُجرّدون من ملابسهم». كتبت صحيفة «لوموند» الفرنسية التي نقلت شهادة المحامي والباحث في «المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان» أيمن لباد (31 عاماً)، أنّ «الجنود أمروا سكان حيّه في بيت لاهيا أقصى شمال قطاع غزة بالخروج من منازلهم. وجد أيمن نفسه بملابسه الداخلية بين جيرانه، جميعاً على التوالي، راكعاً على الرصيف». وتفاجأ مدير الأعمال الخيرية في الأونروا هاني المدهون، برؤية شقيقه (13 عاماً) ووالده ( 72 عاماً) من بين صور المعتقلين، وهما لا علاقة لهما بالقتال، عكس ما جاء كذباً على لسان المتحدّث باسم قوّات العدو دانيال هغاري بأنّ الصور تظهر مقاتلي «حماس». لم تكن صورة واحدة التي نشرها العدو، بل صوراً عدّة توثّق هذا الانتهاك لأجساد الفلسطينيين وتجريدهم من ثيابهم وتكبيل أيديهم وراء ظهورهم وتصويرهم شبه عراة يُساقون وسط الشارع معصوبي الأعين وثيابهم متناثرة ومتروكة على الأرض. صور أخرى التقطها الجنود في ملعب رياضي في غزة، وأعاد موقع «الجزيرة» نشرها معلّقاً «صور أظهرت كيف وُجِّهت فوهات الدبابات باتجاه الفلسطينيين، وبينهم أطفال وشيوخ. هذه ليست المرة الأولى التي يقدم فيها الاحتلال الإسرائيلي على انتهاك مماثل. في وقت سابق من كانون الأول (ديسمبر) الحالي، أظهرت مقاطع مصوّرة نشرتها مواقع إسرائيلية وفلسطينية أنّ قوات الاحتلال اعتقلت شباناً نازحين يقيمون في مركز إيواء في غزة، وجرّدتهم من ملابسهم أمام الكاميرات». إضافة إلى ذلك، جاءت فيديوات استفزازية على منصة تيك توك تشجّع الإسرائيليين على المشاركة في الرقص والاستعراض بقطع الماء والطعام والكهرباء عن غزة، ومقاطع أخرى لمجنّدات يكتبن عبارات ساخرة وألفاظ كراهية و«تمنّيات بالموت». كما شارك مستوطنون صهاينة في هذا الفعل من بينهم روتم أشيهون، مذيعة إسرائيلية في قناة «كان» العبرية وقّعت على قذائف جهّزها الجنود لإطلاقها على الأحياء السكنية في غزة وكتبت: «أريد أن أرسل إلى شعب غزة قذائف المدفعية». وكانت هناك مشاهد أخرى أظهرت مشاركة أفراد من جالية يابانية، كانوا في موقع عسكري وكتبوا باللغة اليابانية على الصواريخ.</p> <p>يقترب عدد القذائف الملقاة على غزة 100 ألف قذيفة، ولا يزال العدو يطلب من أميركا تزويده بعشرات آلاف القذائف أبرزها قذائف متشظية شديدة الانفجار من نوع «إم 107». وجاء عن نائبة المتحدث باسم البنتاغون سابرينا سينغ أن تقديم المساعدة لإسرائيل حالياً يحدث «عبر آليات مختلفة تماماً عن الطريقة التي قدمت بها المساعدة لأوكرانيا، وهناك ضغط من أجل الحصول على سلطة تتجاوز متطلبات إخبار الكونغرس قبل توريد الأسلحة التي تنطبق على كل دولة أخرى تتلقى تمويلاً عسكرياً أجنبياً». هذا الدعم الحربي الأميركي لكيان الاحتلال يحدث في الوقت الذي يظهر فيه منسّق الاتصالات الإستراتيجية في الأمن القومي الأميركي جون كيربي ليقول: «لا نرى أي دليل على أنّ الجيش الإسرائيلي يرتكب جرائم حرب عمداً في غزة» وتتدخّل ألمانيا في محكمة العدل الدولية كطرفٍ ثالث إلى جانب الاحتلال الاستيطاني لحمايته من حكم يثبت إدانته (راجع الأخبار 20/2/2024) وتظهر الإعلامية والسياسية الفرنسية سيلين بينا لتقول: «علينا أن نشرح ذلك على نحو أفضل، لأنه إن لم نفعل، ستصبح مشاعرنا متساوية بين جميع الضحايا، إلّا أن هذا صحيح، موت فلسطيني وموت إسرائيلي يبقى موتاً، لكن طريقة موتهما هي المختلفة، وهي ستشير إلى إنسانيتنا أو عدم إنسانيتنا. علينا ألّا نساوي بين قتل الأطفال الفلسطينيين والإسرائيليين» (15/11/2023).</p> <p>تستدعي هذه المواقف من «مجتمع البيض» في الدول الغربية استحضار مقالة الكاتب الأفرو-أميركي جيمس بالدوين (1987 -1924) «أن تكون أبيض وأكاذيب أخرى» (1984).<br>كان بالدوين أحد أهم الكتاب الأميركيين الذين تناولوا قضية مناهضة العنصرية العرقية في أميركا. عاصر نجوم المقاومة في تلك المرحلة من مالكون أكس، ومارتن لوثر كينغ، ومؤسّسي «بلاك بانثر» هيوي نيوتن وبوبي سيل. في عام 1984 أي قبل ثلاث سنوات من رحيله بسبب إصابته بسرطان المعدة، كتب بالدوين مقالة هامة في المجلة الأفرو-أميركية Essence تحمل عنوان «أن تكون أبيض وأكاذيب أخرى» يوضح فيها بلغة مباشرة أنّ لا وجود لمجتمع البيض، بل أن تكون أبيض هو اختيار اتخذه العديد من المهاجرين «غير البيض» إلى أميركا. هؤلاء القادمون من بلدان وثقافات مختلفة، تخلّوا عن تراثهم الفريد من أجل التجانس مع البيض. يتطرق الروائي إلى وضع اللاجئين اليهود في أميركا، قائلاً بأنّه «من المحتمل أن تكون الجالية اليهودية، أو ربما بقاياها بشكل أكثر دقة، هي التي دفعت في أميركا الثمن الأغلى والأكثر استثنائية لتصبح بيضاء. وقد أتى هؤلاء من بلدانٍ لم يكونوا فيها بيضاً. أتوا إلى هنا جزئياً لأنهم لم يكونوا بيضاً. لقد اختار اليهود الأميركيون أن يصبحوا من البيض، وهذه هي الطريقة التي يعملون بها. وكان من المثير للسخرية أن نسمع، على سبيل المثال، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق مناحيم بيغن يعلن منذ بعض الوقت أنّ «الشعب اليهودي لا ينحني إلا لله» بينما يعلم أنّ دولة «إسرائيل» تدعمها واشنطن. ومن دون مواصلة متابعة الآثار المترتبة على هذا الفعل الإيماني المتبادل، يدرك المرء مع ذلك أن الوجود الأسود هنا لا يمكنه أن يأمل ــ على الأقل حتى الآن ـــ في وقف المذبحة في جنوب أفريقيا». يوضح بالدوين فكرته بأنّ أميركا (بالأحرى الشعوب التي استوطنت أميركا) أصبحت بيضاء بسبب ضرورة إنكار الوجود الأسود، وتبرير استعباد السود.</p> <p><strong><span style="font-size: 14pt;">أميركا تمدّ الاحتلال الاستيطاني بالسلاح، وألمانيا تتدخّل في محكمة العدل لحمايته</span></strong></p> <p>لا يمكن لأي مجتمع أن يقوم على هذا المبدأ، «لا يمكن إنشاء أي مجتمع على مثل هذه الأكذوبة والإبادة الجماعية»، مستعرضاً كيف استوطن الأوروبيون أميركا عبر الإبادات التي ارتكبوها بحق السكان الأصليين. أدرك بالدوين أنّ اضطهاد مجموعة واحدة مرتبط باضطهاد الجميع، وأنّ عليه مناصرة قضايا المضطهدين في العالم حتى تستمر قضية السود. في كتابه «لا اسم في الشارع» (1972)، يورد: «يجب أن ندعم الثوار السود في جنوب أفريقيا وأنغولا. يجب أن نكون أقرب إلى كوبا مما نحن عليه من إسبانيا، وسوف ندعم الدول العربية بدلاً من إسرائيل، ولن أشعر أبداً بضرورة اتباع الفرنسيين في جنوب شرق آسيا». وفي عام 1979، كتب في مجلة «ذا نايشن» عن القضية الفلسطينية، وعن مشروع «إسرائيل» الذي يمثل نظاماً استعمارياً: «لم تخلق إسرائيل من أجل تحرّر اليهود، بل أُوجدت من أجل المصالح الغربية. هذا ما أصبح واضحاً. الفلسطينيون يدفعون ثمن السياسة الاستعمارية البريطانية التي تتلخص في مبدأ «فرّق تسد» وكذلك يدفعون ثمن شعور الأوروبيين المسيحيين بتأنيب الضمير».</p> <p>تكمن أهمية مقالة الكاتب والناشط المدني جيمس بالدوين عن خرافة المجتمع الأبيض، في أنّه عرى حقيقة أن يكون المرء أبيض هو قرار يندمج فيه مع النظام الرأسمالي والاستعماري على حساب أصله وتاريخه. هناك ثمن باهظ يدفعه غير البيض، حتى ينالوا رضى الغرب ويندمجوا في مجتمعاته، ويتماهوا معه إلى أن يتحوّلوا إلى أدوات ونسخٍ عن الأنظمة العنصرية القائمة على تفوّق العرق الأبيض على بقية المواطنين. ويبدو أنّ «اليهود الصهاينة» الذين عانوا من كونهم غير بيض في ألمانيا النازية، وممنوعين من تزوّج أبناء البريطانيين في إنكلترا، قد تعلّموا ذلك جيداً وجاؤوا به إلى فلسطين المحتلة، فاستوطنوا أرضاً ليست ملكهم، طردوا أهلها وقاموا بالتطهير العرقي وارتكبوا المجازر وجرفوا القرى وأقاموا مستوطناتهم ونظام الأبارتهايد ليخترعوا خرافة «المجتمع اليهودي الأوروبي» في الشرق الأوسط. عدوان الاحتلال الإسرائيلي على غزة وارتكابه للمجازر الممنهجة وعجرفته في التشهير بها عبر منصات التواصل الاجتماعي للإيحاء بسلطته وسيطرته العسكرية، ما هي إلا محاولة لأن يصبح نظاماً أبيض.</p> <p><span style="font-size: 14pt;">نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 29-1-2024</span></p>
اقرأ المقال
<h1><strong><span style="font-size: 16pt;">يوميات التنكيل والإبادة والحصار الإسرائيلي للقطاع قبل ظهور المقاومة | نورمان فينكلستين: غزة التي رفضت أن «تغرق في البحر»</span></strong></h1> <p>شاءت المصادفة البحتة أن يقدّم المؤرّخ اليهودي المعادي للصهيونية محاضرةً عن وضع القطاع قبل وصول المقاومة إلى السلطة، قبل أيام فقط من بثّ منصّة Hulu إعلان بروباغندا تضليلياً عن «جمال» غزة قبل «حماس»! إلا أنّه لا يمكن إخفاء الشمس بغربال، فالتاريخ يحتفظ بسجلّ حافل من الإرهاب والتنكيل والإبادة التدريجية لأهل غزّة بهدف عزلهم ومحوهم من الوجود</p> <p>قبل أيام قليلة، عرضَت منصّة البث التدفقي Hulu التابعة لمجموعة «ديزني» العالمية إعلان بروباغندا تضليلياً تبلغ مدته ثلاثين ثانية (الأخبار 31/1/2024)، يحمل الرسالة التالية: «هكذا كانت لتكون غزة من دون «حماس»». الإعلان المصنوع بواسطة الذكاء الاصطناعي وباللغة الإنكليزية، ينقسم إلى جزأين: الجزء الأول يبدأ بدعوةٍ إلى زيارة مدينة غزة الجميلة: Come Visit beautiful Gaza بما يذكّر بالحملة الترويجية Visit Palestine الشهيرة التي أقامها الصهاينة في ثلاثينيات القرن الماضي، لتشجيع يهود أوروبا للهجرة إلى فلسطين، وكانت من تصميم الصهيوني فرانز كراوس (1905-1993). يعرض هذا الجزء صوراً ملوّنة ومولّدة بالكامل عبر الكومبيوتر، لا تمت للواقع بصلة، ويمكن وصفها بالـ«سيمولاكرا» بحسب تعريف الفيلسوف الفرنسي جان بودريار، أي إنّ هذه الصورة هي نسخة فقدت صلتها بالواقع ولا تحمل أي ارتباط بأي مدلول أصلي. الصور الأولى تبدو كأنّها من الجنة: شاطئ ساحر وأشجار نخيل وأطفال فرحون وأناس كثر ربما في مهرجان على الشاطئ، وفنادق خمس نجوم وطعامٌ كثير، وحفلات ليلية، وطقوس دينية وسعادة وهناء. أما الجزء الثاني، فيبدأ عند تبدّل صورة رجل مسنٍ ذي لحية بيضاء إلى صورة شاب مقاتل ملتحٍ وعبارة: «هكذا كانت لتكون غزة من دون حماس». تكرّ السبحة بصور مفبركة لمقاتلين من «كتائب القسّام» يحملون السلاح وآخرين في الأنفاق. تليها صورة لرئيس المكتب السياسي لـ «حماس» يحيى السنوار يحمل طفلاً وفي يد الطفل بندقية. رسالة الإعلان جاءت واضحة باللغة والخطاب والصورة، ولا نيّة لنا في هذه المقالة أن نستعرض طبيعة حكم «حماس» في القطاع أو محاولة الدفاع عن وجودها. تهتم هذه المقالة بملاحقة الخرافة التي يدّعيها هذا الإعلان بخصوص الحياة في غزة قبل وجود «حماس»، مستندةً بالكامل على بثٍ مباشرٍ عبر اليوتيوب للمؤرّخ الأميركي نورمان فينكلستين الذي يعرض تاريخ غزة تحت الاحتلال الصهيوني وقبل إنشاء حركة «حماس».</p> <p>اللافت في البداية هو أنّ خطاب الباحث اليهودي المعادي للصهيونية فينكلستين، لم يأتِ رداً على هذا الإعلان الترويجي، بل كان تعليقاً على قرار محكمة العدل الدولية في ما يخص الدعوة التي قدّمتها جنوب أفريقيا. ويجب القول إنّ الفيديو جاء في تاريخ 25 كانون الثاني (يناير) أي قبل يومين من بث الإعلان (27 يناير)، لكنه للمصادفة يتحدّث عن القتل والتنكيل والانتهاكات التي قام بها الاستيطان في حقّ الفلسطينيين في غزة خلال فترة احتلالها. بدأ الأستاذ الجامعي حديثه من عام 1956 حين «تواطأت إسرائيل مع بريطانيا العظمى وفرنسا للإطاحة بالرئيس المصري جمال عبدالناصر. ولدى غزو مصر، احتلّت إسرائيل غزة التي كانت حينها تحت الإدارة المصرية، مرتكبة مجازر واسعة النطاق».</p> <p>وقبل أن يستند فينكلستين إلى كلام بيني موريس، أحد أشهر المؤرّخين الإسرائيليين الجدد، ينبّه متابعيه: «يجب أن تأخذوا في الاعتبار أنّني لا أتحدث عن يوم أمس، ولا عن السنة الماضية، ولا حتى عن العقد الماضي، بل أتحدّث عن المذابح المستمرة للغزّيين». وفقاً لموريس، فإنّ مدينة خان يونس وقعت تحت الاحتلال في الثالث من تشرين الثاني (نوفمبر): «أطلقت القوات الإسرائيلية النار على المئات من اللاجئين والسكان المحليّين. وقبلها بيومين في مدينة رفح، قتلت إسرائيل بين 48 شخصاً و100 شخص». وبحسب مصدر الأمم المتحدة، فإنّ «إسرائيل قتلت حوالى 500 شخص في الأسابيع الثلاثة الأولى». ينتقل فينكلستين إلى المؤرّخ الفرنسي جان بيار فيليو (1961) الذي ألّف كتاب «تاريخ غزة» (فايار ـــــ 2012)، للتعليق على الأحداث ذاتها: «كانت الكلفة البشرية لاحتلال غزة في أربعة أشهر باهظة جداً، وإن أخذنا بأعداد الجرحى والمسجونين والأشخاص الذين تعرّضوا للتعذيب، يمكن القول إنّ واحداً من أصل مئة في غزة قد تعرّض للعنف والأذى الجسدي من قبل الغزاة». يشير فينكلستين إلى أنّ هذه النسبة من ضحايا الاحتلال قد تحققت اليوم في العدوان الصهيوني على غزة بعد أحداث 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023.</p> <p>عند الاحتلال الثاني لغزة عام 1967، لم يتقبّل السكان الخضوع للاحتلال الصهيوني مرة أخرى. حاول العدو قمع المقاومة فيها بكل ما أوتي من قوة: «في عام 1970، قام جيش الاحتلال بوضع مخيمات اللاجئين هناك تحت الحظر مدة 24 ساعة. فتّشوا البيوت، وأجبروا العديد من الرجال الفلسطينيين على الوقوف وسط البحر لساعات طويلة أثناء عمليات التفتيش. كما رُحِّل 12 ألف شخص من بيوتهم تحت ذريعة الاشتباه بكونهم مقاومين، فزجّوهم في معسكرات الاعتقال». وفضحت الصحف العبرية ذلك بعد أسابيع من «ضرب الجنود وحرس الحدود للمعتقلين، وإطلاق النار على الحشود، وتحطيم الممتلكات والبيوت. فما كان من قوّات الاحتلال، سوى إضافة تكتيك القمع الوحشي المتمثّل في تضييق مخيمات اللاجئين. إذ اقتلعت أكثر من 13 ألف ساكن بحلول شهر آب (أغسطس). يتأرجح الباحث المناصر للقضية الفلسطينية بين الماضي والحاضر، وهو يقارب بين تاريخ الصهاينة في قطاع غزة والعدوان الحالي الذي دخل شهره الخامس مع بداية شباط (فبراير) 2024، محاولاً القول إنّ التاريخ يتكرّر مراراً وأنّ نكبة أهل غزة مستمرّة. يشير إلى تصريحات رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو الذي أعلن عن سياسة تقليص عدد السكان في غزة. الخطوة ذاتها اتّبعتها قوّات العدو في عام 1956 أيضاً حين قلّصت مخيمات اللاجئين. بعد عشرين عاماً على احتلال غزة، في الانتفاضة الأولى عام 1987 «أثبت الغزّيون أنّهم غير قابلين للكسر». وتمنّى العدو كما جاء على لسان وزير «دفاعه» إسحاق رابين «لو أنّ غزة تغرق في البحر»، فيتخلّص من أهلها.</p> <p>يذكّر فينكلستين المشاهدين بأنّ الأحداث هذه لم تحصل بسبب حكم حركة «حماس» في غزة كما يروّج الاحتلال، فأكبر دليل على ذلك أنّ ما يعرضه يسبق بعقود وصول الحركة إلى السلطة. لكن ما فعلته «إسرائيل» ـــــ بحسب قوله الذي يعترف بأنّه قد يبدو قاسياً بالنسبة إلى كثيرين لكنّه «مستعد لتأكيده ودعمه» ـــ أنّها «حوّلت غزة إلى معسكر اعتقال، وتريد ترك السكان يتعذّبون ويموتون هناك». يؤكّد المؤرّخ الأكاديمي هذا الواقع بالاقتباس من الصحافية الإسرائيلية عميرة هاس (كان المؤرخ إيلان بابيه قد ذكرها في إحدى محاضراته الجامعية بعد السابع من أكتوبر)، التي أمضت وقتاً طويلاً في غزة بسبب عملها مراسلة في صحيفة «هآرتس» العبرية، وألّفت كتاباً عن غزة التي «تعرفها مثل كف يدها». في عام 2008، وصفت هاس ما حصل في القطاع في بداية التسعينيات، أي قبل أن يخرج الصهاينة منها وتخضع لحكم «حماس»: «معسكر الاعتقال، أي غزة، كان موجوداً في ظل ظروف أشد قسوة لما يقرب من ثلاثة عقود، خلافاً للدعاية الإسرائيلية (وهذا اقتباس عن عميرة هاس وليس فينكلستين)، وقبل أن تتولى «حماس» السلطة وتطوّر مهاراتها العسكرية. إسرائيل لديها هدف سياسي في ذهنها، أن تحوّل غزة إلى معسكر اعتقالي عملاق، يقطعها عن باقي الأراضي الفلسطينية، ليصبح قطاع غزة كياناً منفصلاً ومحروماً من الجذور التاريخية والانتماء». حقيقة يؤكّدها أحد كبار علماء الاجتماع لدى الاحتلال باروخ كيمرلينغ (2007-1939) الذي قال في عام 2000 إنّ «غزة أصبحت أكبر معسكر اعتقال على الإطلاق». يدرك فينكلستين أنّ الحقائق التي يطرحها، ستتعرّض حتماً للتشويه والتقليل من مصداقيتها، وإن استند في بحثه إلى اختصاصيين إسرائيليين أمثال هاس التي يعرّفها «المجتمع» الإسرائيلي بأنّها يسارية، وكيمرلينغ الذي يعتبرون أنّه كان متعاطفاً مع الفلسطينيين، فيذهب إلى الاقتباس من رئيس «مجلس الأمن القومي» السابق لكيان الاحتلال غيورا آيلاند معلّقاً بسخرية أنّ «السيد آيلاند يحمل رقماً قياسياً في موسوعة «غينيس» لعدد تصريحات الإبادة التي أدلى بها منذ السابع من أكتوبر». ففي عام 2004، وصف آيلاند ــ اليميني المتطرّف- غزة بأنّها «معسكر اعتقال ضخم». ويختم المؤرّخ بأنّ هذه استراتيجية الكيان الصهيوني للسيطرة على غزة وقمع أهلها الذين أثبتوا أنّهم «يرفضون الخضوع للاحتلال».</p> <p>منذ انسحاب الصهاينة من القطاع ثم تولّي «حماس» السلطة على إثر الانتخابات الفلسطينية في عام 2006، فرض العدو الإسرائيلي حصاراً على القطاع «إذ وضع الناس على الحد الأدنى من النظام الغذائي الإنساني، فسمح بدخول كميات من المواد الغذائية لن تؤدي بسكان غزة إلى الجوع، لكنّها لن تبعدهم عن خطر المجاعة. منعت إسرائيل دخول الشوكولا والمربى والزنجبيل والفواكه والمكسرات والبسكويت والتشيبس. كما منعت دخول الآلات الموسيقية والدفاتر وأدوات الكتابة والألعاب والدجاج والماعز». برّر الاحتلال هذا الحصار بأنّه يريد منع «حماس» من تسليح نفسها، فأدى الحصار إلى تدمير اقتصاد القطاع، بحسب وصف الخبيرة الاقتصادية في «جامعة هارفرد» سارة روي: «إن اقتصاد غزة كان ممنهجاً له أن لا ينمو». بسبب الحصار الإسرائيلي للقطاع، أصبح ثمانون في المئة من السكان يعتمدون على المساعدات الدولية للبقاء على قيد الحياة. كما أصبحت مياهه، بنسبتها العظمى، ملوّثة وسامّة، وخمسون في المئة من الغزّيين دون الأمن الغذائي، أي إنّهم «لم يشعروا ببطنٍ ممتلئة لسنوات». وإن تركنا الحصار الاقتصادي قليلاً، هناك مصطلح بالعبرية صاغه الاحتلال عن العمليات التي يكررها في غزة بين الحين والآخر وهو «جزّ العشب» (mowing the grass) في إشارة إلى إستراتيجية التخلّص من المقاومين الفلسطينيين في غزة «أي المجازر التي يرتكبها الإسرائيليون في غزة بحق المدنيين والبنى التحتية» كما يشرح فينكلستين.</p> <p><strong><span style="font-size: 14pt;">كانوا يطلقون النار على كل من يتحرك في الليل «كأنها لعبة كومبيوتر رائعة وحقيقية» (جندي صهيوني)</span></strong></p> <p>«ليس صحيحاً أنّ الغضب الذي تصبّه إسرائيل على غزة سببه السابع من أكتوبر»، فالجنود الصهاينة أنفسهم يروون ما كانوا يفعلونه قبل سنوات من عملية «الطوفان». أثناء عملية «الجرف الصامد» عام 2014، قامت مجموعة إسرائيلية بمقابلة الجنود وسألتهم عن الوضع في غزة، فجاء على لسان أحدهم: «حين غادرنا غزة بعد العملية العسكرية، كانت المنطقة مجرّد صحراء قاحلة. كمية الدمار الذي خلّفناه هناك جنوني. دخلنا غزة بكمية كبيرة من القوة النارية. بدا كأنّه فيلم خيال علمي. إطلاق نار مستمر ومستويات خطيرة من الدمار في كل مكان. كان عرضاً للألعاب النارية. إطلاق النار على كل من يتحرك في الليل كأنها لعبة كومبيوتر رائعة وحقيقية». ينهي المؤرّخ عرض الانتهاكات والمجازر باقتباسٍ لرئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر بيتر ماورر الذي تعتمد طبيعة عمله على زيارة أماكن القتال. عند زيارته غزة بعد تلك العملية، قال ماورر: «لم أرَ في حياتي مثل هذا الدمار الهائل من قبل».</p> <p>كل تلك الشهادات لمؤرّخين واختصاصيين إسرائيليين وغربيين ممّن زاروا غزة خلال فترات احتلال العدو الصهيوني للقطاع بعد انسحابه وفرضه الحصار الاقتصادي، وتنكيله بالمدنيين وتعذيبهم وتقليص عدد السكان وتحويل المنطقة إلى «معسكر اعتقال»... كل ذلك قبل مجيء حركة «حماس» إلى السلطة في غزة. أما بالعودة إلى الإعلان الترويجي المصطنع والمولّد بتقنيات الذكاء الاصطناعي، فبالتأكيد لم تكن غزة يوماً كما الصور التي جاءت في الجزء الأول منه، إذ إنه كان مقدّراً لها أن «تغرق في البحر» وينكسر سكان غزة. ويبقى السؤال: بعد محاضرة نورمان فينكلستين التي جاءت قبل عرض الدعاية الإعلانية بيومين، هل باستطاعة كيان الاحتلال أن يدعو أحداً إلى زيارة «غزة الجميلة» ما قبل «حماس»؟</p> <p><span style="font-size: 14pt;">نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 2-2-2024</span></p>
اقرأ المقال
<h1><strong><span style="font-size: 16pt;">عن (خيانة) المثقف الذي «ربح العالم»... وخسر نفسه</span></strong></h1> <p>وجّهت الأكاديمية الأميركية آني أندريا رسالة إلى المثقفين والأكاديميين في الغرب في ظل غياب صوتهم وموقفهم إزاء إبادة المؤسّسات التعليميّة في غزة. نعتَتهم بالأشخاص السيّئين بسبب خيانتهم وظيفتهم في هذا الوقت الحسّاس. هنا عودة إلى دور المثقف والمتعلّم وفقاً للمنظّر الفلسطيني الراحل وما عليه من مهامّ ومسؤوليات تجاه قضايا المستضعفين في العالم</p> <p>قبل أسبوعين، ظهرت الأكاديمية الأميركية آني أندريا في فيديو قصير تناقلته حسابات قليلة على منصّات التواصل الاجتماعي (إكس وإنستغرام)، وهي توجّه رسالة إلى الأكاديميين في الغرب الذين غاب صوتهم عن الإبادة المستمرة التي تتعرّض لها غزة. اختارت الباحثة أن تحدّد مضمون خطابها كما جمهورها المقصود بالفيديو. لم توسّع إطار موضوعها ولم تعتمد على مخاطبة المشاعر في ما يتعلّق بالمجازر التي قضت على عشرات آلاف الفلسطينيين، بل ركّزت على إبادة المؤسّسات التعليمية في القطاع. يحاول العدو الصهيوني منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) أن يسوّي أرض غزة؛ أن يدمّرها بالكامل حتى تُصبح منبسطةً كصحراء قاحلة غير قابلة للحياة. يود الاحتلال ـــ لو باستطاعته ــــ محو القطاع عن الخريطة. بكمية المتفجرات والقذائف والقوة النارية التي يوبل غزة بها، لم يقضِ على حياة 28 ألف مدنيّ فقط، بل قضى على المكاتب الإعلامية والمقرّات الطبيّة، وتعمّد أيضاً ارتكاب مجزرة بحق الجامعات والمدارس هناك. تتناول هذه المقالة رسالة أندريا متتبعة دور المثقف والمتعلّم وفقاً للمفكّر الفلسطيني إدوارد سعيد (2003-1935) تجاه القضايا المحقّة في العالم.</p> <p>بدأت الباحثة آني أندريا رسالتها بعرض المشكلة بشكلٍ مباشر من دون مقدّمات، قائلة: «لم يتبقَّ من جامعات في غزة لأنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي قصفها كلها. 94 أكاديمياً استشهدوا على يد قوات الاحتلال منذ السابع من أكتوبر، من بينهم الدكتور رفعت العرعير صاحب القصيدة الشهيرة «إذا كان يجب أن أموت» التي أصبحت معروفة بين الناس وحول العالم». انتقلت بعدها لتعلّق على غياب ردة فعل الأكاديميين حول العالم، وخصوصاً في الدول الغربية، الذين لزموا الصمت في وقتٍ سيّئ كهذا: «العالم الأكاديمي الغربي لم يقل شيئاً عن هذا الدمار الخسيس للتعليم والثقافة. هذه مجرد خطوة أخرى تتخذها إسرائيل لجعل غزة غير صالحة للسكن». وتتساءل أندريا عن ازدواجية المعايير ونفاق مجتمع المثقفين والأكاديميين الذين يدّعون صفة لا يمارسونها بصورة فعلية وقت الحاجة الحقيقية لذلك: «إن كنت لا تهتم بهذا، فأنا أعتقد أنك شخص سيّئ. كيف يمكنك أن تدّعي حبك للتعليم؟ كيف يمكنك أن تدّعي حبك للقراءة عندما ترى المكتبات والجامعات في غزة تُمحى عن الخريطة؟ ماذا لو كانت «أكسفورد»؟ ماذا لو كانت «هارفرد»؟ إذا تم تفجير أي من تلك الجامعات، سيكون هناك غضب وإدانة واسعة وتغطية كبيرة في كل وسائل الإعلام».</p> <p>تدرك الباحثة أهمية الموضوع الذي تتناوله وتنطلق من معرفة تاريخية للصراع الفلسطيني الصهيوني. تشير في نهاية الفيديو إلى كتاب المؤرّخ الفلسطيني نور مصالحة (1957) «فلسطين أربعة آلاف عام في التاريخ» (بنسخته الأولى باللغة الإنكليزية ــــ 2022) الذي يذكر كيف كانت غزة مركزاً للعلم والتعلّم منذ العصور القديمة. ختمت أندريا رسالتها بدعوة الأكاديميين إلى أخذ موقفٍ جدّي وفعّال ممّا يحصل، قائلةً «إنّ رؤية ثقافتهم وتاريخهم يتم القضاء عليه وتدميره تماماً شيء عنيف وقاسٍ ومقرف، لذا يجب علينا أن نتحدّث عن هذا بشكلٍ أكبر».</p> <p>جاء استهداف المؤسّسات التعليمية ممنهجاً من العدو الصهيوني، فشنّ غارات مكثّفة ودمّر حتى الأسبوع الأخير من شهر كانون الثاني (يناير) تسعين في المئة من الأبنية المدرسية الحكومية في قطاع غزة، أي ما يقرب من 281 مدرسة حكومية، إضافة إلى 65 مدرسة تابعة لوكالة الأونروا تعرّضت للتدمير الكلّي أو الجزئي، وفقاً لبيان «المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان». فجّر العدو كذلك مقرّات جامعات القطاع، وجاء في مقدمتها جامعتَا «الأزهر» و«القدس المفتوحة»، ثم استهدف «الجامعة الإسلامية». أما «جامعة الإسراء» الموجودة في جنوب مدينة غزة، فقد وثّق جنود الاحتلال عملية نسفها بفيديو مصوّر (17 كانون الثاني) بعدما استخدموها لشهرين كثكنة عسكرية ومركز اعتقال موقت. هذه الإبادة بحق التعليم في غزة، طالت أرواح الطلاب والأساتذة والإداريين قبل المباني والمقرات. فقد أعلنت وزارة التربية والتعليم عن استشهاد أكثر من أربعة آلاف تلميذ وإصابة ضعف العدد من الطلاب، كما استشهد 231 معلماً وإدارياً، وأصيب 756 منهم بالجروح. وضمّت لائحة ضحايا الجامعات استشهاد 94 أستاذاً جامعياً من بينهم 17 أكاديمياً يحملون درجة البروفيسور، و59 ممن لديهم درجة الدكتوراه، و18 محاضراً بدرجة الماجستير. ويمكن القول إنّ العدوان على غزة قد تسبّب في حرمان عشرات آلاف الطلاب من متابعة دراستهم الجامعية والمدرسية. وأخيراً، انتشر فيديو للصحافي هاني الشاعر، مراسل قناة «الجزيرة»، يرصد استهداف جنود الاحتلال للصحافيين والنازحين في محيط دوار «جامعة الأقصى»، حيث قامت ثلاثة دبابات تابعة للعدو بإطلاق النار عليهم بشكل مكثّف ومباشر . هذه الإبادة الشاملة للجهاز التعليمي في غزة، لم تُرتكب بالسّر أو بعيداً من مرأى العالم، بل وثّقتها كاميرات هواتف المدنيين، إضافة إلى نشرِها من جنود الاحتلال أنفسهم للتلذّذ بمشاهد الدمار وادّعاء السيطرة العسكرية. وعلى الرغم من علنيّة الجرائم الحربية، إلا أنّ كثيراً من الأكاديميين والمثقفين في الغرب وفي دول الشرق والعالم العربي، انقسموا بين أصحاب «اللاموقف» وهم أولئك الرماديّون الذين لزموا الصمت إزاء ما يحدث من تنكيل واضطهاد وتطهير ومذبحة بحق أهل غزة، وأصحاب «مناصرة الباطل» الذين برّروا لأنفسهم ولجماهيرهم اختيارهم التحدث بلغة السلطة والوقوف إلى جانب الطرف الأقوى. كِلا النوعين من المثقفين يمارسون «خيانة» لدورهم الطبيعي والعضوي في المجتمع بحسب المنظّر والناقد الأدبي إدوارد سعيد.</p> <p>في كتابه «المثقف والسلطة» (1996) تحدّث أستاذ الأدب المقارن في «جامعة كولومبيا» عن صورة المثقفين والمتعلّمين ودورهم تجاه أنفسهم ومجتمعاتهم، قائلاً «العبرة بصورة المثقف أو المفكّر باعتباره يمثّل شيئاً ما، فهو شخص يمثّل بوضوح موقفاً من لونٍ ما، وهو شخص يقدّم صوراً «تمثيلية» مفصّلة إلى جمهوره على الرغم من شتّى ألوان الحواجز والعراقيل». اعتبر سعيد أنّ المثقفين أو المفكرين هم أفرادٌ يختلفون عن عامة الناس بأنّ لديهم رسالة يؤدونها. وبمعزلٍ عن نوع الرسالة أو الفن الذي يمارسه المثقّفون ـــ سواء كانوا يتحدثون أو يكتبون أو يعلّمون الطلاب أو يظهرون في التلفزيون ـــــ فإنّ أهميتها تكمن في الاعتراف بها علناً، وفي حقيقة «أنّها تتضمّن الالتزام والمخاطرة في الوقت نفسه، وكذلك الجسارة والتعرّض للضرر». يقصد الناقد الأدبي أنّ مسؤولية الكاتب والأستاذ والفنان (والمثقّف بشكلٍ عام) ليست سهلة على الإطلاق، لأنّها محفوفة بالمخاطر واحتمال التعرّض للأذى. ولذلك، فإنّه دائماً ما يُتاح له الاختيار عند كل قضية «إما أن ينحاز إلى صفوف الضعفاء والأقل تمثيلاً في المجتمع، ومن يعانون من النسيان أو التجاهل، وإما أن ينحاز إلى صفوف الأقوياء». ومن يعمد إلى اتّخاذ الاختيار الثاني المتمثّل في الانضمام إلى «استقرار المنتصرين والحكام»، فيكون قد سلك الطريق الأضمن لمصالحه الشخصية ومكاسبه (مال ومنصب وعلاقات وفرص) التي يرغب في ضمان استقرارها. لكنّه في الوقت ذاته، يمارس خيانة لمهنته ودوره كناقدٍ وقارئ للأحداث الكبرى والحسّاسة.</p> <p>يكرّر إدوارد سعيد نقده لخروج المثقف عن دوره المنتظر، ويشرح امتعاضه من تخلّيه عن مبادئه بالقول: «لا أرى ما هو أجدر بالاستهجان مما يكتسبه المثقف من عاداتٍ فكرية تنزع به نحو ما يسمى «التفادي» أو التخلّي عن الثبات في موقفه القائم على المبادئ، وهو يعلم علم اليقين أنه الموقف الصائب ولكنه يختار ألا يلتزم به».</p> <p><strong><span style="font-size: 14pt;">جاء استهداف المؤسّسات التعليمية ممنهجاً من العدو الصهيوني، فشنّ غارات مكثّفة ودمّر تسعين في المئة من الأبنية المدرسية الحكومية</span></strong></p> <p>يرجّح سعيد ذلك الأمر إلى ذريعة أنّ المثقف لا يريد أن يظهر في صورة «من اكتسى لوناً سياسياً أكثر مما ينبغي له، وهو يحاول ألا يظهر في صورة من يختلف الناس عليه، وهو يحتاج إلى إرضاء رئيسه عنه، أو رإضاء من يمثّل السلطة، ويريد الحفاظ على سمعته باعتباره متوازناً، موضوعياً، معتدلاً، وهو يأمل أن يُطلب من جديد لإسداء المشورة، أو للاشتراك في عضوية مجلسٍ أو لجنة ذائعة الصيت، ثم أن يظلّ في التيار الرئيسي للقادرين على تحمّل المسؤولية، ويأمل أن يحصل يوماً على شهادة فخرية، أو جائزة كبرى، وربما منصب سفير في دولة أجنبية». هذه العادات الفكرية المكتسبة التي يستوعبها المثقّف، هي على حد تعبير سعيد «مصدر للفساد» لما لديها من قدرة فعّالة على تشويه الحياة الفكرية وتحييدها، ثم قتلها في النهاية.</p> <p>في العودة إلى موقف المثقفين والأكاديميين من التطهير العرقي للمدنيين في غزة، والتدمير الشامل للجهاز التعليمي من مدارس وجامعات ومراكز أبحاث، نجد أنّ الخوف من قول الحقيقة والإقرار بالظلم قد وضع الغمامة على أعين كثيرين من المثقفين وكمّ أفواههم تجاه الإبادة التي يرتكبها الاحتلال الصهيوني. هم على اختلاف جنسياتهم ومناصبهم، يعرفون أين تكمن الحقيقة ولديهم مراكز اجتماعية وفكرية تؤهّلهم لإدراك الحق وإحقاقه، لكنهم يتهرّبون من ذلك وينأون بأنفسهم عن الصراع. هنا يأتي السؤال: كيف يمكن للمثقف الذي تقوم رسالته على المبادئ أن يرى ويدرك الحقيقة لكنه يختار أن يتجاهلها؟ وكيف يستطيع أن يتجاوز مسؤولية الاعتراف بها والإعلان عنها ومناصرتها، إلى مرحلة أكثر فساداً تأتي في وقوفه إلى جانب السلطة الاستعمارية والحكومة الاستيطانية ونظام الفصل العنصري؟ يرى سعيد أنّ أصعب جانب من جوانب حياة المثقف أو المفكر هو «تجسيد ما يقوله في عمله وتدخلاته، من دون أن يتصلّب فيصبح أشبه بالمؤسّسة أو الآلة الصماء التي تتحرك بناءً على توجيهات نظامٍ ما». هذا إذا ما تحدّثنا عن المثقف الغربي وموقفه من العدوان على غزة، لكن ماذا عن المثقفين العرب؟ الكتّاب والفنانون والإعلاميون والرسّامون والأكاديميون؟ يذكر مؤلّف كتاب «الاستشراق» (1978) أنّ المثقّف تحاصره مشكلة الولاء التي لا تمكّنه من أن يرتفع فوق الروابط العضوية مع الأسرة والمجتمع والقومية، وفي حالات تعلّق المثقف بجماعة تعرّضت للحصار مثل الفلسطينيين «فإن الإحساس بأنّ شعبك يتهدّده الفناء أو الانقراض السياسي بل المادي فعلاً يُلزمك بالدفاع عنه، وبأن تفعل كل ما في طاقتك لحمايته».</p> <p><strong><span style="font-size: 14pt;">الرماديّون لزموا الصمت إزاء ما يحدث من تنكيل واضطهاد وتطهير ومذابح، وأصحاب «مناصرة الباطل» تحدثوا بلغة السلطة والطرف الأقوى</span></strong></p> <p>وهذا الرابط بين المثقف وشعبه وقوميته، يجعل أبناء جلدته يتطلّعون إليه في أوقات الشدة، ليقوم بتمثيل معاناتهم ويتصدى للدفاع عنها وعنه؛ باعتباره واحداً منهم.</p> <p>في طرحه النقدي لتعريف المثقّف ودوره المبدئي في المجتمع، كان إدوارد سعيد يرى أنّ على المثقّف الحقيقي أن يشتبك مع العالم الذي يعيش فيه، أن يكون صوت الحق والعدل في وجه الظلم والسلطة المنتصرة، أن يكون لسان حال شعبه ومناصراً لقضايا المستضعفين والمهمّشين في العالم. ورغم تشجيعه للمثقّف/ الأكاديمي بأن يسلك الطريق الشائك ويكون مستعداً لتحمّل وابل من الانتقادات والاتّهامات والتلفيقات، وأن يتوقّع التضييق عليه من أصحاب السلطة الممارسين للاضطهاد والظلم، فإنّه لم يكن يتحدّث عن الاشتباك الجسدي كحالة الشهيد باسل الأعرج. ركّز سعيد على صورة المثقّف الذي يشتبك مع اللغة والموقف والقدرة على إعلان الحقيقة، بعكس المثقفين التقليديين موظّفي الأنظمة والأساتذة الجامعيين الذين لا يُسجّل لهم موقف خارج صفوف التدريس. مع ذلك، في ظل الإبادة والمجازر التي يتعرّض لها الفلسطينيون في غزة منذ خمسة أشهر والتي طالت أيضاً المدارس والمؤسّسات التعليمية، لم يستطع الوسط الثقافي العربي الخروج من وحل العادات الفكرية المكتسبة التي يصفها سعيد على أنّها «مصدر للفساد».</p> <p><span style="font-size: 14pt;">نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 5-2-2024</span></p>
اقرأ المقال
<h1><strong><span style="font-size: 16pt;">تخاذل وتواطؤ وجسر عربي لنجدة إسرائيل: رجال كنفاني دقّوا جدران الخزّان آلاف المرات</span></strong></h1> <p>قبل أيام، نشرت «قناة 13» العبرية تقريراً مصوّراً يظهر وصول شاحنات محمّلة بالبضائع المتنوّعة من دولة الإمارات إلى كيان الاحتلال. تأتي حركة هذه الشاحنات الضخمة ضمن جسر برِّي يربط دولاً عربية بكيان الاحتلال. يُعدّ الجسر إمداداً حيوياً يجنّب العدو الصهيوني الوقوع في أزمة حقيقية، خصوصاً بعد بدء القوات البحرية اليمنية بالتعرّض لكل سفينة متوجّهة إلى موانئ الاحتلال عبر البحر الأحمر. هنا عودة إلى رواية «رجال في الشمس» (1963) للكاتب الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني التي تتناول المصير الحتمي للفلسطيني الذي يبحث عن حلول فردية خارج قضية شعبه ووطنه. كما ترمز إلى خذلان السلطة الفلسطينية والدول العربية وعجزها عن وقف النكبة المستمرة بحق الفلسطينيين</p> <p>«غابت علينا الشمس يا جْحِيشَتِي يللا، علينا نْعَجِّل شوي وتوكّلي عَ الله،<br>نغيّر التاريخ نوصِّل المريخ، ونطلِّع الشيطان ونشوفوا ليش زعلان منذ الأزل علينا،<br>علينا نعيد المجد غابر، علينا نغيِّر الشوادر، الشوادر والخيم، والعِيشِة مثل الغنم،<br>والزعيم اللي هرب، مش من تقاليد العرب، لا عند العرب عِيبْ وسرّها في الغيب،<br>علينا نعمل العجايب علينا نعرف السَّبايب، السبايب والعلل، والعشاير في الملل<br>في الذي منّا انتهب وفي التاريخ اللي انتكب، مش نكبة ونكبتين».<br>«أغنية وطنية» (ألبوم «موت النبي»- 1987) ـــ فرقة «صابرين»</p> <p>في مطلع ستينيات القرن الماضي، قدِم الكاتب والمثقف المشتبك غسان كنفاني (1936-1972) من الكويت إلى لبنان وسكن في إحدى بنايات شارع الحمرا في بيروت. حينها لفترة قصيرة، كان يتحرّك بهدوء بعيداً عن أعين الشرطة وآذان المكتب الثاني بسبب عدم امتلاكه إقامةً رسميةً في البلد. خلال تلك الفترة، عمل على كتابة روايته الأولى «رجال في الشمس» التي أتمّها عام 1962 وصدرت بعدها بسنة واحدة في العاصمة الثقافية التي احتضنته لمدة اثني عشر عاماً. كان ابن مدينة عكا قد درس في يافا، ثم تنقّل إثرَ النكبة بين دمشق والكويت حيث عمل مدرّساً للرسم والرياضة ومحرّراً صحافياً. هناك في الكويت، أصبح كنفاني قارئاً نهِماً يطالع مئات الصفحات من الكتب بوتيرة يومية، ما أكسبه معرفةً واسعةً ومخزوناً ثقافياً، عرف لاحقاً كيف يوظّفه في كتاباته المتنوّعة بين مسرحيات وقصص قصيرة وروايات ودراسات تاريخية وقصص أطفال ومقالات سياسية. كان الصحافي الشاب صاحب القلم المخلص للقضية الفلسطينية قد لفت انتباه جورج حبش (1926-2008) مؤسّس «حركة القوميين العرب» في ذلك الحين، فضمّه إلى أسرة مجلة «الحرية» الناطقة باسم الحركة.</p> <p>كتب كنفاني «رجال في الشمس» التي تُعد من أوائل الأعمال الأدبية عن الشتات والهجرة الفلسطينييْن، وهو يعمل محرّراً للقسم الثقافي في «الحرية» وكاتباً بأسماء مستعارة في صحف ومجلات أخرى. وصف المفكّر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد (1935-2003) هذه الرواية في مقالته البحثية عن الأعمال النثرية العربية بعد النكبة، بقوله: «من المؤكّد أنّها أجمل أعمال كنفاني وواحدة من أبرع الروايات القصيرة الحديثة وأبعدها أثراً». يشير سعيد بصورة غير مباشرة إلى طرح كنفاني لفكرة «النكبة المستمرة» في كتاباته (مع العلم أنّ كليهما لم يستخدما التعبير بشكلٍ مباشر) باعتبار أنّ النكبة فعلٌ مستمر وليس حدثاً جللاً واحداً حصل في عام 1948 وانتهى؛ فكل المصائب والأزمات المتلاحقة للشعب الفلسطيني ما كانت لتحدث لولا النكبة. الرواية الممتدّة على 110 صفحات تحوّلت إلى فيلم حمل عنوان «المخدوعون» (1972) من إخراج المصري توفيق صالح (1926-2013) وإنتاج «المؤسسة العامة للسينما» في دمشق. إنّها السنة ذاتها التي اغتيل فيها الكاتب والناطق باسم «الجبهة الشعبية» مع ابنة أخته لميس، وفقاً لـِ«قائمة غولدا». كان كنفاني من أبرز الشخصيات الفلسطينية ضمن لائحة الاغتيالات التي وضعتها رئيسة وزراء العدو الصهيوني غولدا مائير (1898- 1978) فور تنفيذ جهاز العمليات الخارجية في الجبهة لعملية مطار اللد (أيار/ مايو 1972، قبل أقل من شهرين من اغتياله)، ثم تنفيذ «منظمة أيلول الأسود» لعملية ميونخ (أيلول 1972). تتناول الرواية قصة ثلاثة فلسطينيين من (أجيال) فئات عمرية مختلفة يجمعهم القهر وضيق الحال في مخيمات اللجوء، بعد حوالي عقد كامل على النكبة. «أبو قيس» رجل طيب متعلّق بأرضه وبشجرات الزيتون التي فقدها إثرَ اجتياح قريته، وجد نفسه في فقر مدقع ويأسٍ من عدم قدرته على تلبية احتياجات زوجته وابنه. «أسعد» شاب مناضل مطارد من قبل السلطات بسبب نشاطه الثوري والسياسي، و«مروان» مراهق اضطر تحت وطأة تخاذل عائلي أن يتكبّد مسؤولية أمه وإخوته، فترك المدرسة وانشغل في إيجاد عملٍ يصرف عليهم.</p> <p>حلم الثلاثة في الوصول إلى الخليج العربي النفطي، الكويت بالتحديد، حيث فرص العمل مصحوبة بأجور مرتفعة وحوافز مغرية. تبدأ الحبكة في تعرّف الثلاثة إلى «أبو الخيزران»، المهرّب الذي يتباهى بكونه أفضل سائق شاحنات ضخمة. كان «أبو الخيزران» قد خسر رجولته بعد إصابته في إحدى المعارك، ويعمل لدى ثري كويتي يُدعى «الحاج رضا»، على شاحنة بخزان ضخم لنقل المياه العذبة عبر الحدود بين العراق والكويت. بعد الاتفاق على المبلغ الذي طلبه المهرّب، يشرح لهم كيف سيقوم بتهريبهم عبر الحدود داخل خزان الماء الفارغ في قيظ النهار، ما سينجّيهم من نقاط التفتيش. كان الاتفاق على سبع دقائق داخل الخزان الملتهب من حرّ الصحراء، قبل نقطة التفتيش وحتى عبورها. وهكذا حصل عند العبور الأول، مع معاناة الثلاثة من الحرارة المرتفعة التي كادت أن تشوي أجسادهم وتخنقهم داخل الخزان. أما عند نقطة العبور الثاني، فقد تلهّى «أبو الخيزران» مع الموظفين، فنسيهم وقتاً فاق الدقائق التي تستحملها أنفاسهم، وحين عاد إليهم، لم يفتح الخزان لحظتها بالقفل الذي كان قد أحكم إغلاقه، بل انتظر حتى ابتعد أكثر عن نقطة التفتيش ونزل يفتح فوهة الخزان ليخرجهم، فوجدهم قد فارقوا الحياة. يحزن «أبو الخيزران» عليهم وهو ينهب الأموال من جيوبهم ثم يرمي بجثثهم عند حاوية النفايات وسط الصحراء. في النهاية، يختم كنفاني الرواية بمشهد «أبو الخيزران» وهو يلقي باللوم على الجثث طارحاً السؤال: «لماذا لم تدقّوا جدران الخزان؟».</p> <p>كما في معظم كتابته، كان كنفاني في «رجال في الشمس» مباشراً غير مطيلٍ لأي حكاية أكثر من اللازم. لا حشو يحكى عنه ولا إضافات يمكن الاستغناء عنها لدى نصوص غسان الذي كان يعاني من مرض السكري، كأنّه كان يدرك أنّ حياته ستكون قصيرة جداً، لا تتجاوز السادسة والثلاثين. كان يؤمن بأنّ الكتابة فعل مقاوم، وأنّ عليه أن يكتب هنا وهناك، ويكتب بأسماء مستعارة مثل «فارس فارس» وغيره، حتى ينشر القضية الفلسطينية وأدب المقاومة الخاص بها. في هذه الرواية، كان صاحب «أم سعد» (1969) يمزج بين الواقعية المباشرة والرمزية في ما يتعلّق بشخوصه الأربعة، فمنهم من لا يدري كيف مرّت عشر سنوات على طرده من أرضه وهو لا يفعل شيئاً، كأنّه أفاق فجأة على لجوئه وقلة حيلته، ومنهم من بقي يتنقّل من مكان إلى آخر وعانى من خيانة الأصدقاء له، ففقد ثقته بمن حوله، بينما كان على الجيل الجديد أن يحمل على كتفيه مسؤولية تقصير من سبقوه. أما «أبو الخيزران المخصيّ»، فأراد كنفاني أن يرمز من خلاله إلى القيادة الضعيفة التي فقدت رجولتها يوم لم تستطع حماية أرضها من الاحتلال الصهيوني. هذه القيادة، وفقاً لدراسة تحليليّة، قامت بها الكاتبة الراحلة رضوى عاشور (1946-2014)، يُقصد بها القيادتَان الفلسطينية والعربية معاً، فقد كانتا ضحية في أحد الأيام. لكنّ بحسب الرواية، فإنّ الفشل وفقدان الدور الفعلي دفعا بها لأن تصبح جشعة وهشّة قابلة للتلاعب بها بسهولة، فانحرفت عن مهامها الأساسية وضلّت الهدف.</p> <p>أحلامهم الفردية في تحسين أوضاعهم ومحاولة تأمين مستقبلهم، هي ما جمع الشخصيات الرئيسية في الرواية. ثلاثتهم -باختلاف قصصهم وظروف حياتهم- رأوا في الهجرة والابتعاد عن الوطن طوق النجاة لما بقي من أنفسهم. لكنّ كنفاني شاء أن يرفض هذا الواقع ويرينا حقيقته البشعة، فليس هناك في البعد عن الأرض والنضال في سبيلها إلّا المذلّة والضياع والموت. قصة «رجال في الشمس» حقيقية، أي أنّها حصلت بالفعل وسمع بها غسان حين كان يعمل في الكويت. لكنّ الروايات المتناقَلة تختلف على الخاتمة: هل مات الشبان داخل الخزان في الواقع؟ أم أنّ الكاتب وجد في رسم نهايتهم التراجيدية عبرةً للفلسطيني الذي ينسلخ عن قضيته ومصيره الجمعي؟</p> <p>كان للدول العربية دور كبير في استمرار نكبة الفلسطينيين. يمكننا القول إنّ هنالك أكثر من دالٍّ على ذلك في الرواية القصيرة. النقطة التي ربما أغفلتها دراسات نقدية عديدة هي أنّ «أبو الخيزران» كان في الجيش البريطاني، وقد يكون كنفاني في ذكره لماضي هذه الشخصية التي قاتلت مع الفدائيين لكنها فشلت وخسرت المعركة والأرض وأصيبت إصابة عضوية في رجولتها، يشير عبرها إلى تلاعب الاستعمار البريطاني بالقيادات العربية منذ إيهام الشريف حسين بدولة عربية مستقلة وفق مراسلات الحسين-مكماهون، ثم إصدار وعد بلفور من دون أن يكون للحسين علم به. هناك أيضاً ما كان مشتركاً بين التحليلات المختلفة للرواية، هو أنّ حرس الحدود عند نقاط التفتيش يرمزون إلى الدور العربي في ترك الفلسطينيين يموتون تحت الشمس الحارقة. في الرواية، يُظهر كنفاني كيف تلهّى الموظفون الثلاثة عند الحدود مع «أبو الخيزران»، في قصة خيالية عن علاقته الغرامية بالراقصة «كوكب»، فطفِقَ يخصِف على نفسه من القصة المختلقة حتى يداري بها مصيبته. وفي مونولوغ شخصية «أبو الخيزران» في الفصل السادس من الرواية، غاص كنفاني في معاناة الشخصية «ثم ماذا نفعتك الوطنية؟ لقد صرفتَ حياتك مغامراً، وها أنتَ ذا أعجز من أن تنام إلى جانب امرأة! وما الذي أفدته؟ ليكسّر الفخار بعضه. أنا لست أريد الآن إلا مزيداً من النقود... مزيداً من النقود».</p> <p>في العودة إلى الإبادة الممنهجة التي يرتكبها العدو الصهيوني في قطاع غزة، انتشرت قبل أيام قليلة أخبار وفيديوات عبر منصّات التواصل الاجتماعي تظهر مسار خط بريّ عربي يمتد من الإمارات إلى الكيان الصهيوني، لمساندة الاحتلال في محنته. جاء الجسر «العربي-الإسرائيلي» استجابة لحاجة الاحتلال إلى إيجاد خط تجاري بديل عن الشحن البحري، الذي تسيطر عليه القوات المسلّحة اليمنية في البحر الأحمر. كشف التقرير التلفزيوني الذي بثّته «قناة 13» العبرية وتناقلته منصّات إعلامية عربية وأجنبية، أنّ السفن التجارية القادمة إلى «إسرائيل» ستتوجّه إلى الخليج وتفرغ شحنتها في دبي، ومن هناك تُنقل البضائع عبر شاحنات النقل البري في مسارٍ يمرّ بالسعودية ثم الأردن، وصولاً إلى المعبر الحدودي بين الأردن وكيان الاحتلال. يُظهر التقرير طوابير طويلة من الشاحنات عند المعبر، ويعلّق بإيجابية مدير إحدى الشركات التجارية الإسرائيلية، موضحاً أنّ الأزمة الحالية فتحت المجال أمام طريق تجاري سريع بين الشرق والغرب، وفرص أخرى تشير إلى رؤيةٍ لشرق أوسط جديد. هذا الدعم الضخم والسريع لإنقاذ الاحتلال الإسرائيلي من أزمة اقتصادية حادّة تسبّب بها الكيان لنفسه إثرَ عدوانه الكثيف على غزة، جاء في الوقت الذي كان فيه الفلسطينيون يناشدون الدول والقيادات العربية لوقف المذبحة. بكل ما أوتوا من نفسٍ، وجّه مئات آلاف الغزّيين العرب صرخاتٍ ممزوجة بالدم، إلى حكومات الدول العربية لتوقف آلة الحرب الإسرائيلية التي قتلت عشرات الآلاف من الأطفال والخُدّج العرب، وارتكبت ما يقرب من ثلاثة آلاف مجزرة مستهدفة مستشفيات القطاع ومدارس إيواء النازحين المدنيين العرب.</p> <p><br>يُحشر مليونان وثلاثمئة ألف فلسطيني في خزانٍ مساحته 365 كيلومتراً مربعاً فقط، مقفل بإحكامٍ من جميع الجهات (الإسرائيلية والعربية). تمطره السماء بوابل من القذائف الصاروخية والمدفعية والأسلحة الحارقة المحرّمة دولياً، حتى وصل عددها إلى مئة ألف وفاقت في حجمها ودمارها قنبلتَي هيروشيما وناغازاكي النوويّتين. ولكن هل بإمكان أحد أن يلوم الفلسطينيين اليوم ويتّهمهم بأنّهم لم يطرقوا جدران الخزان كما ادّعى «أبو الخيزران»؟ ولماذا أصلاً أقفل «أبو الخيزران» فوهة الخزان فوق رؤوسهم وهم في وسط الصحراء اللاهبة؟ لماذا لم يترك القفل مفتوحاً حتى يلتقطوا أنفاسهم قبل الاختناق؟ بين أن يلتقطهم حرس الحدود العرب أو الموت في نار الخزان، لماذا اختار لهم هذا المصير؟ هل فعلاً هم لم يحاولوا الطرق على الجدران قبل أن يموتوا؟ يبدو اليوم أنّ رجال كنفاني قد دقّوا جدران الخزان آلاف المرات، بالكلمة والموقف والسلاح، لكنّ المشكلة منذ الحكاية الأولى، منذ النكبة الأولى: هل هناك من يريد أن يسمع؟</p> <p><span style="font-size: 14pt;">نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 14-2-2024</span></p>
اقرأ المقال
<h1><strong><span style="font-size: 16pt;">الغرب يأمر بـ «اغتيال الشخصيّة» المناهضة للصهيونية: غسان الحاج يواجه الأيديولـوجيا الفاشيّة الألمانية</span></strong></h1> <p>تعرّض الأكاديمي اللبناني الأسترالي غسان الحاج (1957) أخيراً لحملة تشويه من الصحافة الألمانية، اتهمته بـ«معاداة السامية» وتشجيع مناهضة الاحتلال في الأوساط الأكاديمية. جاء هذا الهجوم على أستاذ الأنثروبولوجيا في «جامعة ملبورن» في أستراليا، بسبب موقفه الرافض للعدوان على غزة ومطالبته بوقف الجرائم الحربية والإنسانية ضد الفلسطينيين. دفعت الحملة الموجّهة هذه بالمعهد البحثي الألماني «ماكس بلانك» إلى وقف التعاقد مع الحاج، على خلفية منشوراته على منصّات التواصل الاجتماعي التي ادّعى أنّها تتعارض مع «القيم الأساسية» هناك، فأطلق أكاديميون وناشطون حقوقيون عريضة تضامن رافضين «اغتيال الشخصية» للباحث المعروف في المؤسسات العلمية بنصوصه المناهضة للتمييز العنصري والتفوّق الثقافي العرقي. تتبّع هذه المقالة ما حصل أخيراً مع الحاج، وتسترجع نصاً قديماً له للدلالة على أنّ موقفه لم يتغيّر، وإنّما «القيم الأساسية» في ألمانيا هي التي تغيّرت</p> <p>يحظى الأكاديمي اللبناني غسان الحاج المولود في بيروت عام 1957، بالاحترام في المؤسسات الأكاديمية والبحثية. يعود ذلك إلى عمله محاضراً زائراً في أكثر من جامعة مرموقة في العالم مثل «جامعة سيدني» و«جامعة هارفرد» و«الجامعة الأميركية في بيروت»، وباحثاً متخصّصاً في تفكيك العنصرية ودراسة التعددات الثقافية. عمل باحثاً في المدرسة العليا لدراسة العلوم الاجتماعية في فرنسا، ويشغل اليوم منصب أستاذ الأنثروبولوجيا والنظرية الاجتماعية في «جامعة ملبورن».<br>كان الحاج قد هاجر في بداية الحرب الأهلية اللبنانية لمتابعة دراسته الجامعية في أستراليا، وربما كان لخلفيته الاجتماعية تأثير على اهتماماته البحثية، إذ درس الهجرة العربية واللبنانية في كتابيه «العرب الأستراليون اليوم: المواطنة والانتماء» (2002) و«الحالة التشتتية» (2022). اهتمّ بموضوع تشكيل المليشيات ودلالات حمل السلاح من منظور علم النفس. يعدّ كتابه «أمة بيضاء» (1998) من أكثر أعماله انتشاراً وجدلاً، لأنّه يطرح نقداً يعرّي مجتمعات البيض التي تضم ثقافات مختلفة (السكان الأصليين واللاجئين القادمين من أنحاء العالم) وتدّعي صفة «التعددية الثقافية» لكنها تعمل برغبة تفوّق العرق الأبيض.</p> <p>بدأت الحكاية في صباح يوم الأربعاء 31 كانون الثاني (يناير)، عندما أرسلت صحيفة «فيلت أم زونتاغ» (العالم يوم الأحد) الأسبوعية الألمانية، بريداً إلكترونياً إلى الحاج. ادّعت الصحيفة اليمينية أنّ الحاج «ناشط منذ سنوات في حركة المقاطعة BDS». أمر نفاه الحاج في بيانٍ نشره في 8 شباط (فبراير) عبر مدوّنته الخاصة Hageba2a (حاج بقى) معلّقاً أنّه أكاديمي جادّ في عمله؛ فلا وقت لديه ليكون «ناشطاً». تضمّنت الرسالة مجموعة منشورات منتقاة من حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي اعتبرها النقّاد «معادية للسامية»، وكانت الصحيفة تسأل إن كان لديه ما يقوله. وفقاً لـِ «فريق البحث» في الجريدة، لاحظوا أنّه منذ السابع من أكتوبر وتصريحات الحاج أصبحت «متطرفة بشكل متزايد تجاه دولة إسرائيل». لكن الحاج لم يردّ لأنّه رأى أنّ الأسئلة الموجّهة إليه ما هي إلا «مقدمة لعملية اغتيال أيديولوجية فاشية»، ستحدث في كل الأحوال، سواءً قال أم لم يقل شيئاً. بالفعل، حين نُشرت المقالة، وجد الحاج أنها صوّرته «بعبارات تآمرية كأنّه تابع لمجموعات المقاطعة ومهمته التسلّل إلى الأوساط الأكاديمية». بدا كأنّه «انتهى من القيام بعمله في أستراليا وها هو عازم على التسلّل إلى ألمانيا».</p> <p>كان صاحب كتاب «الاضمحلال» (2021) قد بعث الرسالة الأولى فوراً إلى إدارة معهد البحث الألماني للأنثروبولوجيا الاجتماعية «ماكس بلانك» حيث يتمتع بإقامة بحثية منذ أقل من عام. في اليوم التالي، أتاه القرار المركزي من إدارة المعهد بوجوب قطع العلاقة معه لأنّ موقفه «معاد للسامية» بحسب التعريف الجديد لمعاداة السامية (الذي يساويها بمعاداة الصهيونية) وفرضِه على المؤسّسات الثقافية في ألمانيا (راجع الأخبار 20/1/2024). يعلّق الحاج أنّه كان يتوقّع من المدير أن ينصفه تبعاً لخلفيته الأيديولوجية والبحثية، فهو لم يغيّر مواقفه بحيث «إنّ الإيمان بمجتمع متعدّد الأديان وانتقاد من يخالف ذلك ليس معاداة للسامية». كما إنّه ينتقد الفلسطينيين و«الإسرائيليين» انطلاقاً من المبادئ والأفكار ذاتها. ويضيف: «قد لا تعجبني الطريقة التي يتمّ بها الخلط بين انتقاد إسرائيل ومعاداة السامية، وأجد أنّ محبة السامية الزائفة في ألمانيا تخدم مصالح ذاتية، وفي بعض الأحيان عنصرية، وتُستخدم كأداة لإضفاء طابع عنصري على الفلسطينيين والمجتمع العربي والمسلم بشكل عام في ألمانيا». لكنه بصفته زائراً، هناك حدٌّ للمدى الذي يشعر بأنه يحق له أن ينتقد ذلك.</p> <p>أتى رد الحاج في اليوم التالي لنشر «مجتمع ماكس بلانك» بياناً جاء فيه: «إنّ الحريات المنصوص عليها في القانون الأساسي لجمهورية ألمانيا الاتحادية منذ 75 عاماً لا تقدّر بثمنٍ بالنسبة إلى مجتمع «ماكس بلانك». مع ذلك، فإنّ هذه الحريات تأتي مع مسؤولية كبيرة. ويسيء الباحثون استغلال حرياتهم المدنية عندما يقوّضون مصداقية العلم بتصريحات منشورة علناً، وبالتالي الإضرار بسمعة وثقة المؤسّسات التي تدعمهم. إنّ الحق الأساسي في حرية الرأي مقيّد بالواجبات المتبادلة المتمثلة في الاعتبار والولاء في علاقة العمل». ويختتم البيان بالتأكيد على مبدأ «أنّ العنصرية وكراهية الإسلام ومعاداة السامية والتمييز والكراهية والتحريض، ليس لها مكان في مجتمع «ماكس بلانك»». في الإطار نفسه، نشرت صحيفة «دي فيلت» اليومية مقالاً عن الحاج متّهمةً إياه بمعاداة السامية وبالتحريض على مقاطعة المؤسّسات الأكاديمية التابعة للاحتلال الصهيوني. مسّت الاتهامات أعماله السابقة التي وصفتها بأنّها «تمجّد إرهاب حماس». وللمفارقة فإنّ هذه الجريدة التي تأسّست عام 1946 تُعرّف عن نفسها بأنّها أُنشئَت «للدفاع عن الأفكار الثورية في ألمانيا» بمعنى أنّها جريدة يسارية ومن مبادئها نقد الدولة والممارسات اليمينية. لم يكن كل ما حصل مع الباحث الزائر كافياً حتى تلك اللحظة، بل طالب رئيس «المجلس المركزي لليهود» في ألمانيا جوزيف شوستر، بتوضيحٍ لما حدث من قِبل غسان الحاج، كما حثّ للضغط على اتخاذ عواقب تضمن عدم تكرار الحادثة مرة أخرى. يجب الإشارة هنا إلى أن ما يقصده شوستر بـ«اتخاذ عواقب» يعني ترهيب الأكاديميين الذين ينتقدون الصهيونية، ويتحدثون عن ممارساتها اللاإنسانية في فلسطين المحتلة. تريد الإمبريالية البيضاء من المثقفين حول العالم لا أن يغضّوا بصرهم عن جرائم الاحتلال فقط، بل أيضاً أن يقلبوا الحقائق التي تراها أعينهم ويبرّروا للقوات الصهيونية غطرستها تحت مسمى «الدفاع عن النفس» في وجه «الإرهاب».</p> <p>على إثر قطع المعهد الألماني علاقتَه البحثية مع الأستاذ الجامعي، وقّعت مجموعة من الأكاديميين والناشطين الحقوقيين على عريضة للتضامن مع الحاج. جاء في نص العريضة: «نحن ملتزمون بشدة بمبادئ حقوق الإنسان وحرية التعبير والبحث العلمي. دفعتنا هذه القيم إلى التضامن مع البروفيسور غسان الحاج، عالم الأنثروبولوجيا المتميز، والمثقف العام، وأحد الأصوات الأكاديمية التقدمية الأكثر بلاغة». أضافوا أيضاً بأنّ حملة التشهير الشرسة التي تعرّض لها الحاج في ألمانيا من قِبل بعض الصحافيين والناشطين المؤيدين لـِ«إسرائيل»، جاءت بسبب موقفه الذي «يدين جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي والمستوطنون ضد الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية». وقّع على العريضة، حتى اليوم، ما يزيد عن ثلاثة آلاف شخص، وجاءت التعليقات مؤيّدة لموقف الحاج ورافضةً لما حدث معه في ألمانيا. نذكر من التعليقات واحداً باسم توماس مارتن من «جامعة ملبورن» الذي قال بأنّ معاداة الصهيونية لا تساوي معاداة السامية، كما وصف المقال التحريضي والسكوت عنه «بالأمر المشين»، وكتبت إسثر سنجر: «أدعم حق غسان في الاستمرار بالكتابة والكلام عن فلسطين. أنا حفيدة ناجين من الهولوكوست، وأعلم أنّ انتقاد إسرائيل ليس معاداة السامية، مهما حاول الألمان أن يفعلوا ليجعلوا أنفسهم يشعرون بتحسّن تجاه تاريخهم».</p> <p>نشر الحاج عبر حسابه على موقع إكس مجموعة تغريدات رداً على بيان المؤسّسة الألمانية، قائلاً في إحداها إنّه يرفض ما جاء في ختام البيان «لا مكان للعنصرية في مجتمعها»، لأن هذا الكلام يصنّفه «شخصاً عنصرياً» وهو اتهام لا يمكنه السكوت عنه. وفي تغريدة أخرى، كتب: «لا أحب الدول ذات القومية العرقية، وخصوصاً تلك التي زرعها الاستعمار. إنّهم أصحاب التاريخ الطويل من الكراهية العنصرية، والرقابة وحرق الكتب، والتمييز وحرق المتاجر، ووضع الناس في معسكرات الاعتقال». وعلّق أيضاً بأنّها لمفارقة أن يتلقى دروساً أخلاقية في كيفية تجنّب معاداة السامية من الدولة التي «رفعت كراهية اليهود وحرقت كتبهم ومتاجرهم ووضعتهم في معسكرات الاعتقال والقتل الجماعي». أمّا بالنسبة إلى التغريدات التي نشرها الناقد والباحث قبل إنهاء العمل معه في ألمانيا، فكانت بمعظمها جريئة وواضحة في رفضها للجرائم الإنسانية التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي في غزة، وفي انتقادها لازدواجية معايير الغرب المدهشة. أعاد نشر قصيدة له تحمل عنوان «ليست قصيدة» يقول فيها: «منذ زمن طويل جعلوني أفهم أنّ فلسطين ليست فلسطين، وأن الفلسطينيين ليسوا فلسطينيين، وأن التطهير العرقي ليس تطهيراً عرقياً... بتنويرهم اللطيف (يقصد الغرب) جعلوني أرى أنّ الغطرسة ليست غطرسة، والقمع ليس قمعاً، والإذلال ليس إذلالاً.. وحين رأيت البؤس والعنصرية واللاإنسانية ومعسكرات الاعتقال، قالوا لي بحكم خبرتهم في العنصرية ومعسكرات الاعتقال واللاإنسانية، أنّ ما أراه ليس كما يبدو..».</p> <p>انتقد الحاج موقف الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس (1929)، الذي أصدر بياناً يحمل عنوان «مبادئ التضامن، اتِخاذ موقف» (الأخبار 12/2/2024) ويدعو إلى ضرورة اتخاذ موقف وفقاً لـِ «بعض المبادئ التي لا يمكن الاعتراض عليها» مهما اختلفت وجهات النظر المتضاربة. أدان هابرماس بشدة، مع ثلاثة من النخبة الأكاديمية الألمانية، «المجزرة التي ارتكبتها «حماس» ضد إسرائيل بنية إبادة الحياة اليهودية بشكل عام». جاء نقد الحاج في تغريدة أعلن فيها عن عزمه على تقديم ورقة بحثية عن «الاقتصاد السياسي للكرامة»، ينطلق فيها من النظرية الأخلاقية للفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، مضيئاً على الفارق بين «الثمن» و«الكرامة». وأردف قائلاً إنه لا يريد استعمال أفكار هابرماس النظرية وإن كانت لها قيمتها، «بإمكان هابرماس أن يحتفظ بحكمته «لنفسه» (استعمل كلمة محكية شعبية بدلاً من هذه). لا أريد استعمال أفكار هابرماس، هكذا فقط، أستطيع العيش من دونها». وأكمل: «يبدو موقفي هذا غير مهني وغير أكاديمي. غزة غيّرتني، لكنّي أشعر أنّ هذا الجزء غير الأكاديمي منّي قد قدّم لكرامتي الكثير من الخير من خلال ما فعله». يمكن القول إنّ تلك التغريدة كانت بمثابة القشّة التي قصمت ظهر البعير، فالمثقف الأكاديمي عليه أن يكتب ويتحدث ويدلي بأفكاره ورأيه بحذر شديد، حتى يحافظ على مركزه ومكانته في المؤسّسات المموّلة والجامعات الغربية. لكن هول الإبادة المستمرة والصمت والنفاق المؤسساتي الغربي تجاه المذبحة التي يرتكبها الاحتلال، كانت الدافع لتحرير هذا الجانب من الحاج. يدفع الغرب بأمواله وفرصه التنويرية من أجل «ترويض» المثقفين والمتعلّمين، ويتوقّع منهم أن يعملوا وفقاً للمعلّبات الجاهزة التي ينتجها ويصدّرها إلى المؤسسات العلمية والثقافية والإنسانية. وفي حال ظهرت على الأكاديمي أي دلالة تشي بتحرّره من الضوابط والقيود، فإنّه سيواجه حتماً الكثير من حملات التشويه واغتيال شخصيته المعنوية، كما التشكيك بماضيه ومؤلفاته السابقة التي كانت قد نالت استحسان الغرب نفسه.</p> <p>قبل ثماني سنوات (في 16 أيلول/ سبتمبر 2016) كان أستاذ الأنثروبولوجيا قد نشر عبر صفحته على الفايسبوك رسالةً توضيحيةً لرفضه دعوة مشاركةٍ في مؤتمر جمعية الأنثروبولوجيا في كيان الاحتلال. «إنني أقدّر بصدق دعوتكم لإلقاء الكلمة الرئيسية، وأنا أقبل فكرة أن هذه دعوة موجّهة بنيّة حسنة تنبع من رغبتكم في فتح الجمعية أمام الأصوات التي تنتقد إسرائيل بشدة كما هي موجودة في العالم اليوم، والتي كما تقول لم يتم سماعها بما فيه الكفاية. لكنّني أخشى أنّني يجب أن أرفض هذه الدعوة». بيّن الحاج سبب رفضه الحوار مع الأنثروبولوجيين الإسرائيليين الذي لا يرفضه من مبدأ رفض الحوار بشكل عام، بل من مبدأ تأثيره السلبي على الفلسطينيين: «أفكر في كيفية تأثير ذلك على نضال الشعب الفلسطيني لتحرير نفسه من الاستعمار، وليس كفاح علماء الأنثروبولوجيا الإسرائيليين لجعل مجتمعهم أكثر انفتاحاً وتقبلاً. من الخطأ المساواة بين الاثنين على الرغم من أنهما قد يتداخلان في بعض الأحيان من حيث الاهتمام». قارب أيضاً الأزمة التي يواجهها علماء الأنثروبولوجيا الإسرائيليون مع بعض المواقف التي تشكّل تحدّياً للباحثين في البيئات الاستعمارية الاستيطانية في أستراليا وكندا ونيوزيلندا. «نحن جميعاً علماء أنثروبولوجيا نعمل في مجال اجتماعي دائماً ما يمتصّ السكان الأصليين (مثل مصّاص الدماء) ويمنعهم بعنف بشكل قانوني وغير قانوني، من مطالباتهم بالأرض. عليكم أنتم الإسرائيليون أن تواجهوا الموقف الإضافي المتمثل في أنّ تاريخكم كمصّاصي دماء قصير وجديد نسبياً، فالسكّان الذين استعمرتموهم ما زالوا أقوياء نسبياً وما زالوا يطالبون بالسيادة الوطنية والحكم الذاتي على الأرض». وأضاف بأنّ القوى المهيمنة في الأرض المحتلة، تهدف إلى محو وجود الفلسطينيين المطالبين بالسيادة الوطنية، وإخضاعهم لعنف غير إنساني مروّع؛ وهذه «إبادة سياسية» كما وصفها عالم الاجتماع العبري باروخ كيمرلينغ (2007-1939). وختم رسالته بالقول إنّه إن كان سيشارك في حوارات علمية، فيفضّل أن تكون حوارات «تفتح المجال لمزيد من علماء الأنثروبولوجيا الفلسطينيين ليكونوا مواضيع ومشاركين في تشكيل مستقبل الأنثروبولوجيا في إسرائيل/ فلسطين، ولو كان عليّ أن أتخلى عن التفاعل مع علماء إسرائيليين ممتازين ومنفتحين وساحرين». في عام 2019، كتب الحاج مقالاً في «مجلة الدراسات الفلسطينية» بعنوان «فلسطين والغرب: الاستعمار ونقطة اللاانتماء الراديكالي» قال فيه: «...نحن الذين نتعاطف مع النضال الفلسطيني ونعيش خارج فلسطين، فإننا نختبر فلسطين في المقام الأول باعتبارها ظاهرة استعمارية انتزاعية عالمية نرى جميع العالم الغربي متورطاً فيها. وقد يكون الصهيونيون هم المستعمِرين المباشرين للأرض، إلا أننا جميعاً نعلم من الطريقة التي جرى بها تيسير الأمر تاريخياً، ومن الطريقة التي لا يزال يتم بها تسهيل الأمر، أن فلسطين هي مشروع استعماري غربي. في الواقع، فإن فلسطين هي أحد الأماكن القليلة التي لا يزال «الغرب» فيها قادراً على الوجود كقوة استعمارية جماعية في التاريخ اليوم».</p> <p><strong><span style="font-size: 14pt;">فلسطين هي أحد الأماكن القليلة التي لا يزال «الغرب» فيها قادراً على الوجود كقوة استعمارية جماعية في التاريخ اليوم (غ.ح)</span></strong></p> <p>كان موقف غسان الحاج واضحاً قبل سنوات طويلة من «طوفان الأقصى»: أكاديمي يؤمن بتعدد الثقافات ومحاربة الاستعمار والفوقية العرقية والتمييز العنصري، يرى أنّ الحل في الأرض المحتلة يكمن في نموذج مثالي يعيش فيه المسلمون والمسيحيون واليهود معاً تحت سقف دولة واحدة. لا يمكن لـ «الدولة الإسرائيلية» في فلسطين - بحكم الاحتلال والقوة- أن تستمر وهي تعمل وفقاً للمشروع الاستعماري لدولة قومية عرقية. لم يغيّر الناقد رأيه ولم تتبدّل مواقفه، كان يجاهر بها بأريحية في الجامعات والمؤسسات البحثية التي زارها وعمل فيها، إذ لم تكن ترى في طرحه المثالي أي تهديد حقيقي لاستمرار المشروع الصهيوني. ربما كانت مبادئه تلك توحي بتقليل العنف في المنطقة والسعي إلى سلام يضمن حق كل الأطراف بالعيش متساوين تحت سقف دولة واحدة، لكنّها اليوم تصنّف بأنّها «تحرض على الإرهاب» و«تنشر مناهضة الصهيونية» و«تهدّد استمرار الوجود اليهودي». هل فعلاً تم قطع العلاقة بين الباحث الزائر في المعهد الألماني لأنّ مواقفه الأخيرة تعارض «المبادئ الأساسية» للمجتمع هناك؟ أين كانت تلك المبادئ الأساسية حين تعاقدت معه في نيسان (أبريل) 2023 ومقالاته ومحاضراته علنية ومنشورة في المؤسسات الأكاديمية؟ ربما كان من الأفضل الاعتراف بأنّ مبادئ «ماكس بلانك» قد تغيّرت لحماية الاستعمار الصهيوني والغربي وضمان استمراره في أصعب محنة يواجهها منذ النكبة. وربما يجب أيضاً ذكر أنّ قرار الفصل جاء بعد إعلان تمويل سنوي إضافي بقيمة نصف مليون يورو «للعرب الإسرائيليين» ضمن برنامج زمالة «مينيرفا» وتمويل المشروعين البحثيين «حقوق الإنسان والديموقراطية» و«الحياة في ظل الظروف القاسية»، إضافة إلى تمويل بقيمة مليون يورو لـِ «مواجهة تسرّب المواهب الشابة وتسهيل العودة المبكرة للباحثين الدوليين إلى إسرائيل وتعزيز تبادل العلماء الإسرائيليين مع معاهد ماكس بلانك».</p> <p>https://hageba2a.blogspot.com/2024/02/statement-regarding-my-sacking-from-max.html<br><br>بيان معهد «ماكس بلانك» بقرار فصل الباحث الزائر:<br>https://www.mpg.de/21510445/statement-ghassan-hage<br><br>عريضة التضامن مع الحاج:<br>https://www.change.org/p/support-professor-ghassan-hage-against-vile-and-vicious-smear-campaign?utm_content=cl_sharecopy_37874456_en-US%3Acv_839894&recruiter=951277093&recruited_by_id=3c669470-8bc3-11e9-af96-452ee9ae4116&utm_source=share_petition&utm_medium=copylink&utm_campaign=psf_combo_share_initial&utm_term=share_petition&share_bandit_exp=initial-37874456-en-US<br><br>رسالة الحاج نشرها على الفايسبوك اعتذاراً عن عدم تلبية دعوة مؤسسة إسرائيلية (2016):<br>https://www.facebook.com/ghahagea/posts/10153917621982963?paipv=0&eav=AfaN9hs3-eH36ggahf3VMAtXx_8kA-BdP3YZFPUkjx2pDeh4NUEuP-QNgDv_P0zAEQo&_rdr<br><br>مقال الحاج (2019) في مجلة «الدراسات الفلسطينية»:<br>https://www.palestine-studies.org/ar/node/235542<br><br>إعلان قرار تمويل إضافي للتعاون الإسرائيلي الألماني في معهد «ماكس بلانك»:<br><a href="https://www.mpg.de/max-planck-israel-programme">https://www.mpg.de/max-planck-israel-programme</a></p> <p><span style="font-size: 14pt;">نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 24-2-2024</span></p>
اقرأ المقال
<h1><strong><span style="font-size: 16pt;">حصاد رمضان 2024</span></strong></h1> <p>لم يكن موسماً درامياً ناجحاً هذا العام باعتراف كثيرين. لعلّ هذه الجملة تختصر كل ما يمكن أن يُقال عن سباق درامي اتّسم بأعمال متسرّعة، ومتكلّفة مليئة بالكليشيهات في مقاربة قضايا اجتماعية مهمّة، وفوق هذا بانت الحاجة إلى مؤلّفين وكُتّاب نصوصٍ محترفين، فمهما عظمت مهارة المؤدي/ الممثل، يبدو واضحاً أنّ المشكلة أكبر من أن يغطيها بأدائه. اخترنا لكم هنا ما أعجبنا من الأعمال التي شهدها موسم رمضان 2024، والتي نالت منها مصر حصّة الأسد</p> <h5><strong><span style="font-size: 14pt;">هذه نجاحات الموسم..</span></strong></h5> <p><strong><span style="font-size: 14pt;">«تـــاج»</span></strong></p> <p>حُكي الكثير عن المسلسل السوري الأهم لهذا العام. نجمه الأوّل وأحد أفضل المؤدين/الممثلين في الوطن العربي حالياً تيم حسن بذل مجهوداً كبيراً كي يأتي مسلسل «تاج» (كتابة عمر أبو سعدة ــ وإخراج سامر البرقاوي) كما يحلم ويحب. نجاح مسلسل العام الفائت «الزند: ذئب العاصي» مع الكاتب عمر أبو سعدة والمخرج سامر البرقاوي، شجّع حسن على تكرار التجربة، لكن التسرّع وبعض الرعونة في النص المكتوب وبعض الأخطاء في الصنعة الدرامية لم تسعف المسلسل. ربما كان يجب أن يكون من 15 حلقة فقط، وربما كان يجب أن تكون الشخصيات محفورة بعناية أكثر. لكن هذا لا يعني أبداً أن أبو سعدة لم يبذل مجهوداً يُحسب له، ففي عصر الكتابة الدرامية الرديئة حالياً هو أفضل من غيره بكثير. أبرز ما ميّز العمل فهو مهارات ممثليه، وهذا ما رفع من قيمته، كلّ من شاركوا فيه تقريباً قدموا أداء متميّزاً جداً، بدءاً ببطلَيه تيم حسن وبسام كوسا في أداءٍ متفوّقٍ جداً، وصولاً إلى فريق العمل الذي بدا أنه يعرف تماماً ماذا يريد المشاهد أن يرى، فقلّما رأينا ممثلاً أخطأ في دوره، اللهم إلا إذا جرّه النص إلى ذلك. لذلك، يمكن اعتباره واحداً من أفضل مسلسلات هذا العام من دون منازع، أدائياً على الأقل.</p> <p> <strong><span style="font-size: 14pt;">«الحشاشين»</span></strong></p> <p>انتهى عكس ما بدأ! مسلسل «الحشاشين» الأكثر إثارة للجدل هذا الموسم (كتابة عبد الرحيم كمال ــــ إخراج بيتر ميمي)، تجاوز سريعاً، وخصوصاً داخل مصر، الانتقادات المتعلقة باستخدام اللهجة المصرية وبعدم الالتزام بالوقائع التاريخية. الجمهور الذي تمسك بمتابعة رحلة حسن الصباح (كريم عبد العزيز) حتى النهاية انحاز أكثر إلى الدراما التي تميّزت بعدد من مصادر القوة، حيث الإيقاع السريع والأحداث المهمة من حلقة إلى أخرى، إلى جانب الاعتماد على عدد كبير من الممثلين الجيدين، من مختلف الأجيال. لم يعتمد «الحشاشين» فقط على كاريزما النجم المصري البارز، بل نجح بيتر ميمي في إسناد الأدوار حتى الصغيرة منها لممثلين بارزين، ليتألق كثيرون منهم كأحمد عيد، وميرنا نور الدين، وسوزان نجم الدين، وأحمد عبد الوهاب، وعمر الشناوي، وسامي الشيخ، وعمر زريق، ونضال الشافعي. وفي الوقت نفسه، حافظ ميمي على مستوى غير مسبوق من الجودة التقنية ظهرت في مشاهد العمل، وخصوصاً المعارك لتكون مواقع التصوير من جهة والمؤثرات البصرية من جهة أخرى سبباً رئيساً في جعل «الحشاشين» أحد أبرز أعمال رمضان 2024 بعيداً من قضيته الشائكة التي ألقت بظلالها على نقاشات النخبة من المشاهدين.</p> <p><strong><span style="font-size: 14pt;"> «مسار إجباري»</span></strong></p> <p>يعدّ «مسار إجباري» (كتابة أمين جمال ومحمد محرز ومينا بباوي، وإخراج نادين خان) واحداً من اكتشافات هذا العام بالتأكيد. المسلسل الذي امتد على 15 حلقة، تميّز بكونه خلطة لطيفة وسريعة تجمع بين ممثلين شابين يعدان بالكثير هما أحمد داش وعصام عمر، وكاتب جيد هو باهر دويدار الذي عرفه الجمهور مع مسلسل «الاختيار» (2020)، ومخرجة شابة تعمل بجدية هي نادين خان. تميّز العمل بأنّه قدّم علاقة صحيحة وصحيّة بين الأشقاء، هذا من جهة، ومن جهة أخرى ابتعد بشكل حقيقي عن منطق «العصابات» و«البلطجية» واقترب من الشارع الحقيقي. يُضاف إلى هذا شرير مؤدى باحترافية من رشدي الشامي، فضلاً عن إضافات جميلة مثل بسمة وصابرين، ومي الغيطي في أداء احترافي جداً. طبعاً، لا يمكن الحديث عن العمل كما لو أنه «ليالي الحلمية» أو «لن أعيش في جلباب أبي»، لكنه بالتأكيد من أفضل مسلسلات هذا العام، وخصوصاً مع الأداء العفوي، والبريء والسلس من أبطاله، بالأخص أحمد داش، الذي أثبت أنه من أفضل المؤدين الشباب حالياً.</p> <p><strong><span style="font-size: 14pt;"> «صلة رحم»</span></strong></p> <p>انتهاء عرضه مع انتصاف سباق رمضان 2024 لم يقلل من الجدل الدائر حوله، فأحد معايير نجاح أي مسلسل هو امتداد تأثيره، وهو ما حققه «صلة رحم» (كتابة محمد عشام عبية ــ إخراج تامر نادي). ليس هذا العمل الأول الذي يناقش قضية تأجير الأرحام، لكنه وضعها في سياق درامي وإنساني نجح في جذب الانتباه، لتكون ردود الفعل على حلقته الأخيرة واسعة جداً مقارنةً بباقي المسلسلات التي انتهت حلقاتها في التوقيت نفسه. بل إنّ السؤال المحيّر الذي انتهت به الأحداث، طُرح بشكل متكرر سواء على الأبطال في الحوارات الإعلامية أو غيرها: لمَن الطفل الذي وصل قبل لحظات من وفاة والده؟ هل هو للأم البيولوجية أم الأم الحاضنة؟ قدم «صلة رحم» شخصياته من طينة بشرية، مليئة بالأخطاء. لا توجد شخصية مثالية واحدة في المسلسل بمن في ذلك «الشيخ جابر» المتديّن الذي لم يتورّع عن حبس زوجته الممرضة اختصاصية عمليات الإجهاض. تصرف يبدو قانونياً وأخلاقياً، لكنه لم يحترم العشرة ولم يجتهد لمنع حبسها. هذا الانقسام حول موقفه تكرّر كثيراً مع البطل الرئيسي «حسام» الذي سعى طوال الأحداث إلى إنجاب طفل تعويضاً لزوجته التي فقدت حملها بسببه. وعلى المنوال نفسه، ظهرت باقي الشخصيات بأكثر من وجه مثلما هي في الحياة، لا المسلسلات التي تقدم الأبطال كملائكة أمام الجمهور.</p> <p> </p> <h5><strong><span style="font-size: 14pt;">وهذه إخفاقاته..</span></strong></h5> <p>كليشيهات من التيك توك ومشاهد عنف ودموية ووحشية مجانيّة، وقصص غير منطقية، وشخصيات خالية من العمق، وأداء باهت بسبب النصّ المتهالك. تلك هي أبرز المشكلات التي شابت المسلسلات التي نعرضها هنا ونرى أنّها لم تعبر خطّ النجاح رغم الضجّة التي أحدثتها على صفحات السوشال ميديا.</p> <p><strong><span style="font-size: 14pt;">«ولاد بديعة»</span></strong></p> <p>يمكن اعتبار «ولاد بديعة» (كتابة علي وجيه ويامن الحجلي ــ إخراج رشا شربتجي) واحداً من خيبات الأمل الكبرى هذا العام. كان من المتوقّع أن تكون النتيجة مغايرة مع هذا الصف من الممثلين المهرة من نوع سلافة معمار، محمود نصر، سامر إسماعيل، نادين تحسين بيك ومخرجة من طراز رشا شربتجي. ظهرت أخطاء العمل الكارثية في كثيرٍ من النواحي: اعتمد على كليشيهات من التيك توك وسواها، وكان هناك الكثير من مشاهد العنف والدموية والوحشية التي لا ضرورة لها، والقصة المشربكة وغير المنطقية في كثير من الأحيان، وفوق كل هذا بعض المشاهد التي لم تراعِ الحيّزَين الزمني والجغرافي. باختصار، ورغم الضجة الكبيرة التي يحدثها صنّاع العمل على السوشال ميديا حوله، إلا أنه سيُنسى شأن كثير من الأعمال المشابهة، لكن ما يحزن المشاهدين بالتأكيد أنّ هذا الكم الهائل من الموهبة ضاع بهذه الطريقة وهذا الاستهتار.</p> <p><strong><span style="font-size: 14pt;">«ع أمـل»</span></strong></p> <p>في «ع أمل» (كتابة ندين جابر ـــ إخراج رامي حنا) برز منذ البداية اعتماده على قصة/ نص يحاول وبشكل مسطّح تناول قضايا رئيسية ومصيرية في المجتمعات العربية. هذه القضايا الكبرى التي لا يجوز بأي شكل من الأشكال تسطيحها كالعلاقات الزوجية المرضية والقتل والتخلّف والظلم الأسري التي سعت كاتبة المسلسل ندين جابر إلى خلطها مع بعضها من دون أي منطق، معتمدةً على الكليشيهات المتكررة والمعتادة. النقطة الثانية تمثلت في بطلة العمل ماغي بوغصن. تحاول الممثلة اللبنانية التأدية، وهذا يحسب لها، وتغيّر من جلدها بالتأكيد، لكن يعوزها الكثير من التدريب، وهذا ليس عيباً، وليست مشكلة غير قابلة للحل، فمنى زكي أحضرت العام الفائت مدرباً شخصياً للتمثيل كي تدخل في شخصيتها في مسلسل «تحت الوصاية». تعاني بوغصن بشدة في إعطاء ملامح حقيقية لشخصياتها، وجاء النص المنهك والمهلهل للكاتبة جابر كي يكمل على المسلسل وعلى أداء بوغصن.</p> <p><strong><span style="font-size: 14pt;">«العربجي 2»</span></strong></p> <p>يمكن وصف «العربجي 2» (كتابة عثمان جحى ومؤيد النابلسي ــــ إخراج سيف السبيعي) بأنّه مسلسل الصراخ المستمر بين جميع أبطاله. فعلياً يمارس جميع أبطال هذا العمل بجزئه الثاني الصراخ على بعضهم البعض. يشعر المشاهد بأن بطل العمل أي باسم ياخور لا يستطيع الكلام من دون أن يصرخ عليه. يمكن اعتبار ياخور واحداً من أفضل الـmethod actors في الوطن العربي، وليس أدواره في «ضيعة ضايعة» و«الخربة» وسواها إلا دلالة وتأكيداً على ذلك. هنا وقع الممثل الماهر ضحية نصٍ منهك متكرّر ومعاد للكاتبين عثمان جحا ومؤيد النابلسي. بدا النص بلا روح ولا قلب معاً، وهذا ما جعله يحاول أن يقلّد نجاح العام الفائت المتوسط، وهو حتى لم يحصّله. يمكن اعتباره سقطة وتراجعاً لأبطال العمل، مع مشاركة مجموعة قديرة من الممثلين المهرة، أمثال ياخور وسلوم حداد وديمة قندلفت، لكن للأسف لم يقدموا أي شيء جديد.</p> <p><strong><span style="font-size: 14pt;">«نظرة حب» و«نقطة انتهى»</span></strong></p> <p>يستحق «نظرة حب» (كتابة رافي وهبي، وإخراج حسام علي) و«نقطة انتهى» (الصورة/ كتابة فادي حسين ــــ إخراج محمد عبد العزيز) الحديث عنهما في فقرة واحدة، ذلك أنّهما يشتركان فعلياً في المشكلات نفسها. النص المهلهل والمكتوب بغير احترافية مع فادي حسين (نقطة انتهى)، ورافي وهبي (نظرة حب)، والأداء المتراجع لنجوم العمل السوريين المحترفين عادةً أمثال عابد فهد (نقطة انتهى) وباسل خيّاط (نظرة حب). كلا الممثلين يؤديان بشكل تكراري وباهت، وبطريقة غير واضحة أو منطقية، فيما يغيب الممثلون اللبنانيون أدائياً في هذه الأعمال، مع العلم أن كارمن بصيبص تحاول التأدية في «نظرة حب»، لكنّ النص لم يعطها فرصة، والأمر نفسه حصل مع الماهرة ندى أبوفرحات التي تحاول، لكن بدا أن قيود النص كان ثقيلة حدّت من مهاراتها. يخيّب العملان الأمل لأنهما كانا يمتلكان كل فرص النجاح، إذ تمتّع «نقطة انتهى» بنجوم من طراز أنس طيارة، و«نظرة حبّ» بجفرا يونس، لكن ذلك لا يشفع البتة للعملين ولا يعطيهما أي فرصة للنجاح بسبب الأداء الباهت لأبطال العمل، والقصة الضعيفة والمستهلكة، ناهيك بالاستسهال في الصنعة.</p> <p><span style="font-size: 14pt;">نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 9-4-2024</span></p>
اقرأ المقال
<p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-size: 16pt; font-family: ' simplified'; color: #7e8c8d;">فرحٌ كبير يسكنك لدى سماعك كورال «غاردينيا»؛ الفرقة التي تتكوّن من أكثر من عازفة ومؤدية، تقودها المايسترو السوريّة غادة حرب. الفرقة المتميزة وقائدتها الموهوبة عرفها جمهورٌ واسع من خلال تقديمها أغنيات حفلة «شارات الكرتون» التي قدّمتها قبل أعوام، واستندت إلى أغنيات الأعمال الكرتونية التي انتشرت في الثمانينيات من القرن الماضي. وكم كان لافتاً للمشاهدين أن الفتيات يغنين ببعض الأغنيات بلغتها الأصلية مثل الإنكليزية وحتى اليابانية. هذا الأمر خلق أسئلة كثيرة حول هذه الفرقة ذات المواهب الكثيرة والعمل المنضبط والأصوات الجميلة، فضلاً عن المايسترو غادة حرب الموهوبة التي تقف خلف هذا العمل الجميل.</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-size: 16pt; font-family: ' simplified'; color: #7e8c8d;">«في عام 2016 وسط الحرب التي ألمّت ببلادنا، ولاحقاً خلال فترة حجر الكورونا، أحببنا أن نقوم بشيء يشعرنا بقيمة حياتنا، وإيصال رسائل سلام للعالم. كان هدفنا ولا يزال نشر المحبة والسلام والفن والثقافة». هكذا تأسّس كورال «غاردينيا» النسائي كما تخبرنا المؤسِّسة المايسترو غادة حرب، مضيفةً: «تحدّثت مع صديقاتي، وكانت لدينا في البداية عشرون مغنية، من بينهن عازفة بيانو اسمها راما نصري. وتولّت سافانا بقلة توزيع أغنيات الفرقة». ماذا إذاً عن البدايات. تجيب: «بدأنا ببرنامج كلاسيكي، ثم أتبعناه ببرنامج «ما أحلى أن نعيش» أو كما عرفه الناس باسم «شارات الكرتون»، ثم أتبعناه بزغاريد سوريّة، ثم حفلة في بيروت مع منظمة اليونسكو. شاركنا بعدها في «مهرجان كورال الشرق الأوسط» وحصلنا على جائزتين: جائزة أفضل كورال إقليمي، وجائزة أفضل كورال يغني بصوت نسائي» تخبرنا حرب بفرح.</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-size: 16pt; font-family: ' simplified'; color: #7e8c8d;">ماذا عن الفتيات المشاركات في غناء الأعمال؟ تقول حرب إنّ جميعهن «طالبات، أو خريجات المعهد العالي للموسيقى، فضلاً عن بعض الاختصاصات الجامعية الأخرى مثل هندسة العمارة والطب. وبخلاف أنهن يغنين بصوتٍ جميل، فإنهن يعرفن قراءة الصولفيج بشكل جيد. كثيرات بينهن يعزفن على آلاتٍ موسيقية مثل الفلوت، البيانو، التشيلو، الكمان، فضلاً عن التزامهنّ بأنشطة اجتماعية حيث يتطوعن في جمعيات خيرية كالصليب الأحمر وسواها». يعرف الجميع أن إدارة فرقة مكوّنة من خمسة أفراد أمرٌ منهك، فكيف بمشروع يضمّ نحو عشرين مؤدية، فضلاً عن الإداريين وسواهم، فما هو «سرّ» غادة حرب، وكيف تعمل إدارياً: «نعمل في الفرقة بشكلٍ جماعي، لكن يتولى بعضنا مهماتٍ أكثر من بعضنا الآخر. مثلاً أنا وسافانا بقلة، نعمل على تفاصيل كثيرة إدارياً، فنياً، تنظيمياً وتنسيقياً تتعلّق بشؤون الكورال والحفلات والبرامج. تعطي الفتيات رأيهن في البرامج والأغنيات، فنحن مشروع فكري، ولسنا مشروعاً فنياً فحسب. لذلك سعينا إلى الاتفاق على أفكار واحدة وهدف واحد، ونعرف ما هو الهدف من رسالتنا وأين نوجهها ولمن».. هنا يكمن السؤال، هل تؤثر أعمال الفرقة بشكل مباشر؟ هل لحظن كمؤديات هذا التأثير؟ تجيب حرب: «نحنُ مقتنعون بالتغيير الإيجابي الذي نقوم به بصراحة. فقبل أن يكون التغيير في الآخرين، وجدنا التغيير والتأثير الذي ننشده قد حدث في الفرقة عينها. مثلاً في «نساء عشقن الإله» أو «الليلة الواحدة بعد الألف»، كثيراتٌ من عضوات الفرقة تأثرن بما سمعنه وقرأنه حول هؤلاء النسوة. التغيير الإيجابي والمفيد يحدث بمن حولنا، ولاحقاً بمن يسمعنا».</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-size: 16pt; font-family: ' simplified'; color: #7e8c8d;">يطرح عدم وجود رجال في الكورال الكثير من التساؤلات، فهل هذا الأمر حصري للفتيات؟ هل لدى الفرقة أي اعتراض على وجود مؤدين رجال في أعمالهن؟ تجيب حرب: «كورالنا نسائي، لكن الأمر ليس تعصباً. لقد أحببنا أن نظهر قدراتنا كنساء، نضيء على إمكاناتنا. المرأة السورية قادرة أن تكون في أكثر من مكان، وأن تثبت قدراتها ونفسها. لكن ذلك لا يعني نهائياً أننا نرفض وجود رجالٍ معنا. نحن دائماً نستضيف موسيقيين أو مغنين رجال معنا، بحسب حاجة البرنامج الذي نؤديه في تلك المناسبة. ففي برنامج «شارات الكرتون»، كان معنا الأستاذ ناجي حمود، الذي قدّم معنا أغنيات الأستاذ سامي كلارك مثل «غرانديزر» و«جزيرة الكنز»؛ كذلك في «الليلة الواحدة بعد الألف» كان معنا الأستاذ ميخائيل تادرس في شخصية «شهريار».</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"> </p> <p style="text-align: center; line-height: 2;"><span style="font-size: 16pt; font-family: ' simplified'; color: #7e8c8d;"><strong>في برنامج «زغاريد سورية»، وثّقت الفرقة التراث والإثنيات المختلفة التي تعيش في سوريا</strong></span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"> </p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-size: 16pt; font-family: ' simplified'; color: #7e8c8d;">وفي برنامج «نساء عشقن الإله»، لحّن لنا الأستاذ عدنان فتح الله بعض المقطوعات».</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-size: 16pt; font-family: ' simplified'; color: #7e8c8d;">في معظم أعمال الفرقة واختياراتها الفنية والثقافية؛ كان هناك الكثير من الرسائل. تتوقف حرب عندها، قائلةً: «في كل برنامجٍ من برامجنا كان لدينا رسالتنا الخاصة: ففي برنامج «شارات الكرتون»، كنا نريد أن نذكّر الناس بتلك المسلسلات، إذ كنا كمجتمع سوري بحاجة لتذكر فترة الأمان والسلام التي كنا نعيشها مسبقاً. في برنامج «زغاريد سورية» وثّقنا تراثنا السوري، والإثنيات التي تعيش في سوريا وتشكّل نسيجه المجتمعي الشركسي، والكردي والسرياني والأرمني. في برنامج «نساء عشقن الإله»، حفظنا تراث النساء المتصوّفات. في برنامج «الليلة الواحدة بعد الألف»، كان حلم حياتي أن نقوم بإنتاج «ميوزيكال» سوري عن قضايا المرأة. النص كان مأخوذاً عن «ألف ليلة وليلة»، كتبته آنا عكّاش فيما لحنته سافانا بقلة. كانت فكرتنا أنّ الشخصيات النسائية الموجودة في النص الأصليّ لـ «ألف ليلة وليلة» ستعترض على طريقة تقديمها، ثم تحكي قصّتها بطريقتها الخاصة. أما في برنامجنا الأخير «نجوم وأضواء»، فقدمنا أغنيات قديمة (oldies) غربية معروفة. حتى التسمية أخذناها من برنامج قديم على التلفزيون السوري كان يقدّم أغنيات لفرقة الـ «آبا»، الـ «بي جيز»، و«بوني أم» وسواها. وهي الفرق نفسها التي قدّمنا أغنياتها».</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-size: 16pt; font-family: ' simplified'; color: #7e8c8d;">تستحق فرقة «كورال غاردينيا» الحديث عنها مطوّلاً، ليس لأنّها تقدم فناً جميلاً فحسب، بل أيضاً للجهد الكبير الذي تبذله، وإصرارها على العمل رغم كل الظروف، وفوق هذا، نجاحها في تقديم ما يمكن اعتباره إعادة إحياء للفن وليس السوري فحسب، بل العربي أيضاً.</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"> </p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"> </p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"> </p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-size: 14pt; font-family: ' simplified'; color: #7e8c8d;">نُشر في صحيفة الأخبار اللبنانية بِتاريخ 25 تشرين الأول 2022</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-size: 14pt; font-family: ' simplified'; color: #7e8c8d;"><a href="https://al-akhbar.com/Literature_Arts/347823">https://al-akhbar.com/Literature_Arts/347823</a></span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"> </p>
اقرأ المقال
<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; text-justify: kashida; text-kashida: 0%; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">كيف يمكن للمرء أن يثبت هويته إن لم يكن بوسع الانتماء الجغرافي، والبُعد الزمني/ التاريخي، واللغة واللهجة والعادات وثقافة البلد، أن تمنحه إياها؟ هل امتلاك الأوراق الرسمية هو الشيء الوحيد الذي يحدّد حقيقة انتماء الفرد إلى وطن أصلي أو بديل؟ ماذا عن ملايين البشر في العالم من فاقدي الأوراق الثبوتية، والمنفيين خارج أوطانهم، والذين أُسقطت جنسيتهم رغماً عن إرادتهم، والباحثين عن ملجأ خارج أرضهم؟ قضايا كثيرة تجمعها أزمة الوجود التي تحوّل الفرد إلى «شبح» أو شخص غير مرئي بالنسبة إلى الدول والمؤسسات الرسمية، وتأتي معاناة الـ«بِدُون» في الخليج ضمن هذه القضايا الحساسة. يتناول كتاب «عديمو الجنسية في الخليج: الهجرة والجنسية والمجتمع في الكويت» (الممتد على 483 صفحة من القطع المتوسط) للباحثة الفرنسية كلير بوغراند، قصة «البدون» (اختصاراً لـِ «بدون جنسية») في الكويت منذ نشأتهم إلى احتجاجاتهم الأخيرة قبل سنوات عدّة</span><span dir="LTR" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; text-justify: kashida; text-kashida: 0%; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">الكتاب الصادر عن «منشورات تكوين» (ترجمة عبدالوهاب سليمان)، يحمل بين طياته ستة فصول رئيسة يضم كل منها أبواباً تفصيلية متعددة، بالإضافة إلى مقدمة وتوطئة وخاتمة. في مقدمة الكتاب، تختار الأكاديمية الكويتية العنود الشارخ أن تروي باختصار حادثة محزنة حصلت معها شخصياً حين رفضت تكليف منظمة بريطانية غير حكومية بالتحقّق من هوية ولهجة أحد الكويتيين الـ«بِدُونْ» الذي طلب اللجوء إلى المملكة. وتعلّق الشارخ بالقول: «هذا التحقق من كويتية المرء قولٌ مستهلك يومياً، في البلد التي غادرها البدون- عديمو الجنسية الذين ولدوا وأقاموا في الكويت ويطالبون بالمواطنة، لكنهم لا يملكون الوثائق المؤهلة لإثبات هوياتهم؛ يمكن التذرع بهذه الحجة لصلتها بالمنظور الأمني لا في المملكة المتحدة فحسب، بل في الكويت أيضاً». وتشير الباحثة في «معهد لندن للشرق الأوسط» إلى ارتباط قضية البدون بالطبقية والاقتصاد الاجتماعي للبلد «فقصة السكان البدون واحدة من عوائد الدولة الريعية، حيث تستند الهوية الوطنية إلى المحسوبية العرقية، وانهيار نظام التجنّس الفعّال، وأصبح منح المواطنة مع سيطرة سياسات الدولة الريعية- في فترة بناء دولة ما بعد الاستقلال – امتيازاً يُمنح من قِبل الطبقة الحاكمة أكثر منه إحداثاً لدور المواطن</span><span dir="LTR" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">».</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; text-justify: kashida; text-kashida: 0%; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; text-justify: kashida; text-kashida: 0%; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">في الفصل الأول «من الخفاء إلى الوهم: من هم البدون؟»، تعرض الكاتبة كلير بوغراند تعريف مصطلح «البدون»، أو «أناس بلا وثائق» بحسب الترجمة الإنكليزية، فهم «يشكّلون مجموعة من الناس الذين يدّعون أحقيّتهم بالجنسية الكويتية، مستندين إلى عدم ارتباطهم بدول أخرى، بينما تعتبرهم دولة الكويت مقيمين بصورة قانونية على أراضيها. يحتل البدون فجوات الطبقات المتعددة والمركّبة للمجتمع الكويتي بوصفهم مجموعة أشباح؛ فهم غير مرئيين في القوائم الرسمية للدول، غير مرئيّين لدى الجميع في الكويت عدا المطّلعين». ليس هناك ما يميّز البدون عن المواطنين الكويتيين في اللباس واللهجة؛ فهم يتحدثون اللهجة الكويتية -وإن تخللتها نبرات قبلية- ويرتدون الدشداشة والغترة والعقال، ويرجع تاريخهم إلى الصحراء. تميّز الأكاديمية المحاضِرة في جامعة «إكستر» البريطانية، قضية البدون عن بقية التصنيفات الأخرى في المجتمع الكويتي وفقاً لقانون الجنسية، فالكويتيون أساساً هم «الذين أثبتوا إقامتهم المستمرة في الإمارة منذ عام 1920، وهو تاريخ رمزي يشير إلى معركة الجهراء، حيث تم التصدي للإخوان، القبائل المجنّدة من نجد والمحارِبة لغير التابعين للوهابية...». أما العرب والأجانب الذين استقروا في الكويت بين عامَي 1930 و1945 «فقد مُنِحوا الجنسية بالتجنيس، ومع ذلك فإنّهم محرومون من الحقوق السياسية»، بينما يُطلق على المنحدرين من ميناء الكويت في عهد ما قبل النفط، الذين أثبتوا إقامتهم المستمرة في مطلع ستينيات القرن الماضي مصطلح «الحَضَر». تعتبر الدولة أنّ البدون «قدموا إلى البلاد متأخرين بعد استكمال إجراءات منح الجنسية في عام 1965</span><span dir="LTR" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; text-justify: kashida; text-kashida: 0%; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">تستند الباحثة في أطروحتها إلى مفهوم «الهوامش» عند الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا (1930-2004) الذي قدمه في كتابه «هوامش الفلسفة</span><span dir="LTR" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">» Margins of philosophy (1972)</span><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">، فالهوامش تتظاهر بخطاب متجانس فريد من نوعه، لكنّها في الوقت عينه تشكّل نصاً فلسفياً آخر، «يُحدث صدعاً» ويُعدّ «مكاناً للرؤية النقدية». تُسقط الباحثة منظور دريدا على السردية الرسمية لـِ«المجتمعات المتجانسة التي تعيش بسلامٍ في ظل القيادة الحكيمة للآباء القادة» لتطرح فكرة أنّ وجود معارضات بين «المواطنين أصحاب الامتيازات والمواطنين المحرومين» وأخرى بين المواطنين والأجانب في البلد، وقضية البدون، ما هي إلا إشارة إلى «الفشل في تحقيق الرؤية الأبوية التي يقوم عليها العقد الاجتماعي». تقدّم هذه الهوامش الكويتية «رؤية متجددة للواقع الاجتماعي في الإمارة، واقعاً متعدد الأوجه ومتعدد الطبقات ومليئاً بالصراعات</span><span dir="LTR" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">».</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; text-justify: kashida; text-kashida: 0%; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">إذاً تسعى الكاتبة إلى تقديم سردية جديدة تتميّز بكونها «مضادة لسردية الدولة الكويتية التي لطالما حطَت من البدون، واستغلت مواردها الإعلامية للقدح فيهم وتجريمهم». تستخدم الباحثة في دراستها هذه نوعين من المصادر: مواد أرشيفية مكتوبة وهي مجموعة مقالات ونصوص صحافية محفوظة في «مركز المعلومات والدراسات» في صحيفة القبس، ومواد أخرى عبارة عن مقابلات مع أشخاص من البدون ومناصريهم، بالإضافة إلى بعض الصور التي تظهر المساكن الشعبية للبدون</span><span dir="LTR" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; text-justify: kashida; text-kashida: 0%; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">يعرض الفصل الثاني الذي يحمل عنوان «الأسس العابرة للأوطان في الإمارة الكويتية»، الخلفية التاريخية للدولة الوطنية قبل اكتشاف النفط، إذ إنّ «التراتبية الاجتماعية الحالية قائمة على سنوات استقرار سكان مختلفين في الكويت بأوقات مختلفة». بحسب الكتاب، «استمد حكام الخليج نفوذهم السياسي وشرعيتهم من سيطرتهم على غالبية سكان المناطق الساحلية الحضرية بقدر ما استُمدّت من سيطرتهم على القبائل المرتحلة من الداخل». وكانت السياسة القبلية هي السياسة العليا وكان من الوجاهة الانتماء إلى هذه القبائل، سواء الجنوبية السنية أو الشمالية «التي تحوّلت إلى المذهب الشيعي الذي انتشر في العراق في القرن التاسع عشر»، فكان البلد قائماً على تعايش وشراكة بين الميناء (المدينة) والصحراء. يقوم الفصل الثالث المعنون «من بدو يقطنون العشيش إلى مقيمين بصورة غير قانونية» على مناقشة نشوء الميثاق الاجتماعي الكويتي بالنظر إلى الممارسات والإجراءات التي خوّلت منح الجنسية الجديدة. وفق القانون الكويتي، «يعرّف الكويتيون أصلاً على أنهم بمقدورهم إثبات شهادة وجودهم المستمر في أراضي الإمارة منذ عام 1920»، لكنّ الباحثة توضح أنّه للمفارقة، فالإقليم الوطني لم تُرسم حدوده الدولية إلا بعد عامين تاليَين. عدّلت الدولة القانون المتعلّق بالجنسية مرات عديدة و«أصبحت الشروط أكثر صرامة وأضيفت شروط جديدة من بينها عدد المتجنّسين. بموجب المادة الرابعة، كان مقتصراً على 50 شخصاً سنوياً، لكن جميع أحكام القانون «لم تكن مصممة لقضية البدون ولم تنطبق عليها، باستثناء التعديل على المادة الخامسة وفق القانون رقم 41 لعام 1972». صحيح أنّ هذه الأحكام أجازت منح الجنسية الكويتية للأبناء عديمي الجنسية المولودين في الكويت لحين بلوغهم سن الرشد، لكنّها للأسف أُلغيت بحسب قانون رقم 100 (1980). انتشرت «العشيش»، أي المساكن غير الرسمية في الكويت، «في أواخر الخمسينيات بعد اكتشاف النفط، حين بدأ البدو في تغيير مساكنهم التقليدية من خيام إلى أكواخ» بنتها شركة النفط الكويتية</span><span dir="LTR" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';"> KOC </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">في حين فضّل بعضهم «العيش في خيمهم السوداء التقليدية (بيوت الشعر) في محيط المنطقة المبنية»، ووصلت مدن العشيش إلى 18 حتى عام 1975. وجرى تجنيس جماعي لعدد كبير من البدو إبان تهديد العراق للكويت حتى ينخرطوا في القوات المسلّحة</span><span dir="LTR" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; text-justify: kashida; text-kashida: 0%; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">أما الفصل الرابع «صناعة انعدام القانونية»، فإنّه ينظر إلى سطوة الدولة بوصفها «عنفاً إدارياً» يقوم على استغلال «كل الوسائل الإدارية في سبيل نزع شرعية المطالبة بالمواطنة من قبل أي شخص لديه أدنى شعور باستحقاق الجنسية» حتى وصل الأمر إلى إعلان وزارة الداخلية (وفق ما جاء في الكتاب) عن تأمين/ شراء «جنسيات اقتصادية من جزر القمر»، يصبح بموجبها البدون «مقيمين أجانب في الإمارة، ويحصلون على حق الإقامة من دون رسوم، إضافة إلى جميع المميزات الممنوحة من الدولة والمتمثلة في مجانية التعليم والصحة والتوظيف». فُضحت الخطة حين «رفض البرلمان القمري تمرير أول قانون بمنح الجنسية الاقتصادية للبدون في الخليج». كما يغطي هذا الفصل استراتيجيات التكيّف وفق وجهة نظر البدون «الذين يقبعون في أسفل الهرم الاجتماعي الكويتي»، فهم يعتاشون من عملهم في بيع المنتجات الاستهلاكية المستعملة التي يتخلى عنها الكويتيون «مثل الإلكترونيات والأجهزة المنزلية والسيارات»، فيعيدون بيعها للمغتربين. منهم من يعمل في وظيفة مكتبية متواضعة، وبرز منهم في الشعر والرواية والصحافة مثل محمد النبهان وناصر الظفيري وسعدية مفرح</span><span dir="LTR" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; text-justify: kashida; text-kashida: 0%; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">يغطي الفصلَان الأخيرَان «ظهور قضية البدون: المناصرون والمعارضون» و«حراك غير الموثقين في إمارة نفطية»، نشوء الحراك من أجل مشكلة البدون وكيفية تطورها إلى قضية، ثم مناقشة الإطار النظري للمهاجرين من دون أوراق ثبوتية بهدف فهم احتجاجات البدون في شباط 2011. «ظهرت قضية البدون على الساحة الدولية للمرة الأولى منذ 30 عاماً» وتعتبر أنّها تمسّ «العلاقات المتوترة بين الكويت وجارتَيها القويتَين السعودية والعراق»، نسبة إلى «معركة الجهراء» مع السعودية، والغزو العراقي للكويت. وفي عام 2001، تجمّع البدون أمام مسجد الإمام الشعبي هاتفين: «إلى متى بدون؟» و«كويتيون، كويتيون». ثم نظموا لجنة شعبية في عام 2008 وشكلوا جمعيات غير مرخّصة، وعملت «لجنة الكويتيين البدون» على إصدار شهادات ميلاد وعقود زواج. تنتقل الباحثة إلى عام 2011 لتقول بأنّ أحداث مصر وسقوط نظام حسني مبارك، واندلاع الانتفاضتَين الليبية والبحرينية، أعادت الحماس إلى البدون للمطالبة بالجنسية، لكن تم قمع التظاهرات في العامين التاليَين</span><span dir="LTR" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; text-justify: kashida; text-kashida: 0%; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">في الختام، يبقى البدون غريبين في وطنهم، لكنهم يشكلون أحد «الهوامش» في البلد التي فتحت باب النقد تجاه السردية الرسمية. إنّهم يعاندون الواقع الذي فُرض عليهم منذ عقود من الزمن، عبر تمسّكهم بقضيتهم ومقاومتهم لكل محاولات طمس هويتهم وانتمائهم للكويت، البلد الذي يحملون ثقافته ولهجته. ويغطي هذا الكتاب جانباً من قصتهم وهذه السردية، ويعتبر مادة تفصيلية حول القضية التي بقيَت مهمّشة لعقود، وإن تناولتها بعض المواد الصحافية القصيرة</span><span dir="LTR" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; text-justify: kashida; text-kashida: 0%; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; text-justify: kashida; text-kashida: 0%; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; text-justify: kashida; text-kashida: 0%; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; text-justify: kashida; text-kashida: 0%; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"> </p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; text-justify: kashida; text-kashida: 0%; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 27-5-2023</span></p>
اقرأ المقال
<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; text-justify: kashida; text-kashida: 0%; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">البشر مسكونون بالأماكن، سواء أحبوها أم هجروها بحثاً عن غيرها، فالجسد موجود بارتباطه بالمكان المادي قبل أيّ شيء. لكن ما الذي يجعل من مكانٍ معيّن ذا أهمية أو معنى؟ في كتابه «ممارسة الحياة اليومية» (1980)، يشرح عالِم الأنثروبولوجيا والمؤرخ الفرنسي ميشال دو سيرتو عن أهمية تحليل ممارسات الأناس العاديين وأولئك المُهمَّشين، فالتنقل، والمشي، والتحدث، والسكن، والطبخ، وغيرها من ممارسات الحياة اليومية وسلوك الأفراد لها دلالات ثقافية وسياسية هامة. يميّز دو سيرتو بين المكان (</span><span dir="LTR" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">Place</span><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">) كموقع جغرافي جامد من فعل السلطة (سواء أكانت حكومة أم أي نوع آخر من الإدارة) والفضاء المكاني (</span><span dir="LTR" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">Space</span><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">) المرتبط بالحركة والفعل الذي عرّفه بـ «المكان المُمارَس/ المكان العملي» (التعبير الذي اشتهر فيه في الأوساط الأكاديمية). إذاً، يحوّل السكان المكان إلى مساحة خاصة بهم، تعكس ثقافتهم ورؤيتهم للحيز المكاني الذي يعيشون فيه. تُعد ممارساتهم وتصرفاتهم بمثابة تكتيكات يقاومون من خلالها استراتيجية القوة المهيمنة ويستغلون الأحداث بتحويلها إلى فرص. لكنّ المكان أيضاً بحسب أستاذ الأدب الألماني والأدب المقارن في «جامعة كولومبيا» أندرياس هُويْسن هو «طِرْسٌ»؛ أي صحيفة أو مخطوطة طُمست كتابتها، فتُستعمل لكتابة نص جديد عليها. ما يميّز الطرس أنّ النص القديم مُحِي لكنه لم يختفِ بالكامل، فهناك آثارٌ تبقى راسخة حتى عند إضافة طبقة جديدة، ما يعني أنّ المكان بحسب هويسن ليس لديه تاريخ واحد بل طبقات عدة، يحاول التاريخ الجديد طمس ما سبقه، لكنّ بعض آثار الماضي تعاند التغيير وتبقى شاهدة على ماضٍ كان حاضراً في السابق.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; text-justify: kashida; text-kashida: 0%; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">في «بناية تي. في. تاكسي، الصنوبرة، رأس بيروت» (دار نلسن ــ 2023)، يحاول الروائي اللبناني زياد كاج حفظ ذاكرة شارع الصنوبرة ومنطقة الحمراء- رأس بيروت، من خلال التركيز على تاريخ «بناية الزاهد» وسكانها المتنوّعين في انتماءاتهم الإثنية والطبقية والحزبية. بين دفتَي الكتاب الممتد على 221 صفحة من القطع المتوسط، يعرض الكاتب 25 مقطعاً (يمكن اعتبارها فصولاً قصيرة مرقّمة لا عناوين لها) تختزل سيرة هذا الفضاء المكاني عبر حوالي خمسين عاماً من تاريخ لبنان السياسي والأمني. نتعرّف إلى بيروت وتبدّلات معالمها وسكانها وأحوالها عبر لسان الراوي، ابن ناطور البناية «أبو رياض»؛ المثقف الذي يقرأ جريدة «النهار» الذي استطاع كسب فرصة العمل ناطوراً في البناية بعد الاستقلال، بسبب حادثة سرقة أخيه لبارودة جندي فرنسي من ثكنة فردان.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; text-justify: kashida; text-kashida: 0%; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">ينقسم الكتاب في سيرة المكان الذي يرويه إلى ثلاث مراحل زمنية عاشها لبنان، يمكن مواكبتها من خلال تبدّل اسم العمارة ذات السبعة طوابق، من بناية «الزاهد» إلى «تي. في. تاكسي» (و«الدبّاغ»)، قبل أن تصبح اليوم معروفة باسم «بناية الزيتونة». هذه البناية (والمنطقة التي توجد فيها) هي طرسٌ بحسب هُويسن، مخطوطة دوّنت عليها طبقات من التاريخ والتغييرات التي تطمس حالها السابق، لكنّ معالمها وذكرياتها لا يمكن محوها بالكامل وإن تبدّلت بنسبةٍ مرتفعة. في الستينيات وصولاً إلى ما قبل الحرب الأهلية، امتدت «بناية الزاهد» على شكل زاوية إلى جوار بنايتَي «الصنوبرة» والـ«نيو صنوبرة»، في الشارع الذي اكتسب اسمه من شجرة صنوبر كبيرة معمّرة في مكانها. احتوت العمارة بحسب الراوي، ساكنين من جنسيات وإثنيات وخلفيات دينية وطبقية مختلفة، فكان من بينهم الخياط أبو سامي من مغدوشة، والخواجة جان مايك من جماعة شهود يهوه، والنجار سليم، و«الجوهرجي» الأرمني وعائلته، وآل حداد وخادمتهم اليوغسلافية، وآل بورسالي الذين صادرت الدولة في مصر أراضيهم في الصعيد، ومدام طعمة العراقية المثقفة، ومدام سعادة التي انتحرت ابنتها. ومن الجيران في الحي آل غالي وعيتاني وصيداني وبعض الأشخاص المعروفين مثل المطرب والملحن السعودي طلال المداح. يسرد كاج تفاصيل تلك الفترة من وسائل التدفئة «الشوفاج» إلى سنترال تحويل الاتصالات من غرفة الناطور إلى الشقق، والسيارات الأميركية الضخمة المركونة في الشارع، إلى معالم المنطقة بقوله: «كنت أتكئ على الحافة وأنظر بوعي صبي يحاول فك أسرار المشهد المتنوع: علم الموحّدين الدروز بألوانه الخمسة يرفرف على مبنى دار الطائفة الضخم والأبيض اللون، مدرسة الطليان بملاعبها الكبيرة ومبناها العريق اختفت خلف الأبنية العالية المقابلة. إلى الشمال قليلاً، يظهر جزء من أوتيل البريستول العريق، ثم بناية البريستول، وقربها محطة الدمياطي للوقود».</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; text-justify: kashida; text-kashida: 0%; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">يوضح زياد كاج أنّ حال الزاهد والصنوبرة وبيروت تبدّل في العاشر من نيسان (أبريل) عام 1973، حين قام العدو الإسرائيلي بعملية إنزال على شاطئ الرملة البيضاء واغتال القادة الفلسطينيين الثلاثة: كمال ناصر، كمال عدوان، وأبو يوسف النجار. في مطلع الحرب الأهلية، شهدت المنطقة «أوتيل هوليداي-إن» يحترق، وبعدها بفترة قصيرة، تحول ملعب مدرسة الطليان إلى بركة دماء إثر قصف العاصمة وحصارها. عانت الصنوبرة مثل معاناة المدينة من جوع وانقطاع في المياه والكهرباء، وافتُتح في الشارع مكتب عسكري لـ«حركة فتح» وآخر للخدمات الاجتماعية من قبل الحزب السوري القومي الاجتماعي. ومع دخول قوات الردع العربية، بِيعت البناية لثري سوري يُدعى أكرم الدباغ الذي اقتطع من مساحة المدخل لبناء محالّ للاستثمار، كان من بينها مكتب «تي. في. تاكسي» للسفريات ونقل الركاب إلى سوريا والأردن. قَدِم سكان جدد إلى البناية «من الطبقة الوسطى من أساتذة جامعيين ومتعلّمين ومثقفين، من بينهم: الروائي رشيد الضعيف، والباحث شوقي الدويهي، والكاتب المسرحي أسامة العارف، والمهندس بهيج حاوي (شقيق جورج حاوي) والرسام هاني صالح الذي قُتل على الهوية وهو يعبر من «الشرقية» إلى «الغربية».</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; text-justify: kashida; text-kashida: 0%; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">بعد ثلاث سنوات من تنفيذ عملية اغتيال «الأمير الأحمر» أبو حسن سلامة في عام 1979، أصيبت البناية بشظية كبيرة إثر اجتياح العدو الإسرائيلي للعاصمة ومحاصرتها وضربها، فغادرها سكانها. وفي عام 1984، «اغتيل المربي ميشال واكد والفيلسوف حسين مروة والدكتور مهدي عامل. فشهدت بناية «تي. في. تاكسي» هجرة عائلات ورموز يسارية خوفاً من بطش الميليشيات الطائفية الصاعدة». لكنّ المرحلة الزمنية الثالثة التي شهدت التبدّل الأبرز في حال الصنوبرة والعاصمة كانت في تسعينيات القرن الماضي مع قدوم رفيق الحريري وسكنه في القريطم، حينها «تحولت المنطقة إلى منطقة أمنية». يعلّق الكاتب على أثر تلك المرحلة بقوله إنّ «الظاهرة الحريرية» أدخلت «مفاهيم جديدة على المدينة وناسها: إثراء سريع، ميل إلى المظاهر والشكل وولع بالسيارات الفارهة والبزّات الرسمية».</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; text-justify: kashida; text-kashida: 0%; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">يُنهي كاج في المقطع 25 والأخير من سيرة هذا المكان، بخبر بيع العمارة لأخوين من عائلة شاهين؛ فصار اسمها اليوم «بناية الزيتونة» وأزيلت عنها لافتة «تي. في. تاكسي». هجرها سكانها و«حلّ مكان هؤلاء سكان جدد لا لون لهم ولا طعم، بلا وجوه وبلا ماضٍ، يدفعون إيجارات خيالية»، فقانون الإيجارات الجديد أتى مجحفاً بحق المستأجرين القدامى وصبّ في مصلحة المالك. يختم الراوي حكايته بمقطع من قصيدة «العمة يامنة» للخال عبد الرحمن الأبنودي للتعبير عن حنينه إلى من رحلوا عن الصنوبرة والدنيا، واستيائه من الحاضر «دا زمن يوم ما يصدق كذاب».</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; text-justify: kashida; text-kashida: 0%; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">في المحصّلة، هي سيرة مكان خطّها سكان منطقة الصنوبرة و«بناية الزاهد» بممارساتهم الحياتية اليومية، باختلافهم وتنوعهم وضحكاتهم ومساندتهم لبعضهم في أيام الحرب وبمقاومتهم للخوف والحصار والجوع، رواها أحد سكانها بلغة بسيطة إيفاءً لهذه البناية (والمنطقة) التي شكّلت وعيه وثقافته. يبقى سؤال يطرح نفسه عند غضبه واستيائه من تغيّر حال المنطقة، تظهر «زلات» أو بضع عبارات متفرقة تبدو غير لائقة (حتى لا نقول فيها شيئاً من العنصرية) يرميها الكاتب على من يرى أنّهم مشتركون في هذا الفعل، مثل حديثه عن عائلة وأولاد الناطور الجديد أبو علي الذي حلّ مكان والده «ينزلون الدرج ويصعدونه كأنهم في حقل في القرية»، ووصف أحد المقاتلين «يأتي على كتفه الكلاشينكوف» و«القضية»، فيدخل الفرن ثم يخرج بعد قليل حاملاً بوقاحة عدداً من الربطات، في الوقت الذي كان فيه الناس يقفون في طابور طويل للحصول على الخبز. وحين تحدّث عن جنود الحاجز السوري القريب من مركز «المرابطون»: «مرت لحظات متوترة وهم يحدقون فينا بشيء من السخرية والاستخراء»، وعن «أبو ناصر» الفلسطيني الذي قدم إلى البناية «لم تكن زوجته تأخذه على محمل الجد.. ابنه الأصغر المتهور... وقف يخبرنا عن فيلم سكس شاهده في سينما البافيّون... نظرنا إليه مصدومين صامتين وهو يتحدث بشيء من بلاهة الاكتشاف الأول». لربما قصد الكاتب من خلال كلامه أن يظهر رؤية المجتمع في تلك الفترة، لكنّ ذلك لم يكن واضحاً.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; text-justify: kashida; text-kashida: 0%; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';"> </span></p> <p> </p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; text-justify: kashida; text-kashida: 0%; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 4 شباط 2023</span></p>
اقرأ المقال
<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; text-justify: kashida; text-kashida: 0%; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">منذ أن بثت إذاعة لندن في الأول من آب (أغسطس) عام 1990 خبر «انهيار المفاوضات الكويتية-العراقية في جدة»، بدا للتشكيلي الفلسطيني إسماعيل شموط (1930-2006) أنّ الفلسطيني محكوم بهذا القدر أينما رحل وأنّ النكبة بالنسبة لهذا الشعب ليست حدثاً واحداً انتهى زمنياً مع التطهير العرقي والتهجير القسري وإعلان دولة الاحتلال، بل هي أشبه بلعنة لا مفر منها. ابن مدينة اللد الذي أجبر على ترك بلدته لاجئاً إلى مخيم للنازحين في قطاع غزة، ثم بعد محطات عدة، ظنّ أنه استقر في بيروت حيث تزوج من الفنانة الفلسطينية تمام الأكحل، اضطر للهجرة مجدداً عام 1982 إلى الكويت، لكنه لم يسلم هناك أيضاً. بعد تسعة أعوام من العمل في الكويت، حدث ما لم يكن في الحسبان، إذ لم يكن أحد ليصدق أنّ بلداً عربياً سيغزو ويحتل بلداً عربياً شقيقاً، لكنه حصل حين قصفت القوات العراقية مبنى وزارة الإعلام ثم احتلته وأذاعت من محطة إذاعة وتلفزيون بغداد بيان إسقاط الحكم الكويتي والإطاحة بعائلة الصباح. حينها، قلق إسماعيل شموط على أبنائه بلال وبشار ويزيد، وسعى هو وتمام إلى ترحيلهم، مما وضعه أمام أسئلة وجودية: «متى نكون معاً؟» و«هل علينا أن ننشئ بيتاً سابعاً أو ثامناً جديداً؟».</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; text-justify: kashida; text-kashida: 0%; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">في كتاب «أيام الغزو: يوميات إسماعيل شموط أثناء احتلال الكويت»، الصادر أخيراً عن «منشورات تكوين»، يدوّن إسماعيل شموط مذكرات كتبها منذ بداية الغزو وهو في الكويت، أعطاها للكاتب الكويتي إسماعيل فهد إسماعيل الذي كتب بناءً على التاريخ المدوّن رواية سبعانية (أي مكتوبة على سبعة أجزاء) بعنوان «إحداثيات زمن العزلة» (1996) حفظت في مكتبة الكونغرس كعمل روائي تسجيلي عن الغزو. تزيّن الكتاب لوحة «الطريق» التي رسمها شمّوط عام 1964، وتظهر الوجوه البادية في اللوحة حزناً واضطهاداً شديدين، وكانت قد عرضت في «متحف برلين الوطني» في سبعينيات القرن الماضي.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; text-justify: kashida; text-kashida: 0%; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">في الملاحظة الأولى، يمكن التنبه إلى أنّ الكتاب هو مادة خام، وتدوين لتطور الأحداث السياسية والأمنية والاقتصادية التي رافقت الغزو العراقي للكويت، موشّى بيوميات شموط. يمتد الكتاب على ثمانية فصول أعطاها عناوين الشهور التي حدث خلالها الغزو، بدءاً من آب «اللهّاب». تحضر في بداية الكتاب، مقدمةٌ للكاتب الكويتي المعروف، وصاحب رواية «ساق البامبو» الشهيرة سعود السنعوسي، عنونها: «إحدى وثلاثون سنة... هي رحلة هذه الأوراق، قبل أن تصير كتاباً بين يديك! ». يتناول السنعوسي رحلة هذا الكتاب أو الـ450 صفحة التي دونها شموط في مطلع تسعينيات القرن الماضي، حتى تحوّلت من مسودّة محفوظة في علبة كرتونية إلى كتاب بين يدي القارئ اليوم.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; text-justify: kashida; text-kashida: 0%; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">مع الفصل الأوّل، يشير شموط إلى أنَّ المشكلات السياسية التي اختلف بسببها البلدان (بئر الرميلة، النفط على الحدود الكويتية العراقية وجزيرة بوبيان التي طالب العراق بامتلاكها وغيرها) لم تعد اختلافات بين بلدين عربيين، بل تفاقمت الأزمة بوتيرة سريعة لم يتوقعها أحد. إنه كتابٌ تأريخي تسجيلي شخصيٌ في آنٍ معاً: «لم تُرِد تمام إزعاجي، وهي أكثر الناس معرفة بحالتي الصحية، فأفقتُ مبكراً نسبياً على صوت أناشيد وطنية مختلطة، مع مناقشات غير مألوفة في البيت صباحاً. ففي اليوم الثاني للاجتياح، أعلنَت وسائل الإعلام العراقية تشكيل حكومة مؤقتة للكويت سميت «حكومة الكويت الحرة المؤقتة» من دون ذكر أسماء أعضائها لتبرر أن قدوم القوات العراقية لاحتلال الكويت كان تلبية لنداء أهل الكويت الذين قاموا بثورة شعبية، ونجدة لانتفاضة فِتية آمنوا بربهم في الكويت». هنا حدث ما لم يكن يعتبره الكاتب ممكناً، فقد أقفل مطار الكويت وانقطعت خطوط الهاتف مع الخارج ثم بين المناطق في الداخل. وسرعان ما أعلنَت هذه الحكومة التي ضمت «أسماء غير معروفة في الكويت وربما غير كويتية»، عن تغيير اسم الكويت من دولة الكويت إلى جمهورية الكويت، وأصدرت قراراً بضمها إلى الجمهورية العراقية. ساعتها دعا الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك الذي ندد بالعدوان وطالب بضرورة التراجع عنه، إلى عقد اجتماع للقمة العربية. عند التصويت على القرار، انقسمَت الدول العربية بين مندد ومؤيد ومتحفظ فيما غابَت تونس عن القمة. هنا، يأتي سؤال الرسام الفلسطيني: «كيف سقطت الكويت وبهذه السرعة المذهلة؟». في الوقت عينه يشير: «بعد يومٍ أو اثنين وبعد أن صحا الناس من هول ما حدث، تنادى الشباب الكويتي، فراحوا يفتشون عن سبل للتعبير عن مقاومتهم للاحتلال العراقي بالوسائل المدنية أو العسكرية كاستعمال السلاح ضد الجنود والآليات العسكرية العراقية. ولم يكن يمضي يوم بعد يوم الاحتلال، من دون أن تضرب وتحرق آلية عسكرية عراقية أو تفجر بمن فيها».</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; text-justify: kashida; text-kashida: 0%; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">يقوم الكاتب في الفصلين الثاني والثالث بتصوير الحياة اليومية في الكويت إبان ذلك الاحتلال: لقد بدأ الجنود العراقيون بالتواجد عند مداخل الشوارع الفرعية وأقاموا حواجز في الشوارع الكبيرة، وأعلنت السلطات العراقية عن ضرورة تسيير الحياة بالقوة في «المحافظة التاسعة عشرة للعراق، محافظة الكاظمية أي الكويت، في حين كان البلد مضرباً والأسواق مقفلة مقاومة للاحتلال». جاء أثر الاحتلال العراقي للكويت شديداً على الشعب، وبدا أن المواقف السياسية المختلفة انعكست على الناس في حياتهم اليومية في الكويت المحتلّة خصوصاً موقف «منظمة التحرير الفلسطينية»: «صحيح أن الموقف الفلسطيني كان مائعاً في هذه القضية، وقد أسهمَت وسائل الإعلام العربية والغربية في تكبير الصورة المشوّهة للفلسطيني، وأنه مؤيد للإرهاب لأنَّ الذي يقف مع الإرهابي والدكتاتور صدام حسين هو ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية». هذا الموقف الملتبس و«المتورط في المنتصف» –كما يشير الكتاب- انعكس على الوجود الفلسطيني في الكويت، فمساء أحد أيام أيلول (سبتمبر) دقّ الجرس، وإذ بشاب كويتي يسأل إن كان سكان المنزل كويتيين حتى يوزع عليهم مؤونة. وحين علم أنهم فلسطينيون اعتذر ولم يعطهم شيئاً. ورفضت بعض المحلات «بيع منتجاتها للفلسطينيين»، حتى إن «سيدة كويتية دفعت زوجته تمام الأكحل قائلة: أنتم لا تزالون هنا، ارحلوا عنا».</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; text-justify: kashida; text-kashida: 0%; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">يجول صاحب لوحتَي «العطش» و«المعشوقة» بين الأخبار اليومية والآنية بدءاً من مقابلة لحسني مبارك أشار فيها إلى «أنّ جميع الفلسطينيين لا يؤيدون صدام ولا يقفون معه في غزوه للكويت، إنهم في موقف صعب. إنّ مقر منظمة التحرير الفلسطينية موجود في بغداد، وليس بوسع عرفات أن يعلن بأنّ العراق على خطأ، فإذا قال بأن غزو العراق للكويت أمر غير مشروع، سوف يواجه كثيراً من المشكلات وأنا أعذره وأشفق عليه».</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; text-justify: kashida; text-kashida: 0%; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">في الفصل الرابع، وهو «تشرين الثاني/نوفمبر» عام 1990، بدأ الضغط الدولي على الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين حيث هدد جورج بوش الرئيس الأميركي بالتحرّك العسكري، فكان جواب العراق بأنّ «المنطقة ستشتعل وسيحترق الأخضر واليابس... وأن آبار النفط وإسرائيل ودول الخليج ستكون أهدافاً للعراق». هنا، وفي الكويت، انعدم الأمن وأصبح الكل ينتظر حلاً: «وإن كانت الحرب مقررة فلتحدث لأن الكويت لم يتبقَ منها الكثير». مع الفصل الخامس وشهر كانون الأول (ديسمبر)، سرعان ما أضحت القضية مرتبطة جذرياً بالموقف الأميركي مما يحدث. قال وزير الخارجية جيمس بيكر حينها: «لقد خوّل مجلس الأمن الدولي كافة الأعضاء استخدام القوة ضد العراق إذا لم ينسحب من الكويت قبل 15 يناير 1991. إنّ الانتظار [...] سيسمح لصدام حسين المواصلة في تشويه والقضاء على الكويت، وبناء ترسانة من الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والعمل على تطوير قدرته في صنع أسلحة ذرية».</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; text-justify: kashida; text-kashida: 0%; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">في الوقت نفسه، كانت صور صدام حسين منتشره في جداريات الشوارع مرة باللباس المعاصر ومرة باللباس العربي ومرة باللباس الكردي وأخرى باللباس العسكري، ولم تمر ساعة على الإذاعة أو التلفزيون من دون أن يُذكر اسمه. وعند الفصل السادس أي في كانون الثاني (يناير)، أيقن شمّوط والأكحل أنّ عليهما تحضير الملجأ: ماء وأغطية؛ وأنزلا اللوحات عن الجدران لحمايتها وتفقدا الدار والمزروعات. أعاد ذلك ذكريات اجتياح بيروت 1982: «الاتصالات فيما بين الأقارب والأصدقاء، وما يجري خلالها من أحاديث؛ كلها ذات علاقة بالحرب المحتمل وقوعها في أي لحظة. يسألوننا ماذا نفعل، على اعتبار أننا أصحاب خبرة سابقة في هذا المضمار. بيروت 1982 وما قبلها من أحداثٍ رهيبة مرت علينا أو على أحدٍ منا». واندلعت الحرب. أعلن الراديو العراقي أنّ «العدوان قد بدأ وأن طائرات العدو ضربت أحياء سكنية مدنية واستشهد 23 مدنياً و60 جريحاً». في هذا الوقت كانت محطة «سي أن أن» الأميركية تبث أخباراً مصوّرة عما يجري في المنطقة، من بينها أسرُ جنودٍ عراقيين. ردّ العراق يومها بقصف تل أبيب بعددٍ من صواريخ السكود السوفياتية التي كان يمتلكها، فأحدث «تدميراً في حيفا وتل أبيب»؛ وخلّفت المعركة «بحيرة نفطٍ عائمة في بحر الخليج تتجه نحو الشواطئ السعودية والعمانية».</span></p> <p> </p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; text-justify: kashida; text-kashida: 0%; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic','serif';">نُشر في جريدة الأخبار اللبنانية 3-6-2023</span></p>
اقرأ المقال
<p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">إنّها الساعة الحادية عشرة ليلا، أجلس خلف شاشة الكومبيوتر الذي رافقني بإخلاص خلال سنتَي دراسة الماجستير. تنقّل معي كثيراً بين مكتبي في ضاحية بيروت الجنوبية، وصفوف طلابي في الجامعة اللبنانية الدولية، وبين مقعد الدراسة في الجامعة الأمريكية في بيروت. بات معي ليلة حتى طلوع الصبح في مكتبة</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">Jafet” </span><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">“(نعمة يافث)، ونسيته مرة في مطعم الجواد، وتناسيته مراتٍ عديدة عند أهلي في مخيّم برج البراجنة حتى أبتعد عن مخطّط بحثي الذي عدّلته غير مرة. "نحن نثرثر كثيرا.. ومع ذلك نعجز عن وصف مشاعرنا كما يجب"، أومئ برأسي تأكيداً على كلام ماركيز، الكاتب الكولومبي الذي أعاد تذكيرنا بالواقع المدهش، لكنّنا غالباً ما نغفل عنه باحثين عن الخيال والموروثات والأساطير لنقصّ حكايات غريبة نفسّر بها ما نشهده في الحاضر. ها أنا أقرأ<span style="mso-spacerun: yes;"> </span>تفاصيل اليوم الأخير من حصار<span style="mso-spacerun: yes;"> </span>مخيّم تل الزعتر، المدوّنة في مذكرات الدكتور يوسف عراقي[1]، وأسأل بعفوية: كيف خرج سالماً من كل هذا!</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">أستعير ذاكرة أمي، وأجد سؤالي ساذجاً لدرجة أنّي أحاول حذفه. أمي ناجية من مجزرة تل الزعتر. المجزرة التي ارتُكبَت في يومٍ مثل غد، لكن منذ ستةٍ وأربعين عاما. أمسكَ بذراعها أحد المسلّحين وطلب منها خلع أقراطها الذهبية، فلم تستعجل إعطاءه ما يريد؛ ليس شجاعة من طفلة في العاشرة من عمرها، إنّما لأنّ “الحلق” هدية من أبيها الذي حمل السلاح دفاعاً عن المخيّم. لم تره منذ أيام، وسمعتْ الموجودين في الساحة يقولون إنّ الفدائيين سيرحلون عن طريق الجبل، ومنهم من قال دون اعتبار (مراعاة) للأطفال: "رح يصفّوهن عن طريق الجبل". وما حاجة الإعتبار في مخيّم كان يشهد آلاف القذائف يوميا؟، ما نفع الإعتبار والكلام الموزون/الدبلوماسي الذي اكتسبته من نقاشات غرفة 203 في مبنى </span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">Nicely”</span><span style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;"> <span lang="AR-LB">“؟. حول طاولة عريضة يترأس طرفها أستاذ "بوريس"، كنّا نناقش مقالاً لإدوارد سعيد وفيلماً لبنانيا. يومها أبديتُ رأيي بـ"راديكالية</span></span><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-AE;">"</span><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;"> (حسب ما رآه معظم الحاضرين) في تعليقي على فكرة وجود أعمال أكاديمية/ثقافية مشتركة مع "إسرائيليين". رمقتْني زميلتي بأن أصحّح موقفي (أن أنهيَ النقاش بلا خسائر). لم أكن ألقي خطاب</span><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-AE;">ً</span><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">ا، ولم تكن مشاركتي أكثر من بضعة جمل وتعليقات، ولربما كنتُ غير قلقة حينها لأنّ المحاضر من مناصري القضية الفلسطينية.</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: center; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;" align="center"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">"منذ نيسان عام 1975، أُعلنت المعركة، وتحدّد الهدف: إزالة الوجود الفلسطيني من بيروت الشرقية."</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">أتذكّر الرجل من آل سالم، فقد ربطوه بين سيارتين، نصفه الأول رُبط بإحكامٍ في سيارة شاب مسلّحٍ يرتدي كنزة سوداء، أما النصف الآخر فبقي لوحده معلقاً في مؤخرة السيارة الثانية.. يخفق قلبي وأنا أتذكّر المشهد.. أي مشهد؟، كيف أسترجعه من ذاكرتي وأنا لم أكن قد وُلدتُ بعد؟[2] أجد لقطات نادرة من "تل الزعتر"، وأخرى مصوّرة مع ناجين من المجزرة في فيلم توثيقي[3] بالأبيض والأسود للمخرجَين الراحلَين مصطفى أبو علي وجان شمعون. نعم! حادثة بوسطة عين الرمانة التي راح ضحيتها ثلاثون شهيداً من الفلسطينيين واللبنانيين، من بينهم أحد أقرباء والدتي. منذ نيسان عام 1975، أُعلنت المعركة، وتحدّد الهدف: إزالة الوجود الفلسطيني من بيروت الشرقية. بدأ الهجوم على تجمّع يُدعى جسر الباشا، ثم مخيّم الضبية الذي كان يسكنه فلسطينيون مسيحيون.. "ممم"، إذاً لم تكن حرباً دينية/طائفية! ولكنّهم أقاموا حواجز وأمسكوا عند أحدها جدّي الذي عبر الخطوات الأولى مدعياً أنّه "طوني" إلى أن نادى عليه أحد العابرين بإسمه "فيصل". كان هذا جلّ ما جمعته جدتي من معلومات عن زوجها.. أو فقيدها. ليس ميتا، ما تزال تنتظر عودته حتى اللحظة، بعكس إبنة عمها وأخت زوجها، فتلك حكايتها كلها "صبر"! سحبوا ولدها من حضنها، وساقوا زوجها إلى حائط الملجأ.. أُنهي حكايتها هنا، فهي مذ حينها تبسم وتضحك وتُحدّث في أي شيء سوى "تل الزعتر".</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: center; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;" align="center"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">"لم يبقَ منهم أحد. قرر المسلّحون إخلاءَ سبيل الطبيبَين فقط، بينما أعدموا الطاقم التمريضي كله. أبكي مع الدكتور وأنا أفكر: من أين كل هذه الوحشية؟"</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">يتحدّث شاب عن مستشفى المخيّم أثناء الحصار، تدمع عيناه، إنّه الدكتور يوسف، عرفته من عينيه؛ ما زالتا دامعتَين حتى اليوم. يتحدّث إلى الكاميرا ويصف فيها كيف كانوا يسعفون الجرحى هو وزميله الدكتور عبد العزيز بالإضافة إلى عشرة ممرضين وممرضات.. يصمتُ كأنّ شيئاً يأكله من الداخل ثم يصف وجه "خالد" الممرض الذي كان يعمل معه.. لم يبقَ منهم أحد. قرر المسلّحون إخلاءَ سبيل الطبيبَين فقط، بينما أعدموا الطاقم التمريضي كله. أبكي مع الدكتور وأنا أفكر: من أين كل هذه الوحشية؟.</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">"وحوش".. كلمة سمعتها كثيراً على لسان أم عزيز، جارة جدتي، وهي تصف خاطفي أولادها الأربعة إثر مجزرة صبرا وشاتيلا. وتقول كذلك عن شارون.. وعن العصابات الصهيونية التي طردتها من دارها في عمقا. "وحوش".. هي الكلمة التي تمتمتُ بها بعفوية حين حدّثنا بوريس عن منظمات الـ[4] KKK</span><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;"> في بلاده. أعود للسؤال: من أين كل تلك الوحشية؟ فأتذكّر سليمان الحلبي، وجمجمته المحفوظة في الـ </span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">Palais de Chaillot</span><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;"><span style="mso-spacerun: yes;"> </span>في باريس.. ويضغط على ذاكرتي بحثٌ للكاتب منير العكش عن الفلسطينيين والهنود الحمر[5]. الهنود الحمر.. هناك كانت الوحشية.. أربعة قرون من المقاومة وكلام الزعيم "تكومسه": "ليس أمامنا سوى أن نقاوم أو ننتظر الإبادة". أبادوهم بوحشية كان أقلها مساعدات مرسلة إلى قبائل من السكان الأصليين، فيها ثياب وأغراض تحمل أمراضاً جلدية.</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">في الفيلم عينه، طفلة لا تتجاوز الستة أعوام تُدعى جورجيت، تجيب على الأسئلة بكلماتٍ أكبر من عمرها، وتصف ما حدث لأمها: "..أمي شحطوها على الأرض وقتلوها ورا الحيط".. سألتها الفتاة: "إنتِ وين كنتِ؟"، فأجابت: "مع أمي، ولما صرخت بدّي إمي، قالولي تعي نفرجيكي ياها ورا الحيط". "الحيط له آدان" تقول جدتي وهي تتحدّث بصوتٍ خفيض. لا تسمح لأحد بأن يتحدّث في السياسة.</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">فيلم وثائقي حول مذبحة تل الزعتر:<br></span><span style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;"><a href="https://youtu.be/Lb-bOrqvxK8"><span dir="LTR">https://youtu.be/Lb-bOrqvxK8</span></a></span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;"> </span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"> </p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">نُشر في موقع صمود، بِتاريخ 12 آب 2022</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif;"><a href="https://somoud.com.ps/2022/08/12/%d8%ab%d8%b1%d8%ab%d8%b1%d8%a9-%d9%82%d8%a8%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ac%d8%b2%d8%b1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%b0%d9%83%d8%b1%d9%89-%d8%aa%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b2%d8%b9%d8%aa%d8%b1/?fbclid=IwAR2JZLyih729Gd4-kk2MqBuUSRtzJJ1ciWFVzert3s_egMNGvhGEtFFCN1A"><span lang="AR-SA">صمود - ثرثرة قبل المجزرة: في ذكرى </span><span dir="LTR">"</span><span lang="AR-SA">تل الزعتر</span><span dir="LTR">" - </span><span lang="AR-SA">صمود</span><span dir="LTR"> (somoud.com.ps)</span></a></span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;"><span style="font-size: 14pt;">[1]<span style="mso-spacerun: yes;"> </span>طبيبٌ عمل في مستشفى تل الزعتر مع زميله د. عبد العزيز اللبدي ودوّن مذكراته "يوميات طبيب في تل الزعتر" (الطبعة الثالثة صدرت في حيفا، 2016) عن الحصار وإسعاف الجرحى ووضع المخيم والمجزرة.</span></span></p> <p><span style="font-size: 14pt;"> </span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span style="font-size: 14pt;"><span lang="AR-LB" style="line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic, serif; color: #767171;">[2]<span style="mso-spacerun: yes;"> </span>حسب نظرية "ما بعد الذاكرة" للباحثة والأكاديمية في جامعة كولومبيا ماريان هيرش، هي العلاقة التي تحملها الأجيال اللاحقة تجاه ذكريات الناجين من صدمات جماعية كالمجازر والحروب.</span></span></p> <p><span style="font-size: 14pt;"> </span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span style="font-size: 14pt;"><span lang="AR-LB" style="line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic, serif; color: #767171;">[3] إنتاج مؤسسة السينما الفلسطينية ويونيتيل فيلم.</span></span></p> <p><span style="font-size: 14pt;"> </span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span style="font-size: 14pt;"><span lang="AR-LB" style="line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic, serif; color: #767171;">[4] منظمات "كو كلوكس كلان" التي تؤمن بتفوق العرق الأبيض، نشأت في أميركا وكانت تقوم بتعذيب وإعدام ذوي البشرة السوداء من أصل أفريقي.</span></span></p> <p><span style="font-size: 14pt;"> </span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span style="font-size: 14pt;"><span lang="AR-LB" style="line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic, serif; color: #767171;">[5]<span style="mso-spacerun: yes;"> </span>كتاب "دولة فلسطينية للهنود الحمر"، إصدار دار رياض الريس، 2015</span></span></p> <p><span style="font-size: 14pt;"> </span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 14pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic, serif; color: #767171;"> </span></p>
اقرأ المقال
<p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-size: 16pt; font-family: ' simplified'; color: #7e8c8d;">يحظى مسلسل «مايك» ( 2022 ــــ إنتاج شركة «هولو») الذي يروي حكاية الملاكم الأميركي الأكثر شهرةً مايك تايسون (1966)، بكل شيءٍ تقريباً. إنها قصّةٌ تروي النجاح والفشل في آنٍ معاً، وحشٌ ورجلٌ في جسدٍ واحد، مجرمٌ وملاك تائبٌ في حكاية، وبالتأكيد أصغر بطلٍ للوزن الثقيل في تاريخ الملاكمة. المسلسل الذي يأتي في ثمان حلقاتٍ، المقتبس عن سيرة غير رسمية لحياة تايسون، رُفِضَ من قبل تايسون الذي اعتبر أنّه لا يمثّله وهاجم «هولو» مراراً لأنّهم قاموا بإنتاجه.</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-size: 16pt; font-family: ' simplified'; color: #7e8c8d;">ربما قُدمت العديد من الأعمال الأدبية والفنية التي تناولت سيرة تايسون، لكن ميزة هذا العمل أنّه يغوص، للمرة الأولى، في طفولة الفتى الذي سيتحوّل بعد سنواتٍ قليلة إلى أعظم «مقاتلٍ» في تاريخ عالم الملاكمة. «لقد كان وحشاً كاسراً» هكذا عنونت إحدى المجلات يوماً وهي تروي عراكاً شارك فيه تايسون بمواجهة مجموعة من «حراس أحد الأوتيلات»، فـ «ضربهم جميعاً». يومها، أعلن القاضي أنَّ «يدا تايسون سلاحٌ فتاك» ولا يجدر به إشهارهما في العلن أو استعمالهما في شجارٍ «محلي».</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-size: 16pt; font-family: ' simplified'; color: #7e8c8d;">المسلسل الذي كتبه الأميركي ستيفن روجرز، (يذكره الجمهور مع فيلمه المشهور «أنا تونيا»/ 2017 عن حياة الراقصة على الجليد تونيا هاردينغ)، يستخدم تقنياً «الرابط». ويكون الرابط بين الحلقات، وبين المُشَاهد، هو العرض الحي والفردي (one man show) الذي قام به تايسون على «مسرح برودواي» لرواية قصّة حياته وأسماه Mike Tyson: Undisputed Truth في العشرية الأولى من القرن الحالي.</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-size: 16pt; font-family: ' simplified'; color: #7e8c8d;">يستخدم روجرز هذه التقنية لربط المشاهد والتفاصيل. منذ الحلقة الأولى التي عنونت بتسمية «لص»، نفهم أننا نتحدّث عن شخصية مختلفة. ولكون العنوان مباشراً فعلاً، نجد أننا أمام تايسون الذي يبهر الممثل تريفانتي رودز بلعب شخصية تايسون كما لو أنه فعلياً هو. يظهر روجرز خوف تايسون أثناء أدائه العرض الحي. إنه خائفٌ من نفسه، ومن الجمهور، لكنه مع هذا يضحك بسخرية، حتى ضحكاته تبدو خائفة ومرتجفة ذات لونٍ قاتم. يروي حينما كان طفلاً خائفاً يريد ضربه الجميع: لقد كان طفلاً ممتلئاً، وهذا ما يجعل الآخرين يرغبون بضربه حتى من دون أي سبب. إننا أمام طفلٍ خائف، لا تحبه أمّه (أوليانيك أديلي). هو يشير إلى ذلك، كما إلى علاقة أمه لورنا ماي الملتبسة مع «من يعتقد بأنه والده» ثم طردهما إلى الشارع، واضطرار والدته لإعالته هو وإخوته ولو بطرقٍ ملتوية، جعلت الصبي لا يعيش حياةً عادية، أو ينشأ ضمن أسرةٍ طبيعية. مع تقدّم الحلقات، نضحي أمام فتى يريد بكل الطرق أن يجد مكانه في هذه الحياة: وبطبيعة الأمر، فإن الطريق الوحيد أمامه هو الإجرام: لقد أضحى مجرماً، لصاً، وحتى enforcer يستخدمه بقية الفتية لضرب آخرين. هذه الحياة المجنونة والخطرة، سرعان ما ستدخله ليس إلى إصلاحيةٍ فحسب، بل إلى جميع الإصلاحيات في المنطقة. يشير تايسون إلى أنها أضحت «بيته الثاني». كل هذا سيتغير حينما سيكتشف في الـ 13 من عمره رياضة الملاكمة، التي ستفتح عينيه كما حياته على عالمٍ آخر. عالم مليء بالأمل، والحلم بحياةٍ مختلفة. هنا يظهر كاس ديماتو الذي يلعب دوره بكل مهارة هارفي كايتل. إنه الأب الذي كان يحلم به مايك، والمدرب الذي يحتاجه، والعائلة التي لطالما اعتقد أنها لن تكون له. ديماتو المدرّب الفذ والأسطوري لبطلي العالم في الملاكمة، يتبنّى ديماتو تايسون بشكلٍ عملاني وفعلي، ويصبح مدربه ووالده بالتبني، ومثله الأعلى. يحدد له طريقه حتى وهو لا يزال في الرابعة عشر من عمره: أولمبياد الشباب، ثم الألعاب الأولمبية، ثم الاحتراف في الثامنة عشر، ومن ثم بطولة العالم سريعاً. هذا الطريق سار عليه تايسون بشكلٍ حرفي، على الرغم من رحيل ديماتو بعد صراعٍ مع مرضٍ عضال. في الوقت عينه، يمرر المسلسل علاقات تايسون النسائية، خصوصاً مع زوجته الممثلة روبن غيفنز (لورا هارير) التي يصوّرها المسلسل على أنّها «وجهٌ جميل لكن متسلقة وخبيثة». درّب ديماتو تايسون كملاكم، لكنه كشاب مراهق لم يتم تربيته أبداً، لقد أثّرت حياة الإجرام والسجون والإصلاحيات عليه، فلم يترب على عيش علاقاتٍ طبيعية. «لقد كنتُ خائفاً، لذلك أُبعد الناس عني» يقول بشكلٍ مباشر، وهذا أثّر على حياته الطبيعية، «لم أكن أعرف كيف أتحدث مع الفتيات». يتفاقم هذا الأمر مع قضية ديزيريه واشنطن (لي ايبانكس) إحدى مرشحات ملكة الجمال التي اتهمت تايسون باغتصابها، وأثبتت محكمة أميركيةٌ حدوثه.</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"> </p> <p style="text-align: center; line-height: 2;"><span style="font-size: 16pt; font-family: ' simplified'; color: #7e8c8d;"><strong>هاجم الملاكم الأميركي الشهير المسلسل المقتبس عن سيرة غير رسمية</strong></span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"> </p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-size: 16pt; font-family: ' simplified'; color: #7e8c8d;">ولا ينسى المسلسل تناول العلاقة الملتبسة التي جمعت بين الملاكم الشهير وبين متعهد الملاكمة المعروف دون كينغ (راسل هورنسبي) الذي أثر كثيراً عليه، بدءاً من علاقته بزوجته وصولاً إلى تفاصيل حياته الأخرى.</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-size: 16pt; font-family: ' simplified'; color: #7e8c8d;">أدائياً، تحتاج مسألة تأدية دور مثل تايسون إلى جهدٍ كبير، لأسباب كثيرة أبرزها أن تايسون لا يزال حياً، ومشهوراً للغاية، ويظهر على مختلف وسائل الإعلام الكلاسيكية والحديثة. ثانياً، تمت تأدية شخصيته مراراً في أعمال كثيرة، من هنا كان تريفانتي رودز أمام تحدٍ كبيرٍ: تطوير جسده ليشابه جسد مايك في تلك الحقبة، والتحدث بلثغة مايك الشهيرة، فضلاً عن ضبط ضحكته وصوته ليشابها ما لدى الشخصية الأصلية. ومن المتوقع أن يضع هذا الجهد الشاق، رودز على قائمة المرشحين لجائزة أفضل ممثل في دور رئيس في جوائز الـ «إيمي» المقبلة. تقنياً بذل المخرج جهداً كبيراً في خلق جو سيرة مختلف حول حياة تايسون. إحدى أبرز التقنيات التي يستخدمها العمل هو «كسر البعد الرابع»، حيث نجد تايسون يقاطع المشاهد ويتحدّث إلى المشاهدين وإلى الكاميرا، ونجده مثلاً يظهر بعمره الحالي في فلاشباكاته الزمانية وهو حدثٌ أو طفلٌ في تعليق ما. مثلاً حين يسرق تايسون الطفل شيئاً ما، نجد تايسون الكبير يحدثنا عن حقيقة مشاعره، وحقيقة ما حدث. في الوقت نفسه، تظهر حرفة الإخراج من خلال مشاهد قوية مثل تلك التي نرى فيها الكاميرا تتحرّك بشكلٍ دائري، فيما يسقط أعداء تايسون الواحد تلو الآخر حوله راسمين دائرةً. يتأثر العمل بأعمال سكورسيزي كثيراً، فنجد مشاهد مشابهة لتلك من فيلم «كازينو».</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-size: 16pt; font-family: ' simplified'; color: #7e8c8d;">إشكالية المسلسل الوحيدة وربما الكبيرة، أنه لا يختار جهةً ليحدد المشاهد ما إذا كان عليه أن يقف خلف مايك ويؤيده ويدعمه، أم أن عليه أن يراه «شريراً». قد يجد بعضهم هذا أمراً جيداً، ويكسب المسلسل قوةً لناحية «عدالته» في تصوير الشخصية الرئيسية. في كل الأحوال، سواء أحببت مايك تايسون أو كرهته، فإنه في النهاية شخصيةٌ تمتلك الكثير لتقوله.</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"> </p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-size: 16pt; font-family: ' simplified'; color: #7e8c8d;">* «مايك» على «هولو»</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"> </p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"> </p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-size: 14pt; font-family: ' simplified'; color: #7e8c8d;"><span style="color: #7e8c8d; font-family: simplified;"><span style="font-size: 14pt;">نُشر في صحيفة الأخبار اللبنانية بِتاريخ 23 أيلول 2022</span></span><br><span style="color: #7e8c8d; font-family: simplified;"><span style="font-size: 18.6667px;"><a href="https://al-akhbar.com/Media_Tv/345692">https://al-akhbar.com/Media_Tv/345692</a></span></span></span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"> </p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"> </p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"> </p>
اقرأ المقال
<p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-size: 16pt; font-family: ' simplified'; color: #7e8c8d;">على الرغم من المحاولات الحثيثة لإنتاج الثقافة في لبنان، إلا أنَّ الأزمة الاقتصادية والمعيشية لا تزال تضرب المجتمع بعنف، جاعلةً الثقافة عنصراً من «الكماليّات». مع ذلك، تظل بعض التجارب تطل بين الفينة والأخرى ضمن بيروت. أحد هذه الأنشطة التي ستُقام في العاصمة، هو محاولة «تلطيفية تجميعية» يقوم بها الباحث والكاتب نصري الصايغ الذي كان مقرراً أن يعقد اليوم لقاء يقدّم فيه بعض كتبه لـ «أصدقائه ورفاقه، كما للراغبين بها» وفق ما جاء في نصّ الدعوة. إلا أنّ اللقاء تأجّل في اللحظات الأخيرة إلى موعد يحدد لاحقاً.</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-size: 16pt; font-family: ' simplified'; color: #7e8c8d;">«قلت إنّنا يجب أن نلتقي فقط. أن نجلس كما كنا نجلس سابقاً، أن نتحادث ونتسامر، كما هي فرصة لتقديم كتبي الأربعة الأخيرة». يقول لنا صاحب «الخراب: يوميات شارع في بيروت»، قبل أن يضيف بأنّها «محاولة لجعل الكتاب متداولاً بين القرّاء، هذا أولاً. ثانياً إن الأزمة المالية جعلت الكتاب من فئة الكماليات، وهذا أسوأ ما تُصاب به الشعوب عندما يصبح الكتاب والمعرفة في آخر برنامج حياتهم. كانت الجامعات في السابق تعتمد على ما يقدّم من محاضرات في فروعها، وما يُصار من نقاشات لاحقاً بداخلها. أي أن الحياة الثقافية كانت حياةً في الجامعة وفي الجريدة، والشارع، ودور النشر. حالياً كل هذا تغيّر وتضاءل، وصار الخوف عليه أن ينعدم تماماً. الخوف بأن تصبح القراءة والكتابة من المشكلات؛ لا جزءاً من الحوار. اليوم الجامعات لديها مشكلات، والمشكلات تعني في النهاية أن الإنسان يعيد ترتيب أولوياته بحيث تصبح الأولوية بحسب الحاجة: يريد أن يأكل، أن يشرب، أن يذهب إلى المستشفى، أن يحصل على «دولار»».</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-size: 16pt; font-family: ' simplified'; color: #7e8c8d;">يعترف صاحب «محمد: السيرة السياسية» بأننا أمام أزمة ثقافة حقيقية تضرب المجتمعات العربية بعمق: «نحن الآن في القعر. بيروت كانت تسمّى في الستينيات والسبعينات من القرن الماضي عاصمة الكتاب العربي، ومطبعة العرب، وكانت تقرأ لكتّاب من المغرب وصولاً إلى اليمن. كانوا كلهم على حدٍ سواء، لديهم مكانٌ في بيروت. كانت بيروت موزّعة على هذه القارة العربية من المشرق إلى المغرب. اليوم لم نعد نسمع شيئاً. إلا قليلاً ونادراً عن مصر، وهي منتجة للكتاب العربي، فالمسائل المادية والمعيشية والاقتصادية هي الأساس اليوم. من هنا أصبحت الثقافة اليوم ثقافة طوائف وأنظمة لا ثقافة إبداع ومعرفة وحرية وفكر».</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-size: 16pt; font-family: ' simplified'; color: #7e8c8d;">ماذا عن الكتب الأربعة التي تحضر في اللقاء؟ يجيبنا: «في حياتي أنجزتُ حوالى أربعة وعشرين كتاباً. الأعمال الأربعة الأخيرة لم أتابعها أو أسأل عنها، كنتُ منعزلاً في قريتي في مشغرة (البقاع اللبناني). أما الأسباب فكانت أولاً كورونا، ثم الانفجار الكبير في مرفأ بيروت، وثالثاً كانت لدينا في العائلة بعض الظروف الخاصة. هذا الانقطاع عن كل الأصدقاء جعلني أرغب في العودة والالتقاء مع هؤلاء الأصدقاء لتقديم هذه الكتب من جديد». ويكمل: «الكتاب الأوّل هو مسرحية بعنوان «خلص» عن مشهد حقيقي حصل في إحدى الدول العربية. يومها، اتصل بي الكاتب المصري الكبير جميل مطر وأخبرني بأنه وُجِدَ في أحد السجون العربية مساجين أربعة، أحدهم يرتدي سروالاً داخلياً قصيراً، فيما الباقون كانوا عراة. أجبته فوراً بأنّ ذلك سيكون موضوع مسرحيتي. لذلك قمت بكتابة مسرحية حول هؤلاء الأربعة الحقيقيين الذين كانوا في السجن والصراع الذي دار بينهم، بحيث كان هذا الصراع وجودياً عنوانه «الكيلوت». أما الكتاب الثاني فهو «دفاعاً عن الخطأ والخطيئة» انطلاقاً من أن الحقائق ليست موجودة إلا في الكتب، لا في الحياة، والدليل على ذلك أن النص الإنجيلي ليس موجوداً في الحياة، والمسيح هو ليس المسيحيين، والمسيحيون ليسوا المسيح. الإسلام في نصه التأسيسي ليس المسلمون.</span></p> <p style="line-height: 2; text-align: center;"><span style="font-size: 16pt; font-family: ' simplified'; color: #7e8c8d;">الخوف بأن تصبح القراءة والكتابة من المشكلات؛ لا جزءاً من الحوار (ن. ص)</span></p> <p style="line-height: 2; text-align: center;"> </p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-size: 16pt; font-family: ' simplified'; color: #7e8c8d;">الحقيقة الناصعة الوحيدة موجودة في الكتاب، وهذا ليس حصراً على الدين، بل على الأفكار كالماركسية مثلاً، أينها؟ هل انتصرت الماركسية؟ لم تنتصر، انتصرت البلشفية. نحنُ نعيش في الخطأ، وندافع عن هذه الأخطاء. الكتاب الثالث هو «أريد حذاءً لروحي»، وهو عن الفجيعة التي حدثت في مرفأ بيروت، أنا أصبت بالصمت، لأنني لم أستطع الخروج من هذا الواقع إلا بكتابة انهياراتي. كتبت ما لم يكتب عادةً في مثل هذه الأحداث. كتبت عن الانهيار والصراع، الغبار، الحجارة، عن كل ما يمكن أن نسميه لا معقول، لأن الذي حصل كان فعلاً كذلك. الكتاب الرابع هو كتاب مطبوع للمرة الثالثة مع النسخة الفرنسية «الخراب: يوميات شارع في بيروت». هذا الكتاب أعدت طباعته مع النص الفرنسي، ذلك أنه مفقود، خاصة أن ابني نصري هو الذي أشرف على النسخة الفرنسية». ولا ينسى أن يشير إلى كتاب «محمد: السيرة الذاتية» الذي سيقدمه هو الآخر ضمن الكتب المهداة/ المقدّمة في طبعته الجديدة.</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-size: 16pt; font-family: ' simplified'; color: #7e8c8d;">أخيراً، لماذا يصر على أن تكون هذه الكتب «تقدمة؟ يردّ برحابة صدر: «أنا أحب هؤلاء الناس، هم أصدقائي، فأنا أريد أن أعطيهم كتبي بلا مقابل، دعنا نذهب إلى الفكرة والثقافة والموسيقى».</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"> </p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"> </p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-size: 14pt; font-family: ' simplified'; color: #7e8c8d;">نُشر في صحيفة الأخبار اللبنانية بتاريخ 4 تشرين الثاني 2022</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-size: 14pt;"><span style="color: #7e8c8d; font-family: simplified;"><a href="https://al-akhbar.com/Literature_Arts/348522">https://al-akhbar.com/Literature_Arts/348522</a></span></span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"> </p>
اقرأ المقال
<p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-family: ' simplified'; font-size: 16pt; color: #7e8c8d;">في مسرحية "تامبورلاين العظيم"(1590) للمسرحي البريطاني كريستوفر مارلو(1564-1593)، يتحدّث بطل المسرحية المأخوذ عن شخصية "تيمورلنك" المغولي لإحدى مربياته: "من الواجب يا أماه أن نقتل، ومن الواجب يا أماه أن يموتوا". لتسأله بشكل مباشر وهي تحيك شيئاً في يديها: "لكن ألن يكون لهم رأي". فيجيبها بذات الاندفاع: "هذا هو دورهم في هذه الدائرة يا أمّاه".<br><br></span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="color: #7e8c8d;"><strong><span style="font-family: ' simplified'; font-size: 16pt;">قانون شو يما؟</span></strong></span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-family: ' simplified'; font-size: 16pt; color: #7e8c8d;">قالها عابد وهو يحرّك يده بغضب، وصوته يتأرجح بين السخط والانفعال. "هدول ما بنفرق معهن؛ احنا كفلسطينية ما إلنا حدا".</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-family: ' simplified'; font-size: 16pt; color: #7e8c8d;">عدّلت أم سليم جلستها، ونظرت صوب ابنها ذو الأربع والأربعين عاماً، مرتدياً فانيلةً بيضاء في جو بيروت الخانق.</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-family: ' simplified'; font-size: 16pt; color: #7e8c8d;">يما هدول قتلوا أبوي وإخوتي وجدّي ونايلة ووائل وقطعوهن، يما قطعوهن. وبيطلع هادا السفيه الشاعر هادا ابو شعر زي انشتاين يقلهن برافو عيلي عملوه ولادنا.</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-family: ' simplified'; font-size: 16pt; color: #7e8c8d;">نطق الجملة الأخيرة مفخّماً صوته، مقلّداً الشاعر سعيد عقل متقصداً أن يحرك يديه على طريقة الشاعر اللبناني اليمني الذي تبنّى ما فعله القتلة الذي نفذوا مجزرة صبرا وشاتيلا في العام 1982.</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-family: ' simplified'; font-size: 16pt; color: #7e8c8d;">يما بتضلك تقوليلي العدل والانصاف. يما لأ ما في عدل ولا انصاف. يما شوفي فاتوا على المخيم، قتلوا الناس كلهن. دبحوهن يما. دبحوهن.</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-family: ' simplified'; font-size: 16pt; color: #7e8c8d;">بدا عابد صارخاً أكثر من اللازم. حاولت أم سليم تهدئته؛ لكنه لم يتوقّف.</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-family: ' simplified'; font-size: 16pt; color: #7e8c8d;">يما ما بدي أسكت. لما تقوليلي عدل وإنصاف، هادا مين بيعمله؟ مين اللي بده يعمله؟ الأوروبي وجمعياته؟ ولا لبنان؟ ما هو إذا نص اللبنانية بيقولوا إنه اللي صار صار، ومسامحين وخلص لفلفوا هالقضية وتسكرت. محكمة؟ ومحاكمة؟ وينهن. يما المسكين والفقير اللي متلنا ما إله حق ولا حقوق.</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-family: ' simplified'; font-size: 16pt; color: #7e8c8d;">عموماً يتسم القتل الثأري بأنه قتل عن قرب، بحيث تتماس أجساد القتلة والمقتولين، ربما لأن هذا القتل ممتزج هنا بالكره الذي ينتقل بالقرب أو التماس. ثم لأن التمتع بمعاناة الضحايا تقتضي القرب.</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-family: ' simplified'; font-size: 16pt; color: #7e8c8d;">(من نص لياسين الحج صالح عن المجازر)</span></p> <p style="text-align: center; line-height: 2;"><span style="font-family: ' simplified'; font-size: 16pt; color: #7e8c8d;">***</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"> </p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-family: ' simplified'; font-size: 16pt; color: #7e8c8d;">لم يكن القاتل على عجلةٍ من أمره، فما ظهر على جثث الضحايا الفلسطينيين يبين أن السكاكين والهراوات والأسلحة البدائية استخدمت في المجزرة. وكان أفراد الميليشيات اللبنانية يدخلون المنازل منزلاً تلو الآخر. ويبحثون عن النساء، ليبقروا بطون الحوامل منهن، ويغتصبوا الفتيات. وكانوا يقيدون أيادي الرجال خلف ظهورهم بحبال، ثم يذبحونهم بالسيوف، لقطع أعناقهم وفصل رؤوسهم عن أجسادهم، أو طعنهم بالسكاكين والحراب، أو إطلاق النار عليهم، تسليةً وإضاعةً للوقت. وكانوا يقتلون الصغار خشية أن يصبحوا "مخربين" حين يكبرون.</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-family: ' simplified'; font-size: 16pt; color: #7e8c8d;">(من نص لمالك ونوس مؤرخاً مجزرة صبرا وشاتيلا)</span></p> <p style="text-align: center; line-height: 2;"><span style="font-family: ' simplified'; font-size: 16pt; color: #7e8c8d;">***</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-family: ' simplified'; font-size: 16pt; color: #7e8c8d;">يما شوفي امشي معي: يما فاتوا على المخيم. قتلونا، قطعونا. قالوا إنه احنا المشكلة. طيب وبعدين طلعنا مش المشكلة. إنه احنا قتلنا بشير الجميل. طيب هيك يعني. هي تهمة وانرمت. طيب اجت لجنة استقصاء دولية؟ محلية؟ لبنانية؟ لأ خلص اتسكر الموضوع. وبتيجي بتقوليلي رح يعطونا حقنا؟ حق شو؟</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"> </p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-family: ' simplified'; font-size: 16pt; color: #7e8c8d;">عابد، حاول استدراك ما يقوله. كان يصاب بهذه اللوثة الكلامية حال اقتراب الذكرى.</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-family: ' simplified'; font-size: 16pt; color: #7e8c8d;">يما شوفي. أنا مش زعلان من انه في لبنانية طبلوا على اللي صار. أنا زعلان من الباقيين. والله زعلان من قلبي. طيب يا أخي ما انت احسبها بالعقل: في حدا فات على بيتك. مش قتلك وبس. لأ ما بيكفي القتل. هو شنّع عليك. قطعك وعمل صلبان على جسمك. واغتصب أهلك وعمل اللي ما بينعمل. وعادي مرقت الخبرية تحت شو إنه ما انتوا قتلتونا مش عارف وين. يا عمي طيب اذا صار هيك هادا بيبرر؟ يعني ستة وستة مكرر؟</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-family: ' simplified'; font-size: 16pt; color: #7e8c8d;">أم سليم تريد ان تذهب إلى المطبخ، لكن كلام ولدها الوحيد المتبقي حياً يحفر عميقاً في الذاكرة. هي لا تريد هذه الذاكرة، هي ترى أن العدل والإنصاف سلاحها الوحيد الذي حملته منذ علٌّقت على الحائط صورة ضحايا المجزرة الأوائل.</span></p> <p style="text-align: center; line-height: 2;"><span style="font-family: ' simplified'; font-size: 16pt; color: #7e8c8d;">***</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-family: ' simplified'; font-size: 16pt; color: #7e8c8d;">حصلت المجزرة وكنت في شاتيلا. دخلت على ابن عمه لأبي "علي زيدان"، كنت ألعب شدّة واياه قبل يوم واحد تحت الدرج من قصف الطيران، وجدت رأسه منفصل عن جسده، لمّا رأيت هذا المنظر لم يبقَ في رأسي عقل! ولا إعلام ولا شيء. كانت لطفية صاحبتي تغلق فم ابنها حتى لا يتنفس، حتى لا يعرف أحد أن هناك أناس في الداخل، لمّا يعلموا بوجود بيت فيه ناس يخلعون الباب ويدخلون ويذبحونهم من في الداخل! رأيت حوالي سبع جثث فوق بعضهم غالبيتهم نساء، هؤلاء بيت "المقداد" كلهم نساء، لأني أنا التي هرّبتني من شاتيلا واحدة من بيت "المقداد"، حمّلتني ولد صغير وقالت لي: قولي هذا ابني. هرّبتني وقت المجزرة، نعم. بالليل أكثر يجزرون.</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-family: ' simplified'; font-size: 16pt; color: #7e8c8d;">(من شهادة عزبا حسين خضرا على المجزرة)</span></p> <p style="text-align: center; line-height: 2;"><span style="font-family: ' simplified'; font-size: 16pt; color: #7e8c8d;">***</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-family: ' simplified'; font-size: 16pt; color: #7e8c8d;">يما، أنا والله ما بدي منهن يعطوني حقي. أصلا كيف بيقدروا يعطوني حقي؟ أيا حق؟ اللي ماتوا؟ ما هن خلص اندفنوا بتربتهن. يما اندفنوا شقف، مش قطعة واحدة. حق دمهن اللي عالأرض؟ ماهو كمان هادا كيف ممكن ينصفوني؟ رح يقولولي إنه العدل والانصاف معناتو إنه يتحاكموا هدول المجرمين. طيب مين هن المجرمين؟ ما نصهن عملوا أفلام وفيديوهات. واعترفوا بالعلن: بيقولوا إنه صار الشي وخلص. لأ وأقولك شي: في منهن طلعوا يطلبوا انه نسامحهن. يا ويلي. نسامحهن. يا ويلي.</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-family: ' simplified'; font-size: 16pt; color: #7e8c8d;">عابد قام على رجليه، بدأ يتحرك جيئةً وذهاباً وهو يمسك بيسجارته البيضاء الرفيعة، لم تكن أم سليم تميز نوعها، لكن رائحتها القوية كانت لا تريحها.</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"> </p> <p style="text-align: center; line-height: 2;"><span style="color: #7e8c8d;"><strong><span style="font-family: ' simplified'; font-size: 16pt;">يما، أنا والله ما بدي منهن يعطوني حقي. أصلا كيف بيقدروا يعطوني حقي؟ أيا حق؟ اللي ماتوا؟</span></strong></span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"> </p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-family: ' simplified'; font-size: 16pt; color: #7e8c8d;">يما كيف حدا اله حق يسامح؟ أصلا انا صحيح ما متت بلحظتها لإنهن ما وصلولي، بس يعني ما مات كتير اشيا جويتي. يما أنا بشوف ابوي واخوتي كل يوم. بشوفهن بيصرخوا علي وفيي: إنه يا عابد ما بتستحي؟ والله يما أنا بستحي وكتير. طيب جرينا وترجينا وحكينا مع كل خلق الله إنه يا عمي هدول معترفين. بتعرفوا شو قالولنا: اصبروا. لأ ومين أكذب من هدول كلهن: تبعون الايمان: قال شو بكرا حقكوا بتوخدوه فوق. ما بدنا حقنا نوخده فوق. أنا بدي حقنا نوخده هون. متل ما قتلوا أهلنا. كمان هن يدفعوا التمن.</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"> </p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-family: ' simplified'; font-size: 14pt; color: #7e8c8d;">*الآريا في الأوبرا هي تعبير عن شعور الشخصيات وتوضح الذروة العاطفية في الدراما وهي أكثر تعبيرية وتنغيما وتحتاجٍ إلى صوتٍ قوي وموسيقى قوية.</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"> </p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-family: ' simplified'; font-size: 14pt; color: #7e8c8d;">نُشر في ملحق القوس الصادر عن صحيفة الأخبار اللبنانية، بِتاريخ 10 أيلول 2022.<br><a style="color: #7e8c8d;" href="https://www.alqaous.com/article/334">آريا* صبرا وشاتيلا | القوس (alqaous.com)</a><br></span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"> </p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"> </p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"> </p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"> </p>
اقرأ المقال
<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #595959; mso-themecolor: text1; mso-themetint: 166; mso-style-textfill-fill-color: #595959; mso-style-textfill-fill-themecolor: text1; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=65000 lumo=35000;">حيثما يطِل طيف العقيد السوري أديب الشيشكلي (1909-1964) الذي اغتيل في منفاه في البرازيل عام 1964، تتبادر معه صفات وأحداث تُلازم ذِكره؛ وإن كان بعضها خاطئاً أو منقوصاً. يسارع كثيرون ممّن تناولوا اسمه في أوراقهم إلى التطرق إلى أحداث السويداء التي كانت السبب في تنحّيه من منصبه، بوصفها أول حادثة عربية -في حينها- يُفتح فيها النار بوجه المدنيين وبأمرٍ مباشر من رئيس البلاد. يقترن اسم العقيد بمقابلات تفاوض مع الكيان الصهيوني استعداداً منه للسلام مع «إسرائيل»، في الوقت الذي يعرف عنه أنّه شارك في جيش الإنقاذ العربي. ولا يغيب عن الدراسات التاريخية التركيز على سياسة أديب الشيشكلي الداخلية بوصفه ديكتاتوراً فرض حلّ جميع الأحزاب في سوريا منها «حزب الشعب» و«الحزب الوطني»، ثم أنشأ حزبه الذي عُرف باسم «حركة التحرر العربي</span><span style="color: #595959; font-family: Simplified Arabic, serif; font-size: 21.3333px;">»</span><span style="color: #595959; font-family: Simplified Arabic, serif; font-size: 16pt;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #595959; mso-themecolor: text1; mso-themetint: 166; mso-style-textfill-fill-color: #595959; mso-style-textfill-fill-themecolor: text1; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=65000 lumo=35000;">إذاً هو شخصية إشكالية اشتهرت بلقب «رجل الانقلابات» لمشاركته في انقلابَين عسكريين قبل أن يقوم هو بتنفيذ انقلابه الأول عام 1949. لم يدوّن الشيشكلي سيرته الذاتية مثل معاصريه من رجال الدولة كأكرم الحوراني الذي كتب ما يقرب من 3600 صفحة على سبيل المثال. ولم يحفظها على شكل تسجيلات صوتية كما فعل حسني البرازي الذي حفظ مذكراته في سنوات منفاه لصالح مشروع التاريخ الشفهي في الجامعة الأميركية. من هنا جاء كتاب «أديب الشيشكلي- الحقيقة المغيّبة» (دار رياض الريس ـــ 2022) للمؤلفَين بسام برازي وسعد فنصة، ليلقي «المزيد من الضوء على هذه المرحلة، والتأريخ لهذه الشخصية التاريخية، بعقلٍ بارد، وموضوعية.. على ضوء الوثائق والشهادات والمراسلات التي أصبحت متاحة الآن بعد أن أفرجت عنها وزارات الخارجية في بعض الدول المعنية ورفعت عنها السرية» (ص10).</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #595959; mso-themecolor: text1; mso-themetint: 166; mso-style-textfill-fill-color: #595959; mso-style-textfill-fill-themecolor: text1; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=65000 lumo=35000;">يمتد الكتاب على 575 صفحة (من القطع المتوسط) ويتألف من خمسة وعشرين فصلاً، بالإضافة إلى ملحق الصور والوثائق الذي يعرض في ثلاثين صفحة صوراً بالأبيض والأسود، مع شخصيات عربية وأجنبية منها: الرئيس اللبناني بشارة الخوري، رئيس الوزراء سامي الصلح، الرئيس كميل شمعون، الأمير سعود بن عبد العزيز في زيارته إلى سوريا، ووزير الخارجية الأميركي جون فوستر دالاس في زيارته للقصر الرئاسي عام 1953. كما يضم هذا الجزء مذكرة محادثة بين الشيشكلي وفوستر (مستخرجة من وثائق الخارجية الأميركية)، ووثائق أخرى عن الخارجيتَين الفرنسية والبريطانية، وشهادات لشخصيات معروفة. بالطبع، هناك مجموعة من حوالى خمسين صورة موزعة بين الفصول، آخرها صورة عن رسالة الشيشكلي الأخيرة قبل خمسين يوماً من اغتياله وكان قد أرسلها إلى ابن شقيقته بسام برازي، أحد مؤلّفي هذا الكتاب. أما المؤلف الثاني الباحث السوري ــ الأميركي سعد فنصة، فهو ابن شقيق نذير فنصة (زوج شقيقة حسني الزعيم) الذي ساعده على الإطاحة بشكري القوتلي عام 1949؛ الانقلاب الأول في تاريخ سوريا الحديث. ينقسم الكتاب في مضمونه إلى أربعة أجزاء: الشيشكلي ودوره في حرب النكبة وما بعدها وموقفه من الكيان الصهيوني بعدما ترأس البلاد، الانقلابات العسكرية التي شارك فيها قبل أن ينفّذ انقلابه الأول، سياسات الشيشكلي الداخلية وإصلاحاته الاجتماعية والاقتصادية والزراعية والصناعية، ثم أحداث جبل العرب وتداعياتها واغتياله في منفاه</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #595959; mso-themecolor: text1; mso-themetint: 166; mso-style-textfill-fill-color: #595959; mso-style-textfill-fill-themecolor: text1; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=65000 lumo=35000;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #595959; mso-themecolor: text1; mso-themetint: 166; mso-style-textfill-fill-color: #595959; mso-style-textfill-fill-themecolor: text1; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=65000 lumo=35000;">يلحظ من النص انحياز مؤلفيه لصالح الشيشكلي في الحديث عن شخصه وتقديم مواقف ملتبسة مدعّمة بأجزاء من شهادات عدة؛ وإن حاول برازي إيضاح الفرق بين انحيازه له بحكم قرابته منه، وبين الشهادات التي نقلها «بأمانة ودقة وموضوعية». وليست هناك مشكلة في القرابة بل إنّها في كثير من الأحيان تغني البحث برسائل وصور وأحداث خاصة وعائلية قد تسهم في نقل صورة أوضح عن شخصية الشيشكلي، لكن الفكرة تكمن في اختيار الشهادات وطرح المصادر؛ بالأخص في ما يرتبط بعلاقة الشيشكلي بالكيان الصهيوني. يفرد الكاتبان ثلاثة فصول للحديث عن نشأة الشيشكلي في بيئة وطنية، وتطوعه في ثورة الـ 36، ثم في جيش الإنقاذ العربي قائداً لفوج اليرموك الثاني الذي دخل إلى الجليل واشتبك مع قوات البالماخ في معركة المالكية. يستشهد فنصة وبرازي بمقاطع من مذكرات أكرم الحوراني، ومدوّنات الطبيب والأديب عبد السلام العجيلي، لعرض معركة تحرير قلعة جدين الأثرية ولشرح كيف سقطت صفد بيد الصهاينة بعد أيام من صمودها وسيطرة العرب عليها. ثم يعود المؤلفان في الفصل السادس عشر لإيضاح علاقة الشيشكلي بـ«إسرائيل»، مستخدمين لقب «عدو إسرائيل رقم 1»، لتصدّيه لاختراقات الصهاينة ومضايقتهم عند الحدود السورية. وبالفعل، حين أمر بن غوريون بإخلاء قريتَي «كراد البقارة» و«كراد الغنامة» العربيتين في سهل الحولة وتدميرهما بالكامل، ردّ الشيشكلي باستهداف دورية شرطة إسرائيلية تلتها مناوشات بالاتجاهين. لكن التاريخ لا ينسى أنّ الشيشكلي في مواقف عدة كان على استعدادٍ للسلام مع العدو الإسرائيلي؛ وهو أمر يذكره الكاتبان مع تبريرات من نوع «الشيشكلي شخصية واقعية وبراغماتية»، و«كان يعرف أن هزيمة إسرائيل بالسلاح مستحيلة»، و«كان يود هزيمة إسرائيل بالاقتصاد». يعلّق الباحث السوري سامي مبيّض في وثائقي «أديب الشيشكلي... رجل الظلال» (إنتاج «الجزيرة» ـــــ 2022) على حادثة مفاوضات الشيشكلي مع مردخاي ماكليف، نائب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي بقوله: «كان لديه رغبة في توقيع سلام ينهي الحرب لكي تذهب ميزانية الدولة لصالح التعليم وليس لصالح المؤسسة العسكرية»، لكنه عاد إلى سياسة المواجهة وتهديد إسرائيل عند فشل هذا اللقاء</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #595959; mso-themecolor: text1; mso-themetint: 166; mso-style-textfill-fill-color: #595959; mso-style-textfill-fill-themecolor: text1; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=65000 lumo=35000;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #595959; mso-themecolor: text1; mso-themetint: 166; mso-style-textfill-fill-color: #595959; mso-style-textfill-fill-themecolor: text1; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=65000 lumo=35000;">تمتد الانقلابات العسكرية في الكتاب من الفصل الرابع إلى الثامن؛ وتبدأ مع الانقلاب الأول في سوريا الذي قاده حسني الزعيم في آذار (مارس) 1949 على الرئيس شكري القوتلي ورئيس الوزراء خالد العظم. ويعلّق الكاتبان على أن نتائج الانقلاب تشير إلى «فرضية وجود علاقة ما بالمخابرات الأميركية، فقد عقد هدنة مع إسرائيل، وقبل المساعدات الأميركية التي كان قد رفضها الرئيس السابق شكري القوتلي..». وهناك وثائق اتصالات سرية بين سوريا وإسرائيل تظهر أن السفير الفرنسي نقل إلى الزعيم «رسائل بن غوريون بضرورة عقد الهدنة التي وقعتها الدول العربية، ورفضت حكومة القوتلي توقيعها» (ص109). وكانت علاقته سيئة ببشارة الخوري ورياض الصلح اللذين كانا على علاقة جيدة بالقوتلي. استغلّ الزعيم مشكلة مؤسس «الحزب السوري القومي الاجتماعي» أنطون سعادة مع بشارة الخوري، وحاول دعمه متمنياً أن يقوم بانقلاب في لبنان. وحين صدر قرار الحكومة اللبنانية بإعدام سعادة، لجأ إلى الزعيم لكنّ الأخير نكث بوعوده وسلّمه إلى السلطات اللبنانية. سرّح حسني الزعيم أديب الشيشكلي من الجيش ووضعه تحت ما يشبه الإقامة الجبرية لأنه، حسب الكتاب، انتقد الزعيم على فعلته هذه. ومع أنّ الشيشكلي لم يقسم الولاء للحزب السوري القومي الاجتماعي (بخلاف أخيه صلاح الذي انضمّ للحزب في شبابه)، إلا أنّ مبيّض يروي قصة شائعة عن أنّ الشيشكلي ثأر لسعادة وعاد إلى جولييت المير (زوجة سعادة) حاملاً قميص حسني الزعيم الملطخ بالدماء. أدت هذه الأحداث إلى الانقلاب الثاني بقيادة سامي الحناوي الذي أعاد الشيشكلي إلى الجيش وعيّنه آمراً للواء الأول؛ وكان «هذا التعيين غلطة كبرى لقيادة الانقلاب الثاني الذي أطاح به الشيشكلي بعد أسابيع عدة» (ص119)، حسب مذكرات قائد الشرطة العسكرية محمد معروف</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #595959; mso-themecolor: text1; mso-themetint: 166; mso-style-textfill-fill-color: #595959; mso-style-textfill-fill-themecolor: text1; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=65000 lumo=35000;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #595959; mso-themecolor: text1; mso-themetint: 166; mso-style-textfill-fill-color: #595959; mso-style-textfill-fill-themecolor: text1; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=65000 lumo=35000;">حين تسلّم أديب الشيشكلي رئاسة البلاد، اهتمّ بتنمية اقتصاد سوريا، كما يظهر في فصول الكتاب الممتدة من التاسع إلى الثاني عشر، فقام بتجهيز الزراعة بالآلات الحديثة وتسيير قروض للفلاحين، واستصلاح أراضي الدولة المهملة وتنفيذ مشاريع ري واسعة. وأولى الصناعة اهتمامه، فأصدر إعفاءات ضريبية وجمركية لتشجيع المعامل الصناعية وحمى الإنتاج المحلي بتحديد نوع وكمية الاستيراد من الخارج. كما «عمد إلى تحرير السياسة النقدية من التبعية الفرنسية، وأسس في عهده مصرف سورية المركزي» (ص236). ولحماية الثقافة في سوريا، سعى لتطوير الإذاعة ومضاعفة نشاطها وإطلاق البث بأربع لغات. كما اهتم بالموسيقى والحفلات الرسمية وكان أول ظهور رسمي للمطربة فيروز في مناسبة عيد الجلاء عام 1952 غنّت بحضور الشيشكلي وفوزي سلو. وقامت في عهد الشيشكلي حملة للنهوض بالمتاحف و«إعادة ترميم الصروح الأثرية، منه مسرح تدمر الأثري، الذي ظل مختفياً تحت الرمال لمئات السنين» (ص269).</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #595959; mso-themecolor: text1; mso-themetint: 166; mso-style-textfill-fill-color: #595959; mso-style-textfill-fill-themecolor: text1; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=65000 lumo=35000;">لكن حكم الشيشكلي لم يدم بسبب أحداث السويداء التي أسفرت عن انقلاب عسكري جديد في عام 1954 لكن هذه المرة على الشيشكلي من قِبل الضابط البعثي مصطفى حمدون. يوضح الكاتبان في الفصول الـ 18، 19، و20 أنّ لتلك الحادثة جذوراً نمت قبل حركة التمرد بسنوات حين قال القوتلي إنّ الدروز «أقلية خطيرة»، فغضب منه سلطان باشا الأطرش وقطع اتصالاته معه</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #595959; mso-themecolor: text1; mso-themetint: 166; mso-style-textfill-fill-color: #595959; mso-style-textfill-fill-themecolor: text1; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=65000 lumo=35000;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed; text-align: center;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #595959; mso-themecolor: text1; mso-themetint: 166; mso-style-textfill-fill-color: #595959; mso-style-textfill-fill-themecolor: text1; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=65000 lumo=35000;">"</span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #595959; mso-themecolor: text1; mso-themetint: 166; mso-style-textfill-fill-color: #595959; mso-style-textfill-fill-themecolor: text1; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=65000 lumo=35000;">وثائق ومذكرات وصور تشكل مادة تاريخية دسمة</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #595959; mso-themecolor: text1; mso-themetint: 166; mso-style-textfill-fill-color: #595959; mso-style-textfill-fill-themecolor: text1; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=65000 lumo=35000;">"</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #595959; mso-themecolor: text1; mso-themetint: 166; mso-style-textfill-fill-color: #595959; mso-style-textfill-fill-themecolor: text1; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=65000 lumo=35000;">واعتبر الدروز «أن قوتهم وامتيازاتهم تقلّصت بشكلٍ مستمر على يد حكومة مركزية قومية تزداد قوة بشكل متزايد» (ص407)، وامتنعوا عن دعم الحكومة المركزية. وحين تجنّب الشيشكلي تسليم الدروز مناصب هامة في الدولة والجيش، حدث تمرّد في جبل العرب في الوقت الذي كان يتم فيه التخطيط لانقلاب على الرئيس. حاول الشيشكلي السيطرة عبر إرسال الجيش لإخماد التمرد، فحصل صِدام مع الأهالي أدى إلى سقوط قتلى من كلا الطرفين. على إثر تطور الأحداث، أعلن مصطفى حمدون التمرد وناشد الجيش عبر إذاعة حلب لدعم الانقلاب. ويعرض الفصلَان الأخيران من الكتاب كيفية تنحي الشيشكلي عن الحكم ونفيه خارج البلاد حتى استقرّ في البرازيل. وفي عام 1964، أطلق عليه نواف أبو غزالة الرصاص وفر هارباً إلى أن سلّم نفسه واعترف لاحقاً أنه فعل ذلك ثأراً لأحداث السويداء. تشير بعض الوثائق إلى أنّ التمرد والعصيان المسلح كان ممولاً من العراق (نوري السعيد)، كما يخلص برازي وفنصة (الذي يصرّح في مقابلة له على قناة «الحرة» بأنه يفخر بكونه مواطناً أميركياً!) إلى القول بأنّ حزب البعث هو الذي اغتاله</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #595959; mso-themecolor: text1; mso-themetint: 166; mso-style-textfill-fill-color: #595959; mso-style-textfill-fill-themecolor: text1; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=65000 lumo=35000;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #595959; mso-themecolor: text1; mso-themetint: 166; mso-style-textfill-fill-color: #595959; mso-style-textfill-fill-themecolor: text1; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=65000 lumo=35000;">في المحصّلة، يحمل الكتاب في طياته عدداً هاماً من الوثائق والمذكرات والصور التي تشكل مادة </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #595959; mso-themecolor: text1; mso-themetint: 166; mso-style-textfill-fill-color: #595959; mso-style-textfill-fill-themecolor: text1; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=65000 lumo=35000;">تاريخية دسمة لتدوين مراحل حياة أديب الشيشكلي. ولا شكّ في أنّ الشيشكلي شخصية كان لها في شبابها مواقف نضالية من بينها حادثة تهريب السجناء من مقاتلي ثورة رشيد عالي الكيلاني، نقلها المؤلفان عن نزار صائب: «الشيشكلي غامر خلال ثورة الكيلاني»، فحين جاءت أوامر عسكرية باعتقال وتسليم الشباب المنسحبين مع قوات المقاومة الشعبية إلى مدينة البوكمال، «أجبر سائقَي الباصين الوحيدين بين البوكمال ودير الزور على حمل الثوار الذين هم في عداد السجناء، وتهريبهم إلى مدنهم وقراهم» (ص36) وكان من بينهم أكرم الحوراني وجمال الأتاسي ونائب صيدا معروف سعد والشاعر سليمان العيسى. وانشقّ بعدها بسنوات عن «جيش الشرق</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #595959; mso-themecolor: text1; mso-themetint: 166; mso-style-textfill-fill-color: #595959; mso-style-textfill-fill-themecolor: text1; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=65000 lumo=35000;">» (Armée du Levant) </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #595959; mso-themecolor: text1; mso-themetint: 166; mso-style-textfill-fill-color: #595959; mso-style-textfill-fill-themecolor: text1; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=65000 lumo=35000;">خلال العدوان الفرنسي على مدينة دمشق. لكنّ وطنيته كانت تصبّ في مصلحة سوريا بمنأى عن القضية الفلسطينية؛ فكان مستعداً لعقد سلام مع الكيان الصهيوني مقابل أن يحصل على الدعم والفرصة لحكم سوريا كما أراد</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #595959; mso-themecolor: text1; mso-themetint: 166; mso-style-textfill-fill-color: #595959; mso-style-textfill-fill-themecolor: text1; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=65000 lumo=35000;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #595959; mso-themecolor: text1; mso-themetint: 166; mso-style-textfill-fill-color: #595959; mso-style-textfill-fill-themecolor: text1; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=65000 lumo=35000;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #595959; mso-themecolor: text1; mso-themetint: 166; mso-style-textfill-fill-color: #595959; mso-style-textfill-fill-themecolor: text1; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=65000 lumo=35000;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #595959; mso-themecolor: text1; mso-themetint: 166; mso-style-textfill-fill-color: #595959; mso-style-textfill-fill-themecolor: text1; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=65000 lumo=35000;">نُشر في صحيفة الأخبار اللبنانية بِتاريخ 13 آب 2022</span></p> <p class="MsoNormal" style="text-align: right; line-height: 200%;" align="right"><span style="font-size: 14pt; line-height: 200%; font-family: simplified;"><a href="https://al-akhbar.com/Kalimat/342979">https://al-akhbar.com/Kalimat/342979</a></span></p> <p class="MsoNormal" style="text-align: right; line-height: 200%;" align="right"> </p>
اقرأ المقال
<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic', serif; color: #767171;">لم يحظَ مسلسل بالاهتمام والضجة والتقدير بمقدار مسلسل «صراع العروش» (</span><span dir="LTR" style="font-size: 16pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic', serif; color: #767171;">Game of Thrones</span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic', serif; color: #767171;"> ــ عن رواية للكاتب الأميركي جورج. أر. أر مارتن) الذي أنتجه ديفيد بينيوف ودي. بي. وايس لمصلحة شبكة «أتش. بي. أو» الأميركية المعروفة. صُرفت ملايين الدولارات على المسلسل الذي استمر ثمانية مواسم استأثر فيها بأنظار ملايين المشاهدين، وحاصداً ملايين الدولارات من الأرباح في طريقه. وإذا كان ذلك غير كافٍ، يكفي فقط أن نشير إلى أنَّ معظم ممثلي المسلسل الذين لم يكونوا معروفين من قبل، تحوّلوا بين ليلةٍ وضحاها إلى نجوم يشار إليهم بالبنان؛ أمثال إميليا كلارك، لينا هيدي، بيتر دينكليج، نيكولاي كوستر والدو، كيت هارنغتون، صوفي تيرنر وسواهم.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">الصراع على «العرش الحديدي» يعود من جديد، وهذه المرّة عبر مسلسل «آل التنين» (</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">House of the Dragon</span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">)</span><span dir="LTR" lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">الذي يروي قصّة «تارغاريان»، آخر عائلةٍ تحكّمت بالتنانين، وتجري أحداثه قبل حوالي مئتي عام من ملحمة «صراع العروش» وأجزائها الثمانية.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">إنه عالم ويستروس الشهير، الذي تتصارع عليه العوائل الكبرى المسيطرة على الممالك السبع، وصولاً حتى «أرض الملوك» (</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">kings Landing</span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">)</span><span dir="LTR" lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">التي يحكمها ملك من عائلة تارغاريان، هو «فيسيريس» (بادي كونسيدين)، الذي يوصف بأنّه ملكٌ عادلٌ، محبٌّ ولطيف. ينتظر «فيسيريس» أن يُرزق وريثاً ذكراً من زوجته، إلا أنَّ ذلك لا يحصل، فزوجته الملكة «إيما» (سيان بروك) تموت وهي تحاول إنجاب ابنهما «بايلون». للملك «فيسيريس» فتاةٌ واحدة هي الأميرة «راينيرا» (تلعب دورها ميلي ألكوك كطفلة، وايمي دارسي كبالغة) سرعان ما يعيّنها وريثته الشرعية بديلةً عن شقيقه الأمير «دايمون» (مات سميث) ولي العهد السابق والأمير الشرس والقاسي، على الرغم من معارضة مجلس الممالك السبع. ذلك أنه ليس معتاداً أن تجلس امرأة على «العرش الحديدي». التغيير الكبير في وراثة العرش، كان سببَه خطأ جسيم وقع فيه الأمير «دايمون»، حين أشار إلى أنّ ابن شقيقه «بايلون» الذي توفي أثناء ولادته «وريثٌ ليومٍ واحد» وشرب نخباً لذلك. أمر اعتبره الملك إهانةً كبيرة له.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">كلا الأميرين ــ العم والابنة ـــ يستطيعان السيطرة على التنانين ويركبانها بسهولة للمعارك. لذلك هما يسمّيان بـ «فرسان التنين» (</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">dragon raiders</span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">)؛ وهذا يمنحهما ميزةً فوق غيرهما من أمراء الممالك الأخرى، وشخصياتها. وكعادة هذا المسلسل وقصته، فهو مليء بكل الصراعات التي تدور في الممالك الحقيقية ومراكز الحكم. إنه الحسد، والبغض، والطمع والرغبة بالحكم والحصول على القوّة التي تجعل الشخص قادراً على القيام بأي شيء بغية الجلوس على «الكرسي» وهنا في هذه الحال «العرش الحديدي». ولمن لا يعرفون هذا العرش، فإنّ مشهده وحده مهيبٌ للغاية، وهذا جزءٌ من قوة هذا العمل: إنه كرسيٌّ من المعدن صُهر من سيوف الأعداء الذين قتلهم الملوك الأوائل. إنه بمثابة عرشٍ من السيوف البارزة، وقد أضاف المسلسل إلى المشهد المهيب ذاك مزيداً من السيوف البارزة، فالعرش الذي جلس عليه لاحقاً الملك «باراثيون» ثم «فيسيريس تارغاريان» لم يكن بهذه التخمة من السيوف. يحكي المسلسل في حلقاته الأولى، الكثير من التفاصيل حول المملكة وكيف نشأت، والعلاقة بين آل تارغاريان والتنانين بشكلٍ عام، وكيف أنهم يسيطرون عليها ويقودونها في معاركهم، إذ تشير مقدمة المسلسل إلى أنَّ آل تارغاريان كانوا في عزّ قوتهم، ذلك أنّهم يمتلكون 8 تنانين ذات قوة هائلة.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">كعادة المسلسل، هناك جهدٌ كبيرٌ في تفاصيله: الجو العام شبيه جداً بأوروبا خلال ما سمّي بالعصور المظلمة (</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">dark ages</span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">):</span><span dir="LTR" lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">فقرٌ شديدٌ، لصوصية، مجرمون، وطبقة نبلاءٍ وحكّام لا يعرفون شيئاً عن الشعب ولا يهتمون البتة. يكفي مثلاً رؤية أحد المشاهد الذي يُظهر الأمير دايمون يطبّق «القانون» في الشوارع برفقة حراسه الذين يسمّون «العباءات الذهبية» <br>(</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">Gold Cloaks</span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">)</span><span dir="LTR" lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">بطريقةٍ أقل ما يقال عنها بأنّها وحشية: يمسك بالسارق وتقطع يده في الحال، ويمسك بالمغتصب وتقطع أعضاؤه في الحال، وهكذا. هذه الطريقة من العقاب كانت منتشرة بالفعل في أوروبا في تلك الأزمة، إذ اشتهر مثلاً الملك فلاد الثالث من «والشيان» في رومانيا بمعاقبة من يعتقد بأنّهم مجرمون بشكلٍ مباشر، وصولاً إلى إجلاسهم على ما يسمّى بالخازوق، مكتسباً اسماً هو «دراغول المخوزق» (</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">Vlad the Impaler</span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">).</span><span dir="LTR" lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">لاحقاً اقتبس عنه الكاتب البريطاني برام ستوكر شخصية مصاص الدماء الشهير «دراكولا». الجو العام في المسلسل، شبيهٌ بجو سلفه «صراع العروش»، مع إضافات تتمثل في العائلات السمراء ذات الأصول الأفريقية والشعر المصفّف على الطريقة الكاميرونية وإن حافظ على لونٍ أبيض. ظهرت شخصية «كورليس فيلاريون» التي أداها الممثل البريطاني من أصول بربادوسية ستيف توسانت، بجدائل رفيعة على الطريقة الكاميرونية.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: center; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;" align="center"><strong><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">"تجري أحداث «آل التنين» قبل مئتي عام من «صراع العروش» وأجزائه الثمانية"</span></strong></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">أحد أهم المشاهد في المسلسل الذي كان ينتظره عشاق السلسلة كثيراً، هو اللحظة التي دعا فيها الملك «فيسيريس» طفلته «راينيرا» ليخبرها بأنّه يريدها أن تصبح وريثته بديلاً عن عمّها. ميزة هذه اللحظة أنّها تظهر الجمجمة العملاقة للتنين الشهير ــ في الرواية ــ «باليريون» المرعب الذي عرف بـ «الرعب الأسود». وهو التنين الأكبر حجماً وضخامةً ذاك الذي قاده الملك ايغون الفاتح أحد أهم ملوك عائلة تارغاريان والملك الذي أخضع الممالك السبع لحكمه وحكم آل تارغاريان. كانت هذه عادة ملوك تارغاريان لدى اختيارهم خليفتهم: يدخلونهم إلى تلك الحجرة، وأمام «جمجمة» باليريون، يتم النقاش في هذه الفكرة لأهمية باليريون ووجوده وشخصيته ودوره في إرساء حكم آل تارغاريان، فهم في النهاية يوصفون بأنّهم «آل التنين». أحد المشاهد المرتقبة أيضاً، كان حين يخبر الملك فيسيريس ابنته بأنّ الملك «إيغون» قد شاهد نبوءة تقول بأنّ «عالم الرجال» سيواجه خطراً عظيماً يأتي من الشمال مع شتاءٍ لا ينتهي، في إشارة واضحة إلى قصّة «صراع العروش» لاحقاً. هذان المشهدان يثبتان أن المسلسل ليس موجهاً مئة بالمئة إلى مشاهدين جدد للسلسلة بمقدار اهتمامه بالمشاهدين «المخلصين» للسلسلة ككل: إذ لا يعرف كثيرون الإشارات الكثيرة والإيحاءات التي تمر في المسلسل، في إحالة إلى أحداث ستحصل لاحقاً شاهدوها ضمن «صراع العروش». كذلك، شاهد عشاق المسلسل الجملة الشهيرة «دراكاريس» التي تعني «أحرق» أو «نار» التي استخدمتها الملكة «ديناريس تارغاريان» الشهيرة بـ «أم التنانين» كثيراً في «صراع العروش»، ولكن هذه المرّة استخدمتها الأميرة «راينيرا» لتطلب من تنينها «سايراكس» إحراق جثمان والدتها الملكة إيما وشقيقها «بايلون» الذي توفي خلال الولادة.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">يعد المسلسل بالكثير، لا لعشّاق السلسلة فحسب. فالعمل الذي أعلنت </span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">HBO</span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> أنّ حلقته الأولى اجتذبت قرابة عشرة ملايين مشاهدة على شاشة التلفزيون وخدمة البث التدفّقي </span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">HBO Max</span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">، ما جعله أكبر جمهور لأي مسلسل من الأعمال الأصلية الجديدة في تاريخ الشركة، يقدّم قصةً ذات حبكة شديدة التعقيد، غير معتادة، مليئة بالتفاصيل والحكايات. في كل زاوية، هناك قصة جديدة، كل شخصية مرسومة بعمق شديد، تجعلها مليئة بالخير كما بالشر، لديها طموحاتها وأحلامها وكذلك عيوبها.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">*</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">House of the Dragon</span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">:</span><span dir="LTR" lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">كلّ أحد على </span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">HBO</span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> و</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">HBO Max</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">نُشر في صحيفة الأخبار اللبنانية بتاريخ 26 آب 2022<br></span><span style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"><a href="https://al-akhbar.com/Media_Tv/343808"><span dir="LTR">https://al-akhbar.com/Media_Tv/343808</span></a></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> </span></p>
اقرأ المقال
<p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-size: 16pt; font-family: ' simplified'; color: #7e8c8d;">في الدراما السورية، هناك شيءٌ يجعلها «ضرورية» للمشاهدة: العادية، البساطة، المباشرة، والصور المأخوذة من الواقع. يشرح بريخت «أبو المسرح الألماني» أنّ الدراما/المسرحية طالما أُخذت من الواقع اليومي بكل ما فيه من حياة، أضحت خبزاً ضرورياً للعيش، لا مجرد فنٍّ للفن أو ترفٍ لا حاجة إليه. الأمر نفسه وقف عنده «معلّم باهيا» الكاتب البرازيلي خورخي أمادو حين يشرح عن «تيريزا باتيستا» روايته الأثيرة: «إنها من الناس، والواقع الذي فيها يجعلها ضرورية كي يصبح القارئ جزءاً من مجتمعه».</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-size: 16pt; font-family: ' simplified'; color: #7e8c8d;">من هنا، يأتي فيلم «الإفطار الأخير» (إخراج وكتابة عبد اللطيف عبد الحميد ــــ إنتاج المؤسسة العامة للسينما) الذي يؤدي بطولته عبد المنعم عمايري، كندة حنّا، راما عيسى وكرم الشعراني. الفيلم الذي فاز بجائزة أفضل سيناريو في «مهرجان الإسكندرية السينمائي» بدورته الـ 37، يروي حكاية الخيّاط سامي (عبد المنعم عمايري) وزوجته رندة (كندة حنا) التي تخبره ذات صباح مليءٍ بالقذائف في سوريا، أنّ هذا «إفطارهما الأخير» معاً، وأنّها تشعر بأنها لن تعيش طويلاً «لأنّ القذائف كثيرةٌ هذا اليوم» على حد تعبيرها. سرعان ما يحدث ما تنبّأته رندة، لكن سامي الذي يشتغل في صناعة البزات لشخصيات سياسية وأمنية مهمة، يغرق في عمله، خصوصاً أنّ هؤلاء الأشخاص لا يراعون ظروف وفاة زوجته، إذ لم تكد ساعات تمضي على وفاته، حتى بدأوا بمطالبته بإحضار بزّاتهم. يظهر في الفيلم واقعٌ يعاش يومياً في دمشق، يذكّرنا بأفلام الحرب الأهلية اللبنانية، لناحية الحياة اليومية، إذ امتازت أفلام الحرب الأهلية اللبنانية بالخيلاء والدموية وتتبّع المقاتلين، فيما تروي معظم الأفلام السورية المقاربة للمرحلة، سلوكيات الناجين من الحرب، الجالسين تحت القصف في انتظار الموت. إنها الحياة اليومية التي يمارسها الناس ويعيشونها رغم كل شيء: القذائف، الموت اليومي، الإرهاب والقتل. إننا أمام قصة شبيهة بقصّة تشيخوف الشهيرة «الحوذي» الذي ماتت زوجته وبات يروي القصة لجميع من يعرفهم، لكنه لا يخرج من ظلّها أبداً. الزوجة (كندة حنا) تظهر له في جميع الزوايا والحالات، هو يراها ويتأثر برؤيتها، لا بل يخافها، وهذا ما يجعل القصّة مركبةً إلى حدٍّ كبير. يضاف إلى هذا نبيل (كرم الشعراني) صديق البطل، المثقف «الفقير». كرم الشعراني يشبه الجوكر لناحية مهارته الأدائية، وطبيعة الشخصية التي تكاد تكون مزيجاً من المتخيّل والمعتاد/ اليومي. نبيل يتحدّث «شعراً» غالبية الوقت، وهذا ما يخلق هامش نقاش بين «المتخيل» و«المحسوس». تصرّ الزوجة على أن يتزوّج سامي بفتاة معجبة به هي جمانة (راما عيسى) وسرعان ما يصبح ذلك جزءاً من القصة وواقعها.</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-size: 16pt; font-family: ' simplified'; color: #7e8c8d;">أدائياً، أثبت عمايري علو كعبه منذ سنوات من خلال أدوارٍ معقّدة وأخرى تحتاج إلى اتساع اجتماعي. هنا يظهر الكثير مما في جعبته من مهارات: يبدو حزيناً مكسوراً حال فقدانه زوجته، محطّماً مسحوقاً أمام الرجال الأقوياء -زبائنه النافذين- الذين يسلّمهم بزّاتهم؛ عشيقاً محباً وحتى زوجاً شغوفاً أمام زوجته. كندة حنا، تحاول كثيراً خلق أدائها الخاص، لكنها متأثرة كثيراً بما تؤديه كاريس بشّار. مثلاً، هي تشبهها في مشاهدها العاطفية. أما في مشاهدها «الأقوى»، فهي أقرب إلى نفسها. بدوره يبذل كرم الشعراني جهداً كبيراً في كل لحظةٍ يمر بها على الشاشة. إننا أمام ممثل جيد يستفيد من كل لحظاته ليجذب الكاميرا والاهتمام، وهذا يذكّرنا بالممثلين السوريين الماهرين. أما راما عيسى، فماهرة في دور «الفتاة المرغوبة/ المشتهاة».</span></p> <p style="line-height: 2; text-align: center;"><span style="font-size: 16pt; font-family: ' simplified'; color: #7e8c8d;">"يقدّم المخرج عبد اللطيف عبد الحميد لغة واقعية مباشرة"</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-size: 16pt; font-family: ' simplified'; color: #7e8c8d;">تمتلك عيسى مهارات تذكرنا بنجمات الجيل الذي يسبقها كسلافة معمار أو سلاف فواخرجي.<br></span><span style="font-size: 16pt; font-family: ' simplified'; color: #7e8c8d;">إخراجياً، يقدّم المخرج وكاتب العمل عبد اللطيف عبد الحميد (1954) لغة سينمائية واقعية مباشرة: الأبطال يمارسون حياتهم اليومية بشكلٍ عادي. ولا يتوانى عن إدخال لغة ساخرة، تجريبية، بسيطة ومعقّدة في آن، مشابهة للتجارب الروسية القديمة، خصوصاً أنه من خرّيجي موسكو. وقد شارك عبد الحميد في الفيلم بدور أبو يوسف المسنّ الذي يزوره سامي ليتحدّث معه عن رحيل زوجتيهما عن الحياة. هذه ليست المرة الأولى التي يظهر فيها عبد الحميد كممثل، إذ سبق أن شارك في عددٍ من أفلامه في أدوارٍ صغيرة.</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-size: 16pt; font-family: ' simplified'; color: #7e8c8d;">بقي أن نشير إلى أنَّ الفيلم حظي بضجة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، للأسباب الخطأ للأسف: إذ جمعت بين البطلين عمايري وحنا قبلة في مشهدين، خلقت ضجيجاً قد يكون ذا تأثير سلبي على الفيلم. ذلك أن هذا المشهد عرضي لا يؤثّر في سياق الفيلم نفسه. هل كان من الأفضل أن تحذف هذه المشاهد لصالح العمل وقوته، لا الضجة «الخاطئة» حوله؟ سؤال يُترك للمخرج وصنّاعه بالتأكيد.</span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"> </p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-size: 16pt; font-family: ' simplified'; color: #7e8c8d;"> </span></p> <p style="text-align: justify; line-height: 2;"><span style="font-size: 16pt; font-family: ' simplified'; color: #7e8c8d;"><span style="font-size: 14pt;"><span style="color: #7e8c8d; font-family: simplified;">نُشر في صحيفة الأخبار اللبنانية بِتاريخ 18 آب 2022</span></span><br><span style="font-size: 14pt;"><span style="color: #7e8c8d; font-family: simplified;">https://al-akhbar.com/Cinema/343253</span></span><br></span></p>
اقرأ المقال
<p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">لا شك أن الكتب والدراسات التي تتناول موضوع السجون في لبنان قليلة وغير متاحة للاطلاع عليها بسهولة، لما<span style="mso-spacerun: yes;"> </span>قد تحمله من حقائق صادمة ومخالفة للمعايير الدولية، خاصة في ما يتعلق بأوضاع المساجين. هذه الدراسات والأبحاث، إن وجدت، ترتكز في طرحها على سجن واحد كحالة دراسية، أو تقوم بتغطية إشكالية محدّدة في فضاء السجن مثل مظلومية المساجين، أو الوضع الصحي (أو النفسي) للمعتقلين، أو الإدارة والحراسة الأمنية. يأتي كتاب «ذاك المكان» (دار كتب للنشر 2015) للدكتور عمر نشابة، الأستاذ الأكاديمي المتخصص في العلوم الجنائية والقانوني الذي عمل في محكمة العدل الدولية، ليقدم دراسة علمية شاملة لثلاثة وعشرين سجناً للرجال والنساء في لبنان، قاربها بصورة تقاطعت فيها السياسة والإدارة والأمن والقضاء، كما حرص على أن يبقي بحثه المتخصص على درجة عالية من الانسانية.</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">قبل إهداء كتابه «إلى كل سجين في لبنان محروم من حقوقه الأساسية»، اختار نشابة أن يقتبس كلام نيلسون مانديلا: «يقال إن أحداً لن يعرف أمة حقاً حتى يدخل سجونها». هنا السؤال: لماذا سجونها مع أنّ الشائع هو مدارسها؟ وماذا يحمل وضع السجن من دلالات عن البلد الذي أنشأه ويديره؟</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">في كتابه «المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن (1975)»، يعرض الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو للتحول اللافت في عملية معاقبة المحكوم عليه من القرن السادس عشر إلى أواخر القرن الثامن عشر. فبعدما كان العقاب عبارة عن استعراض علني يجري أمام حشود من العامة لتعذيب الجسد عبر وسائل إجرامية مثل الاستعانة بجلاد والسحق والحرق وتقطيع أجزاء من الجسد، أصبح في مطلع القرن التاسع عشر حضارياً.</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">تعدّ ولادة السجن مرحلة تنويرية في تاريخ الشعوب. فقد أسقطت مهرجان التلذذ بألم المحكوم عليه والذي يهدف إلى إقصائه، وأبدلته بنظام يعزل المسجون ويبقيه تحت المراقبة بهدف اصلاحه وتقويم سلوكه وجعله «طيّعاً ومفيداً». فالجريمة تضرّ المجتمع بأكمله وليس فقط الجاني والمجني عليه، وبناءً على ذلك على السجن أن يكون جهازاً انضباطياً شاملاً يعزل السجين عن العالم الخارجي وعن كل ما دفعه لارتكاب جريمته. «السجن يتطلب أكثر بكثير من المدرسة» حسب فوكو، ففي السجن سلطة تفرض على السجين نمط سلوك جديد يضبط موقفه الأخلاقي ويعلّمه الانضباط، ويعزله عن المسببات التي أدت إلى ارتكابه الجريمة.</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">يحمل الكتاب (250 صفحة من القطع الكبير بطباعةٍ مميّزة) في طياته خمسة أجزاء أساسية، إضافة إلى مقدمة لوزير الداخلية والبلديات السابق زياد بارود، وملحق من 35 صفحة بالمرسوم رقم 14310 عن تنظيم السجون وأمكنة التوقيف ومعهد إصلاح الأحداث وتربيتهم. يمكن اعتبار الكتاب أشبه بدليلٍ صوري لما يتضمنه من صور بعدسة المصور هيثم الموسوي، تحتل حيزاً من كل فصل وتقول الكثير عن وضع سجون لبنان. يُلحظ في الكتاب تناغم عالٍ بين المادة البحثية التي يقدمها نشابة وبين الصور التي التقطها الموسوي وتتنوع بين الملونة والأبيض والأسود.</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">في مطلع الجزء الأول «أوضاع السجون في لبنان»، تمتد صورة عريضة بالأبيض والأسود على دفتي الكتاب، تشي بحالة السجون قبل عرض الحقائق والأرقام: عشرة مساجين ممددين على الأرض، على فرشات من الاسفنج الرقيق لا تتسع أجسادهم، في وسطهم شخص يطوي ذراعيه فوق بطنه متجنباً احتلال مساحة سنتيمترات قليلة عن كلا جانبيه. كوع يده اليمنى ترتاح على ساق مسجون يستلقي في اتجاه معاكس، بينما تضغط ذراعه اليسرى - لضيق المساحة - على معدة مسجون آخر. مشهدٌ يبدو كما لو أنّه غير حقيقي، صورةٌ كما لو أنها من كابوس لا<span style="mso-spacerun: yes;"> </span>من واقعٍ حدث فعلياً، وجرى تصويره لتثبيت تلك اللحظة المؤلمة.</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">يعرض الباحث في هذا الفصل مجمل المخالفات الموجودة في السجون ومن ضمنها - فكرة الصورة - «الاكتظاظ الخانق». إذ إنّ «كل مباني السجون في لبنان لا يمكن أن تستوعب أكثر من 2250 سجيناً وسجينة، فيما يُحشر فيها أكثر من 4000 نزيل» (ص15). يدعّم نشابة كلامه بجدول السجون التي تخضع لسلطة وزير الداخلية وقدرة استيعابها؛ فيقارن بين عدد السجناء وقدرة استيعاب كل سجن حسب المعايير الدولية: تحوي بعض السجون ضعف قدرة استيعابها؛ فسجن النبطية، على سبيل المثال، يزج فيه 80 شخصاً عوضاً عن 40 حسب المعايير الدولية، وسجن طرابلس للرجال يضم 550 سجيناً بدل 250، وقد يصل العدد إلى ثلاثة أضعاف قدرة الاستيعاب كما هي الحال في سجن روميه المركزي (جبل لبنان) الذي يحشر فيه 3000 سجين، بينما قدرة استيعابه حسب المعايير الدولية 1050.</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">تعاني سجون لبنان الثلاثة والعشرون من مشكلات أساسية جمة تحول بينها وبين تحقيق غايتها التي شُيدت وأسست من أجلها. فكيف لسجون<span style="mso-spacerun: yes;"> </span>تعاني من نقص حاد في مياه الشرب والاغتسال، وفي عدد المراحيض، وقلة النظافة وانتشار الحشرات، وغياب تام للنشاطات التربوية والرياضية والتعليمية والبرامج العلاجية النفسية، أن تقوم باصلاح نفس المسجون وتضبط سلوكه وأخلاقه؟ كيف لسجون ليس فيها مشاغل ومعامل ليعمل فيها المعتقلون، أن تعلمهم كيفية تحصيل أجرهم بعرق جبينهم؟ يرى ميشيل فوكو أنّ «العمل الجزائي داخل الفضاء السجني يرسّخ حب العمل والالتزام به كما يعلّمه معنى كسب الأجر بعد التعب، وتوفير ماله والاقتصاد في الإنفاق». فعدم توفر هذه المشاغل يدفع السجين إلى سلوك غير مرجو مثل التآمر والوشاية واستخدام قوته الجسدية على من هم أضعف منه لسلبهم ممتلكاتهم. </span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: center; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;" align="center"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">"كل مباني السجون في لبنان لا يمكن أن تستوعب أكثر من 2250 سجيناً وسجينة، فيما يُحشر فيها أكثر من 7000 نزيل"</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">فوق كل هذا، هناك مشكلات إضافية تتعلق بالبنى التحتية وبطبيعة مباني السجون. فـ«باستثناء مباني السجن المركزي في رومية وسجن زحلة للرجال، كل مباني السجون الأخرى مصممة لتكون مراكز للشرطة أو مستودعات، أدخلت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي عليها تعديلات غير كافية لتحويلها إلى سجون لا تنطبق عليها المعايير الدولية». كما ان هذه المباني قديمة وبدائية، وبعضها لا تصل أشعة الشمس إلى ساحة النزهة فيه مثل سجون زغرتا، راشيا، جب جنين، صور، النبطية، جبيل، طرابلس.</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">كثير من السجون تفتقر لوجود هواتف ثابتة تمكن المعتقل من التواصل مع عائلته، وليس هناك من مساحة تسمح له بأن يحضن أفراد عائلته عند زيارتهم له. في الإطار عينه، يأتي التقصير الأمني كذلك: فلا كاميرات مراقبة كافية، ولا بوابات متينة في سجون عدة، ولا أجهزة تفتيش مناسبة؛ ناهيك عن أنَّ معظم السجون في المدن أو قريبة منها ومن التجمعات السكنية، الأمر الذي يعتبر مخالفاً لآلية اختيار موقع السجون.</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">يعرض الجزء الثاني «23 سجناً بالسوط والصورة» معلومات جمعها نشابة لدى زياراته للسجون بين عامي 2010 و2011. يفرد الباحث مساحة من المعلومات والصور تميز كل سجن عن غيره؛ فسجن صور مثلاً يعاني من «مشاكل بنيوية عديدة أبرزها قدم عهد بنائه الذي يعود إلى 300 سنة وعدم صلاحيته للبشر، إذ إنّه بُنيَ أساساً كإسطبل للأحصنة» (ص40). كما أنّه يعاني من ارتفاع نسبة الرطوبة لوقوعه على الواجهة البحرية، ومن خلل في نظام التهوئة<span style="mso-spacerun: yes;"> </span>يؤدي إلى مشاكل صحية بين السجناء والحراس. بينما سجن جزين تُستعمل الحمامات فيه «كغرف تخزين للطعام. ولا يتوفر مطبخ أو براد للسجناء» (ص44)، وسجن راشيا ليست فيه غرفة انتظار الزوار ولا هاتف يستعمله السجناء للتواصل مع ذويهم. وسجن زحلة للنساء لا طبيب صحة فيه رغم وجود سجينات حوامل. في هذا الفصل، صور كثيرة التقطت من داخل الزنازين توضح الوضع المزري لحال السجون، ولا تزال الصورة أبلغ تعبيرٍ حتى من الكلمات والأرقام الإحصائية والبيانات الدالة: فسجن بعلبك (ص74) هناك صورة لمسجون ينام أمام باب المرحاض بينما تظهر إحدى الصور في مبنى الأحداث في رومية (ص144) سجين يكتب ويطالع في مكان يبدو أنّه مكتبة المبنى. </span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">يصر صاحب الكتاب على نقل الصورة كاملة عن أوضاع السجون؛ لهذا، في الفصل الثالث «قصص من ذاك المكان»؛ يدعم بحثه بنشر شهادات للسجناء تعتبر مساهمتهم الخاصة في هذا العمل، مع الحفاظ على ما قالوه/كتبوه «بحرفيته وبما ورد فيه من أخطاء»، باستثناء الشتائم التي تم حذفها والأسماء التي تم استبدالها بأخرى مستعارة. يقول جورج، السجين في مبنى الأحداث في السجن المركزي في روميه، «بتحدى أي حدا من برا يجي ينام ليلة.. نحنا هون يا حبيبي منّام على الواقف.. وخود على روايح وقرف.. وجرب..». ويقول محمد من سجن زغرتا: «زي الحيوانات ويا محلى الحيوانات. كبونا تحت الأرض ونسيونا.. ودبّر راسك بهالقاووش.. هيدا قاتل هيدا محتال هيد ارهابي هيدا اغتصب بنتو.. كبوني بيناتهن وأنا كل اللي عملته غلطة زغيرة (توقيع شيك بلا رصيد)» (ص133).</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: center; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;" align="center"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">"لا يكتفي الكاتب بعرض المشكلات كما هي، بل يقدّم توصيات لترميم السياسة العقابية في لبنان"</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">من شهادات السجناء ينطلق الكاتب إلى الجزء الرابع «قواعد الحد الأدنى لمعاملة السجناء»، ويعرض فيه المواد القانونية والقواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء. هذه القواعد تحدد شروطاً معينة لأماكن الاحتجاز، من حيث عدد السجناء، ونقلهم تخفيفاً للازدحام، وتأمين التهوئة والإنارة، ومستلزمات النظافة الشخصية، وتوفير الطعام، منحهم نزهة يومية تحت الرقابة، وتأمين الخدمات الطبية، بالاضافة إلى فرض نظام الأمن وحظر العقوبات اللاإنسانية. ثم يختم الباحث مع الفصل الخامس «إدارة السجون ليست وظيفة البوليس» ليقول إن مشاكل السجون في لبنان لا تقتصر فقط على كل ما ذكر من نواقص ومخالفات وتقصير، بل «المشكلة الأساس تكمن في غياب السياسة العقابية في النظام اللبناني» (ص184).</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">الجدير بالذكر أنّ نشابة لا يكتفي بعرض المشكلات كما هي، بل يجهد في تقديم توصيات من شأنها أن تطور وتقوّم وترمّم السياسة العقابيّة في لبنان.</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">«ذاك المكان» دراسة ميدانية متخصّصة عن أوضاع السجون في لبنان، تطرح شرحاً وافياً لحال السجون وتفرد مساحة لعرض مشاكل كل سجن على امتداد الأراضي اللبنانية.</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">«ذاك المكان» الذي يتم التعتيم عليه مثلما يفعل الناس عند الحديث عن مرض السرطان بوصفه «ذاك المرض»، معتبرين أنّ عدم تسميته يبعده عنهم، إرتأى نشابة أن يأخذنا إليه عبر الأرقام والحقائق والمواد القانونية والصور، ليرينا «ذاك المكان» الذي أنشئ لحماية المجتمع، لكنه بحسب ما وجدنا فيه من تقصير بحقوق المساجين الأساسية، قد لا يدحض الجريمة بل ينتجها ويحث على استمرارها.</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;"> </span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;"> </span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">نُشر في ملحق القوس الصادر عن صحيفة الأخبار اللبنانية بِتاريخ 13 آب 2022</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span style="font-family: Simplified Arabic, serif; font-size: 14pt;"><a href="https://www.alqaous.com/article/309?fbclid=IwAR3746v8ZY69D1meADuXHRYr2JKuzilNsSuJk-cN704jTW6v6P4K2HqF0CU"><span lang="AR-SA">كتاب يأخذنا إلى «ذاك المكان» | القوس</span><span dir="LTR"> (alqaous.com)</span></a></span></p>
اقرأ المقال
<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed; text-align: justify;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic', serif; color: #767171;">تعوّد الجمهور العربي على مسلسلات البيئة الشامية، أحبها بعضهم، وكرهها بعضهم الآخر. لكن ما يجمع عليه الكلّ على أنَّ مسلسلات تلك البيئة غيّرت شكل الدراما العربية حال ظهورها. يخطئ كثيرون بأنَّ بداية هذا العصر كان مع مسلسل «باب الحارة» الشهير مع مخرجه الراحل باسم الملا وكاتبه مروان قاووق (2006). الأمر بدأ قبل ذلك بأعوامٍ، وتحديداً عام 1992، مع رائعة الملا أيضاً لكن بكتابة أكرم شريم «أيام شامية». المسلسل فتح الباب عريضاً للدراما الشامية كي تدخل قلوب المشاهدين، وتملأ جيوب المنتجين. حمل «أيام شامية» أفكاراً كثيرة سرعان ما تلقفتها مسلسلاتٌ أخرى، فاستنسخت فكرته وطوّرتها، وعدّلت عليها. مثلاً، أخذ «باب الحارة» فكرة بنية الحارة وعلاقات أفرادها ببعضهم وبالزعيم، وأضاف وكبّر بعض الشخصيات وأدوارها، وقس على ذلك</span><span dir="LTR" style="font-size: 16pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic', serif; color: #767171;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed; text-align: justify;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">تروي قصّة «أيام شامية» حكاية محمود (عباس النوري) الذي يعمل فوالاً ويعيش مع والدته (هالة شوكت) ويعاني الأمرّين من ضيق العيش. يضطر لأن يرهن شاربيه، وهذا فعلٌ كبيرٌ آنذاك، لدى تاجر مواشٍ يدعى أبو عبدو (خالد تاجا) لقاء مبلغٍ من المال احتاجه. نعرف بعد ذلك أنَّ أبو عبدو متزوج من اثنتين: الأولى إم عبدو (سامية جزائري) والثانية نزيهة (وفاء موصللي) تتشاجران، ويؤدي هذا الشجار إلى «ضياع» شاربي محمود. وهنا تتعقّد القصّة. يصرّ أبو عبدو على حل المسألة ولو بالكذب، فيحضر شاربين مزيفين ويعطيهما لمحمود. يعرف محمود بالأمر ويتحوّل الأمر إلى قضية «رأي عام» في الحي يتدخّل الجميع فيها، سواء بالرأي أو الفعل أو حتى بالحديث. لم يغفل المسلسل القصص الجانبية، فهناك حكاية سيفو (ناجي جبر) الثائر الملتجئ إلى الحي الذي يسمح له الزعيم أبو صطيف (رفيق سبيعي) بالبقاء والعمل بعد معرفته بنضاله ضد المحتل التركي. في المسلسل أيضاً، قصص جانبية كثيرة، مهدت لاحقاً لجميع أفكار المسلسلات الشامية، لناحية الأجواء العامة. أدائياً يضم المسلسل تقريباً أهم نجوم الدراما السوريين في تلك المرحلة وما بعدها، إذ يكفي مثلاً أن نعرف بأن قيس الشيخ نجيب ونادين تحسين بيك ظهرا في المسلسل كطفلين. ضم العمل كأبطال رفيق سبيعي وناجي جبر من الجيل الأوّل للدراما السورية</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed; text-align: justify;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed; text-align: center;" align="center"><strong><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">"</span></strong><strong><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">تميّز بقوة قصته، ومهارة حبكته، وأداء ممثليه</span></strong><strong><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">"</span></strong></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed; text-align: justify;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed; text-align: justify;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">سبيعي عرف بدور أبو صيّاح صاحب المقهى «القبضاي والزكرت» وجبر صاحب شخصية «أبو عنتر» من قصص ومسلسلات وأفلام «غوار الطوشة» شخصية دريد لحام الأثيرة والشهيرة في آنٍ. سبيعي وجبر قدما أداءً يليق بسمعتهما كرواد للعمل الدرامي والأداء التمثيلي. إذ كنّا أمام هدوء سبيعي وقدرته على تقمص أدوار «القبضايات» كبار السن والمقدّرين من قبل الجميع فيما جبر استخدم مهارته كرجل ذي نخوة وحمية عالية، فضلاً عن استخدامه صوته وحركته الجسدية بسهولة وسلاسة. عباس النوري بدوره قدم واحداً من أدوار عمره، قد لا يذكره الناس كثيراً مع شعره الأسود وشاربيه الكبيرين في هذا الدور، خصوصاً مع تفوقه الأدائي السنوات الأخيرة في مسلسلات وأدوار مثل «مع وقف التنفيذ». هنا نرى النوري شاباً صغيراً غاضباً ومكافحاً. نسائياً أظهرت سامية الجزائري مهاراتها في هذا المسلسل، هي التي تعتبر مع شقيقتها صباح، واحدة من نجمات الجيل الذي أتى بعد المرحلة الأولى أو ما يمكن تسميته اصطلاحاً «مرحلة غوار». كثيرةٌ هي الأسماء الكبيرة التي مرّت في المسلسل: فلا يمكن نسيان سليم كلّاس (بدور ديبو الحلاق) أحد أبرز الوجوه الدائمة في الدراما، وبسام كوسا الموهوب بدور «حمدي القاق»، وخالد تاجا (أبو عبدو) الماهر الذي أعطى للعمل الكثير من قوته. نسائياً برزت هالة شوكت بدور والدة محمود، ووفاء موصلّلي في واحد من أدوارها الأولى في الدراما السورية، وتولين البكري -ولربما هذا كان أوّل أدوارها- بدور زوجة محمود الصغيرة اللطيفة والمطيعة</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed; text-align: justify;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">إخراجيّاً؛ وقبل أن يصبح الراحل بسام الملا عرّاب الدراما الشامية، أتى هذا المسلسل ليكون بمثابة التجربة المهمّة التي فتحت الباب أمامه. استخدم المخرج الراحل تقنيات كانت جديدة في تلك الأيام: الكادر الضيق، والكادر الواسع؛ الكادرين التلفزيونيين الذين أصبحا بمثابة سمة لأعماله. استخدم نظام «الحارة» الدمشقية من خلال الدكاكين المتلاصقة، والفراغ بينها الذي لا يتسع إلا لعربة «الكارلو التي يجرها الحصان». كل هذه التفاصيل اهتم بها الملا وجعلها بمثابة «ثيمة» لهذا النوع من الدراما، التي أصبح عرّابها وملكها غير المتوج</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed; text-align: justify;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">بعد مرور أكثر من ثلاثين عاماً على ظهور «أيام شامية»، لا يزال المسلسل يستحق المشاهدة، لقوة قصته، ومهارة حبكته، وأداء ممثليه، وفوق كل هذا لمخرجه حامل فكرة «الدراما الشامية» وصاحبها الأثير</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed; text-align: justify;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed; text-align: justify;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">«أيام شامية» على «شاهد»</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed; text-align: justify;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed; text-align: justify;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed; text-align: justify;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">نُشر في صحيفة الأخبار اللبنانية بِتاريخ 9 آب 2022</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed; text-align: justify;"><span style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;"><a href="https://al-akhbar.com/Literature_Arts/342736"><span dir="LTR" style="color: #033160; mso-themecolor: hyperlink; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #033160; mso-style-textfill-fill-themecolor: hyperlink; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">https://al-akhbar.com/Literature_Arts/342736</span></a></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed; text-align: justify;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed; text-align: justify;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;"> </span></p>
اقرأ المقال
<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic', serif; color: #767171;">يجذب الشاب الخجول الذائب في ثيابه كلما تحدّثت معه فتاةٌ، الأفلام التي يموّلها الغرب. قلما شاهدنا «ذكراً» في أي فيلم من هذا النوع «متقدماً» أو «مباشراً». دائماً تكون الفتاة هي السباقة في كل شيء، في خطوتها إلى الأمام، في التعبير عن إعجابها، في حديثها معه، بينما هو «ساهم»، «خجلان» يشعر بأن حياته «تقتحم»، خصوصاً في حضارةٍ عربية يحبّ الغرب توصيفها بأنّها «ذكورية». منذ المشهد الأوّل في فيلم «مجنون فرح» (</span><span dir="LTR" style="font-size: 16pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic', serif; color: #767171;">Une histoire d’amour et de désir</span><span style="font-size: 16pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic', serif; color: #767171;"> <span lang="AR-SA">إخراج التونسية ليلى بوزيد ـــ إنتاج تونسي فرنسي ـــ 2021) المطروح على نتفليكس، نجد أننا أمام القصّة المعتادة ذاتها في هذا النوع من الأفلام مع الأبطال والبطلات أنفسهم، لمن يتابع أي فيلم مموّل غربياً ضمن ما يسمّى السينما «البديلة» أو الموجّهة إلى الغرب. وكعادة هذا النوع من الأفلام، يحظى الشريط بالكثير من الاحتفاء والجوائز في المهرجانات العالمية، إذ شارك في «مهرجان كان السينمائي» ضمن تظاهرة «أسبوع النقاد»، و«مهرجان أنغوليم للفيلم الفرنكوفوني»، وحصل على جائزتي أفضل ممثل وجائزة «فالوا» الماسية، وغيرها الكثير من الجوائز</span></span><span dir="LTR" style="font-size: 16pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic', serif; color: #767171;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">تحكي القصة حكاية أحمد (سامي الطلبالي) الجزائري الأصل، الذي يعيش في فرنسا، ويدرس الأدب العربي المقارن في جامعة السوربون. هناك يتعرّف إلى فرح (زبيدة بلهجمور) زميلته التونسية. سرعان ما تتطوّر العلاقة بينهما إلى افتتان، خصوصاً مع طلب فرح من أحمد أن يعرّفها إلى باريس التي لا تعرفها. نكتشف أنه هو أيضاً لا يعرف المدينة نظراً إلى إقامته في الضواحي بعيداً عن قلب المدينة. يبدو أحمد متراجعاً دائماً خطوة إلى الخلف. يهرب بنظراته من نظرات فرح، ينظر إلى الأرض بخجلٍ، لا يتحدّث إلا القليل، فيما الفتيات في الفيلم يتقدّمنه شجاعةً بخطوات كثيرة. فرح بدورها لا تخجل من شيء، تمسك كتاباً يتحدّث عن الجنس، فتقرأ أسماء «العضو الذكري» بحسب الكتاب، أمام شابٍ لا تعرفه كثيراً بحماسة بالغة كما لو أنَّ الأمر عادي. اللافت أنَّ أحمد في هذا المشهد تحديداً يوقفها عن الكلام بحجّة أن هذا الكتاب الذي تقرأ منه «ليس أدباً» وينسحب هارباً. وفي مراتٍ قليلة، ينفعل أحمد حين يشاهد فرح تتحدّث مع أحد الشبان، هل كانت تلك غيرة؟ لا أحد يعلم، فالمشهد غير واضح. في الوقت نفسه، نجد الرجال/ الذكور في «مجنون فرح» ـــ وفي مجمل هذا النوع من الأفلام ــــــ هامشيين، فاشلين، عاجزين: فوالد أحمد مثلاً، سلبي، عاجز، وفاشل عن أداء أي أمر كأنما إحضاره العائلة إلى أوروبا/ فرنسا هو إنجازه الأكبر. حتى مهنة الوالد (صحافي) لم تشفع له، بل إنه يقف عاجزاً عن أدائها، فيعتزلها. تقريباً لا شخصية مشرقية إيجابية في الفيلم. المضحك واللافت، أن هوليوود حالياً، تقدّم، عبر شركة مثل «مارفل» (و«ديزني» بحكم أنها تمتلكها)، شخصيات عربية إيجابية للغاية في مسلسلها الحالي والناجح «مس مارفل». أما الأوروبيون ـــ والسينما التي يتحكّمون بها ـــ فلا يزالون مصرّين على تقديم الشاب/ الرجل/ الذكر الشرقي بهذه الطريقة</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed; text-align: center;"><strong><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">"</span></strong><strong><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">يمتلئ «مجنون فرح» بالتفاصيل الإيروتيكية كونه ينهل من كتب التراث الجنسي عند العرب</span></strong><strong><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">"<br /><br /></span></strong></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">متلئ «مجنون فرح» بالتفاصيل الإيروتيكية (المخرجة تنهل من كتب التراث الجنسي عند العرب) وليس في العلاقة التي تربط البطلين، بل يتعداها إلى تلك المرتبطة بالقصة الأصلية. لكن حتى تلك إيروتيكية غربية: إذ يناقش الفيلم كيف يرى الأدب الغربي ودارسوه تفاصيل الجسد في الشعر العربي. يأخذون مثالاً قصة مجنون ليلى ويستخدمونها شعراً ونثراً في الفيلم. طبعاً لا مشكلة في طرح رؤية السوربون أو أي جامعة فرنسية حول الأدب/ الشعر العربي، لكن ما هي فائدته في فيلم عربي مموّل غربياً؟ في الوقت عينه، تمرر المخرجة الأفكار الغربية ذاتها عن المجتمعات المشرقية: «لا أمل في الحياة هناك»، «الحمد لله أن هناك مجتمعاً مدنياً» على حد تعبير البطلة فرح. إنّه «منطق اليأس» تجاه بلادنا، فيكون الحلّ «أن نهاجر</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">».</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">أدائياً، أخرجت الفيلم خرّيجة جامعة السوربون وتحديداً كلية الآداب، التونسية ليلى بوزيد، ابنة المخرج التونسي المعروف النوري بوزيد، التي حازت جوائز غربية عدة عن فيلميها «مخبي في كبة» (2012) و«على حلة عيني» (2015). أما لناحية الممثلين، فنجد أنّ أداء الممثلين الرئيسيين جاء متيناً يليق بسمعة الدراما المغاربية التي قدّمت عدداً كبيراً من النجوم المعروفين بدءاً من صوفيا بوتلة، وسعيد الطغماوي، وهند صبري، وظافر العابدين وسواهم. يبذل سامي عوطالبالي وزبيدة بالحاج عمر، جهداً كبيراً لتقديم شخصيتيْهما بطريقة مباشرة مع محاولة إعطائهما الكثير من الواقعية. تظهر بالحاج عمر مقدرة عالية على تقديم صورة الفتاة الضائعة/ التائهة في مدينة جديدة لا تعرف عنها شيئاً. تحاول أن تجد نفسها في عالمٍ مختلفٍ عن عالمها الذي أتت منه. هي أتت من تونس ولا تعرف شيئاً في باريس، لكنها تحاول بكل ما أوتيت من قوة أن تجد مكاناً مناسباً لها. في الوقت نفسه، تحاول أن تقترب أكثر من أحمد من دون أن تبدو ثقيلة، كون أحمد لا يتحرّك أبداً. من جهته، حاول عوطالبالي كثيراً أن يقدم شخصيته بكثير من الجمود كون النص مكتوباً كي تظهر الشخصية بهذه الطريقة</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">باختصار، سيحكي النقاد كثيراً عن الفيلم «المبهر»، ورؤية المخرجة «الراقية والخلّاقة»، وعن التفاصيل الكامنة خلف العمل، ذلك أنَّ المموّل المسيطر على سوق الأفلام يريد هذا النوع من الأعمال. هل يستحق الفيلم المشاهدة؟ ربما. هل سينساه الناس بعد ساعة على مشاهدته؟ ربما أيضاً. إنه فيلمٌ موجّه إلى المشاهد الغربي كي يرانا ـــ نحن ــــ كما يحبّ أن يرانا</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">Une histoire d'amour et de désir </span><span style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;"><span style="mso-spacerun: yes;"> </span><span lang="AR-SA">على نتفليكس</span></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">نُشر في صحيفة الأخبار اللبنانية بِتاريخ 1 آب 2022</span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;"><br /></span><span style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;"><a href="https://al-akhbar.com/Literature_Arts/342269"><span dir="LTR" style="color: #033160; mso-themecolor: hyperlink; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #033160; mso-style-textfill-fill-themecolor: hyperlink; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">https://al-akhbar.com/Literature_Arts/342269</span></a></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;"> </span></p>
اقرأ المقال
في عام 2003، كانت الدراما السورية قد بدأت خطواتها، لتحتل مكانتها التي باتت معروفةً اليوم في عالم الدراما العربية. كل هذا كان في كفّة، ومسلسل «ذكريات الزمن القادم» في كفّة. جاء المسلسل الذي كتبته الفلسطينية السورية ريم حنّا وأخرجه هيثم حقّي، انفجاراً حقيقياً للإبداع. أدت بطولة العمل آنذاك، كوكبةٌ من النجوم على رأسهم غسان مسعود وجمال سليمان، وسليم صبري وسمر سامي وعبد الهادي صبّاغ، والوجوه الشابة -آنذاك- سلاف فواخرجي وأمل عرفة وعبد المنعم عمايري. تمزج حكاية المسلسل المعقدة بين قصص معروفة لتنتج قصة خاصة تشبه الحالة السورية في ذلك العام خاصةً، والحالة العربية عموماً. مجتمعاتٌ مرّ عليها عام 2000 بالكثير من التغييرات السياسية قبل أي شيء آخر (أحداث 11 سبتمبر، حرب العراق، وأفغانستان..)، وإن بقيت هي ذاتها من الداخل يعود «مطر أبو ربيع» (جمال سليمان) من منفاه الاختياري. مناضلٌ يساري، حارب العدو الصهيوني إبان اجتياح بيروت عام 1982. اعتبره الجميع يومها شهيداً لاختفائه وغياب أثره أو جثته. خطيبته «خالدة» (ضحى الدبس) الفلسطينية التي تسكن المخيّم مع شقيقها (عبد الهادي صباغ) الذي فقد ذراعه في الاجتياح عينه، ووالدتها (ثناء دبسي) المسكونة بهواجس العودة لفلسطين، لا تزال تعيش على ذكراه. «مطر» الشخصية المذهلة، عائدٌ بأموالٍ كثيرة، وبغضب كبير. باع كل ما له علاقة بالثورة والنضال واستبدلها بأفكار «عصرية» على حد تعبيره. أفكارٌ لا تقيم أي وزنٍ للمبادئ أو الأخلاق وإن غلّفها بردائه المدهش. عاد ليلتقي شلّة الأمس: صافي (غسان مسعود) الرسام الأرستقراطي وشقيقته عبلة (سمر سامي) الكاتبة التلفزيونية الشهيرة؛ المتزوّجة من محامٍ شهير (سليم صبري). سرعان ما يعرف المشاهد بأنَّ عبلة كانت حبيبة مطر السابقة، رغم خطبته لخالدة. يبدأ المسلسل بالتوجه صوب حبكته الخاصة، وإن بشكلٍ هزلي/ معاكس لفكرة «الكونت دي مونت كريستو» رائعة ألكسندر دوما، مع المنتقم العائد، فجعلته شريراً هذه المرّة. كل هذا الزخم ما هو إلا جانبٌ واحدٌ من القصّة. برعت الكاتبة في تقديم أربع أو خمس قصص متوازية تسير مع بعضها: حارةٌ شعبية تضم فتياتٍ جامعيات/ عاملات يسكنّ مع بعضهنّ، سكان الحارة الأصليون من شبانٍ يعملون في مهنٍ شعبية، مجتمع الأصدقاء ذوو الأصول الثقافية/ الأرستقراطية والثورية، وعالم الليل مع الفنانة «أساور» (شكران مرتجى) والكباريه الذي تعمل فيه. هذا المزج الإبداعي جعلنا أمام فسيفساء مدهشة للمجتمع لا السوري فحسب، بل العربي أيضاً. شخصية «مطر» أفضل تصويرٍ لفكرة «الشيطان» بكل ما تحمله من معنى. إننا أمام ساحر بكل ما للكلمة من معنى. أبدع جمال سليمان في رسم ملامحه. هو يشبه آل باتشينو في دور شيطان المخرج تايلور هاكفور في فيلمه The Devil’s Advocate . شيطانٌ مغرٍ، مخيف وجذاب في آنٍ وفوق كل هذا يريد كل شيء ولا شيء في الوقت نفسه. «مطر» ليس شخصاً طيباً فسد، إنه فاسدٌ باختياره منذ البداية. اختار مثلاً أن يتشبّه بغيفارا ويرتدي «البيريه»، لأنّ الثمانينيات كانت مسكونةً باليسار، والثورة، فكانت تلك «التجارة» الرائجة آنذاك، وكانت مفتاحاً له للوصول إلى قلب «عبلة» وصداقة شقيقها «صافي». يستخدم شعر المتنبي ويصغي لأغنيات عبد الحليم كلما تسنح له الفرصة، يريد إنشاء بنك إسلامي، وينتج ألبوماً للمطربة الشعبية «أساور» (أحد أوائل أدوار شكران مرتجى المهمة) معلناً صراحةً أنّ «الأغنية العشوائية» جذابة ومدهشة رغم سخافتها وضحالتها (المسلسل سبق مرحلة انتشار هذه الأغنيات بسنوات). يستغل «مطر» شرور البشر البسيطة، ليكبّرها ويستخدمهم كحجارة شطرنج. من يشاهد المسلسل يدرك أنه لم يحتج لصرف مالٍ كثير أو لدفع أي شخصٍ للخطيئة. هو فقط لوّح أمام الأشخاص بما يشتهونه (McGuffin) ليصبحوا عبيداً لتلك الشهوة وله من دون أن يدركوا. فسيفساء مدهشة للمجتمع السوري والعربي قوة شخصية «مطر» لا تنفي أن الشخصيات الباقية كانت ممتلئة، فشاهدنا «صافي» (غسان مسعود) الرسام الأرستقراطي، الذي يشبه الصورة النمطية لتلك الشخصيات الأرستقراطية التي غادرت مجتمعها، لتدخل «حلم اليسار» وتغيير المجتمع، وإن عبر الفن، لكنها حافظت على سلوكها وطبيعة حياتها وثرائها؛ وإن لازمها «الخجل/ الكسل» وأحياناً «الجبن» الذي ميّز هذه الطبقة الاجتماعية عن سواها. بدورها، كانت عبلة (سمر سامي) الأميرة الطالعة من القصص الأسطورية، الرقيقة الثرية، حلم الجميع الذي نكتشف أنه حتى «يوسف» (عبد الهادي صبّاغ) كان يحبّها. الشخصيات الشابة في المسلسل لعبت دوراً كبيراً، فأتت «كندة» مشابهة لشخصيات الدراما الغربية/ الهوليوودية الشهيرة: مزيجٌ بين «لوليتا» فلاديمير نابوكوف الشهيرة، والمرأة المكتملة الأنوثة التي مثّلتها جين مانسفيلد وصوفيا لورين في لحظةٍ ما. إنها ليست بعد سلاف فواخرجي التي يعرفها الجمهور الآن، لكن ذلك لا يمنعها من إظهار حرفة عاليةً، خصوصاً مع الوقوف أمام معلّم دراما مثل غسان مسعود. أمل عرفة، بدور نادين، قدمت أداءً كبيراً في أحد أول أدوارها كبطلة «ثانية أو ثالثة»، فجسّدت محامية متدربة، قروية «طموحة» تعشق الحلم الذي يقدّمه لها «مطر»؛ وتخالف كل شيء: القوانين، الأعراف، العادات، التقاليد في سبيل ذلك الحلم. برزت أيضاً الشخصيات الجانبية التي أعطتها الكاتبة ذات الزخم والقوة، فشاهدنا التوجهات الإسلامية التي بدأت بالظهور في المجتمع، والصراع المدهش بين عالم المسرح المليء بالمثاليات، والفقير مادياً، مقارنةً بعالم التلفزيون السطحي والغارق في المال. إخراجياً، بذل هيثم حقّي جهداً كبيراً، خصوصاً لناحية تقديم الشخصيات كما رسمتها حنا بدقة. وموسيقياً، قدّم المؤلف المعروف طاهر مامللي بنيةً موسيقية جميلة. باختصار، نحنُ أمام عملٍ إبداعي بكل ما تحمله الكلمة من معنى. *«ذكريات الزمن القادم» على «شاهد» نُشر في صحيفة الأخبار اللبنانية بِتاريخ 27 تموز 2022 https://al-akhbar.com/Media_Tv/342023
اقرأ المقال
<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic', serif; color: #767171;">سلسلة قصص ضحايا الجرائم الاسرائيلية</span><span dir="LTR" lang="AR-SA" style="font-size: 16pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic', serif; color: #767171;"> </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic', serif; color: #767171;"> (1)</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">سنحاول في هذه الحلقات استعراض جرائم الاحتلال الاسرائيلي من منظور علم الضحية، أو الـ</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">Victimology</span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">.</span><span dir="LTR" lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> <span style="mso-spacerun: yes;"> </span></span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">الضحية البريئة واحدة من فئات الضحايا المُدرجة، وهي لا تعرف المجرم وليس لها أي دور في وقوع الجريمة. كل ما في الأمر ان ظروفاً هيأت لها لقاء الجاني الذي يملك كُلّ الاستعداد لارتكاب السلوك الجرمي.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">نستعرض في هذه الحلقة روايتي الطنطورية وباب الشمس اللتين عالجتا قضيتي المجازر والترانسفير</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><strong><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">مجزرةٌ وهجرة..<span style="mso-spacerun: yes;"> </span>فمجازر</span></strong></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">"</span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">في بحرنا بئرُ سُكَّر. بئرٌ من الماء العذب مستقرِّةٌ بين أمواج الماء المالح"، هكذا تَصِف رقية بحر قرية الطنطورة الواقعة على الساحل الفلسطيني، على بعد 24 كلم جنوب حيفا، فنتتبع آثار أقدامها الصغيرة في هجراتها المتكررة فوق شطآن صيدا وبيروت فأبو ظبي والإسكندرية</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">تمتد رواية "الطنطورية" على 58 فصلًا قصيرًا تستعرض فيها الأديبة رضوى عاشور رحلة العائلة منذ عام 48، حين هاجم لواء "ألكسندروني" القرية وارتكب مجزرةً فيها، حتى نهاية الرواية عام 2000، فلا نعرف من الذي يتبع الآخر: رقية الطنطورية أم المجازر؟</span><span dir="LTR" lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">الطنطورة، صبرا وشاتيلا، ملجأ مدرسة الأطفال في صيدا، مجزرة بناية جاد</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">تُرَحِّلَ الأمُّ أبناءها الثلاثة بعيدًا كلُّ واحدٍ إلى بلد، صادق إلى أبو ظبي، وحسن كاتب الروايات والمقالات عن المجازر إلى مصر وكندا، أما عبدالرحمن فيسلك طريقه "بالقانون" ويبدأ بجمع الاحصائيات والشهادات وتنظيم القضايا، بانتظار صدور القوانين التي تخوِّل اقرباء الضحايا محاكمة الجيش الصهيوني أمام المحاكم الأوروبية، لينتهي به المطاف في النهاية مهاجرًا إلى فرنسا</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">تقف رقية في الفصل الأخير في العام 2000، بعد تحرير جنوب لبنان، على الحدود بين لبنان وفلسطين، على الطرف الآخر ومن داخل الأراضي الفلسطينية، يناولها حسن حفيدتها "رقية الصغيرة" من فوق الأسلاك الشائكة لتعلِّقَ مفتاح منزلهم في الطنطورة فوق رقبتها، لتلتقي بعدها في المشهد الأخير بـ"ناجي" الآتي من عين الحلوة والجليل الأعلى، والذي رسمها مع "رقية الصغيرة" وهما تلتقيان فوق الشريط الشائك</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><strong><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">مصيرُ الكاتب أن يُنسىَ<br /></span></strong><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">مصير الكاتب أن يُنسى، فالكاتب العظيم يُنسى ويبقى أبطال رواياته، أما الكاتب السيئ فيُنسى هو الآخر مع أبطال رواياته. لا نعلَمُ هل ستنطبق مقولة إلياس خوري على يونس الأسدي بطل روايته باب الشمس، ذاك الذي يرقد في مستشفى الجليل فاقدًا وعيه، أم على أبطال الرواية الآخرين عدنان وأبو عودة، دنيا وأمّ حسن القابلة التي حين ماتت بكاها كُلُّ أهل مخيم شاتيلا، فخرجوا من بيوتهم و"انحنوا ليلتقطوا دموعهم"، أو حتى على شمس التي حَمِلت من زوجها يونس، وأنجبت منه الكثير من الأولاد، كدلالةٍ على الصراع الديموغرافي الذي بدأ مباشرةً بعد النكبة، و"الترانسفير" الذي لو حدث في القرنِ الواحد والعشرين لقيل بأنه تطهير عرقيّ</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">. </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">عاشت شمس مع يونس الأسدي، طوال ثلاثين عامًا، في مغارةٍ في الجليل الأعلى على الحدود اللبنانية الفلسطينية، لتُشكِّل العائلة صلة الوصل بين المنفى والأرض "الأم</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">".</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">كان يونس من أولئك الذين دأبوا على التسلل الى الأراضي الفلسطينية في بداية خمسينيات القرن الماضي، كي يعودوا إلى قراهم التي سكنها اليهود والعرب في الأراضي المحتلة، ليُطردوا منها مرَّةً أخرى أو يُقتلوا على الحدود</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">تتنقل الرواية بين قوتي جذب، قوة الرمز التاريخي والفلسفي من خلال قصة الأسدي وزوجته شمس، وفجاعة الواقع<span style="mso-spacerun: yes;"> </span>المُعاش في المأساة وقسوة تاريخ الشتات الفلسطيني في المخيمات والداخل، وهو واقع مدوَّن وشفهي استفاد منه خوري ليُدعِّمَ الشق الفلسفي شبه الأسطوري في قصة "يونِس" العائد إلى فلسطين، و"شمس" التي بقيت هناك، مع ما تحمله الأسماء من رمزياتٍ دينية وفلسفية</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">هكذا تروي "باب الشمس" التي حُوِّلت إلى فيلمٍ في العام 2004، على لسان خليل قصص شخصياتها الثانوية، قصَّة سقوط فلسطين وتشرِّد أهلها، في إطارٍ شبه أسطوري لقصصٍ واقعية أبطالها حقيقيون، حكَّائون لأحداثٍ متفرقة تجمعُ السردية الكُبرى لتاريخ النكبة والهجرة، والمجازر و.. الحب.</span><span dir="LTR" lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">"</span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">هذا غير صحيح يا سيدي، الحكايات جاءتني من دون أن أسعى اليها. جدتي كانت تغرقني بالحكايات، كأنها لم تكن تفعل شيئا سوى الكلام. وأنا معها أتثاءب وأنام، والحكايات تطمرني</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">". </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"><span style="mso-spacerun: yes;"> </span></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">نُشر في ملحق "القوس" الصادر عن صحيفة الأخبار اللبنانية بتاريخ 25 حزيران 2022</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%;"><a href="https://www.alqaous.com/article/277"><span lang="AR-SA" style="font-family: 'Arial',sans-serif; mso-ascii-font-family: Calibri; mso-ascii-theme-font: minor-latin; mso-hansi-font-family: Calibri; mso-hansi-theme-font: minor-latin; mso-bidi-font-family: Arial; mso-bidi-theme-font: minor-bidi;">كم مذبحة تتحمل الرواية؟ | القوس</span><span dir="LTR"> (alqaous.com)</span></a></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: 'Simplified Arabic',serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> </span></p>
اقرأ المقال
<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">يحظى كتاب "ضياء في ظلمات المشرق" (2022، توزيع دار الفرات) للكاتبة اللبنانية ريجينا صنيفر بضجة في الوسط الثقافي اللبناني. يعود هذا الإهتمام بالكتاب المترجم عن نسخته الأصلية باللغة الفرنسية (2019) لثلاثة أسباب رئيسية: الشخصية، التي يدور حولها الكتاب وهي "الأمينة الأولى" للحزب السوري القومي الإجتماعي، جولييت المير سعاده (1909-1976)، زوجة مؤسس الحزب أنطون سعاده، والتي لم تأخذ حقّها الفعلي حتى صدور مذكراتها الخاصة عام 2003. هذه المذكرات بقيت مخبّأة في خزنة أحد البنوك في جنيف ما يقارب الثلاثة عقود قبل أن تنشر عام 2003 باللغة العربية</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">السبب الثاني، يكمن في إسم صاحبة الكتاب التي تعيش في فرنسا منذ العام 1987؛ فريجينا صنيفر إسم يحمل ماضٍ أيديولوجي متطرّف رافقها في شبابها خلال الحرب الأهلية اللبنانية، وهو أمرٌ لا تحاول إخفاءه بل على العكس تعترف بالفم الملآن بانتمائها السابق لحزبَي القوات والكتائب اللبنانيين. إلا أنّ اعترافها ذاك هو بهدف توعية الشباب لعدم الإنصياع لأي حزب يتغذّى على “شيطنة” الآخر، أي آخر سواء كان اللبناني المسلم، أو الدرزي، أو العربي الفلسطيني أو السوري حسب ما قالته خلال مقابلة قديمة لها على قناة الـ "أو تي في". منذ أن كتبت صنيفر كتابها الأشهر "ألقيتُ السلاح: إمرأة في خضمّ الحرب الأهلية" (</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">Éditions de l’Atelier</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">, 2006</span><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">) وصدر</span><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;"> </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">بعدها بعامين مترجماً عن دار الفارابي، الذي كان بمثابة مانيفيستو تحاول أن تصوّب من خلاله موقفها السياسي والإنساني -وإن بدا موقفها في ما يتعلق بحرب تموز متخبّطا- وهي على حد قولها شخص آخر أكثر نضجاً وإدراكاً لقضايا البلد والعالم العربي بما فيها القضية الفلسطينية</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">أما السبب الأخير وراء الاهتمام بكتابها هو البيان الذي نشرته جريدة الأخبار (22 نيسان/أبريل 2022) من "ورثة جولييت المير" وبتوقيع صفية أنطون سعاده بالوكالة عن العائلة، يطلب من صنيفر حقّ الورثة في هذا الكتاب ويوضح أنّها لم تحصل على إذن خطي منهم لاستخدام مذكرات الأمينة الأولى كما هي وصياغتها في هذا الكتاب. فجاء رد صنيفر الذي نُشر في الجريدة بعدها بخمسة أيام: "تجنّباً للسجالات غير المبررة والعقيمة، واحتراماً لتاريخ ونضال وفكر أنطون وجولييت سعاده، أفضّل عدم الرد. من يطّلع على الوثائق والوقائع يدرك الحقيقة". </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed; text-align: center;"><strong><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">"ضياء" هو الإسم الذي كان يطلقه سعاده على زوجته جولييت، والإسم أيضاً يعني النور والإشراق، فوضعته صنيفر في تباين مع ظلمات الشرق لتوحي بأهمية دور جولييت كإمرأة مناضلة ومتنوّرة في زمن وفضاء جغرافي كانا يعانيان من تهميش النساء سياسياً وتحجيم قدراتهن الفكرية والثورية</span></strong></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">بدءاً من العنوان الذي يحمل في طياته معنيَين؛ "ضياء" هو الإسم الذي كان يطلقه سعاده على زوجته جولييت، والإسم أيضاً يعني النور والإشراق، فوضعته صنيفر في تباين مع ظلمات الشرق لتوحي بأهمية دور جولييت كإمرأة مناضلة ومتنوّرة في زمن وفضاء جغرافي كانا يعانيان من تهميش النساء سياسياً وتحجيم قدراتهن الفكرية والثورية. ففي مقدمة الكتاب، يقول جورج قرم الخبير الإقتصادي ووزير المالية في حكومة الرئيس الحص: "عندنا في الشرق ميل إلى إهمال الدور السياسي للمرأة، وتناسي كون الحركة النسائية العربية سبقت نظيرتها الفرنسية بأكثر من ثلاثين سنة" (ص8)، ويُلحقها بأسماء شخصيات عربية مرموقة كانوا "طليعة الداعين إلى تحرر المرأة، متقدّمين بذلك عشرات السنين على حركة سيمون دو بوفوار" أمثال هدى الشعراوي، ثم الفلسطينية حنان عشراوي والمصرية نوال السعداوي والمغربية فاطمة المرنيسي، واللبنانية – الفلسطينية مي زيادة. إذاً يتحضّر القارئ لا للإطلاع على حياة جولييت المير كونها فقط زوجة مؤسس الحزب السوري القومي الإجتماعي التي تحمّلت مسؤولية العائلة في ظل غياب سعاده، بل للولوج إلى مسيرة "الأمينة الأولى" النضالية في الحزب ومعاناتها في السجون بعد اغتيال "الزعيم".</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><strong><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">بطاقة تعريف</span></strong></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">يمتد الكتاب على 365 صفحة (من القطع الكبير) ويحوي ستة عشر فصلاً<span style="mso-spacerun: yes;"> </span>بالإضافة إلى مقدمة لقرم وأخرى لصنيفر، وخاتمة يتبعها فهرس الأعلام وملحق الصور الذي يتضمن لحظات محفوظة من حياة جولييت المير بين العام 1930 و1967، فنراها وهي شابة مع صديقاتها، وهي تعمل ممرضة في حمص، وصوراً شخصية مع أنطون سعاده في الأرجنتين وفي لبنان، وأخرى مع طفلتيهما صفية وأليسار مع العائلة، وطبعاً صوراً من مناسبات ورحلات سياسية، كما أنّ هناك صورة لجولييت في السجن عام 1960 تتوسط والدتها حنّة وشقيقتها ديانا. في الفصل الأول “العبور الأول” تتناول صنيفر مشقة رحيل عائلة المير (حنّة وأطفالها الأربعة: جولييت، ديانا، جورج، وكاتالينا) في العام 1920 من طرابلس إلى بوينس آيريس، عبر البحر من مرفأ بيروت إلى مرسيليا ثم إلى الأرجنتين لملاقاة الوالد "عبدو". حينها، كانت الهجرة صعبة لغير الأثرياء الذين كانوا يستطيعون تحصيل جواز سفر عثماني من حكومة جبل لبنان، أما الفقراء فكانوا يعانون لتحصيل وثيقة مغادرة الأراضي السورية "نظراً إلى عدم الإعتراف الدولي بسوريا ولبنان" (ص39). ولدى وصول العائلة إلى العاصمة، سجّلتهم الحكومة الأرجنتينية على أنّهم أتراك </span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">Turcos</span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">، أي من رعايا الدولة العثمانية. بعد سنوات من التنقل بين المدارس الحكومية وأخرى بريطانية، طمحت جولييت في أن تصبح طبيبة، لكنّ وفاة والدها حال دون ذلك؛ تزوجت أختها كاتالينا وانتقلت إلى المدينة الجبلية ميندوزا، بينما عملت جولييت وديانا مع أخيهما في محل والدهم التجاري لتأمين مصروف العائلة. درست جولييت التمريض وعملت في المستشفى الإنكليزي لسنوات ثم التحقت بمستشفى الطبيب بوخ</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">في الفصل الثاني "في صفوف الحزب" تحكي صنيفر كيف التقت جولييت بسعاده عام 1939 ثم انجذبت إلى حديثه عن حركته السياسية وعن طرحه القومي الذي يحارب "الحدود المصطنعة والهويات الطائفية التي تقسّم سوريا" (ص52) فانضمت بعدها بأيام إلى الحزب وأقسمت اليمين. أخذت جولييت تتعرف أكثر على مبادئ الحزب وسنوات تأسيسه وعن اعتقال سعاده ثلاث مرات بين عامي 1935 و1937، وكتابه "نشوء الأمم" الذي أنجزه في السجن، وصحيفة "النهضة"، ومخططات كتاب "نشوء الأمة السورية" الذي اختفى منذ حينها. كان نجم سعاده يسطع وأفكاره بشأن الهوية القومية ودحض فكرة الإنقسام إلى لبنانيين وسوريين تنتشر بسرعة، وكانت جولييت تقرأ أفكاره وتستوضح منه كثيراً من مصطلحات ومعانٍ حتى حثّها سعاده على إتقان اللغة العربية. توطدت علاقتهما كما يشير الفصل الثالث القصير "عشاق قرطبة" ويصارحها سعاده: "أريدك أن تكوني رفيقة حياتي"، ليتزوجا في مطلع العام 1941 وينجبا صفية في العام نفسه</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">كثّف سعاده إجتماعاته ومقالاته ومحاضراته الأسبوعية خاصة في ما يتعلق بخطر الهجرات اليهودية إلى فلسطين، والمشروع الصهيوني في المنطقة والقضية الفلسطينية في ظل قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين إلى دولتين: عربية ويهودية</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><strong><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">المؤامرة السورية – اللبنانية</span></strong></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">في "العودة" أي الفصل السابع، تغطي صنيفر فترة عودة سعاده إلى سوريا عام 1947 بعد أن أدرك "أنّه من الصعب إيقاظ القومية السورية خارج أرضها" (ص110) رغم جهوده في الكتابة ومخاطبة السوريين من خلال المطبوعات التي أصدرها بين 1921 و1947 (الجريدة، المجلة، سوريا الجديدة، والزوبعة). حال وصول سعادة إلى الشوير ومكوثه فيها، شُنّت حملات تشويه على شخصه خاصة بعد أن نشط في اجتماعاته وجولاته ومحاضراته الثقافية حتى وجد نفسه تحت المراقبة، وصدرت مذكرة بتوقيفه بتهمة عدم اعتراف الحزب السوري القومي الإجتماعي باستقلال لبنان، التهمة التي فنّدها سعاده في بيان شرح فيه الوضع حينها. في تلك الفترة كان مستحيلاً طرح أي نقاش يحمل فكرة "سوريا الطبيعية" ويدعو إلى الهوية القومية، فاعتبر القادة اللبنانيون الجدد "من البرجوازية السنية والمارونية" عودة سعاده تهديداً لمصالحهم ولـِ "لبنان الميثاق الوطني". إنتقل بعدها إلى بيروت واستقرّ مع عائلته في شقة شبه خالية من الأثاث بالقرب من شارع جان دارك في الحمرا. باعت جولييت ذهبها واستخدمت المال الذي كان بحوزتهم لإعادة إطلاق طباعة الصحيفة. كثّف سعاده إجتماعاته ومقالاته ومحاضراته الأسبوعية خاصة في ما يتعلق بخطر الهجرات اليهودية إلى فلسطين، والمشروع الصهيوني في المنطقة والقضية الفلسطينية في ظل قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين إلى دولتين: عربية ويهودية. بعد سنتين، أحرق الكتائبيون مطبعة الحزب في الجميزة وألقت قوات الأمن القبض على "الرفاق" وأصدرت الحكومة قراراً بإلقاء القبض على سعاده وداهموا منزله بعنف أكثر من مرة. اختفت أخبار سعاده إلى أن علمت جولييت بوصوله إلى دمشق وذهبت للقائه. بعد بقائها معه لفترة في دمشق، تحضّر سعادة للقاء حسني الزعيم مساء السادس من تموز/يوليو 1949 لكنّه كان فخا، إذ نقلوه إلى لبنان وسلّموه هناك للمحاكمة. أُعدم سعادة بعدها بيومين رمياً بالرصاص ولم يُعرف أين دُفن جثمانه. أصبحت جولييت هي المستهدفة من بعده فوضعت تحت المراقبة في دير صيدنايا إلى حين انقلاب سامي الحناوي وإعدام حسني الزعيم ومحسن البرازي</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">في خضم حزنها ومصابها الأليم في فقدان سعاده؛ زوجها ووالد أبنائها والزعيم المؤسس للحزب الذي أقسمت له الولاء، قررت جولييت البقاء في دمشق والنضال إلى جانب الرفاق وإظهار قدرتها على الدفاع عن الحزب ومبادئه، لكنّها في البداية اكتفت بحضور المؤتمرات والمشاركة في النشاطات الإجتماعية "للحفاظ على صورة الحزب من دون أن تتدخل في الشؤون السياسية" (ص219). لاحقاً وبعد تكثيف نشاطها، صدر قرار بتوقيفها وسيقت بالقوة إلى دائرة الشرطة ثم نُقلت إلى سجن المزة. وُضعت في زنزانة صغيرة ضيقة واستُجوبت لساعات على مدى عدة أيام. مرّت ثلاث سنوات وهي لا تزال في الحبس الإنفرادي وتدهورت صحتها كثيرا. نُقلت بعدها إلى سجن القلعة حيث بقيت هناك إلى أن ظهر ورم خبيث في عنقها استدعى استئصاله. عام 1963 وبعد تسع سنوات من السجن، صدر العفو الذي بثّته إذاعة لندن وخرجت على إثره جولييت في 26 كانون الأول/ديسمبر مجبرةً على الرحيل إلى أوروبا. قررت العودة في العام 1970 إلى ضهور شوير، حيث كانت تسكن مع سعاده. توفيت جولييت عام 1976 في مطلع الحرب الأهلية اللبنانية</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">يُلحظ لصنيفر ضبطها للخط الزمني منذ الحرب العالمية الأولى وتسلسل الأحداث التاريخية في العالم: مراسلات الحسين مكماهون، إتفاقية سايكس بيكو، وعد بلفور، التنافس البريطاني الفرنسي لفرض الإنتداب على أراضي السلطنة العثمانية بعد استسلامها في الحرب، مؤتمر السلام ومعاهدة فيرساي، ثم هجرات اليهود إلى فلسطين واحتلالها إثر ضعف وتقصير الجيوش العربية، والإنقلابات في سوريا، وصعود الناصرية، سقوط النظام الملكي في العراق، الوحدة العربية بين مصر وسوريا وغيرها من الأحداث السياسية التي مدّت المذكرات بالسياق التاريخي السياسي</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">في الختام، هو كتابٌ تأريخي لسيدةٍ لم تشارك في التجربة فحسب، بل خاضتها وكانت صنواً رئيسياً فيها. سيدة تستحق أن يؤرّخ أكثر من كتاب مراحل حياتها ونضالها في سبيل هذي البلاد وشعبها</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">نُشر في موقع صمود بِتاريخ 26 تموز 2022</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif;"><a href="https://somoud.com.ps/2022/07/26/%d8%b6%d9%8a%d8%a7%d8%a1-%d8%b3%d8%b9%d8%a7%d8%af%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d9%8a%d9%86%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88%d9%84%d9%89-%d9%84%d9%84%d8%ad%d8%b2%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%88/?fbclid=IwAR3aJlnWq6mB3aqqTFiGDOnAGheLXlReZnryPr-33cxLbecqpLcqSAboQBk"><span lang="AR-SA">صمود - ضياء سعاده: الأمينة الأولى للحزب السوري القومي الإجتماعي</span><span dir="LTR"> (somoud.com.ps)</span></a></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;"> </span></p>
اقرأ المقال
النص الذي كتبه المسرحي البريطاني الإيراني الأصل حسين أميني كان مقرّراً أن يكون فيلماً، لكن فشل فيلم «سولو: قصة من حرب النجوم» (2018)، جعل شركة «ديزني» تقرر أن تحوّله إلى مسلسل قصيرٍ من ست حلقات لتبثّه على «ديزني بلس». يأتي مسلسل «أوبي وان كينوبي» حاملاً اسم أحد الأبطال الشهيرين من سلسلة «حرب النجوم» التي بدأها المخرج الأميركي المعروف جورج لوكاس عام 1977 مع ثلاثية: «الجزء الرابع: أملٌ جديد» ليتبعها عام 1980 مع «الجزء الخامس: الإمبراطورية ترد»، و«الجزء السادس: عودة الجيداي» في عام 1983. كرّت السُّبْحة وتحوّلت هذه القصّة إلى ما يمكن اعتباره «الدورادو» أو شلالات من مدن الذهب، فأصبحت هناك مسلسلات، روايات، كتب مصوّرة، قصص، أفلام، ألعاب، ألعاب فيديو، ثياب، كلّها مرتبطة بالفكرة نفسها أي «حرب النجوم». يخطئ من يعتقد أنَّ الخيال لا يكسب أو «لا يبيع». منذ بداية الحضارة، اكتشف البشر قدرة الحكاية على الجذب، والأسطورة والخوارق على كسب مستمعين مستعدّين أن يدفعوا مقابل حمايتهم من المخاطر التي لا يدركونها، أو تأييدهم من قبل قوى أهم وأكبر؛ فكانت العرّافات، كما المؤرّخون، ورواة القصص الذين يكتبون على أوراق البُردى أو ينحتون قصصهم على الحوائط، جزءاً لا يتجزأ من الأثر. لاحقاً كما يقول مرثيا إلياد، الفيلسوف والمنظّر الروماني حول الأساطير: «في البداية تكون الفكرة، وبعد ذلك يكفي أن يكون هناك خمسة أشخاص مؤمنين بها كي تتحوّل إلى حقيقة واقعية ومن ثم إلى أسطورة». من هنا، منذ إطلاق سلسلة «حرب النجوم»، لا تزال تلك السلسلة تحظى بنجاحاتٍ كبيرة، وتتّكئ على جيوشٍ من العشاق الولهين بها. هؤلاء لا يكتفون بمشاهدة المسلسل أو الفيلم، بل يتعدّونه إلى كل ما يتعلّق بأدق تفاصيل العمل بحدّ ذاته. ولا يخفى على أحد أنَّ الشركات المنتجة باتت تعرف بأن هذا النوع من الأعمال له جاذبيته الخاصة التي تجعله بمثابة عنصر لفت انتباه وجذب. لذلك استخدمت «ديزني» مسلسل «أوبي وان كينوبي» كعامل ترويجي لإطلاق شبكتها للبث الرقمي في الشرق الأوسط؛ نظراً إلى معرفتها بمدى قوة السلسلة وتأثيرها. تأتي قصة المسلسل بعد عشر سنوات على أحداث فيلم «حرب النجوم: الجزء الثالث- انتقام السيث» (2005)، حيث تم تدمير مجموعات «الجيداي» من قبل «النظام 66» التابع للسيث. و«الجيداي» هم أشبه بمزيج من الكهنة المسيحيين، متدربي الشاولين الصينيين، الصوفيين المسلمين، مع بعض المزايا الخارقة. ذلك أنهم يمتلكون قوة تدعى The Force تمكنهم من التحكّم بالأشياء وتحريكها عن بعد. يتدرب هؤلاء الرهبان لسنواتٍ، ويتمتعون بموهبة فطريّة تسمح لهم بالسيطرة على «القوة». ميزة «الجيداي» أنهم خيّرون بالفطرة، يحبون الناس ومستعدون للدفاع عنهم. ولا ريب أن أحد أشهر فرسان «الجيداي» هو أوبي وان كينوبي (إيوان مكريغور). تكمن شهرة كينوبي ليس فقط في أنه من القادة المهمّين لـ«الجيداي»، بل لأن متدرّبه أناكين سكاي وولكر (هايدن كريستيانسون) قد خانه وتحوّل إلى «دارث فيدر» ذي القناع الأسود المخيف والصوت العميق، أحد أشهر قادة «السيث». و«السيث» هم النسخة الشريرة من «الجيداي». لدى «السيث» القوى والميزات ذاتها التي يملكها «الجيداي»، لكنهم اختاروا الشر بدلاً من الخير، بالتالي هم يخدمون أطماعهم ورغباتهم بدلاً من الخير. تبدأ قصة المسلسل مع كينوبي، الذي يختبئ على كوكب «تطوين» مراقباً أحد الطفلين التوأمين لأناكين سكاي وولكر، أي لوك الذي يعيش مع عائلةٍ تتبنّاه بشكلٍ خفيّ. يُستدعى كينوبي لاحقاً لإنقاذ الأميرة ليا أورغانا (فيفيان لايرا بلير)، وهي التوأم الثاني من طفلي سكاي وولكر التي خُطفت من قبل عملاء للإمبراطورية. يتضح لاحقاً أن هدف الخطف، هو أن عملاء الإمبراطورية يعتقدون أن كينوبي سيأتي لإنقاذ الأميرة ليا؛ وهو ما يحصل. كل هذا يكون بهدف التحضير للهدف الأهم: اللقاء بين كينوبي وتلميذه الذي تحوّل إلى شرير: أناكين أو دارث فيدر؛ الذي لم يكن كينوبي يعرف بأنه لا يزال حياً منذ آخر لقاءٍ جمعهما. ودارث هنا هي «رتبة» في عالم السيث بمعنى «قائد أعظم» أو ما شابه. في القصة الكثير من التفاصيل التي تجعل عشاق السلسلة مفتونين ومنبهرين في آنٍ معاً. في البداية العودة إلى عالم «تطوين» الصحراوي، الذي شاهدوه في أكثر من جزءٍ من السلسلة، ما يبعث نوعاً من النوستالجيا. يضاف إلى هذا دخول حياة الأميرة ليا، إحدى أيقونات «حرب النجوم» التي شاهدوها وهي شابة في الأجزاء الأولى من السلسلة (سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي) حين لعبت دورها القديرة كاري فيشر. ولاحقاً شاهدوها مسنّةً وحتى وهي تموت في آخر أجزاء السلسلة العام الفائت. عودة كينوبي أيضاً أعادت إلى الواجهة الكثير من القصص والأسئلة التي يرغب متابعو السلسلة بمشاهدتها ومتابعتها والحصول على إجابات لها مثل: هل كان فيدر يعرف بأن لديه أطفالاً؟ هل يتذكّرهم؟ هل يحنّ إليهم؟ من تابع السلسلة، يتذكّر حتماً الجملة الشهيرة من لقاء لوك سكاي وولكر مع والده دارث فيدر في ثلاثية السلسلة الأولى في سبعينيات القرن الماضي، حينما تقاتلا حتى الموت بالسيف الضوئي الشهير (lightsaber) ليختم فيدر الصراع بالقول: «أنا والدك يا لوك». عبارة تحوّلت إلى meme شهيرة؛ نظراً إلى كونها مفاجأة كبرى في ذلك الوقت. الأمر نفسه ينسحب على الأجواء العامة للسلسلة، حيث المقاومة. رغم ضعفها وقلة عتادها وعدّتها، تسعى هذه المقاومة بكل ما تستطيعه إلى الوقوف بوجه إمبراطورية أقوى وأشد بأساً وتفوّقاً من جميع النواحي. هل كان جورج لوكاس حال صناعته لهذا النوع من القصص يريد الوقوف بجانب الضعفاء والثوار في مواجهة الإمبراطوريات المتوحّشة التي تسود العالم في السابق واليوم؟ أدائياً، يمكن القول بأنّ أفضل مؤدٍّ في العمل هو الممثلة الأميركية الطفلة فيفيان لايرا بلير، التي قال عنها الناقد بين شارلوك من موقع «سكرين رانت» بأنها: «النجمة الصاعدة المفاجأة» في هذا المسلسل. أدّت بلير على طريقة الكبار، رغم صغر سنّها (10 سنوات)، وأعطت الدور الكثير من «الهضامة» و«العذوبة» في معظم أوقات ظهورها على الشاشة، حتى في تفاصيل حركتها الصغيرة والواسعة. الأسكتلندي إيوان مكريغور لديه باعٌ طويل في عالم التمثيل، فضلاً عن جوائز كبيرة، يؤدي هنا باستخدام تقنيات الستانسلافسكية الأدائية، فيرتدي الشخصية، فلا يظهر منه إلا هي. من تابع ثلاثية الأفلام التي أدى بها الشخصية نفسها؛ ودُعيت بـ «ثلاثية أفلام بداية حرب النجوم» (star wars prequel trilogy)، يعرف تماماً مدى مهارته كمؤدٍّ. لذلك لم يكن غريباً أن يكمل ما يجيده. أما المخرجة الكندية ديبورا شو، فكانت قد تولّت قبلاً الجزء الأوّل من مسلسل «الماندلوري»، وهو أيضاً من سلسلة «حرب النجوم» ومن إنتاج «ديزني». نجاح شو في «الماندلوري» جعلها مطلوبةً بقوة لإخراج هذا الجزء، وهي استطاعت أن تقدّم جواً شبيهاً بجو مسلسلها السابق الناجح. يمكن القول بأن من شاهد العملين، يشعر بأنّ هناك روحاً واحدة تجمعهما رغم الفارق الزمني بينهما. وكعادة معظم أعمال «حرب النجوم»، فإنّ الموسيقى جزء لا يتجزأ من العمل. ومن هنا كانت الاستعانة بالمؤلفة الموسيقية وعازفة الكمان البريطانية ناتالي آن هولت، التي كانت قد أعطت «ديزني بلس» موسيقى مسلسل «لوكي» (2021)، فضلاً عن عملها في أعمال كبيرة مثل مسلسل «فيكتوريا» (2017) الذي رُشّحت عنه لجائزة أفضل مؤلفة موسيقى تصويرية في الـ «إيمي» تلك السنة. أعطت هولت العمل لوناً موسيقياً خاصاً به، وإن ظلت في الإطار عينه لموسيقى السلسلة ككلّ. باختصار، هو مسلسلٌ يستحق المشاهدة لهواة السلسلة، خصوصاً أن بعض التفاصيل قد تبدو معقّدة بالنسبة إلى من لم يشاهدوا الأفلام السابقة أو عرفوا فحواها. أما للوافدين الجدد على السلسلة، فهذا المسلسل بالتأكيد سيكون حجر زاوية رئيساً في متابعتهم للقديم كما للجديد من «حرب النجوم». * Obi-Wan Kenobi على «ديزني بلس» نُشر في صحيفة الأخبار اللبنانية بتاريخ 20 تموز 2022 https://al-akhbar.com/Cinema/341530
اقرأ المقال
«كأنّ مارتن لوثر كينغ قد أعيد إحياؤه ليتم إلقاء القبض عليه مرة أخرى» (من مقدمة كتاب «الفكرة الفلسطينية»، ص13) في الفيلم الوثائقي «ملوك وكومبارس» (2004) للمخرجة الفلسطينية عزة الحسن، تخبرها إحدى المحاورات الفلسطينيات: «الآن ليس هو الوقت المناسب للتفكير في السينما». لكن ماذا لو كان الاستعمار يسعى لاحتلال الفكر والعقل؟ يطرح الأستاذ المساعد في الدراسات الإعلامية في الجامعية الأميركية (في بيروت) غريغ بوريس في كتابه The Palestinian Idea: Film, Media, and the Radical Imagination صادر باللغة الإنكليزية عن «دار تمبل» الجامعية 2019) مفهوم «الفكرة الفلسطينية»، وكيف أن الاحتلال لم يستطع القضاء عليها. الفكرة عينها كان قد تناولها المفكّر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد في كتابه(Peace and Its Discontents) صادر عام 1995؛ إذ يتحدّث عن أنّنا كفلسطينيين يجب أن نستعيد فلسطين إلى مكانها، ليس فقط كأرض بين البحر والنهر، ولكن كفكرة. يظهر هذا الطرح في أعمالٍ عدّة لسعيد تحت مفهوم «الفكرة الفلسطينية» أو «الجواب الفلسطيني» الذي يهدف إلى مستقبل أفضل خالٍ من العنصرية والتمييز بعكس الفكرة الصهيونية التي تقوم على النهوض بمصالح اليهود وإلغاء الآخر. ينقسم الكتاب إلى ستة فصول: الفكرة الفلسطينية، فلسطين «البلاستيكية» (يقسمها إلى فصلين كاملين)، الوقت الفارغ/ المجوّف، المساواة تحت الرقابة، فلسطين بالأبيض والأسود.Visit Palestine عبارة عن ملصق إعلاني من عام 1936، صُمّم قبل إعلان دولة الاحتلالمن خلال هذه العناوين، يحاول الكاتب الولوج إلى عمق «الفكرة الفلسطينية» كما يراه تِبعاً لبحثه. وما تسمية الفصول بهذه الطريقة إلا محاولة لسبر غور قضية شديدة التعقيد. يسعى بوريس في الفصل الأول إلى قلب المعادلة السائدة بأن مفهوم الفكرة الفلسطينية وما تتضمنه هو رد فعل على الوحشية الصهيونية. هو يرى بأن العكس هو الصحيح، أي أن الفكرة الصهيونية بما تتضمنه من مبادئ واستراتيجيات هي رد فعل على الفكرة الفلسطينية التي تعرّي بروباغندا الحركة المحتلة. يأخذ الكاتب إعلان ملصق «زيارة فلسطين» Visit Palestine عبارة عن ملصق إعلاني من عام 1936، صُمّم قبل إعلان دولة الاحتلال) الذي يُظهر فلسطين كأرضٍ مسكونة، بدءاً من الشجرة التي تمثّل كادر الملصق، وتوحي بأن على هذه الأرض حياة وبيوت وأماكن عبادة. المدهش أن هذا الملصق الذي يسمّي الأرض «فلسطين» وتم تصميمه قبل إعلان «دولة إسرائيل» بقرابة 12 سنة، لم ينجزه فلسطيني أو عربي، بل صهيوني ألماني يُدعى فرانز كراوس لترويج وتشجيع الهجرة اليهودية من أوروبا إلى فلسطين. أمر يتناقض مع الدعاية الصهيونية القديمة وكلام رئيسة وزراء العدو غولدا مائير بأنه «لم يكن هناك شيء اسمه فلسطين قبل مجيئنا إليها».يعلّق الكاتب أيضاً في بداية هذا الفصل (يمكن اعتباره الفصل الأهم في الكتاب) على الوقفة الاحتجاجية التي قامت بها مجموعة من الشبان الفلسطينيين في شارع الشهداء في مدينة الخليل عام 2013 اعتراضاً على زيارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما إلى «اسرائيل»، موضحاً أنّهم كانوا يحملون بأيديهم علم فلسطين وصورة روزا باركس (1913-2005)، الناشطة والمناضلة ضد التمييز العنصري في أميركا، فضلاً عن ارتدائهم أقنعة تمثّل مارتن لوثر كينغ وأوباما نفسه. وعلى قمصانهم كانت عبارة كينغ الأشهر: «لديّ حلم» I have a dream. هذا المشهد السلمي الذي تمثّل في إحياء صور وأيقونات من حركة التحرر الأميركية السوداء، انتهى باعتقالهم عندما عبروا إلى منطقة في الشارع مخصصة لليهود فقط، فبدا المشهد »كما لو أنّ مارتن لوثر كينغ قد أعيد إحياؤه ليتم اعتقاله من جديد» بحسب كلام بوريس حرفياً. من هنا، يخلص الكاتب ــ بالاعتماد على أفكار المفكر الفرنسي جاك رانسيير (1940) والمنظر الأميركي من أصل أفريقي سيدريك روبنسن (1940-2016)ـ بأن الفكرة الفلسطينية تمنحنا القدرة على تخطّي الأفق الصهيوني عبر اكتشاف أنّ الحلم الطوباوي ليس إلهاء لقضية التحرير والتخلّص من القمع، إنما هو التزام؛ فالثقافة والعمل الثقافي هما ضرورة وليسا ترفاً.لدراسة ظهور وتشكيل الهوية الفلسطينية، يتناول الكاتب في الفصل الثاني والثالث عدداً من الأفلام الخيالية لمخرجين فلسطينيين من بينهم إيليا سليمان، ومحمد بكري، وعلي ناصر، وميشيل خليفي، وآن ماري جاسر، موضحاً أنّ السينما تستطيع إظهار الهوية الفلسطينية في ثلاث مراحل: النكبة، الانتفاضة، ومرحلة غياب الصورة الواضحة، مركّزاً على فيلمَي المخرجة آن ماري جاسر «لما شفتك» (2012) و«ملح هذا البحر» (2008). أمّا في الفصل الرابع، فيختار التركيز على الأفلام الوثائقية التي تقدّم قصصاً وذكريات غالباً ما تكون منسيّة ومغيبة عن الواقع، وتشكّل بدورها تاريخاً معاكساً أو مضادّاً (counter-history) مع التاريخ الصهيوني (لديه رواية مختلفة عن تلك الصهيونية). لكن بالرغم من ذلك، يرى بوريس أنّ هذه الأفلام الفلسطينية تقيّد نفسها (لأنّها وثائقية) ضمن حدود الحقائق، متجاهلةً ساحة معركة قد تكون أهم بكثير. يعود غريغ بوريس في الفصل الخامس إلى مفهوم الفكرة الفلسطينية ليناقش أنّه حتى في ظلّ الاحتلال والقمع، فإن الفلسطيني قادر على خلق المساواة ضمن واقع لا مساواة فيه. صحيح أنّ الفلسطينيين يخضعون للمراقبة في كلّ مكان: على نقاط التفتيش، المعابر، الحواجز، الطرق، الزوايا، والأماكن العامة والخاصة، إلا أنهم يقومون بما يسمّونه «المراقبة المعاكسة» (counter-surveillance) ، التي تسعى لفرض مساواة من نوعٍ ما ضمن منطق مشابه لفكرة: We Watch the watchmen الشهيرة. يضيء على الأفلام بهدف دراسة ظهور وتشكيل الهوية الفلسطينية يراقب نشطاء من جمعيات مثل B’Tselem أو Machsom Watch معاملة الفلسطينيين على المعابر والحواجز الإسرائيلية، الأمر الذي يصوّب الكاميرا ويوجهها صوب المحتل، جاعلاً إياه تحت الضوء. في الفصل الأخير من الكتاب، يقترح المؤلف علينا الربط بين حركات التحرر في المجتمع الأميركي من أصل أفريقي Black Power Movement)) والقضية الفلسطينية؛ ذلك أنَّ الفكرة الفلسطينية تشجّع على التضامن العابر للحدود، فيستشهد بحادثة فيرغسون 2014 في ميسوري الأميركية حين قتل الشاب الأميركي من أصل أفريقي مايكل براون على يد شرطي أبيض. في الوقت الذي تضامن فيه الفلسطينيون من نشطاء وأكاديميين وجمعيات مع قضية براون، كان جنود العدو الإسرائيلي يتضامنون مع حملة «تحدي دلو الثلج» (Ice Bucket Challenge) التي تعتبر حملة مرتكزة إلى المشاهير. باختصار، هي محاولة للمقارنة بين الفلسطيني الذي تضامن مع شعب «أسود» يقبع تحت «الظلم»، فيما تضامن الصهاينة مع الـ«أبيض» والحملة ذات «الضجة» الأكبر. يقدم كتاب The Palestinian Idea: Film, Media, and the Radical Imagination، الفكرة الفلسطينية من خلال محاولة سبر عدد كبير من الأفلام، والوثائقيات، إضافة إلى العديد من الحملات التي تمت على مواقع التواصل الاجتماعي بالإضافة إلى مشاهدات حيّة حصلت مع الكاتب عند زيارته فلسطين خلال العمل على بحثه. في النهاية، يرى غريغ بوريس أنّ «السينما الفلسطينية تمتلك بُعداً مثالياً قادراً على كسر الواقع الإسرائيلي الخانق وفتح نافذة إلى عالم من الحرية والأمل وسط القمع والتمييز العنصري. قد يكون الإسرائيلي قد نجح في احتلال المكان، إلا أنه بالتأكيد لم ينجح في اختراق الخيال الفلسطيني الراديكالي» في المحصّلة، هو كتابٌ أكاديمي بحت، قائمٌ على قراءة معطيات ونظريات، ومقارنتها بأرض الواقع ضمن أبحاث ونظريات. يستحق القراءة بالتأكيد لأنَّ هذا النوع من الدراسات مفيد ومهم لدفع القضية الفلسطينية وإعادتها إلى الواجهة كحركة مقاومة فاعلة ضد عدوٍّ يستخدم «الثقافة» ــ دائماً ـــ كسلاح. نشر في صحيفة الأخبار اللبنانية بتاريخ 12 أيلول 2019 https://al-akhbar.com/Literature_Arts/276156
اقرأ المقال
إنه بدون أدنى شك أحد أفضل الإنتاجات الأخيرة. يأتي فيلم «برا المنهج» (كتابة وإخراج عمرو سلامة) بمثابة رحلة لاكتشاف الذات والعودة إلى الجذور. الفيلم يعيد التذكير بجمالية الأفلام وحلاوتها بعد مرحلة كمونٍ مقارنةً بالمسلسلات التي باتت تأخذ حيزاً كبيراً من وقت المشاهد. لقد باتت الأفلام أضعف مقارنةً بالمسلسلات، وصار يُصرف على المسلسلات أضعاف ما يُصرف على الأفلام؛ لكن تأتي أفلام مثل «برا المنهج» لتعدّل الكفّة وتوازنها. تدور حكاية الفيلم حول فتى يبلغ ثلاثة عشر عاماً، يعيش في قريةٍ نائيةٍ في مصر، يدعى نور (عمر شريف) يناديه زملاؤه في المدرسة «عماشة» في إشارةٍ «لئيمةٍ/ شتائميةٍ» إلى ضعف بصره وارتدائه نظاراتٍ سميكة. يعاني «عماشة» الأمرّين في حياته. والداه ــ بحسب الظاهر ــ ميّتان، تربّيه خالته فوزية (دنيا ماهر) التي يعيش معها ومع أولادها وزوجها حنفي (أحمد خالد صالح) مدمن المخدّرات الذي يشبعها ضرباً إن لم تعطه الأموال التي بحوزتها. يضاف إلى هذه المعاناة، المدرسة التي يتعامل طلابها وأساتذتها مع نور بمنتهى القسوة والشدة والسخرية والتنمّر. يروي القصّة -كما سيلاحظ المشاهدون لاحقاً- «الشبح» أو «المراكبي» (ماجد الكدواني) وهو عبارة عن شخصٍ يرتدي ثياب شبح ويسكن في منزلٍ يقع بجوار مدرسة نور. وهذا المنزل يُسمى منزل الأشباح. منزل الأشباح الذي يسكنه المراكبي يخافه جميع سكان القرية، وهو يتّكئ على هذا الخوف والتطيّر ليعيش وحيداً في عزلةٍ تامة ومن دون إزعاج إلا في ما ندر من بعض الأطفال الذين يلعبون الكرة بجوار حائط منزله المهجور. بعاً، تبدأ القصة حين يلعب «نور» الكرة مع أقرانه لتقع الكرة بالخطأ في منزل الأشباح. سرعان ما يجبر الأطفال (في الفيلم إشاراتٌ كثيرة إلى تنمّر الأطفال بعضهم على بعض) نور على إحضار الكرة من منزل الأشباح المخيف والمرعب. «المراكبي/الشبح» يظهر على نور، الذي يرتعب كثيراً، ويضيّع «نظّارته» هناك، لكنّه للمفارقة يلاحظ بأنَّ «الشبح» يرتدي «زنوبة»، وهي ماركة شهيرة لنوعٍ من الخف البلاستيكي الرخيص الثمن. يسأل نور خالته وهي «تغسله»: هل ترتدي الأشباح/ العفاريت «زنوبة»؟ فتجيبه «أبداً، لأن العفاريت لديها أقدام ماعز». الصبي شديد الذكاء، سرعان ما يقرر أن يذهب في رحلة البحث عن نظّارته، وفي الوقت نفسه سبر غور المكان وساكنه. هنا تبدأ القصة الحقيقية للفيلم: العلاقة الملتبسة بين «الشبح» والطفل الذكي الذي يشير الفيلم إليه بأنه يكذب كل الوقت. سرعان ما يصبح نور صديقاً للشبح، يعرّفه إلى مدرّسة الموسيقى جيهان (روبي) ويكتشف أنه شخصٌ معروف، وبأن لديه ابنة هي فريدة (أسماء أبو اليزيد) هجرها قبل سنواتٍ طوال. لكنّ الأجمل في الفيلم هو فكرة «برا المنهج» التي اشتقّ منها اسمه: إنها القصص التي يرويها المراكبي للطفل نور. يروي له حكاياتٍ تاريخية ذات مغزى: عن الفرعون أخناتون، عن صلاح الدين الأيوبي، عن محمد علي باشا. معظم هذه القصص تتناول ما لم يكتبه التاريخ حول هذه الشخصيات: فأخناتون حين أراد عبادة الإله الواحد، لم يحدد من هو الإله المعبود، وصلاح الدين لم يكن وسيماً أو فارساً بهيّ الطلعة، ومحمد علي باشا لم يكن يستحقّ أن يحكم مصر لأن من يجب أن يحكم مصر ينبغي أن يكون من أبنائها لا «محتلاً غازياً». هذه القصص التي يقدّمها الفيلم بأجمل طريقة وأكثرها لطفاً، تجعل القصة ذات عمق إنساني، خصوصاً أنَّ المراكبي ونور يخلقان تلك العلاقة الشديدة الدهشة، فكلاهما لا يجيدان التواصل مع أحد أو حتى مع نفسيهما. إنهما يخلصان في لحظةٍ ما إلى أنَّهما من النوع نفسه: «كاذبان» وفاشلان حتى في الكذب. هذا الاكتشاف الحزين يقودهما في لحظة ما إلى الغضب من نفسيهما، لكنّ سرعان ما نكتشف أن ما يحدث آنياً ليس نهاية الأشياء، وأن هناك دائماً مفاجآت مخبّأة لا يعرفها أحد. يمكن الحديث مطوّلاً عن قصّة الفيلم واكتشاف الذات الذي يمرّ به البطلان قبل وصول الفيلم إلى نهايته وتعقيداته: فما هو بائن وظاهر، ليس الحقيقة: الشبح ليس شبحاً، والطفل «ذو النظر الشحيح» يرى أبعد من الأطفال والكبار المبصرين. الأطفال ليسوا ملائكة كما تحاول غالبية الأعمال الدرامية والقصص والروايات تقديمهم. يتنمّر الأطفال بعضهم على بعض بشكلٍ يومي في أي مكانٍ يتجمّعون فيه، وقد أدّى التنمر والاستقواء إلى حالات مؤذية وحزينة أدى بعضها إلى رفض الأطفال العودة إلى المدرسة، أو أماكن اللعب. حتى وصلت في بعض الحالات إلى انتحار بعض الأطفال. يعرّي الفيلم هذه الفكرة، ويقدّمها من دون أن يغرق فيها. في الوقت نفسه، يقارب تعلّق الناس بالخوارق، فارتباط الطفل بالشبح الموهوم، يجعل أهل القرية بأكملها يريدون «بركاته» وبركات «شبحه»: ولا يشذ عن هذه القاعدة مدرّسوه أو حتى مدير المدرسة. وحدها معلّمة الموسيقى لا تطلب شيئاً. إنها الوحيدة التي يشعر نور بأنه يستطيع تعريفها بالشبح، ذلك أنّها الوحيدة التي لم تطلب شيئاً لذاتها، بل جلّ ما طلبته هو «تصليح بيانو المدرسة المعطّل». أمر آخر يقاربه الفيلم هو العلاقة مع الحقيقة والكذب، فالكذب الذي يبدؤه نور، سرعان ما نفهم أنّ المراكبي مارسه، ولا يزال يفعل عبر لعبه دور الشبح. لقد كان في السابق شبحاً شهيراً، يكذب على الناس، ثم استحال شبحاً في قريةٍ صغيرة، بإرادته واختياره. كذب تستعمله ولا تزال وسائل الإعلام والأنظمة في سبيل تقديم صورةٍ غير حقيقية عما حصل وما يحصل. طبعاً هناك نقطة واحدة يمكن اعتبارها من أخطاء الفيلم، هي محاولة استجرار تجربة النكسة وإعادتها إلى الواجهة بصفتها أسوأ ما حدث، وهذا يناقش كثيراً، إذ إن تلك المرحلة -على سوئها- حدثت وكانت فاتحة لمرحلةٍ جديدة، ولولاها لما حدث عبور خط بارليف وإعادة سيناء لمصر. وهذا النوع من النوستالجيا البكائية، نجده في كثير من الأعمال المصرية باعتبار تلك الهزيمة نهاية العالم. ولا ريب أن أغنية «عدّى النهار» لعبد الحليم حافظ التي كتبها الشاعر المصري الكبير صلاح جاهين أبرز تلك الأعمال التي كانت بمثابة «ثيمة» لتلك الروح التي شاهدنا بعضها في تفاصيل الفيلم. تكمن مهارة المخرج عمرو سلامة في اختيار الممثلين أدائياً، يمكن القول بأنّ مهارة المخرج سلامة تكمن في اختيار ممثلين أدّوا بحرفةٍ ما يمكن اعتباره دور الموسم بالنسبة إليهم. ماجد الكدواني ــ وقد لا يعرف كثيرون ـــ واحد من أفضل المؤدّين المصريين وإن لم يحقق نصيبه من الشهرة حتى الآن. بداية الكدواني الحقيقية كانت في فيلم «طير انت» (2009) حين أدّى أمام أحمد مكي دور العفريت الذي يحقق الأمنيات وإن مقلوبةً ومشوّشة. لاحقاً، عاد الكدواني وأثبت علو كعبه مع فيلم «قبل زحمة الصيف» (2015) ولو أنَّ الأخير لم يحقق النجاح المطلوب. الكدواني عملة نادرة من الممثلين لا يتكئ نهائياً على شكله، بل على أدائه المرتفع، وقدرته على تجسيد الشخصية، وهذا يُحسب له كثيراً. وكعادتها منذ ظهورها المدهش في مسلسل «رمضان كريم» قبل أعوام، لا تزال روبي تحافظ على أدائها الخاص والمتميز بعيداً عن «الإغراء» الذي قدّمته في كليباتها الغنائية عند بداياتها. بدا أداء روبي في الفيلم رقيقاً وهادئاً، أعطت دور معلمة الابتدائي الموزونة والمحبة. الأمر نفسه لناحية الأداء المتوازن ينسحب على أسماء أبو اليزيد. منذ أدائها المذهل في مسلسل «ليالي أوجيني» (2018، إخراج هاني خليفة وكتابة سماء عبد الخالق وإنجي قاسم)، لم تنظر أسماء خلفها وانطلقت لتكون واحدة من نجمات جيلها. عمر شريف بدوره أدّى بحرفة بالغة تليق بالكبار. عمر عرفه الناس بعد هذا الفيلم مع مسلسل «البحث عن علا» (إخراج هادي الباجوري وكتابة غادة عبد العال ومها الوزير) الذي قدّمته شبكة نتفليكس، وكان من بطولة النجمة التونسية هند صبري. وفي الفيلم مفاجأة جميلة تتمثل في ظهور الممثل أحمد أمين ضيفاً في مشهدين قصيرين، لكنهما كانا كافيين لنشهد مهارة أمين الأدائية، خصوصاً بعد إبداعه في بطولة مسلسل «جزيرة غمام» (إخراج حسين المنباوي وكتابة عبد الرحيم كمال) خلال الموسم الرمضاني الأخير. نُشر في صحيفة الأخبار اللبنانية بِتاريخ 8 تموز 2022. https://al-akhbar.com/Cinema/340856
اقرأ المقال
«طهران» الذي أنتجته Apple TV+، بروباغندا صهيونية ذات «رسالة موجّهة». المسلسل الذي تجري أحداثه في العاصمة الإيرانية، يقدّم عميلة الموساد بصفتها «بطلة» تهرب من الضباط الايرانيين «الأشرار» الذين يلاحقونها. منذ مسلسل «فوضى» (إخراج عساف بيرنستين ـــــ كتابة موشيه زوندر)، تحظى المسلسلات من كيان الاحتلال الصهيوني بضجةٍ كبيرة عبر منصات البث الرقمي. إنها تقدّم «رؤية» عن «التقدّم» و«التفوّق» الصهيونيّيْن بشكلٍ جذّاب ضمن «إطارٍ» يناسب المشاهد الغربي. لا يعرف الغرب كثيراً عن «الصراع» في الشرق الأوسط. هم لا يعنيهم نهائياً أن يعرفوا، طالما أنّهم بعيدون عن الحدث الرئيسي. فقط حكوماتهم تأتي، وتفرض الحلول التي تراها مناسبة. لذلك، ما المانع أن يأتي مسلسلٌ صهيوني جديد يروي «أحداثاً» متخيّلة حول تفوّق جهاز الاستخبارات الصهيوني «الموساد» على عدوّه الأهم حالياً، أي الجمهورية الإسلامية في إيران. مسلسل «طهران» الذي أنتجته Apple TV+، يقدّم ـــ كما يشير عنوانه ـــــ «عملية للموساد على أرض العاصمة الإيرانية طهران». إنه المشتهى الشهير: أن يتفوّق الصهيوني على خصمه في عقر داره وجمهوره. أعدّ المسلسل في الأساس المؤلف موشيه زوندر لقناة «كان 1» التابعة للكيان والمتخصّصة في برامج الترفيه والمسلسلات التي تُبث بشكلٍ مجاني. قُدّم جزؤه الأول في عام 2020؛ وجُدد لجزءٍ ثانٍ جرى عرضه ابتداءً من 6 أيار (مايو) من العام الحالي؛ وعلى شبكة البث الرقمي ذاتها. وكعادة هذا النوع من المسلسلات التي تمجّد قوى الاحتلال، فإنّها تكافأ بالفوز بالجوائز الكبرى، فحصل العمل على جائزة أفضل مسلسل درامي في عام 2021 خلال احتفال جوائز الـ «إيمي». يحكي المسلسل (في جزئه الأوّل) حكاية تامار رابنيان (نيف سلطان) الطفلة اليهودية التي ولدت في طهران، لكنها عاشت وتربّت في كيان الاحتلال. سرعان ما تصبح عضوةً في الموساد. تامار في الأساس «هاكر» كمبيوتر متميزة، لذلك يستغلّها الموساد لتعطيل دفاعاتٍ جويّة، سامحةً لطيران الاحتلال أن يقصف مفاعلاً نووياً إيرانياً، ما يمنع حصول إيران على قنبلتها النووية الأولى. تفشل مهمّة تامار بالمصادفة، ما يجعلها تضطر للهروب في شوارع العاصمة الإيرانية. تقرر بعدها مجبرة أن تكتشف جذورها الإيرانية، كونها ولدت هناك أصلاً. وبطبيعة الحال، في هذا النوع من المسلسلات، تتعرّف إلى أحد مناضلي «الحرية المحبين للديمقراطية الغربية» الذي يتاجر بالمخدرات ويتعاطاها (شيرفين العنبي) لتقع لاحقاً في غرامه؛ فيما يلاحقها ضبّاط أمن إيرانيون على رأسهم فراز كمالي (شان توب) من «إطلاعات سباه» أو أمن الحرس الثوري الإيراني. يبدأ المسلسل في جزئه الأول بمشهدٍ درامي «تعاطفي». شاب وفتاة صهيونيان «بريئان» بحسب الظاهر، يصعدان على متن طائرةٍ أردنية؛ يتعطل أحد محركات الطائرة، فيضطر قائدها للهبوط في مطار طهران. الشابان «اليهوديان» خائفان يرفضان النزول، لينزلا ويستقبلهما الأمن الإيراني «المتجهّم». اللافت أن بطلة المسلسل «تامار» تلتقي بالفتاة في حمام المطار لتخبرها الفتاة «البريئة» بأنها تعرفها وبأنهما «خدمتا معاً في القاعدة العسكرية نفسها». الفتاة «البريئة» هي «حكماً» مجنّدة في «جيش الاحتلال الصهيوني»، وبالتأكيد ليست بريئة تماماً. بعدها بقليل، تشاهد البطلة تجمّعاً بشرياً، لتسأل سائق الأجرة الذي يقلّها عما يحدث، فيخبرها «إنهم يعدمون مدير بنك اختلس أموال النفط». طبعاً، تفاجأ البطلة «بحسها المرهف» من هذه «الهمجية»؛ التي لا تشبه المجتمعات «المتحضّرة» التي تأتي منها؛ كما لو أنَّ جيش الاحتلال الذي خدمت فيه، لا يقتل الفلسطينيين يومياً على حواجز تفتيشه. تظهر وحشية الموساد في المسلسل عند قتل زوج «جيلا» موظفة شركة الكهرباء الإيرانية التي تأخذ تامار مكانها. لماذا قتلوه؟ لأنهم شكوا في أنّه سيعطّل مهمتهم؛ هكذا بكل بساطة. لاحقاً مع تقدّم المسلسل، تظهر شخصية الطبيبة النفسية (في الجزء الثاني من المسلسل) مرجان منتظمي (غلين كلوز) البريطانية الأصل، المتزوجة من طبيب إيراني معروف. منتظمي «عميلة موساد» محلّية هدفها قتل محمد قائد الحرس الثوري؛ وهو ما يتمحور حوله الجزء الثاني. في المسلسل مشاكل كثيرة، أُولاها مثلاً أنّه يصوّر «الدفاع عن الوطن» الذي يقوم به «كمالي» وسواه على أنّه «جريمة» و«معاد للديمقراطية والحرية»؛ فيما جلّ ما يفعله «كمالي» هو أن يحمي أمن وطنه الموكل به. من جهة أخرى، يقدّم كل ما تقوم به «تامار» على أنّه حق وفعلٌ مغامر وثوري، وأنَّ قصف مفاعل أو تعطيل الكهرباء في عاصمة كطهران، أو حتى التخريب والقتل أمرٌ بديهي وعفوي ومتوقّع. تقدّم الصهيونية بطلة المسلسل على أنّها متعاطفة، وحيوية ونشيطة وشجاعة، فيما يظهر كمالي، متسرّعاً، عنيفاً، منغلق العقل، وإن أعطاه المسلسل بعض المهارة كي يُبقي الصراع محتدماً، وإلا لفشل المسلسل منذ حلقته الأولى. طبعاً، يتعقّد المسلسل أكثر مع تقدّم حلقاته، وصولاً إلى الجزء الثاني، مع ظهور مرجان منتظري. يغازل المسلسل الشعب الإيراني، فيصفه بأنه طيب ورائع، لكن ما «حلّ بنا هو أمر كارثي» تشير إحدى شخصيات المسلسل الصهيونية التي عاشت في إيران وفرّت منها إلى كيان الاحتلال؛ وتكمل الشخصية: «كان يجب أن نقاوم أولئك المتعصّبين المسلمين»، و«لقد كانوا (أي الإيرانيون) شعباً سعيداً وطيباً؛ لكنهم يعيشون اليوم في خوف، يعيشون كذبة». في الوقت نفسه، يظهر كيف يتغلغل الموساد في «شبكات» داخل المجتمع الإيراني، المتفكك أصلاً، حسب المسلسل. راضية ابنة «أريزو» (خالة البطلة)، تقدّم بصفتها شابة تؤيد النظام، وهي ضمن «طالبات الباسيج». طبعاً اختار المسلسل شكلها كما سلوكها كما منطقها: قبيحاً. كل ذلك دفع بالخالة ـــ التي تساعد ابنة أختها الصهيونية التي تعمل مع الموساد ــــ إلى الاعتذار عن سلوك ابنتها «غير المناسب». يضاف إلى هذه الأخطاء عدم التنبه إلى أنَّ المجتمع الإيراني «متديّن» بطبيعته، وهو أمرٌ لم يظهر البتة؛ سوى في «غطاء» الرأس الذي لا يهتم به أحد؛ أي أنّه حتى فتيات «الباسيج»، لا يغطين شعرهن تماماً كما هو معروفٌ عنهن. تفصيل آخر يتناوله المسلسل باستخفاف واضح هو «عمق» تغلغل الموساد داخل المجتمع الإيراني، وهذه هي لعبة الدراما حتى يشك كل مشاهد في من حوله، وينظر إلى الموساد بصفته «جهازاً» خارقاً. أدائياً، يمكن الحديث مطوّلاً عن أن النص مكتوب بعناية، ومقدّم على طريقة المسلسلات الأميركية، وبالتالي فإن حرفة التمثيل ليست المقياس هنا. هناك بالتأكيد تمثيل موزون، لكن قيمة العمل بالنسبة إلى الغرب أو شبكات البث التدفقي هي في ما يقوله ويرويه، خصوصاً أنه يدخل عالماً لا يعرفه الغرب، ويريد أن يعرف أكثر عنه. المسلسل الذي صُوّر خارج إيران، يقدّم المجتمع الإيراني، وصراعاته، وتفاصيله البسيطة والعميقة، كالطعام والشوارع، وسائقي الأجرة، ورجال الشرطة، وطلاب الجامعات وبالتأكيد المجتمعات والعائلات. يصوّر كل هذا على طريقته وحسب احتياجه: يقدّم الإيرانيين اليهود في كيان الاحتلال كما في إيران راغبين في العيش مع أهلهم وأقاربهم. في الوقت نفسه، يعمل بسرعة مسلسلات التشويق الأميركية المعتادة، التي تتّكئ كثيراً على عنصري التشويق والإثارة. وهذا يمكن الحديث عنه مطوّلاً، ذلك أنَّ المسلسل الذي تعمل فيه «المصادفة» كل الوقت، لا يستحق ما حازه من جوائز. مثلاً، تفشل مهمّة البطلة لأنَّ «مديرها» في العمل يقرر اغتصابها في تلك الليلة. هي تتعرّف مصادفةً إلى أحد «ثوار» إيران المحبين للغرب، وتقع في غرامه. بالمصادفة أيضاً، تجد منزل أقاربها، مع العلم أنها غادرت إيران وهي في السادسة فقط. بالمصادفة كذلك، تشارك في تظاهرة «ضد النظام»... كل هذه المصادفات في المعتاد، نجدها في الأفلام العربية التي كانت تُسمّى «أفلام المقاولات»، لكن هنا يحصل المسلسل على جائزة «إيمي». في الإطار العام بالتأكيد، ليس المسلسل من «أفلام المقاولات» العربية، إذ إنه يقدم وجبة «تشويقية» سريعة لهواة هذا النوع، وإن كان المشاهد سيعاني مع اللغة العبرية أو الفارسية للذي لا يتقن أياً منهما، فضلاً عن التعاطف المفرط مع البطلة «الجميلة» «البريئة» «المسكينة»، التي تواجه «ضابط الأمن الشرير». باختصار، هو مسلسل «بروباغندي» ذو «رسالة موجّهة» يقدّم العكس ويكذب الكذبة ويصدّقها: عميلة موساد هدفها إيذاء الشعب الإيراني، تقوم بمهمة أمنية، لا يهمها من يُقتل، أو الخطر أو الأذى الذي تسببه لأهلها الذين يعيشون في إيران، أو للشعب الإيراني. هذه العميلة تقدّم كـ «بطلة»، يضطرّ المشاهد للتعاطف معها والتصفيق لها، وانتظار نجاتها من «الأشرار» الذين يلاحقونها. يكذب الصهيوني الكذبة، يمرّرها في الدراما، يلعب عليها كثيراً، ثم يصل إلى منطق التطبيق، فتصبح كذبةً يصدقها العالم ويتعاملون معها على أنّها الحقيقة. نُشر في صحيفة الأخبار اللبنانية بِتاريخ 24 حزيران 2022https://al-akhbar.com/Media_Tv/339826
اقرأ المقال
قبل أيام، مرّت ذكرى رحيل كاتب درامي لم يكن عادياً. ليس مجرّد راوٍ للتاريخ، بل مؤرخ روى تاريخ مصر من أصغر عامل إلى أكبر باشا، وقارب جميع طبقات المجتمع ونقل نبض الحواري الشعبية وشخوصها من دون أن ينسى قصص الحب والصراعات التي لا نهاية لها في الحديث عن الدراما العربية، لا يمكن إغفال دور أسامة أنور عكاشة (27 يوليو 1941 ـــ 28 مايو 2010) بصفته إحدى أهم الشخصيات التي أثّرت ولا تزال في تكوين «الروح» المعنوية لهذه الدراما. يتحدّث عالم النفس الأميركي إميل ثورندايك بأنَّ هناك «حقلاً معرفياً/ نفسياً» يتكوّن أساساً من خلال تراكم المعرفة، فيشكّل «طباعاً» جامعة وثقافة تتشارك بها مجموعة من الناس في إطار محدد أو «شعوبٍ في إطار لغةٍ مشتركة». من هنا، فإن الدراما العربية متأثرة حكماً بما قام به أسامة أنور عكاشة في صناعته لمسلسلات أثرت كثيراً في الواقع الدراما مثل «زيزينيا» (1997 ـــ إخراج جمال عبد الحميد)، و«ليالي الحلمية» (الجزء الأوّل 1987 ــــ إخراج اسماعيل عبد الحافظ)، و«الشهد والدموع» (1983ــــ إخراج اسماعيل عبد الحافظ)، و«أرابيسك» (1994ــــ إخراج جمال عبد الحميد)، و«النوّه» (1991 ــــ إخراج محمد فاضل) وسواها. ربما أحد أهم ما قدّمه عكاشة للدراما، هو أنّه أعطى الشارع حقّه، فيما ركّز بناء «الشخصية القاعدية» الخاصة به على شخصيات «واقعية» إما استقاها من الواقع المباشر، وأضاف عليها كثيراً من خياله، أو شخصيات اخترعها بكليتها. الأمر المشترك بين جميع شخصياته القاعدية/ الرئيسية هو ارتباطها بالخير بشكلٍ كبير. وحدها شخصية «أبو العلا البشري» (من مسلسلي «رحلة أبو العلا البشري»/ 1986 و«أبو العلا البشري»/1990 ـ 1996) كانت أقرب إلى الخير المطلق، وهو ما عاد وابتعد عنها عكاشة في غالبية مسلسلاته، وإن استقى منها الكثير وأضافه إلى شخصياته الأخرى. ولد عكاشة، في مدينة طنطا، لعلّ هذا ما أعطاه عشق المدن بصورتها الأصلية، وإن ظلت الإسكندرية الساحلية مدينته الأثيرة، التي أحبها وكتب فيها معظم أعماله المهمة. حتى إنه أعطى مناطقها في مسلسله المهم «زيزينيا» روحاً جديدة. أحب عكاشة مصر كثيراً، واهتم بتفاصيلها وتفاصيل حياة مواطنيها بشكلٍ مدهش. لم تخرج شخصياته لا القاعدية ولا العادية عن اليومي والمعاش، حتى إنه لا يمكن متابعة أي من أعماله من دون التنبه إلى أنَّ هذه الشخصيات موجودة فعلياً في حياتنا اليومية وتفاصيلها هي ذاتها تفاصيلنا. خريج كلية الآداب في «جامعة عين شمس» عام 1962، أفاد من عمله كإختصاصي اجتماعي ليس فقط ليدرس حالات الناس، بل ليغوص في الحالة الإنسانية، ويقرأ ما خلف المباشر المعاش. لذلك، كان طبيعياً أن يقدّم استقالته في عام 1982 متفرغاً للكتابة. هو بدأ باكراً بعض الشيء مع السهرة التلفزيونية «الإنسان والجبل» (1969)؛ لكنه عرف الشهرة والانطلاقة الحقيقية مع مسلسل «الشهد والدموع» (1983). يومها، تعاون للمرة الأولى مع اسماعيل عبد الحافظ؛ المخرج الذي سيصنع معه أعمالاً ستخلّدها الذاكرة طويلاً. كانت الحكاية بسيطة: إنها حكاية شوقي (محمود الجندي) وحافظ (يوسف شعبان) ابنَي الحاج رضوان (حمدي غيث) اللذان يمثلان طرفي النقيض في المجتمع. بحسب الظاهر، فإنه الصراع بين «المجتهد النشيط» (حافظ) و«الفاسد المستهتر» (شوقي). لكن الأمر أبعد من ذلك بكثير: فحافظ ليس كما يبدو عليه، إنه ضعيف الشخصية أمام والده وزوجته، وشوقي ليس مستهتراً، إنما anti-hero. هذا المسلسل اختصر ما يريد عكاشة تقديمه. ليس لدى عكاشة أشرار بالمطلق، ولا أخيار بالمطلق. لم تكن تلك الفكرة بـ «مباشرتها» وحدها، ما ميّز عمل عكاشة، بل أيضاً حرفة «التفاصيل» الكثيرة والدقيقة التي اهتم بها: من حياة المجتمع المصري اليومية، إلى الملبس والمشرب والمأكل؛ إلى المقاهي و«قعدة الشيشة» وحتى «الحشيشة». لقد كان الكاتب المصري يحفظ ويخزّن الحواري والأماكن الشعبية بشكلٍ يشابه ما فعله كتّاب مصر الكبار أمثال نجيب محفوظ، وإحسان عبد القدوس، ويوسف القعيد وتوفيق الحكيم. لقد كان عكاشة أميناً إلى هذا الحد في حفظ الحارة المصرية درامياً؛ هو لم يحفظها فحسب، بل آمن بها، وأكد على أهميتها في خلق جيلٍ مصريٍ جديد موسوم بالأخلاقية كما الإنتاجية العالية. في «ضمير أبلة حكمت» (1991 ــ إخراج إنعام محمد علي) وهو بالمناسبة المسلسل الأخير للنجمة المصرية الراحلة فاتن حمامة، قدّم مدرسةً تمثّل ذروة الأخلاق، تخوض صراعاً ظاهراً بين الخير والشر، لكنها في الوقت عينه تقاتل للحفاظ على روحها من الضياع. الحبيب القديم العائد بعد سنوات، في مواجهة الظروف والمال والصراعات الجانبية. إنها ثيمة من ثيماته الأصلية: ألا يخسر الخير -كما البطل- أمام الشر «المغري» الذي يختفي خلف أنوارٍ ساطعة ومكاسب كثيرة. في الوقت عينه، فـ «البطل» هو أقرب إلى «الكائن الخيالي»، والبطلة «أبلة حكمت» تبدو كما لو أنها خارجة من قصص الأساطير: أخلاقية إلى درجةٍ لا توصف، قانونية، وفوق كل هذا لا تريد «التغيّر». في «الراية البيضا» (1988 ــــ إخراج محمد فاضل)، كان المتابعون أمام ثيمةٍ مختلفة. لقد خلق المؤلف العاشق للإسكندرية، «شريراً» خاصاً ومختلفاً: «فضة المعداوي» التي لعبت دورها بمهارة الراحلة سناء جميل. السيدة الجاهلة ذات الأموال الهائلة، التي أصبحت تمتلك كل شيء، تريد –في قصة العمل- أن تحصل على «فيلا» يمتلكها سفير سابق يدعى مفيد أبو الغار. يمثّل أبو الغار، المثقف، الجميل الراقي، في مواجهة «أثرياء الحداثة» الذين أفرزهم تغيّر المجتمعات. يخوض «أبو الغار» الصراع بكل أخلاقه في مواجهة مال ونفوذ وسطوة المعلّمة «فضة». هل كان عكاشة يريد تعرية المجتمع وأثريائه الجدد الذين كرههم بشدة؟ في «أرابيسك»، كان أسامة قد نضج أكثر. لذلك أراد تقديم بطل مختلف مركّب مصنوع بحرفةٍ أقرب إلى أبطال الروايات العظيمة مثل «مرتفعات وذيرينغ»، لإيميلي برونتي و«جود المجهول» لتوماس هاردي: جاء «حسن أرابيسك» (صلاح السعدني) بمثابة التعريف للبطل المضاد (anti-hero). لقد أراد عكاشة استثمار شخصية «شوقي» من «الشهد والدموع»، فوسّع الشخصية وأعطاها دوراً وأهميةً ووظيفةً. لقد جعله فناناً ينحت «الأرابيسك» الخشبي؛ وأعطاه، في الوقت نفسه، سلوكاً «صعلوكياً» يعاقر الحشيش، لا يُؤتمن على شيء (ترك ابنه لطليقته)، من دون أي منطق سلوكي. مع ذلك، كان حسن أرابيسك أخلاقياً، مهذباً، ويمتلك كل صفات «أبناء البلد» التقليدية. هذا التناقض، جعل هذه الشخصية أشبه بكائن أسطوري، تحبه وتكرهه في آن، لكنك ترغب بكل قوتك –كمشاهد- في متابعته ومعرفة قصته. عملاه الرائدان «ليالي الحلمية» و«زيزينيا» كانا بمثابة «الختم» الذي دُمغ به بشكلٍ نهائي الدراما المصرية. «ليالي الحلمية»، ذو الأجزاء الخمسة المتميزة، كان بمثابة رواية لتاريخ مصر، من أيام «الملك فاروق» وصولاً إلى العصر الحديث الذي عايشه المسلسل. مارس عكاشة هوايته الكبرى في رواية التاريخ كما يراه ويعرفه ويفهمه. أراد أن يروي من «الخاص» إلى «العام»، إضافة إلى تخليق قصص متوازية. فالقصة المركّزة بين «الحلمية» و«غاردن سيتي»، تعرض بشكل متكامل، الصراع الأبدي بين الفيلات وباشاواتها والحواري والمناطق الشعبية وقبضاياتها؛ حتى سكان الأرياف وصراع أهالي الصعيد والبندر. يبدأ الصراع بين الباشا «سليم البدري» (يحيى الفخراني) والعمدة «سليمان غانم» (صلاح السعدني). سرعان ما يقرر العمدة غانم أن يترك قريته ويسكن القاهرة؛ ويدخل في صراعٍ محموم مع البدري. ذلك الصراع الذي كان بمثابة أخذٍ ورد بين الشخصيتين، لم ينحصر بهما، بل شمل «نازك السلحدار» (صفية العمري) زوجة سليم البدري التي سرعان ما أصبحت إحدى أهم الشخصيات في العمل، ليس فقط حين تزوّجت «العمدة» سليمان غانم انتقاماً من زوجها الذي اكتشفت زواجه الثاني وإنجابه لطفل. الصراع الذي تحوّل مناطقياً لاحقاً، أخذ منحى شديد التعقيد، حين أنجبت «نازك» ابنةً (آثار الحكيم ولاحقاً إلهام شاهين في الجزءين الرابع والخامس) من سليمان غانم. وللمفارقة أحبّها «علي» (ممدوح عبد العليم) ابن زوجها السابق سليم البدري من زوجته الثانية؛ ليستعر الصراع بين العمدة والباشا أكثر. مع تقادم السنين، بقي الصراع مستمراً بين الخصمين، إلا أن الأمور تأثرت بالأوضاع السياسية: فإبنة الباشا «نجاة» (دلال عبد العزيز) الذي يعمل في الأمن السياسي أيام الملك فاروق، تعشق «طه السماحي» (عبد العزيز مخيون) أحد أبطال الثورة، لتتزوجه وتهرب معه وتنجب منه؛ ليستشهد طه لاحقاً. تفاصيلٌ كثيرةٌ تجعل «ليالي الحلمية» أشبه بالأيقونة المزخرفة على طريقة اللوحات في القصور العباسية: أحجارٌ متناهية الصغر ترسم صورةً كبيرة شديدة الجمال: لقد أجاد عكاشة رسم «النانو» بالكتابة. في عمله الرائد الآخر «زيزينيا» الذي قارب فيه الإسكندرية، لم يكن الصراع هذه المرّة صراعاً بالمعنى المباشر: إنه النقاش/ التناقض بين الجاليات الجريكية (اليونانية لكن تلفظ محلياً في مصر هكذا)/ الإيطالية وأهل الإسكندرية المصريين العرب. هذه المرّة، يتمثّل الصراع في «بشر عامر عبد الظاهر» (يحيى الفخراني) أو «بوتشي» كما يسميه أهله الطليان: إنه «مفتاح اللغز» كما تقول مقدمة المسلسل. «بشر» هو ابن الحاج عامر عبد الظاهر الذي تزوّج شقيقة عميد «الطلاينة» في مصر. «بشر» كان مزيجاً مختلفاً/ غير معتاد. إنه ليس إيطالياً بالمطلق كما أنّه ليس مصرياً بشكلٍ كامل. إنه ابن «الجريكية» بالنسبة إلى إخوته/ أشقائه المصريين، و«ابن المصري» بالنسبة إلى أهله الطلاينة. أيٌ من الاثنين هو «بشر»؟ ذلك هو السؤال الأهم. في الوقت عينه، لم ينس عكاشة أن يحاكي تاريخ تلك المرحلة، فحكى عن «الثوار»، مقدّماً شخصية «الطوبجي» المقاوم الفذ الصامت، و«فتحية مرسال» صاحبة «المقهى» وقائدة المقاومة على طريقتها، هي التي «قتل» زوجها بين يديها وهو يُقاوم البريطانيين. إنه عالمٌ شديد الدهشة وصراعٌ لا يعرف إن كان فعلاً صراعاً بين حضارات مختلفة، أو أنّه ليس صراعاً البتة، بل مجرّد قصةٍ أثيرية. أما في مسلسله الأخير «المصراوية» (2007 ـــــ إخراج اسماعيل عبد الحافظ) أراد عكاشة من خلال جزءي العمل أن يروي حكاية مصر ككل، لا مجرّد حكاية تجمع بين العمدة «فتح الله» (ممدوح عبد العليم) وزوجته التركية ابنة الباشا (غادة عادل). وافت المنية عكاشة قبل أن يكمل الجزء الثالث الذي كان ينوي أن يروي فيه التاريخ المعاصر، كما أن يختم به أعماله. باختصار، ليس أسامة أنور عكاشة كاتباً درامياً عادياً، هو أكثر حتى من مجرّد راوٍ للتاريخ، هو أقرب إلى مؤرخ شبيه بهيرودوتس المؤرخ الإغريقي الشهير: إنه يروي تاريخ مصر، من أصغر عامل إلى أكبر باشا. يقارب جميع طبقات المجتمع من دون أن ينسى قصص الحب والصراعات التي لا نهاية لها. خسرت مصر والدراما العربية كثيراً برحيل عكاشة؛ فأقل ما يقال بأنه لن يتكرر، وإن حدث الأمر ـــ وذلك مستبعد ــــ فإنه لن يمتلك ذات البعد/ العمق والمهارة. نُشر في صحيفة الأخبار اللبنانية بِتاريخ 8 حزيران 2022 https://al-akhbar.com/Celebrities/338573
اقرأ المقال
استنفر بعض القضاة في لبنان مطالبين بحقهم في سلطة قضائية مستقلة، فاقتحموا ساحات وسائل التواصل الإجتماعي رافعين شعار المظلومية التي لحقت بهم من قبل مجلس القضاء الأعلى، بعد سلسلة دعاوى قُدمت في حق بعضهم بتُهم مختلفة، وطلبوا مساندتهم في هذه المعركة. إلا أن الأمر لم يقتصر على هذا الحد، بعدما أدخل بعض القضاة أنفسهم في جدالات واتهامات أظهرت حجم التباين والإنقسام في المؤسسة القضائية لا شك في أن وسائل التواصل الاجتماعي باتت نافذة مهمة للتعبير عن الرأي والتأثير في الرأي العام. إلا أن استخدام هذه المنصات من قبل بعض الشرائح، كالقضاة مثلاً، يطرح أسئلة عديدة حول كيفية استخدامها على نحو لا يمس بمكانة القضاء ودوره في تحقيق العدالة. فمشاركة تعليق على حدث معين أو نشر آراء وصور أمور عادية، أما بالنسبة إلى القاضي فقد يؤدي ذلك الى تداعيات ومخاطر معينة. فالقاضي ينبغي أن يلتزم بمعايير الحياد ويحافظ على كرامة القضاء واستقلاله، وأي إستخدام لا أخلاقي لتلك المنصات قد ينعكس على سمعة القضاء ككل. يعتبر بعض القضاة أن إستخدام وسائل التواصل الاجتماعي يساعدهم على التقرب من المجتمع ونشر خبرتهم وخلق مساحة من الثقافة القانونية. لكن، ولأن لبعض المنشورات تداعيات سلبية، شكّل دخول القضاة الى العالم الإفتراضي حالة جدلية، فانقسمت الآراء بين من يعتبر القاضي فرداً من المجتمع يحق له التعبير عن رأيه عبر هذه المنصات، ومن يحذّر من أنّ إستخدام وسائل التواصل الإجتماعي قد يضّر بسمعة القضاء ونزاهته ويحدّ من ثقة الناس بالمحاكم. ودعا إلى إعتماد معايير قانونية تنظم إستخدام القضاة لوسائل التواصل الإجتماعي. في لبنان، يعاني القضاة من تغلغل السلطة السياسية في القضاء، ما يعيق مسار التحقيقات، خصوصاً تلك التي تتعلق بمكافحة الفساد وإسترداد الأموال المنهوبة ولاحقاً التحقيق في إنفجار المرفأ. هذا الأمر زاد من الضغوطات التي يواجهها القاضي بعدما وضِع في موقع المُتهم، فلجأ بعض القضاة الى وسائل التواصل الاجتماعي لرفع الصوت، والدعوة إلى «ثورة قضائية» و«تطهير القضاء». فهل من معايير ينبغي على القضاة مراعاتها لدى استخدامهم تلك المنصات؟ وهل تعرضهم هذه المخالفات للعقوبات التأديبية؟ تغريدات خارج السرب القضائي اكتسبت منصة «تويتر» أهمية كبيرة في السنوات الأخيرة، نظراً إلى السرعة التي تتيحها لتبادل المعلومات، والقدرة على الوصول الى الفئة المستهدفة بشكل أدق. وهذا ما دفع بالقضاة في لبنان إلى إستخدام هذه المنصة؛ سواء للتعبير عن آرائهم، أو لنشر الوعي المجتمعي والثقافة القانونية. وأبرز القضاة هم: 1. النائب العام الأستئنافي في جبل لبنان: في 12 نيسان، أحيلت قاضية إلى التفتيش القضائي لمساءلتها عن تصريحات أدلت بها خلال زيارتها لباريس برفقة مرشح للإنتخابات النيابية، بعد تصنيف هذه التصريحات في خانة تسريب شؤون قضائية، والتشهير بزملائها القضاة. إلا أن القاضية شككّت في صوابية الإتهام ودافعت عن نفسها عبر سلسلة تغريدات على حسابها. ومن خلال نظرة سريعة للحساب على «تويتر»، يتبين عدم التقيد الواضح بموجب التحفظ الذي أشارت له «المدونة الأخلاقية». وجاءت أبرز التغريدات على الشكل التالي: - نشر تغريدات تحت عنوان «الجردة» تضمنت اتهاماً لرئيس التفتيش بالتقاعس عن ملاحقة بعض المتهمين، ومحاولة إيقافها عن متابعة التحقيقات في بعض الملفات من خلال إتهامها وإحالتها للتفتيش. - وضع علامة إعجاب (like) لحديث أحد مرشحي الإنتخابات النيابية. - إعادة نشر (retweet) لتغريدات ذات طابع سياسي معين. - إعادة نشر (retweet) لتغريدات وفيديوات تتعلق بأحد المدعى عليهم. - اتهام مباشر لأحد القضاة بالخوف بعد تنحيه عن العمل. - اتهام النائب العام التمييزي في قصر العدل بأنه جزء من شبكة المصالح المهيمنة على الدولة. 2. رئيس نادي القضاة ورئيس دائرة التنفيذ في بيروت: بحكم رئاسته نادي القضاة، أكد على حماية حق القضاة في التعبير المكرّسة في كل المواثيق والعهود التي يلتزم بها لبنان من دون أي إذن أو موافقة من أي كان. وفي حسابه الخاص،حملت بعض منشوراته انتقادات مباشرة للسلطة السياسية باستتباع القضاة وتعيين قضاة «فاشلين» في مراكز حساسة. 3. المحامي العام المالي: على خلفية التحقيق في دعاوى عدة، اتهمه أحد الإعلاميين بالإخلال الوظيفي، والتحايل على القضاء. نشر تغريدة وضّح فيها الالتباس الحاصل ودافع عن نفسه ووعد متهمه بملاحقة قضائية، فتنوعت الآراء بين مؤيد للقاضي وبين من طالبه بالدفاع عن نفسه من خلال القضاء. 4. مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية: بعد تقديم إستقالته وانتظار توقيع رئيس الجمهورية عليها، أمضى وقته بالتنقل بين موقعي التواصل الإجتماعي «فيس بوك» و«تويتر»، مطلقاً العنان لسلسلة منشورات وتغريدات يوميّة تبحث في شتّى صنوف الحياة، من السياسة إلى الإقتصاد، إلى القانون إلى الطبّ. بعدها «استعجل إنهاء حياته القضائية على طريقته بعد إنتقاده أداء زميلته». يعاني القضاة من تغلغل السلطة السياسية في القضاء، ما يعيق مسار التحقيقات، خصوصاً تلك التي تتعلق بمكافحة الفساد وإسترداد الأموال المنهوبة في القانون اللبناني يعتبر (المرسوم التشريعي رقم 150/83) وتعديلاته المصدر الرئيسي للقانون المنظم للقضاء العادي والذي يحدد الإطار المتعلق بالمسائلة القضائية. فوفقاً للمادّة 83 منه «كل اخلال بواجبات الوظيفة وكل عمل يمس الشرف أو الكرامة أو الأدب يؤلف خطأ يعاقب عليه تأديبياً». يعتبر إخلالاً بواجبات الوظيفة التخلف عن الجلسات، وتأخير البت بالدعاوى والتمييز بين المتقاضيين وإفشاء سر المذاكرة (الجلسات). وتنص المادّة 89 من (المرسوم 150/83) على أن «العقوبات التأديبية تتضمن التنبيه، اللوم، تأخير الترقية لمدة لا تتجاوز السنتين، إنزال الدرجة، التوقيف عن العمل بدون راتب لمدة لا تجاوز السنة، الصرف من الخدمة، والعزل مع الحرمان من تعويض الصرف أو معاش التقاعد». بالنظر الى الأمثلة التي ذكرها المرسوم، فإنها تعتبر غير شاملة ولا تحدد المعايير التي يقتضي على القاضي اتباعها. هذا الأمر ينطبق أيضاًعلى العقوبات التي لا ترتبط بنوع معين من المخالفة التأديبية مما يعرض القضاة الى عقوبات تعسفية من قبل المجلس التأديبي. وفي العام 2005، اعتمد وزير العدل «القواعد الأساسية لأخلاقيات القضاء» بموافقة كل من مجلس القضاء الأعلى ومجلس شورى الدولة. تم اعداد هذه القواعد من قبل لجنة مؤلفة من الرئيس الأول لمحكمة التمييز- رئيس مجلس القضاء الأعلى، ورئيس مجلس شورى الدولة، والرئيس الأول لمحكمة التمييز شرفاً، ورئيس هيئة التفتيش القضائي شرفاً. تضمنت قواعد أخلاقيات القضاء ثماني قواعد وهي على التوالي: «الاستقلال، التجرد، النزاهة، موجب التحفظ، الشجاعة الأدبية، التواضع، الصدق والشرف، الأهلية والنشاط». لم تصدر هذه القواعد في صورة قانون، لذا يمكن اعتبارها وثيقة استشارية، ويذكر مدخل القواعد أن «خيار الوثيقة الملزمة معنوياً هو أفضل من خيار المبادىء المقننة في تشريع وضعي»، وأن محتوى الوثيقة «لا يشكل بالضرورة قواعد لنظام تأديبي رادع وشامل». استوحت هذه القواعد من شرعة بنغالور العالمية للأخلاقيات القضائية، الا أنها تمايزت عنها في بعض القواعد. حيث حددّت شرعة بنغالور ست قيم أساسية: الأستقلالية، والحياد، والنزاهة، واللياقة، والمساواة، والاختصاص والحرص . وبالعودة إلى المعايير الأخلاقية التي يقتضي على القضاة إتباعها عند استخدامهم لوسائل التواصل الاجتماعي، فإن هذه القواعد تشكل مرجعاً لهم وتضبط إنجرارهم خلف انواع مختلفة من المخالفات التي تخلقها منصات التواصل المتنوعة. فموجب التحفظ مثلاً: يشير الى أهمية التزام القاضي بطريقة عيش تناسب مهنته والابتعاد عن كل مظهر رخي. وأن يتنبه الى علاقاته الشخصية، والامتناع عن المجاهرة بأي رأي من شأنه زرع الشك لدى المتقاضين حول تجرده، وعدم البوح بأي معلومة وصلت اليه عن طريق وظيفته. في أميركا: عقوبات تأديبية للتجاوزات الأخلاقية واجه عدد من القضاة في الولايات المتحدة عقوبات تأديبية بسبب منشورات على «فيسبوك». ففي ولاية مينيسوتا ، تم وضع علامة على القاضي في قضية القاضي ماثيو إم كوين (2021) في عدة صور على «فيسبوك»، بما في ذلك واحدة كان يرتدي فيها قبعة MAGA ويقود قاربًا عليه علمان على الأقل من ترامب في موكب قارب ترامب. أعجب القاضي أيضًا بالعديد من منشورات ترامب. ورأى المجلس أنه لا يمنع القضاة من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ومع ذلك، يجب أن يتوافق استخدام Facebook مع مدونة السلوك القضائية. في 28 أبريل 2021 ، صرّحت لجنة آراء أخلاقيات القضاء بالمحكمة العليا في كاليفورنيا ("CJEO") أن للقضاة كل الحق في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ولكن ينبغي افتراض أن كل شيء سيكون في متناول عامة الناس بغض النظر عن الاحتياطات المتخذة لتقييد الوصول إليها. خلص CJEO في رأي استشاري نُشر على موقع اللجنة على الويب إلى أنه يمكن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لإصدار بيانات متعلقة بالقانون، لكن اتصالاتها تخضع لنفس المبادئ الأخلاقية مثل أي نشاط قضائي آخر. القضاة، على سبيل المثال ، ممنوعون من الإدلاء بأي تصريحات على وسائل التواصل الاجتماعي من شأنها أن تعرض حيادهم للخطر، أو تشوه سمعة القضاء، أو تشكل تعليقًا سياسيًا محظورًا. وبينما لا يُسمح للقضاة بالتعليق على قضايا محددة، يتم تشجيعهم على المشاركة في مجتمعاتهم لتحسين النظام القضائي. قد يستخدم القضاة وسائل التواصل الاجتماعي لإصدار إعلانات قانونية بنفس الطريقة التي يفعلون بها في الأماكن التقليدية، طالما أنهم يفكرون بعناية في ما يريدون نشره ومراقبة الردود لضمان الامتثال المستمر . في عام 2020 ، وجهت لجنة ولاية نيويورك للسلوك القضائي اللوم إلى قاضي محكمة مركز مدينة برونزويك روبرت شميدت لنشره مذكرة تشير إلى أن الرئيس السابق بيل كلينتون قتل جيفري إبستين، وربطها بمنشور آخر على «فيسبوك» يدعم مرشحًا لمجلس المدينة، ضمن أشياء أخرى. في 2021 ، قام مجلس تينيسي للسلوك القضائي Tennessee Board of Judicial Conduct بتوبيخ علني لقاضي محكمة جلسات مقاطعة هاميلتون جيرالد ويب لمشاركته ما كان من المفترض أن يكون نصيحة قانونية . غروبات فيس بوك وصور شخصية وعائلية إختار بعض القضاة التواصل مع المعارف والأصدقاء ونشر آرائهم المطوًلة من خلال تطبيق «فيس بوك»، إضافة إلى ميزة إنشاء «غروب» يضم عدداً كبيراً من الأصدقاء يمكنّهم من التواصل والنقاش حول مسائل محددّة. وأبرز القضاة هم: 1. القاضي المنفرد الجزائي في بعبدا: بعد الإدعاء عليه من مجلس القضاء الأعلى بتُهمة تحقير القضاء والقضاة على خلفية إنسحابه من جلسة محكمة الجنايات، ونشره اتهامات بحق زملائه، أكد أن هذا الإجراء لن يثنيه عن نشر الحقيقة، ودعا الى مساندته ودعمه في معركته تحت شعار «الثورة القضائية» و«تطهير القضاء». وكان القاضي قد أنشأ سابقاً «غروب» تحت مسمّى «القاضي الثائر» يدعو من خلاله إلى إطلاق صرخة وثورة مطلبية لإستعادة حقوق المودعين، والدعوة إلى إجتثاث الفساد وإستقلالية القضاء. وفي تعليق مُلفت يُشير القاضي إلى أننّا نعيش في ظرف إستثنائي يتطلب منّا توسيع هامش «موجب الشجاعة الأدبية» مع الأخذ في الإعتبار «التحفظ البناء والمسؤول». 2. قاضي التحقيق في الشمال: حثّ في أحد منشوراته المواطنين على الإنتخاب بإعتباره الحل الوحيد للإصلاح. ويشارك مع متابعيه صوره الشخصية خلال رحلاته الخاصّة وصوراً تجمعه بعائلته. 3. النائب العام الإستئنافي في النبطية: حسابها يتضمن صوراً لرحلاتها مع عائلتها، وحفلاتها الخاصة مع أصدقائها. نُشر في ملحق القوس الصادر عن صحيفة الأخبار اللبنانية بِتاريخ 4 حزيران 2022 قضاة أونلاين | القوس (alqaous.com)
اقرأ المقال
مات مظفّر النوّاب. مات ولم يرحل. لطالما لاح له الموت على أكثر من هيئة. هو الطفل الذي جاء بولادة عسيرة، وخرج بأنفاس منقطعة دفعت بالقابلة القانونية الألمانية لرميه على الفراش كي يتنفس ويصرخ[1]، وهو الشاب الذي تظاهر وهتف واعتُقل وعُذّب، وهو الرجل الذي نجا من حكم الإعدام، ولم ينجُ منه الحكّام، وحَفرت عميقاً في روحه تغريبة مؤبّدة. الشاعر الذي هو كل أولئك بمراحل المرارة والثورة كلها، كان مُرّاً أن يموت يوم الجمعة، وأشرس حضوراً من أن يرحل. "كأنّا جالسون في قرص شمس" [2] كان مظفّر النوّاب منتصراً للضوء، على عكس ما ننتظر من رجل مرّت عليه صنوف الظلمات. "لقد أظهر هذا الطفل في صغره ولعاً غريباً بالنور فكان يتجه نحو أي مصدر للضوء في البيت"[3]. لعلّ ذلك من أولى مؤشرات تمجيد النوّاب للحقّ بسطوعه، وانجذابه الفطري له. فقد استطاع أن يشقّ نوراً من كل مرحلة عتمة مرّت على بلاده، وقبعت طويلاً في حياته حين امتدّت إليها. وحين نقول بلاده، فلا نعني العراق فقط، موطنه الذي وُلد في منطقة الكرخ من عاصمته بغداد، بل كل البلاد العربية، وحتى أبعد منها، بما مرّت عليها من احتلالات ونكسات وانتصارات وعَودٌ للسقطات، مذ أبصرت عيناه النور في العام 1934. من الجزيرة العربية حيث أصل العائلة التي يعود نسبها إلى الإمام موسى الكاظم(ع)، إلى الهند التي هاجر أجداده إليها، واستقروا في المقاطعات الشمالية منها (بنجاب، لكناو وكشمير) ثم بسمعتهم العلمية وشرف نسبهم، أصبحوا حكّاماً لها، ومن هنا كانت تسمية العائلة، النوّاب، من نيابة الحكم، وصولاً إلى العراق بنفيٍ سياسي من الحاكم الإنكليزي بعد موقفهم المقاوم والمعارض للاحتلال البريطاني للهند[4]. وكأنّ إرث العائلة الثابت، لم يكن فقط النسب الشريف، والسمعة والثراء والقصر الذي تنعّم به شاعرنا في طفولته، قبل أن تخسره العائلة وهو لا يزال تلميذاً في المدرسة، بل أكثر ما تمثّل هذا الإرث بالمقاومة والرفض، ومعهما النفي والغربة اللذين طبعا حياته. كان لمظفّر النوّاب نشأة مفعمة بالعاطفة والتراث والفن. والدة متعلّمة تعزف البيانو، وخال يعزف آلة الكمان، وجدّ يجيد مع البيانو، العزف على آلة القانون، أما جدّه لوالده فكان شاعراً بالعربية والفارسية. خصوصية مكان القصر بجانب نهر دجلة، ومقابلته للسراي وساعة بغداد، ضخامته واحتوائه على الكثير من اللوحات والتحف من كل دول العالم، مما كان يقدّمه السفراء والمدعوون إليه، المواكب العاشورائية التي كانت تدخل وتجوب باحات القصر بخيولها ومشاعلها وأعلامها وضرب الصنّاجات فيها، إحياءً بذلك لذكرى عاشوراء وتمثيل الواقعة، رائحة العطور وماء الورد الذي كان يُرشّ على المواكب، كل هذه اللوحات الفنية والإنسانية الحية التي سكنت لاوعيه، واستمرت في وعيه، بالإضافة إلى “التركيبة العاطفية الحادة” لعائلته كما يعبّر عنها، ساعدت على تكوين مخيلة ومساحة واسعة ليس للكتابة الشعرية الموزونة بالسليقة فحسب، بل أيضاً للون والرسم والموسيقى والكتابة المسرحية.[5] "ويسألني: من أنت؟ خجلتُ أقول له: قاومت الإستعمار فشرّدني وطني"[6] لقد عايش النوّاب حياة أمّته بفصولها الكثيرة، بانقلاباتها، باستعمارها، بتحررها، بحكّامها الذين لم يسلموا من قصائده، بل كانت لهم فيها الحصة الأكبر من الهجاء. لطالما أثار انضمامه إلى الحزب الشيوعي، في فترة دراسته، وخروجه في التظاهرات، تعجبا، أكثر ما كان من المحققين، الذين كانوا يتساءلون عن أسباب انتمائه للشيوعية رغم أنّه من عائلة ثرية معروفة بتاريخها الأرستقراطي. "مؤرخ ثوري يكتب بالشعر علم الشعب وتاريخ مدن الفقر والمخيّمات، ويدوّن بحروف ملتهبة غاضبة آلام المقهورين والمعذّبين ويتامى الوطن العربي" وهكذا منذ بداية حياته، كان نصير الناس، يصفه باقر ياسين في دراسته بأنّه “مؤرخ ثوري يكتب بالشعر علم الشعب وتاريخ مدن الفقر والمخيّمات، ويدوّن بحروف ملتهبة غاضبة آلام المقهورين والمعذّبين ويتامى الوطن العربي"[7]. فهو حين عُيّن بعد انهيار النظام الملكي في العراق في العام 1958، مفتشاً فنياً بوزارة التربية في بغداد، قام بدعم العديد من المواهب في الموسيقى والفن التشكيلي. وحين قامت التظاهرات بعد ثورة تموز/يوليو 1958، وعلى مدار فترة اعتقاله ظلماً بتهمة ارتكاب جريمة قتل لم يكن متواجداً في مكانها أصلا، كان يجالس المعتقلين العاديين، لا المعتقلين السياسيين، كي يستمع إلى همومهم العادية ومشاكلهم، وأفكارهم. كان قريباً من الناس، وقد فاجأت شخصيته سنان أنطون الذي ذكر ذلك في مقدمة مقابلته معه في مجلة الدراسات العربية "حين قابلته في بوسطن قبل سنة، فوجئتُ بأنّ الشاعر الذي يتفجّر غضباً في قصائده هادىء هدوء الطفل ويقطر رقةً حين يتكلم"[8]. اضطُّر لمغادرة وطنه، حين وقع التنافس الدامي بين القوميين والشيوعيين في العام 1963، ولكنّ مرحلةً قاسية من الإعتقال والتعذيب على يد المخابرات الإيرانية أيام حكم الشاه، كانت بانتظاره. ولكنّ الشاعر الذي لم تتعارض رقته مع ثورته، بل تكاملت لتنتجَ لنا هذا الكم من الشعر الأصيل إنسانياً والمتفجّر ثوريا، قد اضطُّر لمغادرة وطنه، حين وقع التنافس الدامي بين القوميين والشيوعيين في العام 1963، وبدأت الملاحقات والرقابة الشديدة من قِبل النظام الحاكم، فهرب نحو إيران عن طريق البصرة، تمهيداً للوصول إلى الإتحاد السوفياتي، ولكنّ مرحلةً قاسية من الإعتقال والتعذيب على يد المخابرات الإيرانية أيام حكم الشاه، كانت بانتظاره، وقد وصفها بحروف موجعة، في قصيدة وتريات ليلية/الحركة الثانية، ووثّق فيها كل الألم والمعاناة، بل وصموده الكبير، وبأنّه رفض الاعتراف بأي شيء رغم التعذيب. "توجهتُ إلى المطلق في ثقة. كان أبو ذرّ خلف زجاج الشباك المقبل يزرع فيّ شجاعته فرفضت رفضت وكانت أمي واقفة قدام الشعب بصمت.. فرفضت اعترف الآن.. اعترف الآن رفضت.. وأطبقت فمي، فالشعب أمانة في عنق الثوري رفضت"[9] ويستمر درب الاعتقالات والسجن والإتهام، ليبلغَ ذروته بتسليمه من قبل المخابرات الإيرانية للسلطات العراقية، وفي المحكمة العسكرية العرفية في بغداد، أدّت مساعي أهله وأقاربه إلى تخفيف الحكم من الإعدام الذي طالب به المدعي العام العسكري، إلى المؤبد، مضافاً إليه 3 سنوات بسبب قصيدته الشعبية الشهيرة (البراءة). إلا أنّ شاعرنا الذي لطاما جذبه النور ورفض أي شكل للظلم والظلمة، استطاع أن يسجّل هروباً أسطورياً من السجن الصحراوي الذي كان فيه، حيث حفر عميقاً تحت الأرض هو ومجموعة من السجناء واستطاعوا الهروب في العام 1967. [10] غادر إلى بيروت، ثم إلى دمشق، وبعدها تنقّل بين الدول الأوروبية، والعربية، وزار الهند، وظل هكذا في تغريبته وارتحاله. عاش حوالي السنة في جنوب العراق، إلى أن صدر في العام 1969 عفو عام عن المعارضين السياسيين فرجع إلى سلك التعليم مرة ثانية. ليعودَ ويُعتقل مع من اعتقلوهم من صفوف الشيوعيين، قبل أن يتدخل رفيق له في حزب البعث، علي صالح السعدي، ويؤدي ذلك إلى إطلاق سراحه. لقد غادر إلى بيروت، ثم إلى دمشق، وبعدها تنقّل بين الدول الأوروبية، والعربية، وزار الهند، وظل هكذا في تغريبته وارتحاله. "يا ريل صيحْ ابقهر صيحةْ عِشكْ يا ريل"[11] إنّ الإنتقال من سيرة النوّاب الذاتية، إلى سيرته الشعرية، لا يحدث منفصلا، إذ أنّ كل مرحلة أضافت طابعاً ما، وشكّلت لوناً في رسم لوحاته الشعرية. في بداية سنيّ عمره العشريني، وبين العام 1956 و1958 كتب مظفّر النوّاب، قصيدته العامية، “للريل وحمد”، والريل هو القطار الذي استمع فيه لحكاية امرأة كانت تحكي قصة حبيبها حمد، فجاءت القصيدة على لسانها، محبوكةً بنصّ عاطفي جياش. هذه القصيدة، لم تنهض فقط بجمالية الشعر العراقي العامي، بل كانت قصيدة مفعمة بمعاني التجديد، والمفاهيم الجريئة ما جعلها "حافلة بالمفاجآت، لغةً وبناءً وموضوعا، حتى أنّ سعدي يوسف قال، في حينه، إنّه يضع جبين شعره، تحت عجلات "الريل وحمد"[12]. ولم تكن هذه قصيدته العامية الوحيدة، بل لحقها أكثر من قصيدة باللهجة العراقية إلا أنّه لم يستمر بكتابة العامية لوقت طويل خاصة بعد خروجه من العراق، وهو يعبّر عن ذلك بقوله: "الحقيقة أنّني لا زلت أكتب العامية. لكنّ ابتعادي عن العراق كوّن لي إشكالية على هذا الصعيد. فالعامية لها علاقة بالفرد العراقي. في الأهواز، في المستنقعات، في الريف، في المدينة، في أثناء عمله، وأوقات أفراحه وأحزانه"[13]. "دلّتني الأشعار عليك (…) فكيف أدلّ عليك بجمرة أشعاري"[14] إذا أردنا أن نبحث في أسلوب مظفّر النوّاب الشعري، فإنّنا سنحتاج إلى مجلدات من التحليل الفني والأدبي للكلمة والصورة والتشبيه والأغراض والتراكيب، إلا أنّنا سنتناول بعضاً من ذلك بقدرٍ يسمح لنا أن ننقل هذه العبقرية الشعرية التي وصلت إلى القلوب قبل العقول. لا يتوقف حضور الموروث العربي والإسلامي في شعر النوّاب عند ذكر الأماكن والأشخاص والأحداث، بل يتمثّل هذا الحضور بالنصّ القرآني نفسه، فنجد تلويحاً بنصّ تراثي أو حقيقة تاريخية من خلال جملة شعرية تعبّر عن ذلك. حين نقرأ في شعر النوّاب، يواجهنا الكلام المباشر عند حديثه في السياسة، ونغرق في جمالية المجاز حين نصل إلى المقاطع الوجدانية. نقرأ التاريخ ونتعرّف على أبطاله وطغاته. فنلتقي بعليّ بن أبي طالب(ع) وأبي ذرّ الغفاري(رض) والحسين(ع)، ثم يأتي يزيد ومعه أبو سفيان ومعاوية. ونزور في شعره كربلاء، والبصرة، وبغداد، ومدناً أخرى، كما نشاهد الوقائع التاريخية، عندما نمرّ بذكر واقعة الجمل، وكربلاء وثورة الزنج وغيرها. لا يتوقف حضور الموروث العربي والإسلامي في شعر النوّاب عند ذكر الأماكن والأشخاص والأحداث، بل يتمثّل هذا الحضور بالنصّ القرآني نفسه، حيث تمرّ بنا أجزاء من آيات قرآنية حينا، ويأتي النصّ القرآني مرسلاً في نسيج الجملة الشعرية حيناً آخر. وكذلك، نجد تلويحاً بنصّ تراثي أو حقيقة تاريخية من خلال جملة شعرية تعبّر عن ذلك. كتب النوّاب الشعر المقفّى، والموزون، التقليدي والحديث. وتميّز شعره بظاهرة التكرار، الذي استخدمها لبعض المفردات أو الجمل الشعرية. كان يؤكد بها على المعاني، ويعيد بها ترتيب مقطع شعري أو تركيبه. ولا يمكن أن تغيب عن القارىء لشعره لمحات صوفية عبقت بها العديد من قصائده. [15] "القدس عروس عروبتكم؟"[16] حين نبدأ بهذا الشطر من قصيدة وتريات ليلية، سنجد الملايين ممن يكملون أبياتها، وتساؤلات الشاعر فيها بغضب وتمرّد، واستنكار واضح لا يخاف ولا يتملق، بل يستخدم أقسى العبارات، إلى حد الشتائم. ربما، لا يعلم الكثيرون أنّها من قصيدة وتريات ليلية/الحركة الأولى، ولكنّهم يحفطون أبياتاً منها عن ظهر قلب. لأنّ مظفّر النوّاب هنا قال ما يجول في نفس الشعب العربي كله، هذا الشعب الذي كبّلته الأنظمة، فلم يتجرّأ أغلبه على التفوه والتعبير. كانت فلسطين في شعره الأكثر حضورا، وسطوعا، كان في قصائده قنابل تهزّ عرش الحكام. لم تكن هجاءً عادياً بقدر ما كانت غضباً يفجّره في وجوههم، وتعريةً لإمعانهم في ضرب الشعوب وسلب حقوقها، بل وإباحة دولهم للعدو المستعمر، صمتاً وفعلاً وتآمرا. لقد حضرت الأمة العربية كلها في شعر النوّاب، من بغداد إلى سوريا ولبنان، إلى القمة العربية برمّتها، فكيف لفلسطين أن تغيب. كانت فلسطين في شعره الأكثر حضورا، وسطوعا، كان في قصائده قنابل تهزّ عرش الحكام. قصائد مهاجمة الحكام كرمى لعيون فلسطين، وبقية الشعوب العربية أيضا، لم تكن هجاءً عادياً بقدر ما كانت غضباً يفجّره في وجوههم، وتعريةً لإمعانهم في ضرب الشعوب وسلب حقوقها، بل وإباحة دولهم للعدو المستعمر، صمتاً وفعلاً وتآمرا. أخذ عليه بعض الناقدين، استخدامه الألفاظ النابية والشتائم، خاصة تلك القصائد التي تنضوي تحت لواء "شعر النضال السياسي". فيقول باقر ياسين في دراسته لحياة النوّاب وشعره: "لقد كان بإمكانه أن يصل إلى نفس الهدف التحريضي دون الدخول والتورط في سلسلة الشتائم والكلمات النابية والتعابير القاسية ودون أن يكون بحاجة للغوص بتفاصيل ما جرى في غرفتها"[17] وهنا ربما جاء قول النوّاب بمثابة ردٍّ على من يحمل هذا الرأي المنتقد، في تقديمه لمجموعة قصائد كان يريد أن يلقيها: "اغفروا لي حزني وخمري، وكلماتي القاسية، بعضكم سيقول بذيئة، لا بأس، أروني موقفاً أكثر بذاءة مما نحن فيه"[18]. نعم كان أسلوب النوّاب في مهاجمة الحكام، وتوصيفهم، وفي الشعر السياسي عامة، فجّاً صارخاً مباشرا، فهو في حياته لم يمتدح حاكماً بما ليس فيه، وبقي ثابتاً على مواقفه رغم كل شيء. هذه الجرأة في استخدام الألفاظ “النابية” لا بدّ أن تعبّر عن جانب من حياة القهر والظلم التي تعيشها فلسطين والشعوب العربية. وهو يشرح ضرورة الوعي بالتعبير عن كافة أشكال الحياة، وذلك في مقابلة له حين يقول: "إنّه في مواجهتنا لعالم الحلم والطموح ثمّة عالم قمىء ووسخ ونعانيه ولا بد من زرعه كشهادة للتاريخ، شهادة على مرحلة معينة، يعود إليها إنساننا العربي ربما بعد قرنٍ أو قرنين"[19]. "ألا أملك حقًّاً من حقوق النشر والتوزيع للنيران مجانا"[20] لا يملك الفدائي حقوقاً في الأنطمة العربية، وكذلك مظفّر النوّاب. لم يكن فدائياً بالكلمة فحسب بل كانت له مشاركات وضع فيها دمه على كفه، إلا أنّه في كتابة الشعر لم يكن له حقّ النشر، ولم يكن للنشر إذا حدث بطريقة ما، حقّ التوزيع. عاشت قصائده مثله حياة التغريب والترحيل. كانت قصائده تُسجّل على شرائط صوتية، وتُهرّب بين الشعوب وعبر حدود الدول إذا ما بحثنا فعلاً عن دواوينه وكتبه، سنجد إصدارات بسيطة، وأعمالاً كاملة له صدرت في لندن، بينما عاشت قصائده مثله حياة التغريب والترحيل. لقد كانت قصائده تُسجّل على شرائط صوتية، وتُهرّب بين الشعوب وعبر حدود الدول. مثل مظفّر النوّاب، كان شعره يؤرق راحة الطغاة، ويفتح أذهان الشعوب على حقّهم في التمرد، لذلك وضعوها في حصار "ممنوع من النشر". "عند الموت يكون الشاعر وحده"[21] هذه المرة لم يكن شاعرنا وحده، خرجت الجموع المهيبة في بغداد لتشييعه. كان العشرون من أيار/مايو 2022 حين أغمض عينيه للمرة الأخيرة، بعد أن تفتّحت أعين الشعوب بكلماته وصرخاته وغضبه وثورته. ولأنّه مظفّر الذي تسلل عميقاً في النفوس العربية رغم كل الحصار، ولأنّه بنى فيها أعمدة دائمة للثورة والرفض، كان هتاف الجموع في التشييع “مظفّر للشعب مو للحرامية”، وكما كانت كلماته تُرمى سهاماً في صدور الفاسدين، رمى المشيّعون الأحذية والحجارة على موكب مسؤول أبوْا أن يودّع مظفّر معهم، مثلهم! مظفّر مات، ولن يرحل. جاذب الضوء والمنجذب له، فَرَد مساحات لامتناهية في النفوس والعقول والوعي العربي، مساحات حفر فيها حضوراً ساطعاً وإقامةً أبدية. نُشر في موقع "صمود" بتاريخ 28 أيار 2022 صمود - أيّها الغريب تمهّل.. هذا آخر عهدك بالرحيل! (somoud.com.ps) المراجع [1] . ياسين, باقر. (1988). مظفر النواب: حياته وشعره. ص. 15 [2] . الشطر الذي اكمله مظفر النواب حين كان في الصف الابتدائي الثالث بطلب من الاستاذ الذي أعطاه الشطر الأول "قضينا ليلة في حفل عرس"، فأدهش أستاذه والمدرسة كلها حينها، وكان بداية اكتشاف موهبته الفذة، ورد في كتاب باقر ياسين (1988) "مظفر النواب: حياته وشعره"، ص. 21. [3] . ياسين, باقر. (1988). مصدر سابق. ص. 15 [4]. الخيّر، هاني (معدّ). (2004). مظفر النواب: شاعر المعارضة السياسية والغضب القومي. ص. 41. [5] . من مقابلة سنان أنطون مع مظفر النواب في مجلة الدراسات العربية (1996). [6]. من قصيدة وتريات ليلية، الحركة الثانية. وردت في كتاب مظفر النواب، حياته ووشعره لباقر ياسين، ص.25. [7] . ياسين، باقر. (1988). مصدر سابق. ص. 9. [8] من حوار سنان أنطون مع مظفّر النوّاب في «مجلة الدراسات العربية» (العدد ٢، خريف ١٩٩٦، ص. ٣-٢٦) [9] . من قصيدة وتريات ليلية/الحركة الثانية. مصدر سابق. ص. 256-257. [10] . ياسين، باقر. (1988)، مصدر سابق. [11] . من قصيدة مظفر النواب "للريل وحمد" التي ورد مقطع منها في كتاب علي جعفر العلاق "قبيلة من الأنهار: الذات، الآخر، النص"، ص. 148. [12] . العلاق، علي جعفر. (2008). قبيلة من الأنهار: الذات، الآخر، النص. ص. 149. [13] . من حوار مع الشاعر مظفر النواب، أجرته الأديبة حميدة نعنع ونُشر لأول مرة في مجلة الكفاح العربي بتاريخ 23/1/1984، وورد نص الحوار في كتاب هاني الخير (مصدر سابق)، ص. 40.
اقرأ المقال
اليوم، بات يمكن القول بالفم الملآن بأنه أصبح للعرب مخرجٌ سينمائي من العيار الثقيل يعمل في هوليوود بنجاح. حقّق المخرج المصري الشاب محمد دياب (1978) ما يمكن اعتباره إنجازاً كبيراً في مسلسل «فارس القمر» الذي أنتجته شركة «مارفل» ويُعرض على شبكة «ديزني بلس»، بناءً على شخصية الكوميكس التي كتبها الأميركي دوغ مونش ورسمها دون بيرلين، عام 1975، وظهرت على صفحات مجلة «مارفل كوميكس». لم تكن شخصية «فارس القمر» رئيسية أو ناجحة للغاية، مع أنّها امتلكت ميزات تؤهلها لتكون فعلياً واحدة من أفضل الشخصيات؛ لكن طريقة تقديمها في المسلسل أعادتها إلى الواجهة، وجعلتها شخصية «رئيسية» وناجحة أيضاً. تدور قصة المسلسل المكوّن من ست حلقات، حول «مرتزق» أميركي يدعى مارك سبكتور، يعاني من اضطرابٍ في الهوية (تسمّى الحالة علمياً Dissociative identity disorder وكانت تسمّى سابقاً بتعدد الشخصيات) بدأت معالمها تظهر في طفولته إثر علاقةٍ سيئة مع والدته التي عنّفته -واستمرت- جراء تسببه في موت أخيه الأصغر. نجد البطل منقسماً بين ثلاث شخصيات: مارك سبكتور شخصيته الرئيسية، ستيفن غرانت عالم الآثار البسيط واللطيف، جاك لوكلي التحرّي القاسي/ العنيف والحاد الطباع، ناهيك بتحوله لشخصية «فارس القمر» الخارقة. في إحدى مهماته في مصر، يلتقي سبكتور بإله القمر الفرعوني/ المصري «خنسو» (يلفظ خونشو بطريقة خاطئة في المسلسل والكوميكس) حين تعرّض لجروحٍ قاتلة. يعرض خنسو عليه أن يعطيه جزءاً من قواه، ليكون «فارسه» و«تمظهره» (avatar) ويلبسه بزة تحميه وتمنحه مجموعة من القوى الخارقة، وخصوصاً في الليل. نظراً إلى كون الشخصية «مهمة» تحتاج جهداً كبيراً (انطلاقاً من أنّه يجسّد ثلاث شخصيات)، اختير الممثل الأميركي الكوبي الغواتيمالي الأصل- أوسكار إيزاك بطلاً للعمل. إيزاك خريج «معهد جوليارد الفني» الشهير في نيويورك، هو «حبيب أعمال مارفل»، إذ أدى حتى اللحظة أكثر من شخصية في ذلك العالم: أبوكاليبس في «اكس مين: أبوكاليبس» (2016)، وشخصية «سبايدرمان 2099» في فيلم الرسوم المحرّكة «سبايدرمان: عبر العوالم المتوازية» حين أعطاه صوته. تأثر «فارس القمر» حتى قبل صناعته بوجود محمد دياب، الشاب المصري ذو الـ 42 عاماً، خريج كلية التجارة وإدارة الأعمال الذي استهوته السينما. أصبح كاتب سيناريو ودرسها في «أكاديمية نيويورك للسينما». كما كتب في السابق سيناريوات أفلام ناجحة مثل «الجزيرة» (2007 ـــ إخراج شريف عرفة) و«ألف مبروك» (2009 إخراج أحمد نادر جلال). أثبت دياب أنّ لديه لمسته الخاصة والمسموعة لدى «مارفل»؛ إذ على ما يبدو أنه كان صاحب تأثير في اختيار ممثلين مصريين أو ذوي أصول مصرية في معظم الأدوار الرئيسية في المسلسل. بخلاف الأميركي إيثان هاوك الذي يؤدي دور «الدكتور هارو»، شرير المسلسل، حصل مصريون على أدوار البطولة. أدّت المصرية/ الفلسطينية مي القلماوي دور البطولة في العمل من خلال شخصية ليلى الفولي، التي شهدناها تتحدّث العربية بطلاقة في الحلقة الأخيرة من المسلسل. لم تكن القلماوي العربية الوحيدة في المسلسل، فكريم الحكيم ـــ وهو مدير تصوير وممثل ــــ أعطى إله القمر الفرعوني خنسو شكله وأداءه (فيما أدى صوته البريطاني ف. موراي إبراهام). عمرو القاضي، حازم ايهاب، زيزي عادل وأحمد داش كلّهم ظهروا في مشاهد متفرقة من المسلسل ولو بأدوار صغيرة. الأمر نفسه ينسحب على خالد عبد الله بدور سليم، وهو avatar للإله الفرعوني أوزيريس. ولا ننس أنطونيا صليب التي أعطت صوتها لشخصية إلهة الأطفال والولادة تاوريت التي تمثّلت بشكلها الأصلي كحيوان فرس النهر، فضلاً عن إضافة صوت الأردنية صبا مبارك للإلهة الفرعونية آميت، إلهة الانتقام والعقاب عند الفراعنة؛ وإن تحدثت الفنانة الأردنية بالإنكليزية. تعدى الأمر الممثلين، إذ شاهدنا المونتير المصري القدير أحمد حافظ الذي تولّى مونتاج الحلقتين الثالثة والرابعة. وقد أشار دياب إلى أنّ ««مارفل» انبهرت بعمل حافظ وقررت التعامل معه في أعمال قادمة». وكان حافظ قد تولى المونتاج في مسلسل «ما وراء الطبيعة» للمخرج عمرو سلامة، وفيلم «مسافر حلب-إسطنبول» (2017) ومسلسلات قيمة من نوع «غراند أوتيل». موسيقياً، أصر دياب، على التعاون مع هشام نزيه، المؤلف الموسيقي المصري ليصنع موسيقى «خاصة» بالمسلسل ذات بُعد مصري، خصوصاً أنّ الجو العام في المسلسل مرتبط بالحضارة الفرعونية قلباً وقالباً. وتكفي الإشارة إلى مشهد وصول مارك سبكتور إلى مصر، حين يظهر غناء باللغة المصرية/ الفرعونية حينما يقول المغني مصطفى زاهد جملة بالفرعونية القديمة هي: «ساونب إف وينن حاتبيك» وتعني حرفياً: «أنت تحت حماية إلهك»؛ مدموجةً مع خلفية موسيقية فخمة. لم يكتفِ دياب بذلك، بل أصرّ على إضافة أصوات مغنين عرب معروفين إلى موسيقى المسلسل مثل وردة (أغنية «بتونس بيك»)، وعبد الحليم حافظ (مع أغنيتي «خسارة» و«شغلوني») ونجاة الصغيرة (بحلم معاك)، وصباح (ساعات ساعات). إضافة إلى ذلك، لم ينس دياب الفن المصري الحديث، فاستخدم أغنية من أغاني المهرجانات هي «ملوك» لأحمد سعد وعنبة، وأغنية «سالكة» لحسن شاكوش والرابر المصري ويجز. معظم هذه الأغنيات كان لها «مكانها»، فأغنية «ساعات» مثلاً كانت توحي بمرور الزمن، فيما «بحلم معاك بسفينة» إشارة للسفينة التي تقودها الإلهة الفرعونية تاروت لتأخذ الأرواح في عالم الأموات. لم يتوقف دياب عند ذلك، بل عمل على تقديم «ثقافة» مصرية جديدة وغير معروفة كثيراً في هوليوود. إذ اعتادت عاصمة السينما في العالم على تقديم العرب بطريقةٍ سطحية/ تسخيفية، فنراهم يتحدّثون بلغة غير مفهومة، فضلاً عن خلط جميع الثقافات العربية، فيصبح التونسي مصرياً، واللبناني مغربياً. جاء محمد دياب ليغيّر فعلياً هذه الرؤية، من خلال تصوير الشارع المصري كما هو حقيقةً. شاهدنا رجال شرطة مصريين حقيقيين بأزياء حقيقية وواقعية. كذلك شاهدنا إفطاراً رمضانياً حقيقياً في الشارع، مشابهاً للإفطارات الشعبية التي تُقام خلال شهر رمضان في مصر. وهذا أيضاً يُحسب لدياب، من دون أن ننسى أن اللغة العربية كانت ظاهرة بشكلٍ كبير على الإعلانات على الحوائط، ولافتات المحلات، وعلى تقريباً معظم التفاصيل، خصوصاً إذا كنا في بلدٍ عربي. باختصار، كانت التفاصيل الحقيقية من سمات هذا العمل. هذا الاهتمام بالتفاصيل لم يجعل المسلسل كنزاً لعشاق الكوميكس وأعمال «مارفل» فحسب، بل تعداه إلى عشاق الحضارة المصرية، وكذلك المهتمين بصنعة/ حرفة الدراما ككل. في الحلقة الخامسة، نجد إشارة إلى مسرحية «أوديب» لسوفوكليس، حين يُشير إلى لغز الإنسان: «يسير على أربعة ثم اثنتين ثم ثلاثة». وهي أيضاً إشارة إلى حالة الاضطراب ثلاثي الشخصية التي يعانيها البطل، أو مثلاً في الكتب التي نراها في مكتبة ستيفن غرانت (الشخصية الثانية للبطل)، هناك كتاب Bad laws الذي يحكي عن القوانين المفروضة، وهي غير منطقية ولا عقلانية، في إشارة إلى القوانين التي حكمت علاقة خنسو بمارك سبكتور. كذلك نجد كتاب The man in the ice وهي رواية تحكي عن شخص مدفون في الثلج في جبال الألب. ومن البديهي الإشارة إلى الشخصيات المدفونة بداخل البطل؛ وأخيراً هناك كتاب Revealer of Secrets الذي يتناول تاريخ اليهود بطريقة ساخرة، وهو إشارة إلى أصول البطل اليهودية. يُضاف إلى كل هذا الإشارة إلى شعر الفرنسية مارسلين فالمور من خلال الشعر الذي يقرأه البطل لزوجته في الحلقة الثانية. قدّم «ثقافة» مصرية جديدة وغير معروفة كثيراً في هوليوود كل هذا ولا ننس استخدامات أغنيات مشهورة ــ غير عربية ـــ كأغنية «رجلٌ بلا حب» (A Man without love) التي تعود إلى عام 1968، وأغنية بوب ديلان «كل ذرة من رمال» (Every Grain of Sand) التي تعود إلى عام 1981، و«أيقظني قبلما ترحل» (Wake me up) لفرقة «وام» من عام 1984. وقد تم استخدام كل واحدة منها لتحيل إلى تفصيل من حياة البطل. في المسلسل، جهدٌ كبير يُحسب للمخرج قبل أي شيء، إذ إنه أضاف كثيراً للعمل، كل حلقةٍ على حدة. ويكفي أن نشير إلى أن موقع IMDb الشهير أعطى الحلقة الأولى من المسلسل تقييم 8.7 من عشرة لتصبح الحلقة الأعلى تقييماً ضمن مسلسلات «مارفل». اهتم دياب بعمله كثيراً ليخرج أفضل ما لديه خلال عمله على مسلسل «فارس القمر». ولا شكّ في أن هذه التجربة ستفتح الباب على اتساعه أمام المخرج الشاب الذي ينتظره بالتأكيد مستقبلٌ باهر؛ ناهيك بأنّها ستكون بمثابة تظهير لمواهب المخرجين العرب الذين يستحقون فرصة في هوليوود. نشر في صحيفة الأخبار اللبنانية بِتاريخ 19 أيار 2022 https://al-akhbar.com/Cinema/337116
اقرأ المقال
لم يكن موسماً درامياً مميزاً ربما، لكنّ ذلك لا يعني أنه لم يشهد أعمالاً لها قيمتها وأثرها ولونها الخاص. في رمضان 2022، برزت بعض المسلسلات التي تتمتّع بـ «قيمة» تقنية أعلى من غيرها. في المقابل، فشلت أخرى في أن تكون صاحبة تأثير أو لون. في هذا المقال، حاولنا أن نكون عادلين في اختياراتنا، سواء لناحية أفضل وأسوأ عشرة أعمال. لناحية الأسوأ، فضّلنا تسميتها بالمسلسلات التي يصعب مشاهدتها، إذ رأينا أنه بُذل الكثير من الجهد في هذه الأعمال، في حين أنّه كانت هناك مسلسلات فعلاً سيئة لا تستحق المشاهدة. «ظل المطر» أحدها، فهو سيّئ لناحية التمثيل والكتابة التصوير، وكذلك الإخراج، فضلاً عن الفلسفة الزائدة واللغة «الإرشادية» التي اختفت من الدراما منذ زمن. الأمر نفسه ينسحب على «باب الحارة»، ولا ننسَ «والتقينا» ضمن قائمة اللامشاهدة. وهنا ننصح بشدة نوال بري أن تترك «الخبز للخباز» وتعود كمراسلة أو مذيعة. يمكن القول بأنّ مصر استحوذت على الحصة الكاملة من المسلسلات المتميّزة هذا العام. بعد «نسل الأغراب» العام الفائت، عادت بقوّة هذا العام عبر مسلسل رمضاني مهم هو «راجعين يا هوى»، وعمل كوميدي متميز هو «الكبير أوي» بجزئه السادس، ومسلسل درامي وثائقي هو «الإختيار» بجزئه الثالث، ومسلسل وجودي فانتازي هو «جزيرة غمام»، ومسلسل قضية/ اجتماعية هو «فاتن أمل حربي». سورياً، لم تكن السلّة على قدر الأحلام، وإن تميّز مسلسل «مع وقف التنفيذ» (كتابة علي وجيه ويامن حجلي، وإخراج سيف الدين سبيعي) عن سواه، بأن قدّم لغة درامية مميزة، وأداءً قصصياً مختلفاً، لكنه سقط في لحظةٍ ما في السوداوية و war echo effect الدرامي الشهير الذي تعانيه مجتمعات ما بعد الحرب في المعتاد. خطّ حكى عنه مراراً المخرج اللبناني الراحل مارون بغدادي «راجعين يا هوى»: تحفة بصرية إنها دراما أسامة أنور عكاشة الجميلة المعتادة. إنها مصر الجميلة الحلوة، حيث الناس يمتلكون صفات سيئة/ حسنة، أناسٌ حقيقيون مع رشةٍ من الواقعية المدهشة، والكوميديا على الطريقة العكاشية التلفزيونية المعتادة. طبعاً لا يمكن نسيان لمسة الماهر محمد سليمان عبدالمالك الذي حوّل هذه التحفة من مسلسلٍ إذاعي إلى دراما تلفزيونية ذات بعد «حديث» وعمل مع المخرج محمد سلامة على إعادة تخليق بليغ أبو الهنا وتسليعه من يحيى الفخراني في المسلسل الإذاعي إلى خالد النبوي في النسخة التلفزيونية. الحكاية غير معقّدة: إنها قصة المهاجر العائد بحثاً عن ثروته ليجد عائلته غارقةً في الصراعات التي تكاد تفتك بهم وبالعائلة. صُوّر المسلسل في مناطق أثرية، ليعيد الألق إلى السياحة المصرية التي تأثرت خلال السنوات الفائتة، فضلاً عن استعمال كاميرات مليئة بالألوان والإضاءة، وهذا ما جعله من أكثر الأعمال جماليةً بصريةً هذه السنة. يضاف إلى كل هذا الأداء الجميل الذي قدّمته كوكبة من المؤدّين القديرين الذي استطاعوا أن يعطوا العمل مصداقيةً كبيرةً بدءاً من أنوشكا وهنا شيحة ونور ووفاء عامر ونور النبوي وأحمد بدير وسلمى أبو ضيف وغيرهم. «الكبير أوي 6»: حرفة الكوميديا مضروبة بثلاثة تعاني الدراما العربية حالياً من غياب كوميديا عربية حقيقية. لهذا كان «الكبير أوي» بجزئه السادس (كتابة مصطفى صقر، وإخراج أحمد الجندي) مع ممثل ماهر هو أحمد مكي، بمثابة النسمة الجميلة التي نجحت في التخفيف من قيظ هذه الصحراء المطبقة. ربما، لم يقدّم «الكبير أوي» أي جديد يُذكر في هذا الجزء، لكن هذا لا يعني أنه وقع في فخ التكرار، أو تثقيل دم الكوميديا. بالعكس، استخدم «الكبير أوي» كل ما لديه من نجوم وإمكانات لتقديم كوميديا لا مثيل لها هذه الفترة. استخدَم نوعين مختلفين من الكوميديا: الكوميديا المصرية المعتادة القائمة على الإيفيه، والكوميديا التي تعتمد على الحركة والسلوك وحتى حركات الوجه. مزج بين الاثنين ليخرج بكوميديا خاصة، فضلاً عن الأداء المذهل لمكي في أكثر من شخصية. «الاختيار: القرار»: دراما موجَّهة بخلاف الحلقة الأخيرة من المسلسل، نحنُ أمام عملٍ كبير يُحسب للدراما المصرية هذا العام. ببساطة، سيكون هناك الكثير من المقالات والدراسات والتحليلات والحلقات التلفزيونية التي تشتم وتهاجم هذا العمل، خصوصاً المموّلة منها. هذا يؤكد أن العمل كان ناجحاً ومؤثراً، خصوصاً في أوساط تنظيم الإخوان المسلمين، الذين يمتلكون قوة إعلاميةً وتأثيريةً كبيرة مكّنتهم لسنوات من قول قصتهم، لا بل تأكيدها على المشاهدين مراتٍ ومرات. حاول النظام المصري أن يروي قصّته كما يريدها هذه المرّة. تصديقها من عدمه، غير مهم، المهم ببساطة هو أن تكون هناك قصة مختلفة. هل هي القصة الأصدق؟ لا يهم، المهم أنها رويت. أدائياً، نحن أمام جهود كبيرة، طبعاً بخلاف الأسماء الثلاثة الكبيرة: أحمد السقا، أحمد عز، وكريم عبد العزيز، الذين كانوا في أضعف أداءاتهم، وأثقلوا العمل بدلاً من منحه قوة. الجهود الأدائية تُحسب لياسر جلال الذي تقمّص الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي بمهارة كبيرة أعطت العمل مصداقية كبيرة. الأمر نفسه ينسحب على خالد الصاوي بدور خيرت الشاطر رجل الإخوان القوي، وصبري فوّاز الذي كان مُقنعاً بدور الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي، وبيومي فؤاد وهشام إسماعيل وهادي الطمباري بأدوار سعد الكتاتني، محمد البلتاجي وأحمد عبد العاطي. قدّم المسلسل رؤية جميلة مزج فيها بين الوثائقي والدرامي بحرفة عالية، وهذا يُحسب للمخرج بيتر ميمي والكاتب هاني سرحان. ما قبل «فاتن أمل حربي».. ليس كما بعده مسلسل لم يهتم بأي شيء سوى بالقضية المطروحة أمامه. ضحّى بكل شيء لإيصال قصته وفكرته. وهذا يبرّر سبب هذه الضجّة حوله والنجاح الذي حقّقه. سيُحكى طويلاً عن هذا المسلسل، وستكون هناك إشارات إليه وحوله في معظم الأحاديث حول قضايا المرأة والحرية. فعلياً، ما قبل «فاتن أمل حربي» ليس كما بعده. المسلسل الذي كتبه الصحافي الإشكالي إبراهيم عيسى، وأخرجه محمد جمال العدل، يحكي قصة زوجة يريد زوجها تحويل حياتها إلى جحيم بعد تطليقها. الصراع الذي سرعان ما يمتد إلى المحاكم ويتعداها إلى المحاكم الدينية وصولاً إلى السوشل ميديا ومشايخ «التيك توك»، قدّم صورة حقيقية لآلام النساء في بلادنا مع ممثلة قديرة هي نيللي كريم. لا ترتدي كريم أي ثياب ملوّنة، أو مزركشة، لا تضع مكياجاً صاخباً، لا تهتم بأظْفارها: إنها غارقة في تفاصيل صراعها، في حماية ابنتيها من القانون الذي يظلمها. لا تفكّر إلا في كيفية بقائها «صلبة/ قوية» أمام هذا الموج الجارف. هي تشبه أي أم/سيدة نراها يومياً في حياتنا. قدّم «فاتن أمل حربي» قصّة كل امرأة تواجه هذه الآلة القاسية: ربما لم تنتصر، ولكنها على الأقل صرخت ورفضت أن تكون ضحيةً/ فريسةً سهلة. «جزيرة غمام»: واقعٌ يصنعه الخيال العنوان الفرعي للمسلسل (كتابة عبد الرحيم كمال وإخراج حسين المنباوي) هو «واقعٌ يصنعه خيال». وفي مدرسة الكتابة الإبداعية، يأتي هذا المسلسل باعتباره never ending story أو loop كما تُسمّى اصطلاحاً. إننا أمام قصةٍ لا تنتهي أبداً، حكايةٌ ستعاد وتكرر. تبدأ الحكاية عند الشيخ الراقد على فراش الموت الذي يودع تلامذته وصاياه وممتلكاته، وينتهي عند المشهد نفسه في المستقبل القريب. في التوقيت نفسه، يبدأ المسلسل عند حضور «طرح البحر» وقبيلتهم إلى الجزيرة وينتهي عند حضور «طرح بحرٍ» جدد إلى الجزيرة. قصّة لا نهاية لها، كما لا بداية. حكاية الصراع الأبدي بين الخير والشر، لكن ليس بشكله البسيط/ المعتاد. نحن أمام احتلال وصراع ديني ولصوصية ومرتزقة ورجال دينٍ حقيقيين ورجال دينٍ دجّالين. صراع بين «رجال الله» وبين رجال يزيّفون «كلام الله» ويقتلون باسمه لأجل مكاسبهم ومصالحهم. تميز المسلسل بأنه استطاع إخراج أحمد أمين من صيغة «الكوميديان» وإخراج طينة «الممثل» منه. لقد نضج أمين وأصبح ممثلاً يمكنه الأداء بحق: أدّى الممثل المصري بحرفة عالية، فكان صادقاً في معظم لحظات المسلسل، وهذا يُحسب له، خصوصاً أن النص صعب للغاية. «جوقة عزيزة»: جائزة أسوأ ممثلة! لا ريب في أن أي عمل يقوم على أبطاله، فكيف إذا كان الدور الأساسي والرئيسي يؤديه ممثل غير مناسب للدور؟ قدّمت الممثلة السورية نسرين طافش أداء أقرب إلى تمثيل الهواة على مسرح المدارس. مثّلت بافتعال وبلغة غير درامية كل الوقت. استهلكت طاقات كل من حولها. لذلك لا ريب بأن طافش تستحق جائزة أسوأ ممثلة هذا العام. تؤدي طافش دور «الراقصة الشرقية» معتمدةً فقط على الـ Overacting وجمالها. وهذا قد يكون مقبولاً في الدقائق العشر الأولى من المسلسل، لكن على مدى ثلاثين حلقة، يشعر المشاهد بأنه أمام تعذيب حقيقي. بالتأكيد لم يشفع للمسلسل وجود «حمدي حمّيها» (أي أشعلها) الذي أدّاه القدير سلوم حدّاد. يحمل حدّاد المسلسل في حلقاتٍ كثيرة على ظهره، لكن النص الذي كتبه خلدون قتلان لم يساعده، خصوصاً مع تقليص مساحة دوره وإعطاء طافش مساحةً أكبر كما لو أنها تحتاج إلى وقت أكثر. جرّبت طافش أن تعيد تخليق شخصية الراقصة كتلك التي قدّمتها بإتقان أمل عرفة في «شارع شيكاغو». لكنها فشلت وكانت السبب في فشل المسلسل ككل. «المشوار» أنهكنا تشويقاً إننا أمام مسلسل تركي طويل ضيّع وقت المشاهد بكل ما للكلمة من معنى. لا خلاف بالتأكيد على موهبة محمد رمضان وعلى أدائه للّون الشعبي بمهارة، لكننا هذا العام كنا أمام قصّة تبدأ متسارعة في الحلقات الأولى، ليبدأ بعدها المط والمد والتطويل إلى ما لا نهاية. هذا من جهة ومن جهة ثانية، نجد التسطيح في الشخصيات التي قدّمها الكاتب محمد فريد. لا يعرف المشاهد إن كان أبطال العمل يستحقون التعاطف أم لا. هل هي شخصيات خيرّة؟ مظلومة؟ مجرمة؟ لا أحد يعلم. هذا الخلط يترافق مع تشويق مفتعل، سطحي ومملّ. ويضاف «الفن الشعبي» إلى خلطة المسلسل من خلال حكاية المغني الشعبي وعشيقته اللذين يلجأ إليهما بطل المسلسل وزوجته. هل كانت هناك حاجة إلى تلك الإضافة؟ هل كانت هناك حاجة إلى الأغنيات «التكنو» والمهرجانات؟ هل أضاف ذلك شيئاً إلى الحبكة؟ بالتأكيد كلا. يضاف إلى كل هذا الافتعال والتخبط دور بيومي فؤاد مؤدياً المحامي الفاسد الذي ـ وللمفارقة ـ كلما دخل أحد للقائه، يضع المخرج محمد ياسين «موسيقى» تصويرية خاصة لذلك. «ناطحة سحاب»: كان صرحاً وهوى وعد المسلسل الكويتي بالكثير، لكنه سرعان ما فقد الزخم خلال النصف الثاني من رمضان. قدّم المسلسل حكايةً واعدةً في البداية من خلال شخصية «قاعدية» هي عامرة التي أدتها بمهارة سعاد عبدالله. وللحق، فقد حملت عبدالله المسلسل بأكمله، لكنّها سرعان ما وهنت. جاءت إضافة شخصية «عنان» (فخرية خميس)، بالكثير من المشاكل للمسلسل، وتسبّبت في صعوبة مشاهدته، سواء لجهة كتابة الشخصية ونواحيها، فضلاً عن تمثيل خميس غير المحترف. حاول المسلسل تقديم شخصية امراة مكافحة وناجحة وقادرة على الوقوف على قدميها، وتكون داعمة لنفسها ولغيرها، لكن كثرة الأثقال والإنهاك في المسلسل الذي كتبته نوف المضف وأخرجه عيسى ذياب، جعلاه متعباً للمشاهدة. «العائدون»: كأنّه لم يكن على الرغم من أنه ضمّ نجوماً أمثال أمير كرارة، أمينة خليل، أحمد الأحمد ومحمد فرّاج، إلا أن المسلسل الذي كتبه باهر دويدار وأخرجه أحمد نادر جلال، فشل في أن يكون فرس سباقٍ رابحاً. القصة متكررة شاهد المتابعون مثلها العام الفائت مع «الإختيار» بجزئه الثاني، أو قبله مع «الزيبق» (2017 ــ إخراج وكتابة وائل عبدالله) مع كريم عبد العزيز. لم يكن في المسلسل سوى كليشيهات معادة مع حرب مفترضة مع «داعش». لم يتم تقديم داعش كما يجب، وأغلب المشاهد تدور في غرف مغلقة، ما خلا مشهد إعدام محمد فراج الذي استُنسخ من إعدام الطيار الأردني معاذ الكساسبة. بدا نجوم العمل تائهين: أمينة خليل لم تغيّر ثيابها في غالبية حلقات المسلسل، ولا ملامحها، ولا نبرة صوتها. الأمر نفسه ينسحب على معظم المشاركين في العمل. باختصار، هو عمل للنسيان، كما لو أنه لم يكن. نُشر في صحيفة الأخبار اللبنانية بِتاريخ 5 أيار 2022 https://al-akhbar.com/Media_Tv/336117
اقرأ المقال
"أزمة مجتمعاتنا الإسلامية تبتدي بالقلم اللي ما فيه حبر". بهذه الجملة لخّصت الكاتبة هبة مشاري حمادة في مسلسلها لهذا العام "من شارع الهرم إلى"، حال مجتمعنا العربي مشيرة بذلك إلى أنّنا جُبلنا على تبنّي أفكار وعقائد قد تبدو من الخارج متممة وخاضعة للقيم الاجتماعية والدينية، إلّا أنّها غالباً ما تكون من الداخل إما مزيفة وإما ناقصة وإما فارغة كقلم "نزار" (الشخصية التي أداها الممثل الكويتي محمد رمضان)٠ في الواقع، ينطبق هذا الحال أيضاً على مسلسلاتنا العربية، فمع أنّ هناك أعمال كثيرة تعرض على الشاشات، إلا أن قلة قليلة منها يكون محبوكاً ومتقناً ومليئًا بالحبر إذا صحّ التعبير. يأتي المسلسل الكويتي "من شارع الهرم إلى" ( نص هبة مشاري حمادة، إخراج المثنى صبح، إنتاج أم بي سي) كحالة منفردة وسط مجموعة من المسلسلات الضعيفة لهذا العام؛ وهو خير دليل على أنّنا لا زلنا نمتلك مسلسلات وأقلام "مملوءة بالحبر". بأداء محترف ومهارة عالية، تحمل هدى حسين المسلسل على كتفيها. فهي كعادتها أبدعت بدور "عبلة" في تصوير المرأة الخليجية القوية الناجحة في عملها طبيبة نسائية، والأم الحنونة والحاسمة في الوقت عينه؛ فهي تملك مستشفى تعمل فيه مع أبنائها الستة، الأطباء أيضاً ولكل منهم حكاية خاصة. بدايةً نرى الابن البخيل أنس (خالد البريكي) المستعد للتخلي عن أي شيء أو أحد مقابل المال، ثم يظهر الابن المتطرّف نزار (محمد الرمضان) الذي لا يعرف عن الإسلام سوى تعدد الزوجات وما دون ذلك "فسق وفجور ورجس من عمل الشيطان". أما الابن الثالث "الخاروف" قتيبة (عبد المحسن القفاص) تجري المياه من تحته دون أن يدري؛ فقد تزوج أخاه شاهين (خالد الشاعر) طليقته وأم أولاده بالسرّ. وهنا لا بد من الإشارة الي أداء عبد المحسن القفاص البارد إلى حد ما، فهو مع علمه بزواج أخيه من طليقته التي أحبها كثيراً لم ينجح في نقل شعوره بالإهانة والغدر فجاءت ردة فعله باردة ومجحفة بحق دوره. أمّا زهير (أحمد إيراج) فهو الابن الخامس، طبيب التجميل الناعم والمائع في سلوكه وتصرفاته، ويمكن القول أنّ إيراج أجاد أداء شخصية الرجل غير الغيور على زوجته وشرفه. وهذا النوع من الرجال لم نألف رؤيته في المسلسلات الخليجية أبداً على الرغم من أنه لا يخلو من المجتمع. وأخيراً، الابن السادس معن (ناصر الدوسري) الذي يكون على علاقة بامرأة متزوجة ولها ولدان. وهنا نسأل لماذا تُظهر هبة مشاري حمادة الرجال كلهم في هذا المسلسل بصورة سيئة؟ ولماذا لم تسلم أي زيجة من زيجات أولاد عبلة (هدى حسين)؟ جمعت الراقصة كريمة (نور غندور) ، بطلة المسلسل التي لا يقل دورها أهمية عن دور عبلة، بين تلك القصص العنقودية فظهرت منذ اللحظة الأولى من المسلسل وهي تغرق في البحر وتروي قصتها. وبدا ذلك المشهد هو بمثابة sneak peak لنهاية المسلسل. أما بالحديث عن أدائها، فكان دورها لا يشبه أي من الأدوار التي لعبتها سابقاً وكان أداؤها تارةً موفقاً وتارةً أخرى مبالغاً فيه. كما أنّ لكنتها المصرية الثقيلة، كونها مصرية مولودة ومقيمة في دولة الكويت، لم تساعدها أبداً على أن تتسم بالسوقية التي يتطلّبها الدور. لكن الجدير بالذكر أن شخصيتها أضفت جواً فكاهياً على المسلسل. وبالحديث عن الفكاهة، لا بد من أن نثني على أداء لولوة الملا بدور رشا، زوجة أنس، التي خلقت كوميديا خفيفة كان لا بد منها في المسلسل وذوّبت الجليد الذي خلقه أداء كل من لبنى (ليلى عبدالله) زوجة زهير، ونوف (فرح الصراف) زوجة معن. فكان أداء الأخيرة تحديداً غير موفق وغير مقنع إلى حد كبير. ففي إحدى المشاهد، تكتشف أن عشيقة زوجها قد تركت ولديها بأمانتها وانتحرت في الحمام. أمام هول حادثة صادمة ومشهد الدماء، لم تنجح فرح الصراف في إظهار انهيارها وبدت تجاهد لتعتصر بعض الدموع. في المقابل، بالغت نور الشيخ في دور "في" زوجة شاهين وطليقة قتيبة، فكانت كتلة من الكآبة والمأساة وتكاد لا تخلو مشاهدها من إظهارها إما مضطربة واما خائفة وإما تبكي وتصرخ. يمكن القول أنّ "من شارع الهرم" هو عمل درامي مختلف وبعيد عن الكليشيهات المعتادة، وعلى الرغم من غزارة المشاكل التي تتوالى من أول حلقة والتي قد تبدو غير منطقية إلا أنها في الوقت نفسه تشدّ المشاهد لمتابعته ومعرفة المزيد. نُشر هذا المقال بِتاريخ 1 أيار 2022مُخصّص لموقع دار- المجمّع الإبداعي.
اقرأ المقال
إنّها ليست قصة عادية. إنها حكايتنا كلّنا. ما يطرحه مسلسل «فاتن أمل حربي» ليس حكاية النساء فحسب، بل حكاية كثيرين عاشوا وما زالوا تلك «الحكايات» القاسية. الحكاية البسيطة والمباشرة والإشكالية التي كتبها الكاتب المصري المعروف إبراهيم عيسى: إنها الزوجة التي يقرّر طليقها تحويل حياتها إلى جحيم. هكذا هي الأمور، بكل هذه البساطة. فجأة تتحوّل حياة الأم ذات الطفلتين إلى مأساةٍ بكل ما للكلمة من معنى. طبعاً السينما المصرية تناولت هذا الموضوع عبر أعمال شديدة الأهمّية مثل «أريد حلاً» (1975 ـــ كتابة حُسنْ شاه، إخراج سعيد مرزوق ـــ بطولة فاتن حمامة ورشدي أباظة)؛ و«الشريدة» (1980 ـــ كتابة حُسن شاه، إخراج أشرف فهمي وبطولة نجلاء فتحي، نبيلة عبيد، ومحمود ياسين)؛ و«اغتيال مدرّسة» (1988 ــ كتابة مصطفى محرّم، إخراج أشرف فهمي ــ بطولة نبيلة عبيد ويوسف شعبان)؛ وكلّها قاربت القضية نفسها ولو من نواحٍ مختلفة. «فاتن أمل حربي»، هذا هو اسم المسلسل، والحكاية، والقضية بأكملها. أراد الكاتب أن يكون اسم البطلة كعنوان مباشر، فجّ، وصريح: أصل المشكلة أنّ هذه امرأة/فتاة/أنثى. حتى اختيار الاسم مقصود. أشار ابراهيم عيسى إلى اختياره للأسماء الثلاثة في مداخلة هاتفية لقناة «أون. إي» المصرية قائلاً: «المسلسل عبارة عن جملة ثلاثية بدأها بكلمة فاتن، تيمّناً بسيدة الشاشة العربية فاتن حمامة كأنها بنت هذا الزمن، وكلمة أمل في إشارة إلى الشاعر أمل دنقل، بينما الكلمة الثالثة هي حربي التي ترتبط بالشاعر نفسه». هو طبعاً يشير إلى دور فاتن حمامة في فيلم «أريد حلّاً»؛ العلامة الفارقة في «دراما العائلة» حينما كتبت الكاتبة حُسنْ شاه نصّها الأجمل الذي يتناول الصراع بين الزوج الذي يدعمه القانون والدين، والزوجة التي لا تملك إلا شجاعتها وصمودها. لا يمتاز «فاتن أمل حربي» كمسلسل بقصّته فقط، فالقصة كما أشرنا تناولتها أعمال عدة في الدراما المصرية والعربية، لكنّ القوّة تظهر في الأداء المذهل لنيللي كريم. بالتأكيد إن كتابة الشخصية بهذا الانسجام والدقة والسعة، سهّلت لممثلة قديرة كنيللي أن تعطي من قلبها، فضلاً عن أنّ الدور بحد ذاته يلامس أي شخص يعيش في المجتمع العربي المعاصر. ولا بد من الإشارة هنا إلى أنَّ المسلسل ابتعد عن الكليشيهات التي تعتمدها جمعيات الـNGO›s والنسوية المموّلة غربياً. فالبطلة عادية تشبه أي سيدة في المجتمع الذي تعيش فيه، إنها تريد أن تعيش حياتها بسلام، تربّي ابنتيها وتستمر. تتمحور الشخصية حول قوّة فاتن ذات اللسان السليط. ليست «شتّامة»، لكنها تعرف كيف تردّ بالكلمة المناسبة، وما أغنية تتر المسلسل «أنا مش ضعيفة» التي كتبها الشاعر مدحت العدل، وأدّتها أنغام إلا لسان حال البطلة، فضلاً عن أنّه يختصر البطلة والمسلسل. في المقابل، يؤدي شريف سلامة دوره بمهارةٍ، إنه الزوج الذي لا يفعل شيئاً، سوى الكلام السطحي الذي يستعمل كليشيهات الدين والأخلاق كي يجبر زوجته على احترامه و«تقديسه». لا يؤدي أياً من واجباته تجاه زوجته، لا بل يستغل المجتمع وتخلّفه لإجبارها على العودة إليه صاغرةً مكسورةً. لا يتورّع عن رمي زوجته وطفلتيه في الشارع في منتصف الليل لكسر شوكة زوجته. لاحقاً يتّجه للمحاكم والشرطة والقانون لليّ ذراعها؛ وهو ما يحدث فعلاً، ذلك أنّ القانون يقف في صفّه، وهو يستغل ذلك أيّما استغلال. يبرع سلامة في تقديم هذه الصورة الذكورية المنتشرة في المجتمعات العربية التي تتسلّح بقوانين يُشير المسلسل إلى أنّها «وضعية»، بالتالي يمكن تعديلها والمراكمة عليها للحصول على قوانين عادلة تمنح المرأة حقّها الطبيعي والمنطقي بتربية أولادها. في المقابل، نرى الصراع مع المحاكم والقوانين الوضعية والدينية. تدخل البطلة في صراعٍ مع المحكمة، ما يؤدي بها إلى السجن أربع وعشرين ساعة _ في لحظة ما _ بتهمة تحقير المحكمة والقانون حين تُشير إلى أنَّ القانون «ظالم» ولا يقدّر وضع المرأة، ما يدفع القاضي إلى سجنها. الأمر نفسه يتكرّر حين تزور أمل أحد مشايخ الأزهر للحصول على «فتوى» دينية، لتقول له ختاماً بأنَّ «الله مش بيقول كدا»، قاصدةً أنه ليس هناك نصٌ إلهيٌ واضحٌ يُشير إلى حق الوالد بالحضانة، وهو ما يفشل الشيخ في إثباته. لاحقاً يوغل المسلسل في إظهار عمق المشكلة: إنها ليست مشكلة قضاءٍ فقط، بل مجتمع. يظهر شيخ «التيكتوك» مع الماهر أحمد ماجد، الذي يستغلّ القضية ليزيد من «ترينداته» ويحوّل «تونة» ـــ كما يطلق عليها أحبتها ـــــ «خارجة عن الملّة والدين» كعادة شيوخ «التكفير» في التعامل مع من يرفع صوته بالحق. أخرج المسلسل محمد جمال العدل، ابن منتج العمل جمال العدل؛ وهو يستخدم تقنيات جميلة في تقديم المشاهد. ظهر ذلك مثلاً حين يضرب الزوج زوجته لكن المشهد يبتعد بالكاميرا إلى الزوايا البعيدة، فلا تظهر مشاهد العنف، لكن المتلقّي يسمع الصوت، ويرى الظلال. كذلك، هناك بساطة في تناول الصورة، فلا نرى البطلة مبهرجة ولا بـ full makeup إنها أمٌ منهكة؛ محاصرة، لا تستطيع حتى التفكير بوضوح جرّاء الهجمات المتلاحقة لزوجها عليها. وهذا كله يُحسب لثلاثي العمل المخرج، الكاتب والبطلة. على الجانب الآخر، نجح المخرج في انتقاء ممثلين كفوئين لتأدية بقية الأدوار. نجد محمد ثروت في دور المحامي اللعوب الذي يرغب بمساعدة فاتن، وإن ظلّ على حاله نفسه. يخبرها بأنَّ عليها أن تطلّق حياتها العادية وتتزوج حياة المحاكم والقضايا كي تفوز على طليقها قانونياً. في الإطار عينه يبرع محمد التاجي بتقديم أداء هو الأفضل في مسيرته أو في رمضان الحالي. وبالتأكيد لا يمكن نسيان الدعم الكبير الذي يقدّمه ممثلون مهرة أمثال محمد الشرنوبي، أحمد ماجد، هالة صدقي؛ فادية عبدالغني، وحاتم صلاح. يسعى «فاتن أمل حربي» لرفع صرخةٍ بوجه الظلم الذي تتعرّض له آلاف النساء على امتداد الشارع العربي يومياً. ويأتي أداء نيللي كريم وشريف سلامة الحقيقي والواقعي، فضلاً عن القصّة/ القضية المسبوكة بعناية الصورة لتعزّز العمل؛ فيصبح أمامنا أحد أفضل إنتاجات هذا العام الدرامية. نُشر في صحيفة الأخبار اللبنانية بِتاريخ 29 نيسان 2022. المجتمع ظالم... «فاتن أمل حربي» شاهدة على ذلك (al-akhbar.com)
اقرأ المقال
خلال الموسم الرمضاني الحالي، برزت العديد من الثنائيات في الدراما السورية والمصرية، أضفت ديناميكية وحيويةً على المسلسل. شاهدنا حلا رجب وعباس النوري في «مع وقف التنفيذ» يجسّدان دورَي الابنة المطيعة والأب المسيطر، أو محمد الشرنوبي في دور الشيخ النبيل في مواجهة أحمد ماجد الذي برز في تقديمه نموذجاً عن مشايخ «السوشيال» في مسلسل «فاتن أمل حربي».. ثنائيات كثيرة تستحقّ الإضاءة عليها: الابنة حلا والأب عباس الثنائي الأوّل في هذه القائمة هو ثنائية الأب والابنة، مع حلا رجب وعبّاس النوري في مسلسل «مع وقف التنفيذ» للمخرج سيف الدين سبيعي والكاتبَين علي وجيه ويامن الحجلي. بدت الشخصيّتان للمشاهد كما لو أنهما خُلقتا لبعض: لدينا الابنة المطيعة، الموافقة، المطبطبة للأب الذي يحتاج ذلك في جميع الأوقات. «فوزان» أو «فافا» كما تناديه «أوصاف» ابنته، يعرف كذلك متى يظهر ضعفه، ومتى يظهر أنيابه حتى مع ابنته. في الوقت عينه، فإن «أوصاف» تكمل الصورة عبر سلوكها الذي يظهر فتاةً من هذه البيئة، لناحية سلوكها البسيط: طريقة لعبها بشعرها، أظافرها التي تعتني بها يومياً لقلة الأشغال، فضلاً عن امتهانها القيل والقال. هذا الشكل يخدم ما يريده والدها منها تماماً. هنا يجب الإشارة إلى وجود كيمياء قوية بين رجب والنوري، تظهر في أدق تفاصيل أدائهما سويةً: من النظرة، إلى الحركة وصولاً إلى ردات الفعل الصوتية. نيللي المسكينة v/s شريف «الشرير» إنها علاقة التناقض، وكما يُقال في الشعر «والضدّ يظهر حسنه الضدُ». في ثقافة المانغا والكوميكس، أنت بحاجة لـ «شرير» مخيف كي يظهر لك البطل كحاجةٍ ضرورية: نقياً، طاهراً، مهماً. من هنا، فإنّ أداء شريف سلامة المتقن لشخصية «سيف الدندراوي» في مسلسل «فاتن أمل حربي» (كتابة ابراهيم عيسى ـ إخراج محمد جمال العدل) مكّن نيللي كريم بدور «فاتن أمل حربي» بسهولة وإتقان. ليس هناك شك في موهبة كريم المتّقدة، لكن أيضاً لأنّ الشخصية التي تجسّدها بحاجة إلى الكثير من التعاطف والتشجيع والتأييد؛ احتاجت كريم إلى شخصية «شريرة» تمثّل «السائد» لناحية الذكر المتخلّف في تعامله مع زوجته. مزج الممثلين مع بعضهما خرج بإحدى أقوى ثنائيات هذا العام. شيخ «التوكتوك» أم الشيخ المثالي؟ الشيخان المعمّمان من مسلسل «فاتن أمل حربي»، اللذان استخدمهما صنّاع العمل ليُظهرا أنّ الدين ليس المشكلة، بل الناس، لم تكن لتظهر لولا المهارة التي سبكها الفنانان في دوريهما. أعطى محمد الشرنوبي ذو الملامح البريئة الدور الكثير من جهده وطاقته. أدّى بحرفة شخصية الشيخ المثالي ذو الأخلاق العالية الذي يرى الدين نوراً وهداية، لا قمعاً وقتلاً وتقطيعاً. في الوقت نفسه، يعتبر أحمد ماجد أحد النجوم القادمين بقوة الذين لم يأخذوا مكانهم وحقهم بعد في الدراما المصرية. ماجد أظهر شخصية «مشايخ التوكتوك» أو مشايخ «السوشيال»، كما يُطلق عليهم. إنه شيخٌ يهوى «التريند» ويريده بقوة، وسيقول أي شيء ليبقى في الواجهة. هذا التناقض بين الشخصيتين جعل الآخر ظاهراً بشكل أكبر. ضبعان «متعايشان» يمكن قول الكثير عن النجمَين فايز قزق وسلاف فواخرجي في مسلسل «مع وقف التنفيذ»، لكنّ الأهمّ أنّهما ثنائية النوع ذاته: ثنائية «الضرورة». كائنان مفترسان وُضعا في قفصٍ واحد يعرفان بأنهما سرعان ما سيفترسان بعضهما. لكنّ «الضرورة» الآن تقتضي أن يبقيا معاً. سيحاولان بالتأكيد قتل أحدهما الآخر في أي لحظة، لكنهما يحتاجان بعضهما. لا يتورّع «أديب» عن القتل لأجل «جنان»؛ وهي لا تتورّع عن أي شيءٍ لأجله. ثنائية الضرورة هذه قد لا تعيش طويلاً، لكنها منتشرة في المجتمع. قدّمت سلاف وفايز أداءً متوازناً، قوياً يذكّر بثنائيات الكاتب المصري الراحل أسامة أنور عكاشة القوية في معظم مسلسلاته: نازك السلحدار وسليم البدري؛ سليم البدري وسليمان غانم وقس على ذلك. أحمد مكي ونفسه لعلّها ثنائية غريبة بعض الشيء، قد يراها بعضهم «ثلاثية» إذا أضفنا دور «حزلقوم» إلى مهارات أحمد مكي في مسلسل «الكبير أوي 6». إنها ثنائية «الكبير» و«جوني» التي بدت منذ الجزء الأوّل من المسلسل ضرورية للغاية. المزج بين الشخصيّتين وطبيعة الكيمياء بينهما، جعلا المسلسل يعيش ستة أجزاء، وسيستمر إلى أن يقرّر الممثل المصري غير ذلك. الاختلاف الكبير والظاهر بين شخصية «الكبير» و«جوني» جعلهما يقعان ضمن ثنائية الأضداد، لكن الأمر ليس كذلك مئة في المئة لأنّ الشخصيّتين يلعبهما الممثل ذاته. وهذا يُحسب لمكي. إنه يؤدي الدورين معاً، ولا يقتصر ذلك على مشهد أو اثنين، فالشخصيتان هما بطلتا المسلسل تظهران معاً في مشاهد كثيرة. بين مي وطارق.. علاقة مصلحة تأتي ثنائية «العايقة» (مي عزالدين) و«خلدون» (طارق لطفي) من الثنائيات التي مضى وقتٌ طويل لم يرها المشاهد على الشاشة. صحيح أنها ثنائية ضرورة، لكنها أيضاً ثنائية مصلحة متّصلة، بمعنى أنّ الاثنين يريدان الصعود معاً، أن يكونا ناجحين معاً، ولو لم يتزوجا أو يعيشا معاً. الغجريان أو «الحدف بحر» (بمعنى أنّ الموج رماهما على الجزيرة) يأتيان إلى الجزيرة في مسلسل «جزيرة غمام» (تأليف عبدالرحيم كمال ـــ وإخراج حسين المنباوي) بهدف السيطرة والتمكن. هكذا بكل بساطة يعلنانها صراحةً في إحدى حلقات المسلسل. هذه الثنائية تختلف اختلافاً جذرياً عن سواها: إنها ثنائية قائمة على «التواصل» الخفي بين البطلين، يكمّلان بعضهما حتى بدون تنسيق، لأن التنسيق موجود بداخلهما بشكلٍ تلقائي، وهذا يظهر في أكثر من مشهد. الثنائية تبرهن عن كيمياء أدائية بين عزالدين ولطفي، وتظهرهما متنافسين، مفترسين، متناقضين، ومع هذا لا يضمران الشرّ لبعضهما، وإن حصل ذلك؛ فلا مشكلة. أنوشكا أرستقراطية... ووفاء «بنت البلد» هي ثنائية مختلفة بعض الشيء، كون أنوشكا ووفاء عامر لا تظهران على الشاشة كثيراً. هذا ما يجعل هذه الثنائية مميزة فعلاً. «راجعين يا هوى» الذي كتبه الراحل الكبير أسامة أنور عكاشة، ووضعه الماهر محمد سليمان عبدالملك قيد التنفيذ كتابةً، وأخرجه محمد سلامة، يعمل على «تكبير» الشخصيّتين عبر الإضاءة على سلوكهما المتناقض، لكن أيضاً على رغبتهما بالأشياء والنتائج ذاتها. كلتا الشخصيتين تحبّ المال، النفوذ، القوة، وفوق كلّ هذا أن تكون مرغوبة. يسرية (وفاء عامر) وشريفة (أنوشكا) تريدان السيطرة على أولادهما، على العائلة، وبالتأكيد على كل شيء. إنهما التعريف للشخصيات النسائية القوية المتنوعة في بلادنا: الأرستقراطية، الـfull makeup، المهندمة، التي لا تدخل المطبخ، تتحدّث من طرف «مناخيرها»، والثانية بنت البلد، الشعبية، التي ترتدي ذهباً يكاد يزنُ أطناناً، لا تُعير وزناً أبداً للإتيكيت. هذا التناقض قدّم الثنائية هذه بشكلٍ كبير، ولو أنّ المخرج والكاتب لم يحتاجا إلى ضغطهما في مشاهد ثنائية كثيراً. آسر وأحمد: وجهان لعملة واحدة ظهرت هذه الثنائية بقوّة في مسلسل «سوتس: بالعربي» (كتابة محمد حفظي وإخراج عصام عبدالحميد). آسر ياسين وأحمد داوود يمزجان بين شخصيّتين تبدوان بفوارق كثيرة. مع توالي الحلقات، يجد المشاهد أنه أمام نسخة كربونية متماثلة. كلا الشخصيتين نسخة عن الأخرى، الفارق الوحيد هو الخبرة والزمن لا أكثر. يبدو آدم منصور (أحمد داوود) شبيهاً بشخصية زين ثابت (آسر ياسين). في بداية المسلسل، يبدو آدم طيباً، بريئاً، يمتلك الكثير من السذاجة، فيما زين مفترساً، بلا رحمة، لا يضيّع وقته في التفاصيل التافهة. سرعان ما يبدأ الأمر بالتحوّل شيئاً فشيئاً: يأخذ الشخصان بالاقتراب من بعضهما بشكلٍ مدهش: يصبح زين وآدم كما لو أنهما شخصٌ واحدٌ يتصرّف بالطريقة نفسها في جميع المواقف: الحب، العمل، وكذلك الحياة اليومية. أدائياً، برهن داوود كما ياسين عن حرفة عالية في جميع مشاهدهما معاً، ويُحسب لآسر ياسين أنه لم يمارس سطوة الشخصية على داوود. منة وأحمد.. وثالثهما الرغبة إنهما بطلا مسلسل «بطلوع الروح» (كتابة محمد عبية ـــ وإخراج كاملة أبو ذكري) تجمعهما ثنائية مختلفة هي أنّ أحدهما يريد الحصول على الآخر مهما كان الثمن. هذه الرغبة هي دافع المسلسل الرئيس. افتتان عمر (أحمد السعدني) بشخصية روح (منة شلبي) جعله يرغب بالحصول عليها بكلّ الطرق. هكذا، سيجعل زوجها ينتمي إلى «داعش» ويُحضره إلى مناطق سيطرته وهنا يصبح المراد قريباً. التناقض بين الشخصيتين في كل شيء تقريباً، مع الرغبة هي أجمل ما في هذه الثنائية. إنه يريد هذا المرتجى/ المرغوب/ المشتهى أو كما يُقال في تقنيات الكتابة الـMcGuffin ولأجل ذلك سيفعل المستحيل. برزت هذه الثنائية من خلال أداء السعدني وشلبي التي تكافح في كل مشهد كي تتخلّص من قوته وسطوته، لكنها في الوقت نفسه تمتلك قوّة الفراشة لناحية أنّ الجمهور يتعاطف معها لضعفها ورقّتها أمام هذا الكائن «المفترس». نُشر في صحيفة الأخبار اللبنانية بِتاريخ 28 نيسان 2022. حلا وعباس وسلاف ومي وطارق وأحمد... هؤلاء أجمل ثنائيات الموسم (al-akhbar.com)
اقرأ المقال
إنه «عمدة المزاريطة» الشخصية التي اخترعها الفنان المصري متعدد المواهب أحمد مكّي، الذي برهن أنه لا يزال يستطيع تقديم ما لا يستطيعه غيره في مجال الكوميديا المباشرة الممزوجة بكوميديا الإيفيه المصري التقليدي، وكوميديا الحركة المشرقية، القادمة من مسرح الرحابنة كمثال. يأتي الجزء السادس من سلسلته التي باتت شهيرة من خلال شخصياته التي يؤديها هو بنفسه: الكبير، جوني، حزلقوم. هذا الجزء الذي يأتي هذا العام إستكمالاً لخمسة أجزاءٍ سابقة بعد غيابه ستة أعوامٍ طويلة عن الشاشات عاش خلالها أكثر من تجربةٍ، ودرس «نفسه» أكثر كما يشير في إحدى المقابلات، ليقرر بعدها العودة إلى مسلسله الأثير الذي قدّمه للجمهور العربي بشكلٍ مختلف، خصوصاً أنه ليس الممثل فقط، بل المنتج المنفذ، فضلاً عن أدائه أغنية البداية. إنها تقريباً حكايات الكبير ذاتها التي كتبها منذ الجزء الأوّل المصري مصطفى صقر الذي عرفه الجمهور من أعمال كوميدية مهمة مثل «الحرب العالمية الثالثة» (2014) وأعمال جادة مثل «قابيل» (2019) وأخرجها شريك مكي شبه الدائم أحمد الجندي الذي عرفناه في معظم أعمال مكي السابقة «سيما علي بابا» (2011) و«اتش دبور» (2008) و«لا تراجع لا استسلام» (2010)، و«طير انت» (2009). إنها الشخصيات الأثيرة التي أحبّها الجمهور، تعود من جديد. ميزة «الكبير أوي» أنّه قائمٌ بقده وقديده على أحمد مكي شخصياً، إذ إن الأبطال الثلاثة الرئيسيين في المسلسل يؤديهم هو شخصياً، بالتالي هو لا يحتاج أحداً إلا لإكمال الصورة معه، لا أكثر ولا أقل. مثلاً غابت «هدية» زوجته وشريكته في كل المواسم السابقة الممثلة الماهرة دنيا سمير غانم، التي تمتاز بالأداء الجيد والقدرة على الغناء والتقليد؛ استبدلها مكي بدون عناء بممثلة واعدة لديها موهبة جميلة هي رحمة فرج القادمة بقوة من مسلسل «أمين وشركاه» مع الممثل أحمد أمين، ولم يتأثر العمل كثيراً. في الوقت عينه، حافظ مكي على الشخصيات التي واكبت نجاح المسلسل، فبقي «هدرس» الموهبة الجميلة محمد سلام، المتألق للغاية بيومي فؤاد في شخصية الدكتور ربيع، هشام إسماعيل الذي برع هذا العام في تأدية شخصية محمد البلتاجي في مسلسل «الإختيار: القرار». أضاف مكّي هذا العام شخصية الكبير فحت التي أدّتها بتميز سماء ابراهيم، وهذا يثبت أن سماء موهوبة، لكنّ المخرجين والكتّاب يحشرونها في أدوار لا تظهر موهبتها. لربما «التناسب» واحدة من أهم سمات «الكبير أوي» والعمل مع أحمد مكّي عموماً. لقد أخرج مكي أحسن ما في ممثليه: لم تكن أسماء محمد سلام، بيومي فؤاد، وهشام اسماعيل وحتى دنيا سمير غانم معروفة إلى هذا الحد قبل تجربة «الكبير أوي». أعطى المسلسل نجاحاً كبيراً وفرصة لإطلاق هؤلاء النجوم وأظهر موهبتهم، وهذا يظهر مدى جهد مكي المبذول في العمل. إذ إنه لم يكتفِ ببناء شخصيات، بل أعطاها -كما في مدرسة الكتابة الإبداعية- أبعاداً وصفات وحياةً وعمقاً جعلها حقيقية. مثلاً فزّاع بات الجميع يعرف كيف يفكّر، وكيف يتحرّك، وماذا ينتظر منه؛ مما مكّنه مثلاً من تقديم «فيلم مستقل» قائم بحد ذاته قبل سنوات حول الشخصية بحد ذاتها. في القصّة، يعود الكبير بعد أعوام الغياب الستّة إلى المزاريطة، لكن المشاكل هذه المرّة أكبر، وإن كانت تدور في الإطار العام ذاته. يكاد يخسر منصب «العمدة» و«العمودية»، لتظهر عمّته وتقرر تزويجه مع إيفيهها الشهير: «انت مش مزبوط يا واد» في إشارة إلى أنّها تشعر بأنه ليس في حالته الطبيعية. الزوجة هذه المرّة هي «مربوحة» التي تختلف اختلافاً جذرياً عن «هدية»؛ إنها مندفعة، متكلمة، كثيرة الحركة، وفوق كل هذا علاقتها بالكبير تبني لبنةً لبنة. القصة كعادة المسلسل تأخذ أبعاداً كثيرة. بعدما استخدم فيلم «شمس الزيناتي» و مسلسل prison break كثيمة في حلقاتٍ من أجزائه السابقة، يستخدم مسلسل squid games كثيمة جديدة في هذا الجزء. يجيد مكي كثيراً استخدام الإشارات أو كما تسمّى easter eggs في العمل. مثلاً يشير في حديثه لجوني شقيقه عن عمّته «الكبيرة فحت» إلى أنّ «إسمها لا ينطق مثل فولدمورت بتاع هاري بوتر» المعلومة كعادة المسلسل تمر بسهولة بالغة كما لو أنَّ الثقافة «المعقّدة» باتت سهلةً للغاية. إن معظم شخصيات المسلسل تعرف أشياء لا يعتقد المشاهد أنها يمكن أن تكون تعرفها، كأن تعرف «الكبيرة فحت» مثلاً أسماء «مغنيّ راب old school وتعتبر أن هذا أمر بديهي. هي حرفة الكوميديا والمعلومة السريعة الذكية وإن لم يكن الهدف التعريف بمقدار إظهار اتساع الثقافة. أدائياً، نحن بالتأكيد أمام مدرسة خاصة يحاول مكّي منذ مدّة صنعها والتأكيد عليها. إنها مدرسة «مزجية» خاصة، بمعنى أنه لا يستخدم كوميديا الإيفيه المصرية المعتاد فقط، بل يتعداها إلى ذلك حيث يقدّم كوميديا الشخصية والحركة معاً. هو يبدأ من نفسه، بشخصياته الثلاث الرئيسية: الكبير، جوني وحزلقوم. لكل شخصيةٍ من الثلاث ثيابها، حركتها، منطقها، إيفيهاتها وردة فعلها المختلفة. الكبير يرتدي الثياب الصعيدية، يتميز بشاربيه الكبيرين، حليق الرأس، يتحدث لهجةً صعيدية خالصة، وفوق كل هذا صلب، قاس لا يرحم، لكنه يفاجئ الجميع بأنه «عائلي» و«حنون». للكبير إيفيهاته الخاصة مثل «جزرة وقطمها جحش» في إشارة لقطع النقاش نهائياً. جوني القادم من أميركا، توأم الكبير، الذي يتحدّث الإنكليزية بطلاقة ويبدأ هذا الجزء مع شعره الطويل المجدل على طريقة dread looks؛ جوني يتحرّك كأي مؤدي راب، ويتصرف على هذه الشاكلة ولديه هو الآخر إيفيهاته مثل: «جدّي خالص» في إشارةٍ للتأكيد على المعلومة. أما حزلقوم فهو شخصية كان قد أداها في السابق في فيلم «لا تراجع ولا استسلام» (2010) وفي مسرحية «حزلقوم» (2020). إنه فتى ذو شعر برتقالي ونمش على الوجه، ذو صوتٍ ناعمٍ للغاية، ويبدو من ثيابه ومنطقه كما لو أنه يعيش في ثمانينيات القرن الماضي. فوق كل هذا «مرزوق» للغاية يتمكن بسهولة من تحصيل المال والثروة على الرغم من بساطته وأخطائه الكثيرة. لا يشعر المشاهد أنه أمام شخصٍ واحدٍ في المسلسل، على الرغم من أن الشخصيات الثلاث غالباً ما تكون معاً في مشهدٍ و«كادر» واحد، وهذا يظهر مدى مهارة الممثل والمخرج المصري الشاب. ذات الفكرة وإن بشكلٍ آخر، نجدها لدى الشخصيات الأخرى في العمل. ففزاع أو هجرس يتحرّكان ويتحدثان بطريقةٍ خاصة وإن استخدما «ألفاظاً» خاصة بهما و«حركة» خاصة كذلك: هجرس لا يلفظ الجيم نهائياً، فيصبح حتى اسمه «هدرس»، ويحاول كل الوقت أن يتحدّث بلغة انكليزية ضمن منطق المعجب بالشيء غير المدرك له، فيخطئ في كل الكلمات الإنكليزية تلك ليصحح له «جوني» كل الوقت. أما فزّاع الذي تعتقد أنه شديد الغباء في لحظةٍ ما، ليفاجئك بأنه يعرف كثيراً ويدرك أكثر، لكنه يمارس الغباء أو يدعيه ليستطيع النفاذ من سلطة الكبير وسطوته. أما الدكتور ربيع، وهو دكتور الوحدة الصحية في المسلسل، الذي يؤدي دوره بإتقان بيومي فؤاد، فهو قصة بحد ذاته، لناحية ما يقوم به من حركة وايفيهات لدرجة أن المشاهدين كانوا ينتظرون ظهوره على الشاشة لمعرفتهم بأنَّ الشخصية تمتلك قدرة على الإضحاك وبسهولة بالغة. هذا الأمر يقاس عليه كثيراً في كل الشخصيات التي صنعها أحمد مكي في هذا المسلسل. باختصار، هو مسلسل يستحق المشاهدة والمتابعة، بداية لجهد أحمد مكي الكبير فيه، وثانياً لجهد الممثلين والمؤدين الآخرين، وصولاً حتى المخرج وصناع العمل الباقين. نُشر في صحيفة الأخبار اللبنانية بِتاريخ 25 نيسان 2022 «كبير أوي» يا أحمد مكّي (al-akhbar.com)
اقرأ المقال
<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">لأكثر من عقدين، غرقت الدراما الخليجية بقصص مكرّرة، فقيرة المضمون، رتيبة الحبكة، تدور غالبيتها حول عائلات ثرية ذات مشكلات سطحية، متجاهلة قضايا المجتمع الحقيقية؛ فضلاً عن توجّهها ـــ خصوصاً تلك الكوميدية كـ «طاش ما طاش» ـــ إلى الجمهور الخليجي دون سواه. ولطالما كانت الدراما الكويتية، بصيص الأمل منذ ثمانينيات القرن الماضي مع مسلسلات مهمة مثل «خالتي قماشة» (1983، إخراج حمدي فريد كتابة طارق عثمان وبطولة حياة الفهد وسعاد عبدالله). اليوم تعود الدراما الكويتية الجديدة في محاولة جادة لنفض الغبار عن صناعتها الجميلة هذه؛ خصوصاً مع أعمال مثل «دفعة القاهرة» (2019) و«دفعة بيروت» (2020) للكاتبة هبة مشاري حمادة والمخرج علي العلي، و«جنة هلي» (2020) و«نوايا» (2016) للكاتبة نوف المضف والمخرج منير الزعبي. هذا العام، يأتي المسلسل الكويتي «ناطحة سحاب» (تأليف نوف المضف، إخراج عيسى ذياب، وإنتاج «شركة التوليب») ليقدم صورة مختلفة بقصتها الرئيسية، وإن كانت لا تخلو من أحداث جانبية معتادة كالخيانة الزوجية وغيرة الأخوة وحب المظاهر والمال.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">تدور قصة المسلسل حول رائدة الأعمال «عامرة» (سعاد عبدالله) التي ترأس شركتها الخاصة؛ معتمدةً على ذراعها الأيمن عبدالرحمن (يعقوب عبدالله) الذي نراه في الحلقات الأولى بدور «منّان»؛ الموظف الهندي الذي يتكلم العربية المكسرة. تتميز عامرة بجديّتها وبحثها المتواصل عن فرصة استثمار في أي شيء أو شخص ترى فيه موهبة. أمر يدفعها لتبني موهبة «رافد» (حسين المهدي) ليصبح بطل رالي سيارات. رافد هو شاب «نكرة» كما يصف نفسه بطريقة ساخرة في الحلقة الأولى، يأتي من عائلة فقيرة وليس لديه عمل ثابت. على الصعيد الشخصي، تسكن «عامرة» وحدها وليس لديها أبناء. هذا التفصيل يعود للظهور مراراً في الحلقات، ليبرز للمشاهد غريزة أمومة «عامرة» التي تدفعها لتتبنّى مواهب، وتكون بمثابة أم للموظفين وخالة طيبة ومتفهمة لابنتَي شقيقتيها: سمر (شيماء علي) وراوية (نور). هذه الشخصية التي تؤديها سعاد عبدالله بحرفة عالية، تذكرنا لناحية هدوئها ونظرتها الحكيمة ونضجها في التعامل مع الجيل الشاب، بشخصية «العمة نور» التي أدتها الممثلة المصرية نبيلة عبيد عام 2003 في المسلسل الذي حمل الاسم نفسه (كتابة محمود أبو زيد وإخراج عادل الأعصر).</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">يشهد للنص الذي ألّفته الكاتبة الكويتية نوف المضف خفّته ومرونته، ما يجعله عملاً يستمتع به الجمهور العربي وليس الخليجي فقط. هناك حرفة في رسم شخصيتَي «عامرة» و«رافد» وضبط سلوكيات وردّة فعل كل منهما. تحافظ «عامرة» على شكلها ونمط ثيابها وتعليقاتها التي تتأرجح بين القسوة والسخرية. على سبيل المثال، حين تلتقي «عامرة» بـ «رافد» مصادفة في الشارع، تعلّق على اسمه وتصرفاته بقولها: «الاسم راقي، والتصرف والأخلاق حظيرة». ونجد الأسلوب نفسه في توجيه الملاحظات لمساعدها «منّان» عند تقصيره في عمله ولأختها «سمر» التي تأتي بالمشكلات دوماً بسبب سذاجتها وتعلّقها بالمظاهر. أمّا «رافد» فهو متهوّر ولغته تشي بالبيئة القادم منها. حين تطلعه «عامرة» على فكرتها في تحويله إلى بطل رالي مشهور، يجيب باستهزاء: «ليش تحسّسيني كنك من هاذول المذيعات اللي يطلعون بالقنوات التجارية.. ولا الدعايات اللي تسأل: نفسك تبقى نجم؟ نفسك تبقى مطرب؟ يبقى بس تبعت ثلاث تمانينات على المسج، وفي الخلفية يطلع عمرو دياب وحكايتك إيه يللي». تحاول الكاتبة الإشارة إلى بعض القضايا التاريخية والمجتمعية من خلال القصص الجانبية مثل تسميتها لشخصية ابن «راوية»، شقيقة «عامرة»، باسم جورج بوش.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">يعلّق الأب «طارق» (عبدالعزيز صفر) حين يسأله شخص في المطار مستغرباً الاسم أنّه أسماه كذلك «يوم الضربة الجوية» على اسم الرئيس الأميركي جورج بوش «اللي حرّركم»؛ إشارة إلى احتلال العراق للكويت وتدخّل أميركا. في الوقت نفسه، تسعى كاتبة العمل إلى ترسيخ دور المرأة الخليجية العاملة والفاعلة والمتحررة –ضمن إطار العادات والتقاليد المحافظة- من خلال التركيز على نجاح «عامرة» في عملها وترقية وسفر «غزلان» (هدى حمدان)، مقابل محاربة المرأة التي تعتمد كلياً على راتب عمل زوجها، وتنفق المال تفاخراً بمظهرها وبعدد خادماتها. ليست المرة الأولى التي تتعاون فيها الكاتبة نوف المضف مع الممثلة القديرة سعاد عبدالله. فقد اجتمعتا في أعمال سابقة مثل «جنة هلي» و«نوايا».</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">أدائياً، يمكن اعتبار ما قدمته سعاد عبدالله نقطة ثقل المسلسل، فهي تمثل بأريحية ظاهرة في مقابل القليل من الـ</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">overacting</span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;"> من قِبل حسين المهدي، وإن كان أداؤه جيّداً وعفوياً في مشاهد كثيرة. الممثلة الإيرانية الكويتية شيماء علي اعتمدت كثيراً على مظهرها الخارجي في تأدية دور الأخت الجميلة العاطلة عن العمل التي تحب الموضة وإنفاق المال في شراء الثياب والمكياج، وتقارن نفسها بأي امرأة يبدو عليها الثراء/ النجاح وأولهنّ أختها «عامرة». أمّا الممثلة العراقية نور، فكانت هادئة في تأديتها شخصية الأخت المنصفة، والزوجة المتحررة، والأم المتفهّمة لابنها الوحيد جورج (طلال باسم)، الذي يحتاج مرونةً أكثر في أدائه.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">سيكون عشاق الراليات وسباقات السرعة، مع مفاجأة جميلة حين يظهر بطل الراليات الكويتي مشاري الظفيري، بطل الشرق الأوسط للرالي، والحائز المركز الثالث في بطولة العالم 2021، ضمن الحلقة الثالثة من المسلسل، حين تستدعيه «عامرة» لتدريب رافد على سباقات الرالي، فيستغل الفرصة ليذكر والده أحمد ظفيري الملقب بـ «ثعلب صحاري الكويت»، وأحد مؤسسي رالي الكويت. كما يشير إلى أنّ الكويت أول دولة خليجية وثاني دولة عربية تنظم سباق رالي.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">إخراجياً، حاول الممثل الكويتي عيسى جاسم ذياب، الذي أخرج العام الفائت، مسلسل «شليوي ناش»، المزج بين الكوميديا والتشويق في تقديم القصة. إلا أنّ مشاهد عديدة بانَت مصنوعة على طريقة الدراما التركية؛ بطيئة بشكل ملحوظ عند خاتمتها ومباشرة جداً في تصوير اللقطات التي تستدعي انتباه المشاهد لأمر هام.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">«ناطحة سحاب» عمل كويتي يشترك في أدائه ممثلون من جنسيات متعددة، لكن بلسان/ لهجة كويتية، يعتبر وجبة خفيفة ومسلية من مسلسلات رمضان هذا العام، يستطيع المشاهد العربي متابعته بسهولة.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;">نُشر في صحيفة الأخبار اللبنانية بِتاريخ 21 نيسان 2022</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif;"><a href="https://al-akhbar.com/Media_Tv/335487"><span lang="AR-SA">الدراما الكويتية تنصُر المرأة الحرّة</span><span dir="LTR"> (al-akhbar.com)</span></a></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"> </p>
اقرأ المقال
إنها رواية النظام، نعم. لكن هل تستحق المشاهدة؟ في جزئه الثالث، يأتي «الاختيار» (عنوانه الفرعي «القرار» ـــ إخراج بيتر ميمي، وكتابة هاني سرحان وإياد صالح) بمثابة وثائقي تأريخي بجرعة «درامية» عالية، خصوصاً مع نجوم مصريين معروفين أمثال أحمد السقا، كريم عبدالعزيز، أحمد عز، وبالتأكيد ياسر جلال. يطرح المسلسل رواية النظام المصري لما حدث في الفترة الممتدة بين حكم الرئيس المصري المقال/ المعزول الراحل محمد مرسي، والرئيس المصري الحالي، قائد الجيش المصري آنذاك، عبدالفتاح السيسي. هذه الرواية التي ربما يحتاج المشاهد العربي لسماعها لأنّها تأخذه بعيداً عن «معتاد» الرواية التي دأبت «الجزيرة» والقنوات الإعلامية المؤيدة لتنظيم الإخوان المسلمين تردادها، ما جعلها بمثابة «لازمة»: الإخوان المسلمون مظلومون، والجيش والسيسي «الظالمان» انقلبا على «الشرعية» (التي يمثلها مرسي). حكاية المسلسل تغوص في تفاصيل مرحلة زمنية «قلقة» من التاريخ المصري المعاصر بعد «ثورة 25 يناير». تدور الحكاية على خطّين متوازيين، وإن كان الخط التاريخي/ الوثائقي يكتسب أهمية أكبر من الخط الدرامي الذي قدّمه المسلسل في جزءيه السابقين. يبدأ العمل مع تعيين عبدالفتاح السيسي قائداً للجيش. واللافت أن الإخوان ورجلهم القوي خيرت الشاطر هم الذين «رشّحوا» السيسي لهذا المنصب؛ وإن ندموا على ذلك لاحقاً. الجانب الثاني ـــ وهو الأضعف كما أشرنا ــــ هو حكاية ضباط الأمن الثلاثة مروان العدوي (أحمد عز) وزكريا يونس (كريم عبدالعزيز) ومصطفى (أحمد السقا) الذين يحاربون الإرهاب المتمثل في الإخوان الذين حتى وهم في السلطة، بقوا على حالهم لناحية «الإخلال بالأمن». يستمر المسلسل بحكاية العلاقة الملتبسة بين مرسي والسيسي، مع تظهير كيف وصل الأمر إلى عزل مرسي ووصول السيسي إلى سدّة الحكم. أكثر ما يلفت في المسلسل حرفة اختيار المؤدين للشخصيات (casting). يبدع ياسر جلال، بدايةً، بدور السيسي، وخالد الصاوي في دور خيرت الشاطر، وعبدالعزيز مخيون بدور مرشد الإخوان محمد بديع، وصبري فوّاز بدور محمد مرسي، وأحمد بدير بدور المشير طنطاوي. هذا الكاستينغ الجميل منح ميزةً للمسلسل عن سواه من المسلسلات. ارتدى خالد الصاوي خيرت الشاطر إلى درجة أنه إذا ما عاد المشاهد إلى شكل الشاطر وهيئته عبر مشاهدة أي فيديوهات له، لظنّ بأنهما ظلان. الأمر عينه ينسحب على أسماء لم تكن معروفة سابقاً مثل صبري فواز الذي أبدع بدور محمد مرسي، وإن اختلف عنه بالحجم قليلاً. لكن مهارته جعلت التوليفة حقيقية للغاية. نأتي للنقطة الأهم: ياسر جلال وكيفية ارتدائه شخصية السيسي: رغم الهجوم الهائل الذي شن على الشخصية والممثل والسيسي منذ بداية العمل، إلا أن الممثل المصري استطاع أن يكون السيسي في معظم لحظات ظهوره على الشاشة: يتحدّث مثله، يتحرّك مثله رغم الفارق في الأحجام بينهما، وفوق كل هذا جلس لساعات تحت أيدي «ماكيير» محترف هو أحمد مصطفى ليخرجه نسخةً تلفزيونية حقيقية وواقعية عن السيسي. الخط التاريخي/ الوثائقي يكتسب أهمية أكبر من الخط الدرامي الذي قدّمه العمل في جزءيه السابقين على الضفة المقابلة، يمكن اعتبار المسلسل مشكلة حقيقية للثلاثي السقا، عبدالعزيز وعز. وجودهم لا يقدّم ولا يؤخر إلا كأسماء كبيرة في عملٍ يرتكز إلى بطلٍ رئيسي أوحد هو ياسر جلال بدور السيسي، لأسباب كثيرة: أولها أنَّ حضور الحدث التاريخي وميل الجمهور لمعرفة الكواليس السياسية الخفية التي سيرويها المسلسل، جعلا أي حدث آخر يخفت ويقل تأثيره. الثاني أنَّ المغامرات والأكشن وحروب المخابرات والإرهاب استُهلكت في الجزءين السابقين (وهي تتواجد هذا العام في مسلسل «العائدون» مع أمير كرارة بطل الجزء الأوّل من «الاختيار»). الثالث أنَّ طبيعة الشخصيات المقدّمة الثلاثة مسطّحة لا تمتلك أي بعد درامي أو عمق، كما لو أنّها كتبت على عجل مع الكثير من التضخيم والتنعيم. كتب أحد النقّاد المصريين عن الشخصيات الثلاث بأنها «فاضلها 3 فولت وتنوّر من شدة نورها وتقواها وإيمانها»، عاكسةً طريقة غير دقيقة وغير حقيقية في تقديم الأمن المصري. رغم أسماء ونجومية عز والسقا وعبدالعزيز، إلا أنّ هذه النقاط الثلاث جعلت المسلسل أشبه بدعسة ناقصة لهم. ألم يكن من الأفضل منح ثلاثة نجوم شبان فرصة تأدية هذه الشخصيات بدلاً من هذه الأسماء الكبيرة التي استهلكها الدور ولم يكن جديراً بها؟ نجوم العمل الفعليون هم ياسر جلال، خالد الصاوي، وصبري فوّاز مع غياب كلّي لأي عنصر نسائي حقيقي، ما يمكن اعتباره خطأً كبيراً. بذلَ النظام المصري الكثير لتقديم «الاختيار: القرار». على هذه الشاكلة، وربما يمكن القول بأنه نجح في تقديم رؤيته الخاصة لما حدث في تلك الحقبة الزمنية. تختلف معه أو تؤيده، لا مشكلة، لكن يجب دوماً تذكّر أن الإعلام يقول رأي الجهة التي يمثّلها، وليس هناك من إعلام موضوعي مئة في المئة. نُشر في صحيفة الأخبار اللبنانية بِتاريخ 20 نيسان 2022 من «ثورة 25 يناير» إلى الإطاحة بمحمد مرسي: النظام المصري يقدّم لكم «الاختيار 3» (al-akhbar.com)
اقرأ المقال
نام "الفن/الغناء" الفلسطيني بعد مرحلة الخروج الفلسطيني من لبنان في العام 1982، ولولا بضع محاولاتٍ من بعض الزجّالين الشعبيين، كالمغني الفلسطيني المعروف أبو عرب لكان من الممكن القول بأنَّ الغناء الفلسطيني في تلك المرحلة "إختفى" بشكلٍ كامل. لم تكن هناك سوى بعض المحاولات القليلة والتي يمكن عدّها على الأصابع؛ ولو شابها أنّها كانت ذات طابع "محلّي" في معظم الأحيان. ظهرت تجارب مثل فرقة صابرين المقدسية في ثمانينيات القرن الماضي، ومغنيتها الرئيسية كاميليا جبران والتي نشطت في الداخل الفلسطيني المحتل؛ لتدشّن الطريق أمام تجارب المؤديات اللواتي غنّين التراث الفلسطيني وعُرفن به مثل ريم البنّا، سناء موسى، تيريز سليمان وسواهن ممن عُرفن أكثر مع بداية الألفية خارج فلسطين عبر مواقع التواصل الإجتماعي أكثر من "الميديا" الكلاسيكية التي لم تكن تستسيغ كثيراً فكرة أي صوتٍ فلسطيني. كانت إشكالية الفن الفلسطيني إبان مرحلة التيه، والتوصيف دقيق لناحية أنّ إيجاد مكان أو أرضية فلسطينية تمكّنه من صناعة عمل "فني" فلسطيني بحت هو الأساس، من هنا كان التوصيف. هذا الأمر لم يكن ممكناً في ثمانينيات القرن الماضي في لبنان، إذ أنّ الحروب المتواصلة (حرب المخيّمات وسواها) جعلت من الصعب للغاية إيجاد أرضية مناسبة لخلق تجربة فنية مختلفة، واحتاج الأمر لعشر سنواتٍ وأكثر حتى تخرج تجربة من رحم مخيّمات العائدين في لبنان، كونه البلد الذي يحتضن مخيّماتٍ ذات تأثير فضلاً عن حرية فنية متسعة فظهرت تجربة "راب" فلسطينية مئة بالمئة مع فرقة كتيبة خمسة والتي سنتحدّث عنها لاحقا. في الداخل الفلسطيني كان الأمر مختلفا، إذ أنّ التجارب كانت تحدث، وإن لم يكن يصل صداها إلا قليلاً للعالم العربي أو للعالم عموما، وكان مجرّد خروج "شريط" أو "قرص مُدمج"(سي دي) من الداخل الفلسطيني للخارج يقابَل بالحفاوة وبنوع من النوستالجيا والمقاومة. وللملاحظة والدقة: لا يسعنا في هذا المقال البحثي القصير -بجزئه الثاني- أن نقدّم جميع تجارب الفِرق الفنية الفلسطينية، بل هي محاولة لتقديم بعض من صورة ولو أنّها ستكون قاصرة بالتأكيد أو "ظالمة" لأنّها لن تتحدث عن الجميع، لذلك سنحاول أن نمرَّ على تجارب نجدها مؤثرة أكثر من غيرها؛ لذلك آثرنا أن نتحدّث عن تجربتين بحد ذاتهما: "كتيبة خمسة" كتجربة غير كلاسيكية، مع فنٍ شبابي حديث لمؤدين من مخيّمات العائدين في لبنان و"صابرين" كفرقة كلاسيكية (أو شبه كلاسيكية) من الداخل الفلسطيني المحتل. الداخل الفلسطيني: "صابرين" نموذجاً تلاتين نجمة تهوي على وادي السرو نص العمر يهوي وتغيرت الأيام واتبدلت الأحلام واتكسرت سروة من أغنية تلاتين نجمة (شعر حسين البرغوثي – غناء فرقة صابرين)https://youtu.be/aaNbVvkH7zo يمكن النظر إلى فرقة صابرين، باعتبارها واحدة من أهم تجارب الداخل الفلسطيني الفنية وهي من القليلة التي تستمر حتى اللحظة في أنشطتها. الفرقة التي أنشأها الملحن والمؤدي الفلسطيني سعيد مراد والتي سرعان ما ضمّ إليها الشابين خالد وكاميليا جبران في العام 1981 (كاميليا انضمت في العام 1982)؛ لتنطلق بعدها الفرقة في ألبومات قوية تمازج فيها الجاز بالموسيقى الشرقية بالقصائد لكبار الشعراء الفلسطينين كمحمود درويش، سميح القاسم، حسين البرغوثي وسواهم. تميزت الفرقة بثلاث نقاط جعلتها تتبوأ مكانة رئيسية في عالم الغناء الفلسطيني -في الداخل أو في الخارج- الأولى، هي شعر حسين البرغوثي الذي عرّفت الفرقة العالم العربي عليه. الميزة الثانية، هي صوت كاميليا جبران المتقن، المميز والخاص. أما الثالثة، فهي التجريبية الموسيقية التي عنونت لغة الفرقة الموسيقية، فجرّبت كثيرا، وجعلت الطريق ممهدا، ومؤسساً لجميع من أتوا بعدها من الفرق الفنية الفلسطينية وفتحت الطريق أمامهم ليقبلهم جمهورٌ فلسطيني/عربي. وعبر ألبومات مثل "جاي الحمام" (1994) استطاعت أن تكسر نمطية الأغنية الفلسطينية والتي نظلمها إن قلنا بأنّها كانت نمطية تقليدية خصوصاً كما أشرنا في المقال السابق مع أعمال "فرقة العاشقين". لكن توقُّف الأغنية الفلسطينية لسنوات عن التطور، جعل الأمر إشكالياً إلى حدٍ كبير، العامل الذي ساعد تجربة صابرين بأن تكون واحدة من أهم التجارب الغنائية الفلسطينية. قدّمت الفرقة كما أشرنا قصائد بلغةٍ محكية فضلاً عن اللغة الفصحى، فقدموا أغنية "رام الله 1989" والتي يمكن إعتبارها من أكثر الأغنيات الفلسطينية حزنا، إذ يحضر فيها "الحزن الوجودي" الذي يشبه "القدر المطبق". وتقول كلماتها: مرات بمشي لحالي بنص الليل، والليل مثل النهر وايدي في جيبي يا بصفر يا بدخن، هيك من كثر القهر كل المدينة مسكرة فش حدا غير الفضا والجيش https://youtu.be/wbJqsrjksK4 أعطت كلمات البرغوثي التمايز الكبير للفرقة، إذ أنّها قدّمت كلمات محكية فلسطينية ذات منطق "فلسفي/وجودي" مرتفع، وهذا يحسب للفرقة كثيرا؛ فبرغم عمق الكلام كان بسيطا، مباشرا، سهل الإستيعاب والفهم. في الإطار عينه، قدّمت الفرقة الأغنية العاطفية والتي دمغتها على الطريقة الفلسطينية فأدّت كاميليا جبران قصيدة عبد اللطيف عقل “حب على الطريقة الفلسطينية" والتي كُتبت بالفصحى: أعيشك في المحل، تيناً وزيتاً وألبس عريك ثوباً معطّراً وأبني خرائب عينيك بيتاً وأهواك حيا، وأحياك ميتاً وإن جعت أقتات زعتر https://youtu.be/mOz7kNY5YZ4 هذه الصور المباشرة للأسير الفلسطيني والعاشق والذي تمازجت فيها الثنائية المعشوقة /الأنثى، والمعشوقة فلسطين، جعلت من هذه الأغنية/القصيدة واحدةً من أكثر الأغنيات سماعاً وشهرةً للفرقة. فالنسيج المتقن للأغنية قرّب مفهوم "الحب والمقاومة" معا، مما جعل الحب مرادفاً للصلابة والإستمرارية. الحب الذي عادت الفرقة وطرقته في ألبومها الثالث "جاي الحمام" من خلال أغنية "رسالة من مبعد"، التي كتبها وبالفصحى هذه المرّة حسين البرغوثي: عيناك غابة زنبق تحت الغروب وأمامك أهذي وأعرق وأقول الوداع نلتقي في ذات يوم ويداك أمطار على ورد على جبل يطل على شباكنا https://youtu.be/lBn-HB-5zVI بنفس الوقت قدّمت الفرقة في ألبومها الأول "دخان البراكين" رسالتها على غرار فرقة العاشقين، فكما غنّى العاشقون في أغنيتهم "الكلام المباح": بأن "الكلام المباح ليس مباحاً ونغنّيه، فالأغاني سلاح"، أشارت "صابرين" إلى أنَّ: بعض الأغاني صرخة لا تطرب فإذا استفزتكم أغاني إغضبوا يا منشئين على خرائب منزلي تحت الخرائب نقمة تتقلب إن كان جذعي للفؤوس ضحية جذري إله في الثرى يتأهب (غناء "صابرين" والشعر لسميح القاسم) ولم تكتفِ الفرقة بذلك بل إنّها في ألبومها الرابع "على فين" بغناء قصيدة "سجر البن" للشاعر اللبناني طلال حيدر، والتي غنّاها كذلك مارسيل خليفة، وإن أضفوا عليها لونهم الخاص، ولغتهم الموسيقية وقدرات كاميليا جبران الأدائية المرتفعة: بيني وبينك سجر البن وحب الهال وزهر النوم بيني وبينك تسع جبال وعرب وصحرا وغيبة يوم https://youtu.be/_9UFUDQqZzw هذا المزيج المدهش من الأغنية الحديثة والتي تقارب الألم والصراع الفلسطيني مع الاحتلال جعل فرقة "صابرين" تجربة خاصة وفاتحةً مهمة للغناء الفلسطيني المتنوّع. الراب الفلسطيني: "كتيبة خمسة" نموذجا الجمعيات/هدول مصاري الوطن الجمعيات/اللي بحطوهن بيشيلوهن الجمعيات ".." هادا الزمن الجمعيات/ولك الناس عم بتموت من أغنية الجمعيات لكتيبة خمسة (كتابة المجموعة) https://youtu.be/-DMdpxHpuEM أتى الراب الفلسطيني كمحاولة شبابية/شعبية راهنة/معاصرة للتواصل بين شبابٍ فلسطيني لم يجدوا أمامهم من "بنيةٍ" فنية سوى بعض الأغنيات القديمة الكلاسيكية النمط واللغة، والتي واجهوا صعوبةً في التواصل معها. إرتبطت معظم التجارب القديمة/السابقة -إلى حدٍ كبير- بلغةٍ موسيقية شبه كلاسيكية، من هنا رأى معظم الشباب الفلسطيني أنّها تشبه "التجربة القديمة" للتنظيمات الفلسطينية، فتعاملوا معها بقدرٍ من الإحترام، وإن لم يشعروا بأنّها تشبههم، وفضلوا الخروج من عباءتها. تأتي تجربة فرقة "كتيبة خمسة" واحدة من أهم التجارب المحلّية القادمة من مخيّمات العائدين الفلسطينية في لبنان. الفرقة القادمة من مخيّم برج البراجنة للعائدين الفلسطينين، ظهرت في أواخر تسعينيات القرن الماضي حينما اجتمع خمسة مؤدين شباب هم: أسلوب، مولوتوف، جزّار، شاهد عيان وعبد الجبّار ليقدّموا ألبومهم الأول "أهلاً فيك أخوي بالمخيّمات". جاءت هذه التجربة -كمثل تجربة "صابرين"- فاتحةً قوية ومهمة للشباب الفلسطيني ليقارب من خلال الراب مشاكل مجتمعه بعيداً عن "التغريب" و"التسطيح" و"التسخيف" التي عانت منه كثيرٌ من تجارب الراب العربية قبل "الكتيبة". لم تكن "كتيبة خمسة" فرقة الراب الوحيدة التي ظهرت في تلك المرحلة، فكان هناك في الداخل الفلسطيني عدّة تجارب مثل MWR وفرقة "الدام" وسواهم، لكن ظلّت تجاربها داخلية، لأسباب كثيرة أبرزها عدم تقبّل وسائل الإعلام الكلاسيكية نهائياً غناء الراب. وبالعودة لـ "كتيبة خمسة"، وعلى الرغم من تأثر الفرقة بتجارب راب عربية وعالمية، إلا أنّها أصرت أن تقارب القضايا المحلية دون أي محاباة أو مجاملة، وما كانت أغنية "الجمعيات" إلا بمثابة صرخة قوية ضد الجمعيات أو الـNGO’s العاملة في الوسط الفلسطيني والتي تستغل جوع الناس وحرمانهم لتسرقهم، بحسب ما تقوله الفرقة في أغنيتها. كذلك قدّمت الفرقة أغنية "أهلا فيك أخوي بالمخيّمات" والتي كانت سمة ألبومهم الأول قائلين: لشباب زهقوا الحياة عمال بيعبوا فراغات ولحيط صامد بالمخيّم هادا للذكريات وآخر قرش بيجي بتسرقه الجمعيات غيروا المكاتب بس عشكل التنظيمات لوقت بنشوف كل شي عم يتدمر بنحارب عشانه صورة الزعيم بتضلها صامدة لحالها واللحمة ما بتتوزع إلا للبيحملوا لافتات وبعدهن عم يتضحكوا علينا صحاب البدلات خلصت الأغاني الوطنية خلص دقوا البيت https://youtu.be/BakFKHyhbGQ كانت هذه الأغنية رسماً واقعياً لجيل جديد من الفلسطينين والعرب الشباب الذين لم يعرفوا إلا حياة المخيّم القاسية الأقرب إلى "السجن" الذي تمارس فيه "الجمعيات" لعبتها، حيث تصبح هي بديلاً "للتنظيمات" ويصبح كل ما يناضل نحوه الشعب الفلسطيني مسروقاً من قبل "أصحاب البدلات". مثّلت الأغنية لغةً مختلفةً سواء لناحية الكتابة أو لناحية الموسيقى البسيطة مع "كورس" على عادة أغاني الراب يسهل حفظه والغناء معه: "أهلا فيك أخوي بالمخيّمات/أهلا أهلا فيك أخوي بالمخيّمات/أهلا" لم تكتفِ الفرقة بأن تقارب مشاكل الشارع الفلسطيني/اللبناني بل تعدّته أيضاً إلى مشاكل الوطن العربي، فتحدّثت عن الغزو الأمريكي للعراق من خلال أغنية "العراق" والتي لايمكن نسيان مقطع "مولوتوف" منها: أزاز القنينة خرقة تياب وشوية بنزين لا للديمقراطية تحيا العراق وفلسطين في إشارة للديمقراطية الأمريكية الزائفة التي أتت على ظهر الدبابات لاحتلال العراق لا لتحريره. كما ظهر كورس أغنية "ليلة الحصاد" الذي حمل رسائل عالمية: الفلاحين الحصّادين المقاتلين العمّال العائدين إلى أرضهن بإذن الله يقال الفنانين المنسيين بأرضهن ميتين إلهن ولإلهن يوم الحصاد ناطرين https://youtu.be/teKMjGb-RaM كذلك في الألبوم، هناك أغنية كانت الفرقة قد كتبتها بعد عدوان العام 2006 الصهيوني على لبنان، حينما دُمّرت ضاحية بيروت الجنوبية، هذه الأغنية شهدت كذلك تعاون الفرقة مع شاعر يكتب بالفصحى هو عبد الرحمن جاسم، واستخدمت الفرقة كلمات قصديته لصناعة كورسها: أرى، أنت، حلماً لا ليس لي https://youtu.be/Esi1mDNSXnE هذا جعل الفرقة "حدثاً" ضاجاً وحقق لها شهرةً لا بأس بها، مما مكّنها من إنتاج ألبومها الثاني "الطريق واحد مرسوم" والذي شهد إرتفاع مستواها عن السابق موسيقيا، أدائيا، وكذلك من حيث الصنعة الموسيقية. فاستخدم أسلوب صانع الموسيقى الرئيسي في الفرقة، خطابات لمناضلين فلسطينيين معروفين مثل "الحكيم" جورج حبش (الأمين العام للجبهة الشعبية) في "مقدّمة" الألبوم intro)) http://www.reverbnation.com/open_graph/song/10699461 بنفس الوقت لم تنسَ الفرقة معاناة المخيّمات، فقاربت هذه المرّة واحدة من أكبر قضايا المجتمع الفلسطيني الحالي، وهي العلاقة مع "لأونروا" فقّدمت أغنية "نكهة صهيونية": نكهة صهيونية أونروا نكهة صهيوني بالمدارس/نكهة صهيونية أونروا نكهة صهيونية بالعيادة/نكهة صهيونية أونروا نكهة صهيونية بالوكالة/نكهة صهيونية https://www.reverbnation.com/katibe5كتيبه/song/10699699-- في نفس الوقت لم تنسَ الفرقة أن تقارب الشأن اليومي المُعاش، فقدّمت أغنية "تشرق صواريخ". كانت "تشرق صواريخ" ردة فعل الفرقة ورؤيتها إبان العدوان الصهيوني على قطاع غزّة والذي أسفر عن مئات الجرحى والشهداء في تلك المرحلة: شباب جاهزة أغصان يابسة ساعات لابسة عبوات ناسفة معش في فايدة ترابي بيعرفني إرثي أسقيه https://soundcloud.com/osloob1/toshrek?utm_source=clipboard&utm_medium=text&utm_campaign=social_sharing هنا قاربت الفرقة شعور المقاومة لدى الشارع الفلسطيني بمواجهة عدو مجرمٍ لا يرحم. كانت اللغة في الأغنية مباشرة، لا لبس فيها، الكلمات التي استُخدمت كانت تمتلك لغة المحكي المضاف إليه الغضب الشديد مع موسيقى وترية حزينة في الخلفية لتعطيَ الإنطباع المشرقي الحزين بطريقة وجدية خاصة. لاحقا، ومع تعثّر الوضع اللبناني الإقتصادي والإجتماعي هاجر معظم أعضاء الفرقة إلى الغرب. بعضهم ذهب إلى بريطانيا وبعضهم الآخر إلى فرنسا، ولكن يستمر نشاطهم، وإن تفرّد أسلوب بأنّه لا يزال هو الأكثر نشاطاً بينهم ويُحسب له أنّ لغته الفنية لا تزال تحمل الكثير من التطور الموسيقي والإدائي. نُشر في موقع "صمود" بِتاريخ 16 نيسان 2022. صمود - أين خسرنا ولماذا؟ قراءة في أنثولوجيا الأغنية الفلسطينية (الجزء الثاني): ما بعد التيه (somoud.com.ps)
اقرأ المقال
هي دراما علي وجيه ويامن حجلي المعتادة: الدنيا سوداء قاتمة، لا خير أبداً. الفاسدون والأشرار هم المجتمع حولنا. لا شخصيات إيجابية. لا نهاية للشر، لأنه الوحيد الذي سيبقى وينتصر. يأتي مسلسل «مع وقف التنفيذ» (كتابة علي وجيه ويامن حجلي ـــ إخراج سيف الدين السبيعي ـــ إنتاج «إيبلا» الدولية) دراما سورية أبوكاليبتية بامتياز. إنها دراما ما بعد الحرب الذي ما فتئ الثنائي الدرامي السوري كتابته منذ «عناية مشددة» (2015). هذا الأمر سرعان ما تحوّل إلى «ثيمة» انتهج طريقها عددٌ من كتّاب الدراما السوريين الجدد أمثال علي الصالح مؤلف مسلسسل «كسر عظم» بعدما احتجب – أو ابتعد- معظم كتّاب الدراما السورية المعروفين كريم حنا، ويم مشهدي، ودلع الرحبي... على الرغم من «السواد القاتم» و«الشر الكبير» الذي يمتاز به عمل الثنائي حجلي ووجيه، إلا أنّ هذا لا ينفي مهارتهما في تصوير «وحل» الواقع أو الكتابة بتقنية Grit التي تصوّر قسوة الواقع كما هي من دون تجميل. تحكي القصّة التي تسير على خطوط عدة، حكايات خمس شخصيات رئيسية تتداخل ظروفها وقصصها: حليم (غسان مسعود) وفوزان (عباس النوري) وجنان (سلاف فواخرجي) وعزام (يامن حجلي) وعتاب/ درّة (صفاء سلطان). حليم صحافي معارض للنظام، أمضى سنوات معتقلاً في السجون، ما جعل ولديه يكبران بلا ضوابط أخلاقية أو منطقية. أداء غسّان مسعود الهادئ والراقي يجعل الشخصية أقرب إلى المشاهد، فضلاً عن أنّها الأقل «سواداً» و«شراً» مقارنةً بالباقين. إلا أنّ حجلي ووجيه يحاكمان هذا النوع من الصحافيّين، مظهرين فشلهم في حياتهم العائلية التي تتمظهر في علاقة حليم بإبنته رلى. فوزان (عباس النوري) هو الأقرب إلى الشخصية التي يريد المسلسل مظهرتها، وهي مشابهة لشخصية أبو معتصم من مسلسل «عناية مشددة» التي لعبها عباس النوري أيضاً. إنه وصولي، وضيع، قواد مستتر، يزوّج ابنتيه ويطلّقهما من أجل المال. شخصية يفتتن الكاتبان بإظهارها في مسلسلاتهما، وجعلها تقبع بوجه المشاهدين. فوزان لديه ابنتان هما بسمة (ريام كفارنة) وأوصاف (حلا رجب) تشاركانه «عملياته». وعلى الرغم من محاولة المسلسل تقديم «فوزان» على أنه «أرسين لوبين» لكونه «لصاً ظريفاً»، إلا أنّه ليس كذلك البتة: إنه فعلياً يشارك في بيع ابنتيه من أجل المال، كما يستغل طيبة حفيدته كي يعلّمها السرقة من والدها. وهذا ليس ظريفاً البتة، حتى إنه في هذا المشهد يبدو «فوزان» أقرب إلى الشيطان في فيلم «محامي الشيطان» المعروف للنجم آل باتشينو. ذلك أنَّ مهارة النوري كبيرة في تقديم شخصية مخيفة وسمجة إلى هذا الحد. «جنان» بدورها هي نائب في البرلمان، وصولية، خبيثة، ومجرمة. والأغرب من هذا ــ ولعلّها واحدة من سقطات السيناريو الظاهرة ــــ أنها فجأة تظهر طيبة القلب من دون منطق درامي. ففي لحظة ما، تسجن رجلاً وتطلب من «صهيب» أحد الضباط المستزلمين عندها أن يعذّبه حتى يطيعها. لكنها حين تعلم بأن زوجها المسؤول الكبير (يبدع القدير فايز قزق بتأديته) قد قتل صحافياً يلاحق تاريخها غير المشرّف، تبكي وتصرخ بحرقة: «قتلته... قتلته». وللملاحظة فإنّ زوجها يعلّق على هذا الأمر ويسألها: «هل هي الشخص نفسه؟». عزّام (يامن حجلي) ضابط عسكري مسرّح؛ وشخصيته أشبه بشخصية «مقتص» (vigilante) من الكوميكس، لكنه مكسور ومشوّه. لقد قتل قنّاصٌ ابنه وزوجته أثناء الحرب، ودفن هو بالخطأ ابنه الحي. من هنا، نجد عزّام يريد الانتقام ممن يعتبر أنّهم يؤذون المجتمع، لكنه في الوقت نفسه صديق «صهيب» الضابط المرتشي الذي يرتكب كل أنواع الموبقات. طبعاً همّ عزّام الوحيد هو الوصول إلى «القناص» الذي قتل عائلته. أما الشخصية الأخيرة، فهي «عتاب» (صفاء سلطان) التي يمكن اعتبارها ـــ درامياً ــــ الشخصية الأضعف. إنها فتاةٌ تركت بيت أهلها لتصبح فنانةً معروفة ترغب في العودة لأهلها. كليشيه في قصّة معتادة وإن غابت عنها فكرة الانتقام، فهي لا تريد الانتقام من أهلها، بل العودة لحضنها «الحنون». هنا قد يتوقع المشاهد أنه أمام شخصية «سوية» أو «إيجابية»، إلا أنّها ليست كذلك أبداً. يمكن اعتبار أداء الممثلين السوريين سمة هذا العمل وقوّته الظاهرة. غسان مسعود يعطي المسلسل دفعاً كبيراً، من خلال شخصية المناضل الذي لم تكسره لا سنوات السجون ولا الأيام ولا حتى جحود أولاده. واللافت في المسلسل أنه جمع مسعود مع فواخرجي بعد سنوات، بعدما كانا قد اجتمعا كحبيبين في مسلسل «ذكريات الزمن القادم» (إخراج هيثم حقي وكتابة ريم حنّا ـــ 2003) الذي سجّل أوّل أدوار فواخرجي القويّة. هنا حليم وجنان عدوان، لكن بدا أن جمعهما معاً في كادر إحدى أهم لحظات المسلسل؛ إذ يلمعان مع بعض كثيراً، وهذا يُحسب للمخرج سيف الدين السبيعي؛ إذ أعطاهما مساحة جيدة، وبدت مهارتهما كبيرة في تصوير التنافس والحب والكره في مشهدٍ واحدٍ متناسق. عبّاس النوري بدوره يقدّم أداء يُحسب له كثيراً هذا العام، ولو أنّه جسّد شخصيةً مشابهة في السابق، إلا أنّ مكياج الشخصية وشكلها أضافا الكثير إليها، فضلاً عن تطويع عينيه بشكلٍ بارز ليتقمّص شريراً درامياً مخيفاً في لحظةٍ ما. سلاف فواخرجي، تُعيد كل مرةٍ خلق نفسها. بعدما أعادت تعريف أدائها في مسلسل «شارع شيكاغو» (كتابة واخراج محمد عبدالعزيز ـــ 2020)، ها هي تكرّر فعلتها هنا: إنها femme fatale قادرة ومخيفة، تمتلك سحر الأنثى التقليدي في آن. صفاء سلطان تجتهد لتقدّم شخصية تحتاج منها وجوهاً وشخصيات عدة: ابنة العائلة، الفقيرة المعذّبة المعدمة، والفنانة القوية والمسيطرة، واللعوب في بعض الأحيان. وهي إن كسرت الشخصية في بعض المشاهد، إلا أن أداءها في المجمل كان مميزاً. يامن الحجلي من جهته ربما هو الأضعف، إذ يكرر أداءه، ولو أنّه غيّر شكله بعض الشيء، لكن يلزمه بعض التفاصيل التي يجب أن يهتم بها أكثر كنوع الصوت، وتمرين الحركة، خصوصاً أنه يقف أمام ممثلين قديرين. ولأننا نتحدّث عن الأداء، يجب الإشارة إلى ثلاثة أداءات يمكن اعتبارها من اكتشافات هذا العام: فايز قزق الذي أعاد اكتشاف ذاته هذا الموسم، فغيّر شكله، وأضاف إلى شخصيته لهجةً مختلفة، لربما كي لا يصار إلى مقارنتها بالشخصية التي يؤديها في «كسر عظم» هذا العام. غيّر قزق في كل ما يفعله حتى حركته الجسدية، وهذا يمكن اعتباره «سلوك أستاذ» في حرفة الدراما. بدورها، يمكن اعتبار حلا رجب واحدة من نجمات جيلها «الغائبات»، إذ يمكنها بسهولة أن تكون «نجمة» أي عمل، لا شخصية «جانبية». هي تمتلك الكاريزما، والقوة، والشخصية، وفوق كل هذا التوسّع والتعدد، وقد أثبتت هذا الأمر في أكثر من مسلسل. أما الأداء الثالث الكبير والمهم، فهو لصباح الجزائري بدور أم هاشم، وإن كان قصيراً بسبب رحيل الشخصية في الحلقات الأولى من المسلسل. إخراجياً، حاول سيف الدين السبيعي، أن يضفي الكثير على مسلسله على الرغم من قتامة الجو العام، فلم يخرج العمل «كئيباً»؛ وهذا ليس بالأمر القليل البتة. في المختصر، هذا مسلسل من الأفضل سورياً هذا العام، لكن قد لا يكون ذلك مدعاةً للابتهاج أيضاً، إذ إنّ وضع الأعمال السورية سيءٌ في الموسم الرمضاني الحالي. نُشر في صحيفة الأخبار اللبنانية بِتاريخ 12 نيسان 2022. https://al-akhbar.com/Media_Tv/334960
اقرأ المقال
في 25 حزيران 1966، بدأت مجلة الحوادث الأسبوعية في بيروت بنشر رواية «الشيء الآخر، من قتل ليلى الحايك» لغسان كنفاني (9 نيسان 1936- 8 تموز 1972). تسع حلقات متتالية شكَّلَت نوعًا جديدًا من الأدب المختلف للكاتب الفلسطيني الملتزم بقضيته، واللواء الفكري المسلَّح كما وصفته غولدا مائير بعد اغتياله. في البداية يتبادر للذهن أن ليلى الحايك هي إحدى المناضلات الفلسطينيات التي يُجسِّد كنفاني قصَّتها. لكن، مع تتابع الصفحات، نجد أنفسنا أمام رواية تدور أحداثها حول محامٍ مشهور يُتهم بقتلِ عشيقته، فيُفضِّل الصمت وعدم الدفاع عن نفسه. الرواية في شكلها بوليسية، إلا أنها في المضمون لربَّما تكون روايةً قضائية، ونوعاً لم نألفه في أعمال كنفاني من دون أن تبتعد عن روحه الثورية المشاكسة. إذ أن العالم الذي حبكه يتمحور حول حرِّية الفرد، والقضايا الوجودية الإنسانية التي يواجهها الفرد في حياته، مثل الحب والزواج والخيانة الزوجية، والعدالة الانسانية المنقوصة، التي تحكم على الفرد من خلال القانون والعُرف البشري القاصر، والمبتعد كُل البعد عن المفهوم الأساسي للعدل والإنصاف. ”يُعرِّف كنفاني الجريمة على أنَّها سلوك ذاتي، يرتكبها الفرد في بعضِ الأحيان دونما تخطيط، بينما العدالة تلجأ للانتقام، وتخطط لوسيلة الانتقام، فهل العدالة اجراء انتقامي؟“ مع علمنا المسبق ببراءة البطل (صالح)، يطرح كنفاني في الرواية العديد من الأسئلة التي تدفع القارئ للتأمل في النظام القضائي وفي الجريمة بحدِّ ذاتها. ينظر القضاء للأدلة الظرفية والقوية التي يتم جمعها من مسرح الجريمة، ولا يهتم للانفعالات البشرية والمصادفات، فتصبح الجريمة وفق الحكم القضائي عليها بالنسبة لكنفاني مسطَّحة تعتمد على البراهين والدلائل، وتُسقِط الجانب الإنساني في كثير من الأحيان. فيُعرِّف الجريمة على أنَّها سلوك ذاتي، يرتكبها الفرد في بعضِ الأحيان دونما تخطيط، بينما العدالة تلجأ للانتقام، وتخطط لوسيلة الانتقام، فهل العدالة اجراء انتقامي؟ هذه مفارقة صعبة تجعل العدالة الإنسانية شيئًا وهميَا، وغير قابل للتحقق. لماذا لا يقبل القانون الغضب، ويعمد في المقابل إلى استعمال أدوات الغضب لفرض سطوته؟ الكاتب الذي عوَّدَ قراءه على الأدب الملتزم (سرير رقم12، أرض البرتقال الحزين، رجال في الشمس، أم سعد)، نراه ينفض الغبار عن المسكوت عنه في المجتمع، فيعرّيه ويفضحه، ويأخذ كل الإشكاليات التي طرحها في البداية، ليحاكم الواقع المتناقض للمجتمعات التي يحكمها القانون والعرف، والنفاق الأخلاقي والاجتماعي، وهي من الأسس والثوابت غير القابلة للمس. أتت الرواية لتكشف وعيًا سرديًا جديدًا وخبرةً تقنيةً عالية، ولتعكس شفافيةً وواقعية خلقا عالمًا من الفانتازيا والطرافة في بعض الأحيان، فهي لا تفرق بين الظاهر المثالي، والمُخبأ المُشين بنظر المجتمع، والذي يُفعَل في السِّر، حتَّى لو كان هذا المُخَبَّأ فعلًا إنسانيًا وأخلاقيًا صحيحا. هي رواية وجودية بمضمونٍ قضائيٍ وصِبغَةٍ بوليسية، ينتقد فيها كنفاني الأوضاع الاجتماعية ويمتنع عن الاعتراف بشرعية وقيود القوانين المفروضة على الأفراد. ومن خلال محاكمة صالح، يقوم بإعادة بناء مسرح الجريمة من زاوية المُتَّهَم، رافضًا كُلّ المقولات المُسلَّم بها في العُرف، والتي يُعتَبَر المَس بها من المُحرَّمات، فيلتزم الصمت خلال التحقيقات والمحاكمة، وحتى بعد النُطق بحُكمِ الاعدام، حتى لا يُسيء لزَوجَتِه وعشيقته. لم يهتم كنفاني بالبحث عن القاتل الحقيقي لليلى الحايك، إلا أنه نصب محكمةً أدبية للقضايا الإنسانية الكبرى، فالزوجة بالنسبة له قيمَةً اجتماعيةً رائعة، والمُتَّهَم يمتلك بُعدًا انسانيًا لا يستطيع القانون والقضاء اغفاله، والنظر اليه بشكلٍ مُجرَّد كمجموعة من الأدلة والبراهين أمر مرفوض. في المُقابِل، على هذا الفرد أن يَتَحَمَّل مسؤوليته بشكلٍ كاملٍ تجاه الحُريّة الممنوحة له. «كانت القضية كُلّها قبل أن يكتشفها القضاء، وبعد أن أصدَرَ حُكمَهُ فيها، فوق قُدُراتِنا جَمِيعًا، ووراء مَنطِقِنا، ولذلك قَضَيتُ كٌلُّ دقائِقِها صامِتًا كما تعلمون». نُشر في الملحق الأسبوعي لصحيفة الأخبار اللبنانية: "القوس" بِتاريخ 9 نيسان 2022. رواية بوليسية لكنفاني: من قتل ليلى الحايك؟ | القوس (alqaous.com)
اقرأ المقال
العاشر من نيسان 1836، في تمام الثالثة فجراً، اكتشفت روزينا تاونسند جُثَّة جيويت دوركاس دوين، وهي فتاة تعمل لديها بالدعارة في منزلٍ في نيويورك. بحسب تقرير الطب الشرعي، تمَّ ضرب الضحيِّة بجسمٍ حاد (بلطة) على رأسها، وأضرم القاتل النار في السرير ثُمَّ لاذ بِالفِرار، فاحترقت الجُثَّة من جِهةٍ واحدة. حَظيِت الجريمة بتَغطِيَةٍ صحافية غير مسبوقة، وانقسم تعاطف المراسلين والصحف بين الضحية والمُتَّهم ريتشارد روبنسون، وهو شاب يبلغ من العمر 19 عامًا، كان من زبائن الضحية الدائمين. ساهمت هذه القضية، مع غيرها من الجرائم العنيفة التي وقعت في القرن التاسع عشر، في ظهور صحافة التابلويد، أو صحافة الفضائح، التي تلاحق أخبار المشاهير والنجوم والجرائم والشائعات: اغتيال إبراهم لنكولن، محاكمة ليزي بوردن، قتل ويليام بوول أو بيل بوول(Bill the butcher) زعيم عصابة Washington Street Gang. تدريجيًا، وعلى مراحِل، بدأ بعض الكتاب بنقل التجربة إلى خارج صحافة الفضائح، ليتبلور الشكل الثاني للأدب البوليسي من خلال القصص القصيرة التي نشرت في الجرائد والمجلات خارج صفحات الحوادث، ومن خلال الروايات والمجموعات القصصية للبالغين والأطفال. كلّفت بعض الجرائد محققين متخصصين ونشرت روايات عن الجرائم على حلقات عدة. ووظَّف الكتَّاب ورؤساء التحرير علاقاتهم وصلاتهم بأجهزة الدولة وسياسيين للحصول على محاضر التحقيق، وبدأ إدخال الأساليب الفنية في صياغة الأحداث، ما ساهم في نقل الأدب البوليسي من محاضر التحقيق والنظرة القضائية واللغة التقنية التي تعرض الوقائع مرفقًة بالأدلة ضمن نصوص وقوالب تحتكرها السلطة القضائية، إلى قالبٍ مشوِّقٍ يجذب القارئ المتعطش لمتابعة تلك الأخبار. صُنَّف إدغار آلان بو (1809-1849) كالأب الروحي للقصةِ البوليسية الحديثة، وهو أول كاتب وناقد أدبي أميركي معروف حاول كسب لقمة العيش من الكتابة. المعالم الأساسية التي وضعها بو في قصصه البوليسية الثلاث طبعت الأدب البوليسي الخيالي إلى يومنا هذا، وتحول الكثير من هذه الأعمال إلى أفلامٍ ومسلسلات بمواسم عديدة. وكانت الرواية البوليسية قد انتقلت من انكلترا وفرنسا الى الولايات المتحدة الأميركية في أوائل القرن التاسع عشر، ولم تظهر في اسبانيا الا سنة 1973 بعد رحيل فرانكو. وكتَبَ كُلّ بلد روايته بحسب ثقافته وتطور نظامه السياسي والاقتصادي. اختلاف مفهوم رجل الدولة والقانون بين الثقافتين الغربية والعربية، ساهم إلى حدٍ بعيد في اختلاف نظرة النقَّاد والجمهور على حدٍ سواء، وعليه سيختلف الحكم على أي نوعٍ أدبي بين بلدٍ وآخر، إن لم يتم تقنينه وفقًا لثقافة المجتمع ومفهوم الدولة. ربطًا بمفهوم التقنين، وكيفية فهم كُلّ حضارة لقِصَّة الجريمة وتعبيرها عنها نستطيع العودة إلى الأصل: هناك من أشار إلى أنَّ الرواية البوليسية في الغرب تشكل استمرارية لتراثٍ شرقي، سواء كان فارسيًا (أسطورة الأمراء الثلاثة لسرنديب) أو عربيًا: (قصص ألف ليلة وليلة - «حكاية التفاحات الثلاث») أو حتَّى فرعونيًا (قِصَّةِ قتل سيت لأوزيريس ووضعه في صندوق وإلقائه في النيل). لم نكن معزولين في عالمنا العربي عن الأدب البوليسي الذي تمتع بانتشارٍ كبير رغم قلَّةِ إنتاجه، ورغم وصول الأمر ببعض النقاد إلى حدِّ تحقيره ووصفه بأدب التسلية المُوَجَّه للمراهقين، مما دفع بكثير من الكتَّاب إلى العزوف عنه. يُضاف إلى ذلك مسألة التصنيف بحدِّ ذاتها: هل هي وفق رأي الناقد؟ أم وفق رأي أصحاب الاختصاص (المحققين الجنائيين)؟ أم وفق المضمون الذي يعتمد على عناصر الجريمة والتحقيق، ما يعني خروج الكثير من الروايات من اطار الأدب البوليسي، مثل رواية غسان كنفاني «الشيء الآخر.. من قتل ليلى الحايك»، إذ أنها أشبه بمحاكمة طويلة بين المتهم والقاضي، وفي جزءٍ كبيرٍ منها مونولوغ داخلي للبطل. لاستكمال الفكرة. لنأخذ مفردة «بوليس»، الرابط المباشر في ذهن المُتَلَقي لها هو القمع والبطش ورُبَّما الفساد، وغياب كُلِّي لمبدأ حفظ النظام وتطبيق القانون. ”يضعنا إدغار آلان بو أمام نموذج أولي لشخصية المحقق في الأدب البوليسي الخيالي ما زال مستمِّرًا حتى اليوم“ بين الواقع والخيال لا بُدَّ من الإشارة إلى نقطَةٍ مهمة في الأدب البوليسي الخيالي، التحقيق الجنائي الواقعي يستند على أسسٍ علمية وقانونية، ويعتمد على الأدلة المجموعة من مسرح الجريمة تبعًا لنوع الجريمة، والتي يتم تغليفها وتخزينها وفقًا للأصول، وتُصنَّف تبعًا لقيمتها الدلالية. أما في ما يتعلق بطريقة عمل المحققين في الأدب البوليسي الخيالي من أمثال دوبان وشرلوك هولمز، فهم يَتَّكِلون على أدلَّةِ يُقال لها أدلة ظرفية، لا يمكن الاعتماد عليها بشكلٍ مستقل في القضايا الجنائية، وتُعتَبَر أدلة مساعدة للدلائل الأساسية. مثال على ذلك وجود بصمة تعود لشخص في مكانٍ عام حصلت فيه جريمة، إذ أن أصل وجود البصمة في هذا المكان دليل ظرفي لا يُمكن الإتكال عليه للجزم بهوية القاتل، لعدم القدرة على الربط بين البصمة والجريمة لأنه مكانٍ عام. جريمتا شارع مورغ - إدغار آلان بو (1841) قصة قصيرة نُشِرت عام 1841 في مجلة غراهام، ومن أولى القصص التي ازدهرت وصُنِّفت كأدبٍ بوليسي، قدَّم فيها بو شخصية المحقق سير أوغست دوبان الذي يحاول حلّ لغز جريمة قتل مزدوجة لسيدةٍ عجوز وابنتها في شارع مورغ، وهو شارع خيالي في باريس (يُقال بأن قصتها حقيقية وتدعى سيسيليا روجرز). وقد تكرر ظهور دوبان في قصتين بعدها: «غموض ماري روجيت» (1842)، و«الرسالة المسروقة» (1844). لم يكن دوبان رجل أمنٍ محترفاً، بل سليل أسرةٍ غنية تحوَّلَ إلى الفقر، اعتزل الناس والمجتمع معتمِدًا على المتبقي من إرث عائلته، وبعد اتباعه نظامًا صارمًا للمصاريف، انصرف لقراءة الكتب وتمضية الوقت مع صديقه المجهول. اعتمد في حلِّ قضاياه الثلاث على التحليل والاستنتاج، وهذا ما يظهر جلّيًا منذ بداية القصِّة، وفي الاقتباس الوارد في المقدمة، يقودنا بأسلوبٍ مشوق على لسان راوٍ مجهول، ليشرح الفوارق بين التحليل والحسابات الرياضية، والتمييز بين لعبة الشطرنج المعقدة بتنوع قطعها وخططها ولعبة الداما البسيطة، عدد الاحتمالات، تضاعف فرص السهو والخطأ، ليعود مرَّةً أخرى ويرفع مستوى التحدي أمام القارئ، بإبرازه أهمية التركيز، فينقله للعبة الورق الروسية «الهويست»، والتي تطورت لاحقاً في بريطانيا تحت إسم «بريدج» بعد وضع قوانين لها وتحويلها الى لعبة تعتمد على الذكاء بشكلٍ كُلّي، لتصبح صراعًا حقيقيًا بين العقول. يضعنا بو أمام نموذج أولي لشخصية المحقق في الأدب البوليسي الخيالي، ما زال مستمِّرًا حتى اليوم، فيُبرز الـ Skeleton Key العقلي لبطلٍ يمتلك صفات أصبحت شائعة ونمطية لدى محققين أمثال: شارلوك هولمز (للكاتب آرثر كونان دويل) وهركول بوارو (آغاثا كريستي)، حتى أنها طبعت أبطال هذا الأدب ومعالمه بصفاتٍ ثابتة: محقق غريب الأطوار إلا أنه بارع، يدَخن الغليون، يستهزئ بعناصر الشرطة ويظهرهم كأغبياء، الراوي بصيغة المتكلم على لسان الصديق الشخصي للمحقق (الدكتور واطسن صديق شارلوك هولمز، الراوي غير المسمى صديق دوبان)، سرد قصة الجريمة حينما يعلن المحقق الحل، وإبراز الأسلوب التحليلي في التحقيق وليس بالتجربة والخطأ للوصول إلى المجرم. «يجب علينا عدم الحكم على وسيلة ارتكاب الجريمة بهذا الفحص السطحيِّ. وشرطة باريس، التي يُشَاد بذكائها، لا تتمتَّع بما هو أكثر من هذا؛ فهم لا يمتلكون أيَّ منهجية في إجراءاتهم بخلاف المنهج اللحظي». يتشارك الصديقان السكن في قصرِ دوبان القديم ولا يخرجان إلاَّ ليلًا، بدون أيِّ ذِكرٍ مسبق للموضوع، وخلال إحدى نزهاتهما الليلية، يستعرض المحقق أمام صديقه مهاراته، من خلال تحليله لرأي الراوي بممثلٍ تراجيدي فاشل، رغم أنه لم ينطق بأيِّ شيء قرأ دوبان أفكاره، وأخبره بأنه يتناسب أكثر مع مسرح المنوعات، ثمَّ قام بسلسلةٍ طويلة من الاستدلال ليشرح له التسلسل المنطقي لأفكاره، واستعمل خلال التحليل: لغة الجسد، علم الفلك، الهندسة وتقطيع الحجارة، مقال نقدي للممثل في صحيفةٍ محلية ظهرت فيه جملة لاتينية. يتتابع السرد ويقوم بعدها دوبان بالتعاون مع الراوي وباتباع نفس أسلوب التحليل بحلِّ لغز شارع مورغ، ليتبين لاحقًا بأن القضية تندرج تحت صنف الغرف المغلقة، حيث لا إمكانية للخروج والدخول من وإلى مسرح الجريمة، وأن القاتل هو حيوان الأورانجوتان، أو «إنسان الغاب»، الذي هرب من أحد البحارة آخذَا معه موسًا للحلاقة ليقلِّدُ به صاحبه، يتسلق الحائط ويدَخَل من نافذة المنزل، فيقوم بذبح الأم بعد أن خاف من صراخها، ويخنق الابنة ويقوم بتعليقها داخل المدخنة. أنواع الروايات البوليسية ■ الجريمة الدافئة: ذات شعبية كبيرة، لا تحتوي مشاهد عنف ودم أو جنس، غالبًا تدور أحداثها في الطبقة الوسطى من المجتمع، وعند حلّ لغز الجريمة، يعود الجميع لممارسة حياته الطبيعية، مطمئنين بأن القاتل قد تمَّ إلقاء القبض عليه. ■ الغرفة المغلقة: سُميت كذلك لأن الجريمة تحصل ضمن ظروف شبه مستحيلة، مما يُصِّعب من عملية حلّ اللغز، والقبض على القاتل. ■ Hard boild: وهي عكس الجريمة الدافئة، تحوي مشاهد عنف وجنس، وترتبط غالبًا بقتلة متسلسلين، أو مرضى نفسيين. ■ المحقق الخاص: التي تُركِّز على المحقق - وليس الشرطة - الذي يبجمع القرائن والأدلة للقبض على المجرم وتسليمه للعدالة. ■ قاعة المحكمة: التي تستعرض سير المحاكمة لمجرمٍ وراء القضبان، وهكذا نوع من الروايات يستخدم تقنية الفلاش باك في الكتابة، لاستعراض الأحداث السابقة للجريمة. ■ الدراما القانونية: شبيهة بقاعة المحكمة، إلا أن الأحداث لا تجري كُلَّها داخل قاعة المحكمة، وعمليات التحقيق تقع على عاتق الفريق القانوني نُشر في الملحق الأسبوعي لصحيفة الأخبار اللبنانية: "القوس" بِتاريخ 9 نيسان 2022. رواية من نوع آخر: القصص البوليسية في قبضة القرّاء | القوس (alqaous.com)
اقرأ المقال
<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">”وحّدنا الدم يا كرامة</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">وحّدنا الدم/ وحّدنا الدم</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">والجرح التمّ/ يا كرامة</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">والجرح التمّ</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">غلابة يا فتح، يا ثورتنا غلابة</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">غلابة الإيد اللي تفجّر دبابة/ غلابة“(1)</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">في مخيال الثورة الفلسطينية الشعبي تحظى معركة الكرامة بالكثير من القيمة التاريخية؛ السياسية، وحتى الأسطورية. تؤرّخ معركة الكرامة، والتي حدثت في 21 آذار/مارس من العام 1968؛ للظهور الأول لمنظمة التحرير بشكلها “العسكري” المعروف؛ ويشير نصّ قصير منقول عن الشهيد أبو جهاد (خليل الوزير) -والذي شارك كقائد عمليات في المعركة- بأنَّ: ”الكرامة هي اليوم التي تُعرّف الصهيوني على شدّتنا“. والحكاية الأصلية تقول أن الصهيوني حاول احتلال ”نهر الأردن“ تحت غطاءٍ ناري وعسكري كبير؛ فقاومته قواتٌ من الجيش الأردني على طول جبهة قتال ممتدة من أقصى شمال الأردن وصولاً حتى جنوب منطقة البحر الميت. تصاعد الإشتباك حتى تحوّل إلى حربٍ كاملة، وحرب عصابات في معركةٍ إستمرت قرابة الستة عشرة ساعة كاملة. أسفرت المعركة -ولأول مرة- عن هزيمة صهيونية فادحة، ويُشار أنَّ الصهاينة قد خلّفوا وراءهم قتلاهم، عِتادهم، وحتى دباباتهم وآلياتهم العسكرية بدون تحقيق أي هدف عسكري يُذكر.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">لقد كانت الكرامة فاتحة ”حرب التحرير الشعبية“ أو ”حرب الفدائيين“ كما تُسمّى محلياً/فلسطينيا؛ خصوصاً أنّها امتلكت ذلك الألق بالتوازي مع هزيمة ”الجيوش“ الكلاسيكية في حرب حزيران/يونيو من العام 1967. لم تكن الكرامة فاتحة ”الثورة الفلسطينية“ فحسب، بل ”فاتحة ثقافية“ أيضا.<span style="mso-spacerun: yes;"> </span></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">فتح الإنتصار في ”الكرامة“ الباب أمام شعراء وملحني الأغنية ”الثورية“ لكي يرووا حكاية الشعب الفلسطيني. تميّزت الأغنية الفلسطينية في تلك الفترة بكونها أقرب إلى ”أنشودة“ منها إلى ”أغنية“ ذات أبعادٍ وأوزانٍ وبنيةٍ موسيقية: كلام مباشر، ألحان مباشرة صاخبة بعض الشيء، وإن كانت قريبة من أناشيد الثورات الإشتراكية. ولا ريب أنّ أغنية ”الله أكبر فوق كيد المعتدي“ (شعر عبد الله شمس الدين وألحان محمود الشريف) والتي أدّاها لاحقاً عبد الحليم حافظ، كانت أقرب إلى شكل الأغنية الفلسطينية في تلك المرحلة. ويصف نبيل عمرو في كتابه ”صوت العاصفة“ كيفية صناعة أناشيد تلك المرحلة؛ في مقر إذاعة فلسطين (والتي كان مقرّها القاهرة) ومديرها أبو صخر (فؤاد ياسين):</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">أن لا يزيد النشيد عن ثلاث دقائق والأفضل أن يكون أقل.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">أن يوصِل المعنى المطلوب بصورة مباشرة وبأكثر المفردات بساطة وسلاسة.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">أن يؤدّى عبر لحن سريع، وصوت جماعي قوي، وآلات منسجمة مع إيقاع الكلمات، وغالبا ما يكون ملحّن النشيد حاضراً في الإجتماعات كي يتفاعل مع الفكرة والسياق ويُنجز عملاً متكاملاً من كل الوجوه.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">واشتُهر في تلك المرحلة مجموعةٌ من الشعراء والملحّنين حملوا لواء بناء الأغنية الفلسطينية ”الكلاسيكية/الثورية“؛ شعرياً ”فتى الثورة“ (سعيد المزين) وأبو الصادق (صلاح الدين الحسيني)، محمد حسيب القاضي.. وموسيقياً عبد العظيم محمد، مهدي سردانة، حسين نازك، صبري محمود، طه العجيل، وجيه بدرخان، رياض البندك، علي إسماعيل، كنعان وصفي، عبد المنعم البارودي وآخرون.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">طل سلاحي من جراحي يا ثورتنا<span style="mso-spacerun: yes;"> </span>طل سلاحي</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">ولا ممكن قوة في الدنيا تنزع<span style="mso-spacerun: yes;"> </span>من إيدي سلاحي</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">طل سلاحي طل سلاحي</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">اللي بدمه يجـود ما يهمـه<span style="mso-spacerun: yes;"> </span>لو سال دمه وغطى الأرض</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">طول ما سلاح الثورة فإيدي<span style="mso-spacerun: yes;"> </span>يبقى وجودي مفروض فرض</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">طل سلاحي طل سلاحي</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">عالرباعية عالرباعية إحنا ما بنام على الغلوبية</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">يا غصن البارود<span style="mso-spacerun: yes;"> </span>مشنشل فدائية</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">من قلب الأغوار<span style="mso-spacerun: yes;"> </span><span style="mso-spacerun: yes;"> </span>من كل حارة ودار</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">مراتين الثوار تشتي حرية</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">وتشابهت أغنيتا ”طل سلاحي“ (كلمات صلاح الدين الحسيني وألحان مهدي سردانة) و”عالرباعية“ (كلمات سعيد المزين وألحان كنعان وصفي) من حيث اللغة الموسيقية والشعرية مع تلك المرحلة ثقافيا: أغنيات مباشرة تشبه فيها اللغة المنطوقة لغة الفلاحين الفلسطينية، مع تغنّي -كعادة أغاني وثقافة تلك المرحلة- ببندقية ”المارتيني“(وتُسمّى أيضاً بندقية ”الصمع“ وهي بندقية قتالية صُنعت في بريطانيا واشتُهرت في الحرب العالمية الثانية) التي استخدمها الثوار الفلسطينيون الأوائل؛ كما لو أنّها تستمد منها الأثر التاريخي والزمني، وإن كانت تلك البندقية قد بدأ استخدامها يخفت بمقابل البندقية الحديثة؛ لصعوبة إستخدامها، وسهولة تعطّلها.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">طالـع لك يا عـدوي طالـع<span style="mso-spacerun: yes;"> </span>من كـل بيت وحارة وشارع</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">بسـلاحـي وإيمانـي طالـع<span style="mso-spacerun: yes;"> </span>وحـربنـا حـرب الشوارع</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">من كل حيطة وباب طايحيـن بالتقـاصيـر وبالسكـاكيـن</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">وبـقـنـابـلـنا الـيـدويـة أعـلنـا الحـرب الشعبيـة</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">وجاءت أغنية ”الحرب الشعبية“ أو كما تُعرف بإسم ”طالع لك يا عدوي“، كلمات حسيب القاضي وألحان وجيه بدرخان، لتكون فاتحة التغيير كلامياً/شعرياً وإن حافظت على نفس اللغة الموسيقية. هنا، تبدأ بالظهور مفردات جديدة على الأغنية الفلسطينية من نوع ”الحرب الشعبية“، وهي المفردات التي بدأت تتضح أكثر فأكثر مع نضج الأغنية الفلسطينية بحدّ ذاتها، وطبيعة الصراع الذي بدأ يأخذ شكل المقاومة/الحرب الشعبية أكثر من كلاسيكية القتال المعروفة.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><strong><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">”العاشقين“؛ مرحلةٌ جديدة لفدائيٍ جديد</span></strong></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">مع إنتقال الثورة الفلسطينية بعد خروجها من الأردن في أيلول الأسود (1970)، وإستقرارها في لبنان بدأت تتشكّل مرحلةٌ جديدة خصوصاً مع بدء تجربة فرقة ”العاشقين“، وإن كانت الفرقة قد تأسسّت أصلاً في العاصمة السورية دمشق في العام 1977. ظهرت الفرقة كمرحلة تقدّمية موسيقياً وإن مزجت الغناء مع التراث الوطني الفلسطيني بالشعر المروي الذي تفتتح فيه أغنياتها والتي تأتي –إستفتاحا- قبل الموّال.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">مزج خالد ومحمد الهبّاش وحسين المنذر فنّ ”الأهزوجة“ و”الموّال“ الشعبيين، بالشعر الحديث والموسيقى التراثية الفلسطينية فأدخلوا البرغول (الأرغول أو المجوز) والقربة فضلاً عن التخت الشرقي البسيط (عود، ناي وبعض الإيقاعات) الموسيقي التقليدي بأغنياتهم. ومنذ ألبومهم الأول الذي شهد مشاركات من شعراء فلسطينيين معروفين مثل أحمد دحبور، محمود درويش، توفيق زيّاد، سميح القاسم، إضافة إلى صلاح الدين الحسيني، نوح إبراهيم، يوسف الحسون وسواهم. تولّى تلحين معظم أغاني الفرقة الناجحة الملحّن المرحوم حسين نازك، ولاحقاً أُضيف محمد سعد ذياب، ومطيع المصري ومحمد هبّاش.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">يا ظلام السجن خيّم</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">نحن لا نهوى الظلاما</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">ليس بعد الليل إلا فجرُ مجدٍ يتسامى</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">قدّمت الفرقة في ألبومها الأول ”بأم عيني“ لغة شعرية موسيقية تُمهّد للحالة التي كانت عليها المقاومة الفلسطينية في تلك المرحلة. إختفى الفدائي ”المباشر“ وبدأت مرحلة تشبه العمل المقاوم ثقافياً بشكله المرتّب الممنهج ضمن ”مؤسسات“. ما مثّلته تلك المرحلة هو أنَّ اللغة الموسيقية والشعرية كانت ضاغطة وتميل للحديث مع طبقة وسطى محارِبة تمتلك أبعاداً ثقافية، لم تعد الأغنية الفلسطينية القديمة تجيد مخاطبتها. يُضاف إلى هذا أجيال فلسطينية/عربية جديدة راغبة بسماع صوت الإنسان الفلسطيني المقاوم بعدما شاهدته يقاتل في معركة الكرامة، ويقاوم الصهاينة بينما اختفت الجيوش العربية نهائياً عن الساحة بعد إتفاقية كامب ديفيد في العام 1977، والتي أخرجت مصر ومعظم أنظمة الدول العربية وجيوشها تاليا، من المعركة مع الصهيوني. تعالى صوت الفرقة وأثّرت في فِرقٍ عربية قاربت ذات التجربة مثل ”الطريق“ العراقية (التي اشتُهرت لها أغنية ”بيروت“، كتابة شفيق حبيب وألحان حميد البصري) وفرقة الأرض اللبنانية (اشتُهرت لها أغنية ”الحضارة يا جيفارا“ والتي تحدثت عن جيفارا غزة، القائد الشهيد محمد الأسود من ”النسر الأحمر“ الجناح العسكري للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين)، فضلاً عن أسماء شاعت واشتُهرت لاحقاً أمثال: مارسيل خليفة، سميح شقير، سامي حوّاط، خالد الهبر وسواهم.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">قدّمت فرقة العاشقين، في كثيرٍ من الأحيان، طريقتها الخاصة في استحضار التاريخ الفلسطيني كما حين قدّمت قصة إستشهاد القائد عزّ الدّين القسّام الذي أشعل استشهاده الثورة الفلسطينية الكبرى (1936-1939) في قرية يعبد الفلسطينية، في أغنية ”أبو ابراهيم“؛ مؤكدة على أهمية الكفاح المسلّح كوسيلة تحرير مستمرة.<span style="mso-spacerun: yes;"> </span>قاد خليل محمد عيسى عجاك؛ الملقّب بـ”أبو ابراهيم الكبير“، المقاومة الفلسطينية في تلك المرحلة بعد استشهاد القسّام. روت الأغنية القصّة مشاغلةً فكرة الإمتداد الزمني للمقاومة، بندقيتها هي الإستمرارية التي تنتقل من قائدٍ إلى قائد.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">يا أبو ابراهيم لسه الإيام جاية</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">لا تودعني وامسك هالبارودة</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">كذلك، حكت قصّة أبطال ثورة البراق (1929) الثلاثة: محمد جمجوم، فؤاد حجازي وعطا الزير الذين اغتالوا المندوب السامي البريطاني، ثم سقطوا شهداءً حينما أعدمتهم قوات الاحتلال البريطاني في العام 1930 (القصيدة من كتابة نوح ابراهيم) في أغنية ”من سجن عكا“، التي يمكن إعتبارها واحدة من أهم أغاني الذكريات لا فلسطينياً فحسب، بل عربياً كذلك. قاربت الأغنية فكرة الأخوة والتضحية والفداء بين الشهداء، الذين لا يخيفهم الموت، ويتقدّمون بعضهم البعض ليتعلّقوا على أرجوحة الأحرار.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">ويقول محمد: ”أنا أوّلكم/ خوفي يا عطا أشرب حسرتكم“</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">ويقول حجازي: ”أنا أوّلكم/ ما يهاب الردى ولا المنون“.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">في ذات الوقت، كان إطار الفرقة أن تحاكي القضايا الرئيسية للنضال كقضية الأسرى؛ حينما قدّمت أغنية ”جمّع الأسرى“؛ والتي تناولت سجن ”أنصار“ المنطقة اللبنانية التي احتلّها العدو الصهيوني وحوّل جزءاً من أرضها إلى معتقلٍ للمقاومين.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">شمس الحرية فينا/ من يحجب الشموس</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">والفجر بينادينا/ شو رح تعمل الحبوس</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"><span style="mso-spacerun: yes;"> </span>سجن العدو ما يقدر/ يحبس عنا الأوطان</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">حِنّا لفلسطين معبر/ حِنّا فدا لبنان</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">ولم تنسَ الفرقة في هذه الأغنية مقاربة البعدين اللبناني والفلسطيني في المعركة؛ وإن ركّزت على أنّ مقاومة الشعب الفلسطيني ”عابر“ لفلسطين، وهي ”فداءٌ“ للبنان. في الإطار عينه، حملت الفرقة تراث الشعب الفلسطيني وأغنياته الشعبية في دفّات ألبوماتها فغنّت ”عالشوملي“ و”عالعميّم عالعمام“ وسواها من الأغنيات التي تمتلك أبعاداً تراثية، وإن جعلت الحدث الرئيسي في الأغاني هو المقاومة واستُبدل البطل الكلاسيكي العاشق والحبيب بـ”الفدائي“.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">يا يُمّا في دقّة عبابنا</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">يا يُمّا هاي دقّة حبابنا</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">يا يُمّا في دقّة قوية</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">يا يُمّا دقّة فدائية</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><strong><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">مرحلة ما بعد الخروج الفلسطيني من لبنان</span></strong></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">إستمرت الفرقة كحالةٍ تقدّمية، وتعاظم الدور الصوتي والحضوري للفرقة حتى مع الخروج الفلسطيني من لبنان بعد الإجتياح الصهيوني إبان العام 1982. حظيت الفرقة بعد وصول المقاومة إلى العاصمة اليمنية عدن بحفل يمكن إعتباره الأكبر لفرقة وطنية، أهمية، حجماً، وإنتشاراً (طبعاً عربياً نتحدّث). حضر الحفل قادة المقاومة الفلسطينية وعلى رأسهم ”الختيار“ (وهو اللقب الشعبي التحبُّبي للراحل ياسر عرفات، أبو عمّار)؛ و”الحكيم“ جورج حبش وسواهما.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">أنقاض شاتيلا مرّت بنا فجراً<span style="mso-spacerun: yes;"> </span>والريح في صبرا تطفي القناديل</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">لن نترك الميدان ولتشهد الدنيا<span style="mso-spacerun: yes;"> </span>الموت للطغيان وشعبنا يحيا</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">جاءت أغنية ”صبرا وشاتيلا“ بمثابة صرخة متألمة بوجه آلة دموية إرتكبت مجزرةً في صبرا وشاتيلا بعد خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">أدّى الخروج من لبنان وغياب البندقية الفلسطينية -الدرع الفعلي للمخيّمات- إلى المجزرة، كما أدّى بذات الوقت إلى اختلاف اللغة في الأغنية حتى غابت الجمل المباشرة والإشارة لـ”البندقية المنتقمة” و”الفدائي الحامل كفنه“، بل بدت الأغنية أقرب إلى </span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">ode</span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> وهي الأنشودة المغنّاة من التراث الإغريقي؛ وهي أنشودة متألمة ذات شجن مرتفع؛ وغالباً ما تحمل نهاية مأساوية لأبطالها.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">إشهد يا عالم علينا وعبيروت<span style="mso-spacerun: yes;"> </span>إشهد بالحرب الشعبية</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">واللي ما شاف بالغربال يا بيروت<span style="mso-spacerun: yes;"> </span>أعمى بعيون أمريكية</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">في الإطار عينه، وإن كان أكثر شهرة، شهدت أغنية ”إشهد يا عالم“ (كلمات أحمد دحبور وألحان حسين نازك) لغة أقرب إلى المعاتبة والحساب والتذكير التاريخي بما حدث. إنّها طريقة ”المثقف/الفنان/الفدائي“ الفلسطيني في رواية ”حكايته“ وبصوته الغاضب نفسه.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">جبل الشمال وبالبحر يا بيروت<span style="mso-spacerun: yes;"> </span>صور الحرَّة والرشيدية</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">قلعة الشقيف اللى بتشهد يا بيروت<span style="mso-spacerun: yes;"> </span>عليهْ داسوا راس الحيّة</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">بدت اللغة الشعرية هنا مباشرةً لا تراعي أي تفصيل غير تفصيل المعركة بحد ذاتها، إنّها التغنّي ببطولة البطل الذي بدا أشبه بأبطال الأساطير الإغريقية؛ الذين ينتهون إلى نهاياتٍ ”تراجيدية“؛ حيث يقاتل الحجر والشجر إلى جانب البطل عينه.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">والشجر قاتل والحجر يا بيروت<span style="mso-spacerun: yes;"> </span>والواحد جابه دورية</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">جمل المحامل شعبنا في بيروت<span style="mso-spacerun: yes;"> </span>بعين الحلوة والنبطية</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">واحنا ردّينا الآلية يا بيروت<span style="mso-spacerun: yes;"> </span>بحجارة صيدا والجيّة</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">تراب الدامور اللى بيشهد يا بيروت<span style="mso-spacerun: yes;"> </span><span style="mso-spacerun: yes;"> </span>عالخسارة الصهيونية</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">كل هذا، كان بمثابة التمهيد للشعور بالخذلان من ”الأشقاء“ الذين تركوا أخاهم الفلسطيني وحيداً في المعركة، سوى من اللوم والشماتة والدعم إن حدث كان عبر الإذاعات والبيانات، في ما غاب التواجد والحضور ”الواقعي“ للإخوة والأشقاء نهائياً كالذوبان في الماء.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">ثمانين يوم ما سمعناش يا بيروت<span style="mso-spacerun: yes;"> </span>غير الهمة الإذاعية</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">بالصوت كانوا معانا يا بيروت<span style="mso-spacerun: yes;"> </span>والصورة ذابت بالميّة</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">وفي الختام، كعادة هذا النوع من الأغنيات ”المؤرِّخة“ أن ترسم المستقبل، وتُشير إلى أنَّ ”الخروج“ هذا وإن حصل، حصل بشرفٍ و”رفعة رأس“ فلم ترفع رايةٌ بيضاء، وبقي السيف مشهرا. فضلاً عن هذا الخروج لن يعقبه تيه ولا ضياع على الرغم من أنّه طريق صعب وطويل للغاية.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">لما طلعنا ودَّعناك يا بيروت<span style="mso-spacerun: yes;"> </span>وسلاحنا شارة حريّة</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">لا راية بيضا رفعنا يا بيروت<span style="mso-spacerun: yes;"> </span><span style="mso-spacerun: yes;"> </span>ولا طلعنا بهامة محنية</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">والدرب صعبة وطويلة يا بيروت<span style="mso-spacerun: yes;"> </span>عليها أكّدنا النيّة</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">(1) مقطع من أغنية ”غلابة يا فتح“ من أغاني منظمة التحرير الفلسطينية الأولى</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">نُشر في موقع "صمود" بِتاريخ 24 آذار 2022</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><
اقرأ المقال
<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">أن تذكرَ بيروت يعني أن تذكرَ فلسطين، فلطالما كانت العاصمة اللبنانية من أكثر العواصم العربية إلتصاقاً بالقضية. لم تكن يوماً قضيةً تتضامن معها، بل قضيتها هي، تحمل لواءها، تحتضن شعبها من العائدين وتعبّر عنها سياسةً وفناً وثقافةً ومقاومة. فكيف إذا كان الحدث، معرض بيروت العربي الدولي للكتاب بنسخته 63، ستحضر فلسطين حتماً بشخصياتها ومدنها ورموزها، ولا نتحدّث عن الكتب فقط بل عن الحضور رسماً على جدار، وكوفيّة وأيقونة، عن ملصقٍ معلّقٍ وهتافاتٍ مكتوبة، عن قاماتٍ فلسطينية أثّرت في الوعي وعاشت في الوجدان، عن كتّابٍ من فلسطين وخارجها، خطّوا بأقلامهم كل ما يرتبط بفلسطين، في دراسات وأعمال منشورة في الكتب، في الكثير من الكتب.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><strong><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">الشخصيات، أيقونات القضية</span></strong></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">ندخل المعرض، ونتّجه يسارا، فنلتقي بوجه المثقف المشتبك باسل الأعرج يطلّ علينا من خارطة فلسطين، عبر جدارية رُسمت لأجله في ستاند دار المودة اللبناني في الذكرى الخامسة لاستشهاده، والتي باتت ذكرى ولادته في الوجدان الفلسطيني والعربي، وجدان من تلقّفوا رسالته بوعي، فمنهم من بدأ رحلة الثقافة على طريق الإشتباك، ومنهم من اشتبك والتحق به. في الجدارية يرتفع وجهُ باسل فوق جملتَه الشهيرة:”بدّك تكون مثقف بدّك تكون مثقف مشتبك“، وإلى جانبها، نجد نسخاً من كتاب صدر عن دار المودة، يحمل على غلافه رسماً لوجه باسل، وجملة كان ينادي بها دوماً في تجوالاته حين يحدّث جموع المشاركين معه :”صوتي واضح“ لتُشكّل عنوان الكتاب.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">ولا يمكننا الخروج من ستاند دار المودة قبل أن نشعرَ بفلسطين تُحيط بنا من كل جانب: جدارية باسل من ناحية، كتاب قضية فلسطين للسيد علي الخامنئي، خارطة فلسطين المنسوجة من كوفيّة من ناحية أخرى، وفي مساحةٍ مقابلة ألواحٌ خشبية متصلة، يعلو إحداها صورة لعملية سيف القدس، وعلى الأخرى نقرأ بخطٍّ كبيرٍ وواضح: ”حُط السيف قبال السيف، نحنا رجال محمد ضيف“، محمد ضيف الذي نجد صورته مُلصقة أيضاً على لوح خشبي آخر بجانب جملةٍ حاسمة مكتوبة باللون الزيتي:”سنصلّي في القدس“، ثمّ لتلخّص لنا كل ما سردناه جملة مكتوبة أيضاً بنفس الوضوح والحسم: ”لن نتخلّى عن فلسطين“.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">ثم نلتقي بباسل أيضاً في ستاند مكتبة بيسان، فنجده في الرفوف الأولى، موضوع كتابٍ جديد من إصدار”بيسان“ للدكتور عادل سمارة بعنوان: ”المثقف المشتبك والعمليات الفردية: روافع لتجاوز الأزمة“، إلى جانب الكتاب الصادر عن بيسان أيضا، والذي يضم الكثير من مقالاته: ”وجدتُ أجوبتي: هكذا تكلم الشهيد باسل الأعرج“.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">أما غسان كنفاني، فسنجده في أكثر من ستاند، صورته في مُلصق، صادر أيضاً عن دار المودة، باللون الأحمر مع جملته الحافرة عميقاً في الوجدان الفلسطيني: ”لا تمتْ قبل أن تكون ندا“. ونقابله في ستاندات أخرى، فنجده في مكتبة الحلبي اللبنانية، والتي تعلق مُلصقه فوق رفٍّ يحوي كل ما لديها من مؤلفاته، غسان كنفاني الروائي والقاصّ والصحفي، الذي استطاعت كتاباته وقصصه أن تلهمَ وترسمَ لأجيالٍ خلَت وأجيالٍ قادمة، ملامح الطريق الواضح نحو تحرير فلسطين.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><strong><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">ثنائيات الإبداع</span></strong></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">وينتقل ملصق غسان كنفاني ليُطالعنا أيضاً معلّقاً على جدار ستاند دار المجمع الإبداعي حيث صور الكتّاب والصحفيين والفنانين والمخرجين، من العرب والغربيين، ممن كان لهم بصمة فاعلة في مجالهم. يجاور المُلصق صورة للفنانيْن التشكيليين الزوجين إسماعيل شموط وتمام الأكحل، صورة تجمعهما كما هما في الحياة قبل وفاة شموط، محبَّيْن ضاحكيْن قريبيْن حدّ الإلتصاق.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">ولا يغيب الفلسطينيون الكبار عن الجدار، فيجاور ناجي العلي محمود درويش، ليطلَّ الشاعر والأكاديمي والمفكر عزّ الدين مناصرة في مساحة أخرى من جدار الصور.”دار“ هذا المجمع الإبداعي، أسّسه الزوجان الفلسطينيان، الكاتب والصحفي والناقد الأستاذ عبد الرحمن جاسم، وهو يدرّس فيه تقنيات الكتابة الإبداعية، والأستاذة الأكاديمية والكاتبة تهاني نصّار التي تتولّى إدارته، ونجد لها في أرفُف الستاند الذي يحمل أيضاً إصدارات طلاب ورشة الكتابة، كتاب ”حكايات ستي“، وهو من تأليفها وإصدار الدار، يحكي قصصاً من الذاكرة الشفهية لعائلتها، وبالأخص لجدتها ”سودة“، بعفويتها وصلابتها معا. هي من عكا وهو من يافا، وفي ستاند الدار يصدح صوتهما باللهجة الفلسطينية، ليصبحَ من السهل على أي زائر إدراك، أنّ لفلسطين روحاً تنبض ها هنا، فيلتفت ليجدَ “وروحي سلاح” منسوجةً على طارة، وحتى على علبة المحارم، أبسط تفاصيل المكان، ملصقٌ لعبارة: ”لن نتخلّى عن فلسطين“. وبطبيعة الحال، يحضر ناجي العلي ومحمود درويش، بكتبهما وإنتاجاتهما في الكثير من الدور المختلفة، أحدثها مثلاً كتاب نشرت فيه مؤسسة الدراسات الفلسطينية مقالات محمود درويش في ”اليوم السابع“.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><strong><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">جائزة عن فلسطين هنا، حنظلة والكوفيّة</span></strong></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">لا يمكننا ونحن مارّون بجانب ستاند وزارة الثقافة الإيرانية، والجامع لإصدارات عدد من دور النشر الإيرانية، إلا أن نلحظَ مكتوباً على مدخل الستاند ”جائزة فلسطين العالمية“، فنقترب تلقائياً لنجدَ رسماً كبيراً للمسجد الأقصى، كشعارٍ للجائزة، وأوراق تشرح عنها، بأنّها ”جائزة عالمية غير حكومية تهدف إلى تعريف وتقديم وتقدير الكتب الأدبية المنشورة في العالم حول قضية فلسطين والمقاومة وتحرير القدس“، وذلك بالتعاون مع النقابات الثقافية في عدد من الدول الإسلامية، والجائزة ستكون في المجموعات التالية: قصص أشعار الأطفال، قصص قصيرة رواية، مذكرات السفر والذكريات. </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">نمشي ونسأل، من أين لهذا الشاب السوداني كوفيّته الفلسطينية التي يضعها على رقبته، ويتكلّم عن فلسطين وحب السودان للقضية بصوت جهوري، وكيف أنّه والشعب السوداني ضد التطبيع، وضد من يرضون به حتى من السودانيين، فنجد ضالتنا عند ستاند صحيفة السفير الذي ندرك تلقائياً أنّه يعبق بفلسطين حتماً كما عبقت في ثنايا وأهداف الصحيفة على مرّ العقود، فعلى أرففه تتدلّى الكوفيّات الفلسطينية، منسوجاً عليها اسم فلسطين، وصورة المسجد الأقصى، وعلى طاولته نجد ”فلسطين“ الملحق الأسبوعي الذي كان يصدر مع الصحيفة قبل أن تتوقف، وبات اليوم يصدر إلكترونيا. ولا يمكن أن يغيب حنظلة، يقف على الجانب الأيسر من الأرفف تمثالاً مع مجموعة من التماثيل لخريطة فلسطين وغيرها من رموز القضية. </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><strong><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">بحرٌ من الكتّاب والكتب الذي لا ينضب</span></strong></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">أما إذا أردنا الحديث عن الكتب والمؤلفات، فلن تتّسعَ لنا عشرات المقالات للإشارة إلى كل الإصدارات التي حضرت في المعرض وهي تتحدث عن فلسطين، أو كتبها فلسطينيون. ولكن، تجدر الإشارة إلى دورٍ كانت موجودة في المعرض، عُرفت بإصداراتها التي تتناول القضية، ونبدأ مع مؤسسة الدراسات الفلسطينية، الأكثر تخصصاً وغزارة في الإنتاج حول فلسطين، حيث يمكنك أن تعثرَ في ستاند المؤسسة تقريباً كل ما تريد معرفته عن فلسطين، في تاريخها، وحاضرها في ظل وجود الاحتلال، في الإتفاقيات والوثائق، في وضع العائدين وظروفهم، وفي الكثير من الموضوعات التي لا يتّسع المجال لإحصائها ها هنا.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">وكذلك، نجد كتباً ودراساتٍ لباحثي المؤسسة الفلسطينيين الذين نذكر منهم: المؤرخيْن وليد الخالدي وسليم تماري، الباحث الدكتور كميل منصور، والباحث برهان الدجاني وغيرهم. ولا يزال إنتاج هذه المؤسسة مستمرّا، فنجد العديد من الإصدارات الجديدة معروضة على طاولة تستقبلنا في أول الستاند، تعالج موضوعات مثل المياه الفلسطينية، فلسطين قبل الشتات، الفصائل السياسية الفلسطينية، الحركة الطلابية في فلسطين وغيرها. ولا تنحصر الإصدارات باللغة العربية بل وبالإنكليزية أيضا.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">أما في مركز دراسات الوحدة العربية، فالأمر لا يختلف كثيرا، فرغم أنّ موضوعات إصدارات الدار متنوعة، إلا أنّه يمكننا إيجاد حوالي 68 إصدار يتحدّث عن فلسطين في الستاند، لعل أحدثهم ”من جمر إلى جمر: صفحات من ذكريات منير شفيق“ تدوين وتحرير نافذ أبو حسنة (2021)، وكتاب المؤرخ الفلسطيني نور مصالحة ”فلسطين: أربعة آلاف عام في التاريخ“ (2020).</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">نُعرّج على ستاند مكتبة بيسان لنجد كتباً عن ناجي العلي، ووقائع مؤتمر مئة عام على وعد بلفور. أما في ستاند دار فكر، والذي يمتلأ بالإصدارات عن أنطون سعادة ومؤلفاته، فنجد كتاب المسألة الفلسطينية الذي جمع في طيّاته كل ما ذكر وكتب أنطون سعادة حول فلسطين، إضافة الى كتاب بعنوان”فلسطين: تراث وحضارة“ من إعداد مجلة تاريخ العرب والعالم، يُظهر لنا غلافه الطبيعة الخلابة لدولة فلسطين.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">ونحن إذا ما اقتربنا يمينا، سنصل إلى ستاند المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، هذا المركز الذي يتولى إدارته الباحث والكاتب الفلسطيني عزمي بشارة، فنلتقي بالعديد من الكتب التي تعالج موضوعات مرتبطة بالقضية الفلسطينية، وسلسلة منفردة بعنوان ذاكرة فلسطين.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">ولا تغيب فلسطين عن دار رياض الريس، ولا عن ستاند المؤسسة العربية للدراسات والنشر التي طالعنا على أرففها كتاب ”فلسطين الحقوق لا تزول“ للدكتور سليمان أبو ستة، كما الأنطولوجيا الشعرية ”غزة أرض القصيدة“، وغيرها العديد من الكتب.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">أما النساء الفلسطينيات فلهنّ نصيب أيضاً في كتاب الباحثة غريد الشيخ محمد التي التقينا بها في ستاند دار موزاييك، وعرّفتنا على كتابها المرجعي ”معجم أعلام النساء الفلسطينيات“ والتي تذكر أنّها قامت بإعداده بهدف ”المحافظة على فلسطين ودعم القضية الفلسطينية“.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">ونتقدّم نحو دار نلسن، ليعرضَ لنا صاحب الستاند مجموعة من الكتب حول فلسطين هي من إنتاج الدار، فنجد قصة الثائر محمد محمود أبو جلدة، وكتاب ”غزة للتاريخ“ الذي يسرد لنا حصار غزة، كما ذكريات المؤرخ الفلسطيني هشام شرابي ”الجمر والرماد“، ونلتقي بالعائدين في كتاب سامر منّاع ”أن تكون فلسطينيّاً في لبنان“. لينتهيَ بنا المطاف في ستاند دار النشر الإيرانية ”سوره مهر“، حيث كتاباً أصفراً يعتلي أحد الأرفف، على غلافه رسمٌ لقبة الصخرة وعنوانٌ بالفارسية والعربية والإنكليزية، مكتوب على غلافه: ”المسابقة الدولية "فلسطين ليست وحدها" للبوستر، الكارتون والكاريكاتير“، ويحتوي على كل الرسومات التي شاركت في المسابقة.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><strong><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">ولكن ماذا وجدنا للأطفال؟</span></strong></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">في كل هذه المساحة الثقافية العابقة بفلسطين، بحثنا عن الأطفال، عن كيف يحكي الناشرون والكتّاب لهم قصة فلسطين، فعرّجنا على مكتبات البيع ودور النشر المتخصصة بأدب الطفل، ولكنّنا للأسف لم نجد إنتاجاً بالحجم الذي يُلبّي حاجتنا الحقيقية اليوم لشرح القضية لأطفالنا وتعريفهم بها بأسلوب يتناسب مع عمرهم وإدراكهم، إلا في مساحتين:</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">دخلنا ستاند “حديقة الكتاب” اللبناني، فكان الرد تلقائيّاً بالإيجاب، والتقينا بمريم في قصة أنور اللواتي “حلمتْ مريم وصار الحلم حقيقة”، والتي حلمت أن تطير فوق الأرض وتراها من فوق، إلى أن حلّقت فوق القدس والمسجد الأقصى. كما أنّ في أعداد مجلة “مهدي” التي تذكر وتقدّم فلسطين دوماً في محتواها، وجدنا عدداً كاملاً خاصّاً عن فلسطين وهو العدد 43 للفئة العمرية (4-7)، كما نلتقي بالملعقة التي باتت أيقونة للنضال والإرادة ورمزاً للأدوات التي استخدمها الأسرى الفلسطينيون الستة في عملية هروبهم من سجن جلبوع، وذلك في فقرة تشرح عن الإبداع، في العدد 174 من المجلة للفئة العمرية 10-14. أما قبّة الصخرة، فنجدها على شكل لعبة بازل، ليشكّل الطفل قطعها فتتحوّل إلى مُجسّم كرتوني صغير بين يديه.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">أما قصص وكتب مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي، فقد سافرت من رام الله وغزة، لتحطَّ في ستاند مكتبة الحلبي، نذكر منها كتاب القصص المصوّرة ”فلسطين رايح جاي“. ونجد أيضاً في إطار أدب الأطفال، دراسة تحكي عن دار الفتى العربي ”طفولة حزيران: دار الفتى العربي وأدب المأساة“، وهو الذي كان رائداً في فترة الثمانينات في مجال أدب أطفال حول فلسطين. كما يلتقي اليافعون في ستاند مكتبة الحلبي، بكتاب للشعر ”ظل البحر يطاردني“ وهو لشعراء من فلسطين، كما رواية ”ستي الفلسطينية“ للكاتبة الكويتية – الفلسطينية هدى الشوا.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><strong><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">فلسطين لا تنتهي</span></strong></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">وهكذا، فإنّنا حين نتحدث عن فلسطين في بيروت، وفي معرضها للكتاب، لا بد أن نأخذَ قراراً حاسماً بإنهاء المقال، وإلا فنحن إذا ما أردنا أن نحصيَ ونرصدَ كل الوجود الفلسطيني بتفاصيل الإنتاجات والكتّاب والشخصيات، فلن يكفينا مقالٌ واحد بل مجلدات. وكل ذلك، يخبرنا أنّ بيروت وفلسطين متلازمتان ما بقيت القضية، وإذا كان شعار المعرض هذ العام ”بيروت، لا تنكسر“، فقد شعرنا في أرجاء المعرض بأنّ بيروت تقول لنا: وفلسطين أيضا.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Arial,sans-serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">نُشر في موقع "صمود" بِتاريخ 17 آذار 2022</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;"><a href="https://somoud.com.ps/2022/03/17/%d8%a8%d9%8a%d8%b1%d9%88%d8%aa-%d8%ad%d8%b6%d9%86%d8%aa-%d9%81%d9%84%d8%b3%d8%b7%d9%8a%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d8%b9%d8%b1%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%84/?fbclid=IwAR1LGBQ2eNrSDh7bw8poA6JQ_ZtzaDTpPhf5L0yLO0QpHURpDVR-VaJf07Q"><span style="color: gray;">صمود - بيروت حضنت فلسطين في معرض الكتاب الثالث والستين</span><span dir="LTR" lang="EN-US" style="color: gray;"> (somoud.com.ps)</span></a></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Arial,sans-serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"> </p>
اقرأ المقال
<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">منذ عشرة أيامٍ خلت، بدأ معرض بيروت العربي والدولي للكتاب في سنته الثالثة والستين. البارحة انتهى المعرضُ بشكلٍ رسمي. أكثر ما لفتني خلال أيام المعرض العشرة كمية ”النائحين“ و”النائحات“ على حال المعرض.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">نجح المعرض فعليًّا، وعلى الأرض، من خلال حضور عدد كبير من الجمهور. طبعًا التقييم على النجاح والحضور هو مرتبط أيضًا بأزمات لبنان التصاعدية، إذ مثلًا في اليوم الرابع من المعرض حدثت ”أزمة“ بنزين، في الأيام الأخيرة كان هناك عاصفة رعدية، وأمطار، وبرد قارس، يضاف إلى كل هذا أسعار الكتب المتصاعدة، وإن راعت بعض دور النشر أوضاع القرّاء.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">سأتحدث بداية من كوني أحد ”المشاركين“ في المعرض كدار نشر. وقّع دار المجمّع الإبداعي ستة كتبٍ في هذا المعرض. تشهد الصور، وعدد النسخ المباعة، وعدد الزوار على أنَّ هذه التوقيعات كانت ناجحة وللغاية. هذا من جهة، يعني أنَّ المعرض على الأقل من وجهة نظرنا كان ناجحًا. شاهدتُ بأم العين –كذلك- أكثر من خمسين كاتباً وقعوا كتبهم، وكان هناك حضور، بعضه كان خجولًا، والبعض الآخر كان كبيرًا ويستحق المتابعة.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">حضر عدد كبير من الناس لمشاهدة نشاطات دار المودّة بعد حادثة محاولة ”تخريب“ المعرض ومحتويات هذه الدار. وهذا أعطى المعرض زخمًا، وحركةً حول جناح دار المودة، والأجنحة حوله كذلك. الكافتيريا كانت ممتلئة غالبية الوقت، رغم البرد الشديد في الأيام الأخيرة من المعرض، إلّا أنه كان من الصعوبة إيجاد ”مكانٍ للجلوس“.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">ماذا إذًا عن نواح مدّعي”الثقافة“؟ مشكلة ”مدّعي“ الثقافة أنهم يعتبرون أن عليهم أن ”يدلوا“ بدلوهم في كل شيء. أن يعطوا رأيهم في كل ما يحدث حولهم، حتى ولو كان رأيهم غير مهمٍ. في الغالب، يكون "مدعو" الثقافة "غاضبين" "لا يعجبهم الوضع" "متذمرين". هنا يكمن معنى توصيفهم ”بمدعي ثقافة“؛ على الرغم من كل تلك الصفات (الادعاء، التذمر، عدم اعجابهم بالوضع)، فإنّهم لا يفعلون شيئاً لتغييره، لا شيء أبدًا، لا شيء البتة، لا شيء، باختصار: لا شيء سوى النواح والتذمر والشكوى. وهذه المرّة الشكوى هي لغير الله بالتأكيد، وهذه المرّة هي ”مذلة“.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">قرأت غير مرةٍ عند أحدهم أنَّ ”المعرض“ كان ”فاشلًا“ و”يفتقد“ للدور العريقة. ماذا عن دور كالنهار مثلًا؟ مركز دراسات الوحدة العربية؟ مركز الدراسات الفلسطينية؟ ماذا عن دار رياض نجيب الريس؟ ماذا عن دار أوال؟ هذه كلها ”غير عريقة“ بحسب ”المتحدثين“. قرأت أيضًا عن "الاحتلال الإيراني" و”أن الدور بأكملها شيعية“: أين الاحتلال الإيراني؟ هل صورةٌ واحدةٌ تجعل المعرض "محتلًّا"؟ قرأت عند احدهم أنه كان يريد أن يسمع "نقاشات الكافتيريا" المعتادة والخلافات المتصاعدة من هناك. نقطتان في النظام –على عادة الـ</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">NGO’s- </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">الأولى البرد –يا أيها المثقّف الهمام- منع مناقشات الكافتيريا، وليس الإيرانيين والشيعة. أما النقطة الثانية، نقاشات الكافتيريا لم تسهم –في حياتها- في تقدّم أي حضارة.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">أكثر من هذا، ما الذي يحدد نجاح نشاطٍ من عدمه؟ الناس. ببساطة حضر الناس إلى المعرض، واشترى الناس كتبًا، وقلما خرج شخصٌ من المعرض بلا كتبٍ في جعبته. كان هناك كتبٌ للجميع. يضاف إلى هذا كله أن أي نشاط ثقافي مرتبط بالكتاب والقراءة وصنعتهما يجب أن يدعم ويشجع ويقوّى إلا لدى "مدعي الثقافة"، فهؤلاء يريدون "عرسًا ثقافيًّا" من تلك التي ترعاها دول الخليج: حفلات فارهة، نجوم سينمائيون وغربيون وعرب يحضرون مع تضحل ثقافتهم وثيابهم البراقة وابتسامات هوليوودهم. نحن لسنا في تلك الدول، ولن نكون، ومع هذا أنا شخصيًّا لست ضد معارض من هذا النوع؛ فقد شهدت غير مرةٍ حينما جاءت هيفا وهبي أو أصالة نصري وسواهن من ”مشاهير الترند“ إلى معارض الكتاب، وشاهدت كذلك التجمهر حولهن. وفي هذا لا مشكلة، ولم أرفع الصوت يومًا ضد حضورهن، لكن لم أطلبه كذلك، فهو ليس "اضافةً" لأي معرض كتاب.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">سينوح مدّعو الثقافة كعادتهم، هم لا يعجبهم شيء، ولا يفعلون شيئًا كذلك. هم فقط ”نائحون“. سينخر السوس عظامنا إن جلسنا، ومع هذا إذا ما قمنا بأي شيء، سيأتي أمثال هؤلاء كي ”ينوحوا“ فوق رؤوسنا ضمن منطق: المعرض فاشل، المعرض ايراني، المعرض كله لطائفة معينة.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">سأقولها بالصوت الملآن وللمرة الأخيرة: كان معرض بيروت العربي والدولي بنسخته الثالثة والستين ناجحًا، حلوًا، مشجعًا على قدر ما استطاع. لم يكن معرضًا إيرانيًّا، لم يكن معرضًا لطائفةٍ واحدة، ولم يكن كذلك لأناس/اثنية محددة. كان معرضًا للجميع. كنتُ هناك، قلبي كان هناك؛ كنت عاملًا، شاهدًا، ومبصرًا، وكفى.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Arial,sans-serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Arial,sans-serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;">نُشر في موقع "الناشر" بِتاريخ 14 آذار 2022</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;"><a href="https://annasher.com/?p=6179"><span style="color: gray;">عن معرض الكتاب والنواح الفكري - موقع الناشر</span><span dir="LTR" lang="EN-US" style="color: gray;"> (annasher.com)</span></a></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 7.5pt; text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-fareast-font-family: Times New Roman; color: #666666;"> </span></p>
اقرأ المقال
قيل لحكيم: ما الفتنة؟ قال: أن ترى بعينٍ واحدةٍ، وتحاسب كما لو أنّك مبصرٌ طلق. أمس، كان يوماً عصيباً في «معرض بيروت العربي والدولي للكتاب» الثالث والستين. كانت الخطّة ــحسب الظاهر ــ أن يغلق المعرض أبوابه، كونه «إيرانياً» وفق ما قالت إحدى «الناشطات» التي حوّلت وقولبت حدثاً عادياً، يقع في أي مكان إلى «حرق ساحرات» و«حدث جلل» يستوجب «الويل وعظائم الأمور». قبل ذلك؛ وعلى مدى ثلاثة أيام كاملة، مارست قنوات «الإبتزاز» (التلفازية، المكتوبة والمسموعة) كمّاً كبيراً من «التهويل» حول ما يحدث في المعرض. «إيران تحتلنا»، «معرض إيران في لبنان»، «لسنا طالبان ولن نكون»، «أوقفوا المهزلة: أوقفوا المعرض الإيراني».. عناوين كثيرة تناولت الخبر نفسه، ضمن أجندة واحدة. فلنبسّط الصورة أكثر ولنحمل قلماً وورقة لتسجيل التفاصيل: في البداية، يشارك في المعرض عدد لا بأس به من الدور الإسلامية، المحسوبة بشكلٍ أو بآخر على «محور المقاومة». هذا أمرٌ لا لبس فيه، ولا خلاف عليه. فهذه الدور هي «للكتاب» وتمتلك كل «الشرعية» و«الحق» للوجود في المعرض الكتاب، شأنها في ذلك شأن أي دار نشر. في الأعوام السابقة، كانت دور نشر الدول والممالك الخليجية حاضرة وبقوّة (هذا العام لم تشارك باختيارها). وجود ليس جديداً أو غريباً أو مستهجناً. بالتالي ما هي الحكمة من «تحويل» الأمر إلى «حدث»؟ لا أحد يعلم سوى «قنوات الإبتزاز» ومشغّليها. النقطة الثانية: غياب بعض دور النشر. وفي هذا لا يتحمّل أي من الدور المشاركة «وزر» تلك المشكلة. امتنعت بعض الدور المعروفة عن المشاركة لخلافٍ حسبما قيل بينها وبين «النادي الثقافي العربي». فهل يكون المنطق أن يغلق المعرض أبوابه، أو تمتنع الدور الباقية عن المشاركة فيه فقط لأنّ بعض الدور ارتأت عدم المشاركة لأسبابها الخاصة؟ وهل تلام الدور الباقية على المشاركة، فقط لأنّها تريد أن «ينجح» مجهود ثقافي مرتبط بمدينةٍ منهكة متألمة كبيروت هذه الأيّام؟ على الجانب الآخر، هناك دور كبرى ــ مثل «رياض الريس» و«أوال» و«مؤسسة سعادة الثقافية» ــ موجودة في المعرض وتحقق نجاحاً ولها في الثقافة باعٌ كبير، يتم تجاهل وجودها لأنّ ذكرها لا يخدم واصفي الحدث بـ «الإيراني». في الوقت نفسه، هناك دور كثيرة لا تحمل أي صبغة كتلك الآتية من سوريا أو مصر. أكثر من هذا، ما هو الاحتلال الإيراني الذي يتحدّث عنه بعضهم؟ هناك جناح رسمي لإيران في المعرض، وهذا طبيعي! وهو مشاركٌ معتاد في معظم معارض الكتاب في بيروت، والعواصم العربية الأخرى. وهذا شأن معظم سفارات الدول العربية والغربية، التي غاب بعضها هذا العام لدوافع سياسية ومن دون مسوّغات منطقية. فهل يلام الإيرانيون على مشاركتهم المعتادة؟ ماذا عن «سيطرتهم» على المعرض إذاً؟ هل صورة قاسم سليماني الموجودة في جناح «دار المودّة» (المعنية أساساً بتوثيق سيرة الشهداء) هي المشكلة؟ ألم تكن صور الملك السعودي أو سلطان عمان أو ملك البحرين أو سواهم من القادة العرب معروضة في السابق؟ ألم يعتد الجمهور اللبناني على اتساع أطيافه الثقافية، وجود هذه الصور، لا في معارض الكتب فحسب، بل في الشوارع كذلك؟ أليس هذا هو «التنوّع» اللبناني؟ فماذا حصل؟ وكيف حصل ما حصل؟ شابٌ متهوّر مندفع يدخل إلى إحدى الدور المشاركة في المعرض، ويبدأ بالطرق على الصورة هاتفاً بسخط وغضب «بيروت حرة حرّة.. إيران طلعي برا». يكاد يكون الهتاف مبرراً، لو أنَّ الجيش الإيراني والباسيج والسيباه وسواهم يحتلون العاصمة. أما في بلدٍ فيه الأميركي والـ USAID ومؤسساتها علناً، فهذا أمرٌ لا يثير إلا السخرية والتسخيف. بلدٌ يطالب بعض سكانه رئيساً ضعيفاً في بلاده كإيمانويل ماكرون أن يأتي لحكمهم. يأتي بعدها شابٌ موجّه ليطلب من إيران الخروج، لتصبح «بيروت حرّة». الأمرٌ مضحكٌ بالفعل. نُشر في صحيفة الأخبار اللبنانية بِتاريخ 8 آذار 2022 https://al-akhbar.com/Literature_Arts/332254
اقرأ المقال
أسبوع واحد هو المدة التي عُرض فيها Nightmare Alley في الصالات اللبنانية! أمر مفاجئ لأنّنا فعلاً أمام تحفة وموعد نادر من تلك المواعيد السينمائية التي قلّما تتكرر في بيروت هذه الأيام. مع ذلك، رائعة المخرج المكسيكي سنسمع بها حتماً في موسم الجوائز إنّه تحفة تصويرية! هكذا يمكن اختصار Nightmare Alley (زقاق الكوابيس) للمكسيكي الهوليوودي غيّيرمو ديل تورو؛ أحد أعمق مخرجي جيله الذي وصف فيلمه الجديد بأنّه «قصة تراجيدية عن الكذب». شريطه تحفة توجّه أيضاً تحية إلى أهم أفلام الـ «نيو نوار» في عصرها الهوليوودي الذهبي، تُضاف إليها فتنة الأنثى القاتلة femme fatale بفكرتها المباشرة، فضلاً عن بطلٍ مزج بين فكرة الـanti hero واللاانتماء في عملٍ واحد. «زقاق الكوابيس»، في الأساس، هو الاقتباس الثاني لرواية الكاتب الأميركي ويليم ليندسي غريشيم، كتبها عام 1946 وتحوّلت إلى فيلم عام 1947 (بطولة تايرون باور، وجوان بلونديل، إخراج ادموند غولدنغ). ورغم أنّ الشريط لم يحقق نجاحاً على شباك التذاكر، إلا أنَّه اعتبر لاحقاً من «كنوز» الـfilm noir. هذا المصطلح يُطلق على مدرسة سينمائية ترتكز إلى الضوء الخافت، العتمة، لعبة الظلال، وألوان الأبيض والأسود. هذا لناحية التصوير، أما لناحية الفكرة، فتميّزت بأنّها كما ألوانها، تمزج بين الخير والشر، إلى درجة أنّ الحدود تتماهى بينهما، فلا يعود المشاهد قادراً على التمييز؛ فضلاً عن أنَّ نهايات الأبطال تكون دوماً مأساوية. يحكي الفيلم/ الرواية قصة ستانتون كارلايل (برادلي كوبر) ذي الماضي الغامض، الذي يقرّر دخول عالم «السيرك». هناك يمارس حرفة أقرب إلى «النصب»، حيث يساعد السيدة «زيينا» (توني كوليتي) التي تدّعي معرفة علم الغيب، وتقرأ «الحظ». سرعان ما يتعرّف كارلايل إلى زوج زيينا، بيت (ديفيد ستراثيرن) صاحب حرفة «ألعاب الخفّة» السكير. سرعان ما تتطوّر علاقته بالاثنين معاً: زيينا يرتبط معها بعلاقة جسدية، وزوجها يعلّمه حرفة الخفّة. يبدأ كارلايل ــ لاحقاً ــ بمحاولة خلق عرضه الخاص في السيرك بالتعاون مع فتاة ألعاب تدعى مولي (روني مارا) سرعان ما تقع في حبه ويقرران مغادرة السيرك وبدء حياة جديدة. كارلايل يرحل إلى نيويورك وتحديداً إلى ثاني أكبر مدينة هناك: بافالو. يخترع «عرضه الاستعراضي» الخاص حيث يقرأ الغيب لعليّة القوم في المدينة. سرعان ما تتعقّد الأمور مع ظهور الطبيبة النفسية ليليث ريتر (كيت بلانشيت) التي تبدأ بتعريفه على شخصيات المدينة النافذة، فيتورّط في لعبة خطرة مع هؤلاء. أدائياً، نحن أمام حرفة عالية. كيت بلانشيت مرعبة بكل ما للكلمة من معنى. أداؤها يوازي قوة آل باتشينو في فيلم «محامي الشيطان» (1987). قاسية، صلبة، لعوب، تملك مفاتيح كل شيء، وتحرّك خيوط اللعبة، تقودها وتدمرها متى شاءت. في الوقت نفسه، نجدها مكسورة تستطيع استجرار عطف المشاهدين كما بطل القصّة. أضافت لعبة الألوان و«السينما نوار» إليها الكثير، فأعطتها ملامح مرعبة في لحظاتٍ ما؛ فضلاً عن تفاصيل كثيرة كاختيار اسمها. بلانشيت بدور الأنثى القاتلة اللعوب، تستحق الأوسكار بلا شكّ. برادلي كوبر، قدّم أداء يليق بممثل كبير. غرق في الشخصية. إنّه «نصّاب» في المطلق، لكنه أيضاً طفل يكره والده (تيمة قتل الأدب حاضرة بقوة)، وعامل سيركٍ ناجح ثم فاشل، وواثق بنفسه إلى درجةٍ مذهلة، لكنه ينكسر بسرعةٍ فائقة. روني مارا أدت شخصية الصبية اللطيفة/ الطيبة، سواء لناحية شكلها أو صوتها. الكائن البريء الطاهر، الذي لا يتحمّل جموح أبطال هكذا قصص. بشكلٍ عام، يمكن القول بأن معظم ممثلي العمل هم نجوم مهما كانت أدوارهم صغيرة، إذ يكفي أن نشير إلى لائحة الممثلين فيه حتى نفهم مهارة غيّيرمو ديل تورو في اختيار مؤديه: ويليام دافو، ريتشارد جينكنز، رون بيرلمان وسواهم. إخراجياً، يمكن الحديث مطوّلاً عن غييرمو ديل تورو: إنه أحد المخرجين الأكثر حرفة في تقديم الغوامض، والسينما النيو نوار، يحب هذه الأعمال. هو يعشق «الظلام» وكل ما يأتي حوله وما يخفيه وما يظهره. قدم ديل تورو مثلاً أفلام مقتبسة عن كوميكس «مظلمة» مثل «طفل الجحيم» (hell boy) بجزئيه الأوّل والثاني (2004 و2008). كذلك، قدّم أفلاماً فانتازية بكائنات غريبة مثل «شكل الماء» ( shape of water عام 2017 ـ فاز عنه بجائزتي أوسكار لأفضل مخرج وأفضل فيلم). رائعته «متاهة بانس» (2006) قدّمت رؤية مذهلة لعالم مليء بالخوارق والخوف في الوقت عينه. إنه مخرج يعشق المجهول، والمخيف والوحوش والخوارق، والصورة الغامضة يضاف إليها أبطالٌ يحملون بشخصيتهم ثنائيّتَي الخير والشر، فيصبح الكل قابلاً لأن يكون «شريراً» و«خيّراً» في آن. إنه الواقع المجرّد كما يراه ديل تورو. في «زقاق الكوابيس»، يصر ديل تورو على الغوص منذ بداية القصّة في عالم الـ Carny. يقدّم لنا هذا العالم بشكله المعتاد، يدخلنا في كواليس صنع الحرفة، وتعقيدات هذا العالم. كأنّ سكان هذا العالم وموظفيه يعيشون في «مجتمعٍ» خاصٍ بهم. إنهم أشبه بالبدو الرحّل، بالبحارة يتنقلون من مدينةٍ إلى أخرى: لا أهل لديهم سوى مجتمع «الكارني»، لا سكنى، لا أرض، إلا هذا السيرك. مزيجٌ مختلفٌ من «المختلفين» و«المسوخ» كما يقول كليمنت هوتلي (ويليام دافو) مالك السيرك وصاحبه في الفيلم. إنها لعبة «جذب الانتباه» كما في المرحلة الأولى من هذا النوع من العروض في أربعينيات القرن الماضي: المرأة الملتحية، القزم الذي يستطيع التغلّب على الجميع «بحرفته القتالية»، رجل السيرك المفتول العضلات الذي يرفع الأثقال، السيدة التي تتنبأ بالمستقبل، و«المسخ» نصف الإنسان/ نصف الحيوان الذي ينهش الدجاجة وهي حيّة. صنعةٌ يقدّمها ديل تورو، ويُعيد مظهرتها، ليتركها بعدها بقليل إلى سيركٍ أوسع أكثر: الحياة.. سيرك العالم الواقعي. هنا نرى الناس على حقيقتهم بوحشيتهم البالغة: القاضي الشهير (بيتر ماكنيل) الذي يقع بسهولة فريسة الخداع من مخادع حرّيف. القاضي الشهير الذي يمتلك ناصية تحطيم حياة الناس بسهولة عبر حكمٍ ينطقه، يصبح «ضحية» ساذجة لخدعة مركّبة. أقوى رجل في المدينة، إزرا غريندل (ريتشارد جينكنز) مسكون بخطاياه يحتاج إلى مخلّص للتكفير عنها، فيلجأ إلى كارلايل. لعب ديل تورو أوراقه في هذا الفيلم المليء بالإشارات والإحالات السينمائية، بالتعاون مع السينماتوغراف الدانماركي دان لاوستسن، صديقه وشريكه الدائم في معظم أفلامه القوية ("شكل الماء"، mimic، crimson peak وسواها). ولا ينكر جهد الكاتبة كيم مورغان ــ زوجة ديل تورو ــ في صياغة نص محترف بالتعاون معه بناءً على القصة الأصلية. إذ تم تقديم نص مسبوك بحرفية، لا تشوبه شائبة. بدوره، نجح الأميركي نايثان جونسون في تقديم موسيقى مناسبة للعمل، فتشعر بأنَّ الفيلم مأخوذ من حقبة الأربعينيات، وهو أيضاً ما نجح فيه مصمّم الأزياء الكندي لويس سكويرا الذي قدّم أزياء مناسبةً لتلك الفترة، ما أعطاه دقةً وواقعية في آن. فيلم متميّز من النوع الذي ينتظره عشاق السينما، لا شك في أنّه ستكون له حصة في موسم الجوائز (مرشّح لأربع جوائز في الأوسكار أبرزها عن فئة أفضل فيلم). نُشر في صحيفة الأخبار اللبنانية بتاريخ 11 شباط 2022 «زقاق الكوابيس» لديل تورو: الحياة، ذلك السيرك العظيم (al-akhbar.com)
اقرأ المقال
يحدث لجيش أن يخوض حرباً دفاعاً عن بلاده ضدّ المحتل، كما يحدث أن يُعدَّ ما استطاع من ذخيرة وأسلحة ومقاتلين ليُشكّل جبهة ردع وتوازن رعب. ولكنّ التاريخ روى لنا، أنّ الحروب لا تُخاض بالسلاح فقط، فحين يكون المحتل محترفاً باستثمار الإقتصاد والفن والسياسة والأكاديميا، ليس فقط في سبيل تثبيت سيطرته واتساعها، بل أيضاً في سبيل تلميع صورته، وتقديم الاحتلال للعالم على أنّه فعل سلام، فلا بد حينها من تفعيل المقاطعة، كسلاح من نوع آخر. منصّات رقمية وفعاليات أدبية ومؤتمرات وإحتفالات ثقافيّة ومهرجانات ومعارض عالمية، ومؤخراً عربية، بعد تطبيع بعض الدول العربية العلني والرسمي، لطالما شكّل كل ذلك مساحات للتسلّل الإسرائيلي، كما لداعمي الكيان المحتل، وشكّل حاجة رئيسية لفتح العين واسعاً على التطبيع من بوابته الثقافية، والإضاءة على لزوم مقاطعته. ولكن من بين كل ما تمّ ذكره، تأتي الأفلام لتكون أداة التلميع الأخطر، لما لها من جمهور واسع وغير محدود، ومنصّات سخّرت إمكانياتها لإيصالها، إلى كل دولة، بل إلى كل بيت. كيف إذا، حين يتمّ عرض هذه الأفلام في صالات السينما اللبنانية، فذلك خطر يحتاج وقفة وتساؤلات. ها هو فيلم The secrets we keep (2020) للمخرج الإسرائيلي يوفال أدلر Yuval Adler، قد تسلّل إلى الصالات اللبنانية مع بداية هذا العام، حيث تمّ توزيعه وبدء عرضه (في صالات: Cinema city، Vox، Grand Cinema City، Cinemall) قبل أن يتمّ سحبه من صالات العرض، بعد الجهود التي قامت بها "حملة مقاطعة إسرائيل – لبنان" مع المعنيين. وتُعتبر هذه الحملة الأنشط والأكثر فاعليّة في لبنان على مستوى متابعة وملاحقة ممارسات التطبيع بأشكاله ومستوياته المختلفة، هذه الحملة التي فقدت مؤخراً أحد أهم الناشطين فيها وناشري الوعي حول سلاح المقاطعة، المؤلف والناشر الدكتور سماح إدريس، وجّهت في بيانها حول الفيلم في 17 كانون الثاني/يناير من هذا العام، دعوة إلى جهتين، تقع غالباً عليهما مسؤولية قطع الطريق على محاولات التطبيع من خلال عرض الأفلام. في توجّهها إلى الجمهور، ذكر البيان أهمية مقاطعة الفيلم وذلك "لعدم المشاركة في التطبيع المادي والمعنوي مع كيان الاحتلال ومن ينتمي إليه". أما الإنسجام مع قانون مقاطعة "إسرائيل" فكان الأساس في توجّه البيان إلى المعنيين بالرقابة وإتخاذ القرار، ليقوموا بما يلزم كسحب الفيلم من صالات العرض، فضلاً عن منع دخولها أساسا. ففي لبنان قانون لمقاطعة كيان العدو صدر في العام 1955 وجاء في المادة الأولى منه: ”يُحظّر على كل شخص طبيعي أو معنوي أن يعقد بالذات أو بالواسطة إتفاقاً مع هيئات أو أشخاص مقيمين في "إسرائيل" أو منتمين إليها بجنسيتهم أو يعملون لحسابها أو لمصلحتها، وذلك متى كان موضوع الإتفاق صفقات تجارية أو عمليات مالية أو أي تعامل آخر أياً كانت طبيعته“. ولقد حدث فعلا، خلال أيام قليلة، أن تمّ سحب الفيلم عن المواقع الإلكترونية لصالات السينما في لبنان، وإيقاف خاصية حجزه "أونلاين"، وكما تذكر عضو حملة مقاطعة "إسرائيل" – لبنان عفيفة كركي في إتصال معها أنّها تواصلت مع إحدى الصالات التي أكّدت إيقاف عرضه نهائيا. إلا أنّ ذلك لم يحدث حتى الآن، مع الفيلم المغربي ”علّي صوتك “Haut et fort-“Casablanca beats” (2021) للمخرج نبيل عيوش، وهو أيضاً كاتب ومنتج فرنسي من أصل مغربي، فهذا الفيلم لا زال عرضه مستمراً في الصالات اللبنانية رغم مشاركته السابقة في مهرجان حيفا السينمائي في الأراضي المحتلة، ورغم بيان حملة المقاطعة في لبنان حوله والداعي إلى مقاطعته. على كل حال، فإن هذين الفيلمين أُضيفا إلى سلسلة الأفلام التي سبق أن تسلّلت إلى الصالات اللبنانية ومنها على سبيل المثال لا الحصر، فيلم West side Story (2021) للمخرج الأمريكي ستيفن سبيلبرغ، والذي سبق وصرّح علناً بحسب بيان الحملة حول الفيلم بأنّه "مستعد لأن يموت من أجل إسرائيل"، كما وقدّم مليون دولار أمريكي للكيان الصهيوني خلال عدوان تموز 2006. " وكذلك الأمر بالنسبة لفيلم Venom: Let There Be Carnage (2021)، حيث إنّ أحد منتجيه هو الإسرائيلي الأمريكي آفي أراد Avi Arad، والذي "خدم في جيش الاحتلال خلال حرب الأيام الستة عام 1967" كما ورد في بيان الحملة التي دعت فيه إلى مقاطعة الفيلم في تشرين الثاني/نوفمبر 2021. ولكن من هي هذه الجهة الرسمية المعنية بالرقابة وإتخاذ القرار وكيف تعمل؟ يذكر الدكتور عبد الملك سكرية، وهو أمين سرّ الحملة العالمية للعودة إلى فلسطين وعضو حملة مقاطعة إسرائيل – لبنان، في لقاء له على قناة المنار اللبنانية، أنّ الحملة تواصلت، بداية، مع مكتب مقاطعة "إسرائيل" في وزارة الإقتصاد من أجل فيلم The secrets we keep، المكتب الذي أحالهم بدوره إلى الجهة المعنية بحسب قولهم وهي لجنة وزارية تُعنى بالرقابة على الأفلام. وتذكر عضو حملة المقاطعة عفيفة كركي، أنّ هذه اللجنة الوزارية تعتمد في موافقتها على الأفلام أو منعها، على لائحة بأسماء من يُمنع عرض أفلامهم في لبنان، لأنهم "إسرائيليّون"، سواءً كانوا ممثلين أو مخرجين أو أحد صانعي العمل. وتضيف بأنّ هذه اللائحة لا يتمّ تحديثها بحسب المستجد. لماذا هذه الأفلام دون سواها؟ تلخّص لنا الوثيقة الصادرة عن حملة مقاطعة "إسرائيل" – لبنان الواردة على موقعها الإلكتروني، المعايير التي تعتمدها في الدعوة إلى حظر الأفلام أو مقاطعتها في ما يلي: –"حظر كل فيلم يكون مخرجه أو منتجه التنفيذي أو ممثله الرئيس أو أي ممثل مساعد "إسرائيليّا"، ويُستثنى من ذلك حاملو الجنسية "الإسرائيلية" من فلسطينيي 48″ (المستثنى يكون ضمن حدود لا بد من الإلتزام بها تمّ ذكرها في الوثيقة المتوفّرة على موقع الحملة)." – "حظر كل فيلم يكون مخرجه أو منتجه التنفيذي أو ممثله الرئيس أو أي ممثل مساعد، داعماً للاحتلال الإسرائيلي بشكل مادّي ملموس، ولو لم يكن "إسرائيليّا"." – "حظر كل فيلم يسهم فيه أيّ لبناني (أو عربي) يتعامل مع أية جهة في كيان العدو – ولو كان وثائقيّاً لا تمثيل فيه". وتؤكّد عضو حملة المقاطعة عفيفة كركي على أنّه لا يتمّ الإعتماد على المحتوى للمطالبة بسحب الفيلم ومنع عرضه، ولكنّ ذلك لا يمنع الحملة من أن تبادر لنشر التوعية حول ما يروّج له في حال تمّ عرضه. وقد يسأل سائل، ما جدوى هذه المقاطعة؟ ربما أفضل ما يجيب عن هذا السؤال هو الخبر المنشور في موقع فيسبوك على الصفحة الرسمية لحركة مقاطعة “إسرائيل” وسحب الإستثمارات منها وفرض العقوبات عليها المعروفة دولياً بـBDS في 24 كانون الثاني/يناير 2022، ومفاده أن رئيس وزراء العدوّ الإسرائيلي، نفتالي بينيت، في جلسة الحكومة الأسبوعية في 23 كانون الثاني/يناير 2022 و”في محاولة جديدة لمحاربة حركة المقاطعة BDS، قد صادق على قرار "تحويل موارد إضافية لمحاربة حركة (BDS)، بسبب دورها المتنامي في عزل نظام الاحتلال والإستعمار- الإستيطاني والأبارتهايد الإسرائيلي على الصعيد العالمي". إذا، فإنّ المقاطعة موجعة، وقد إستطاعت في الكثير من المواقف والساحات، وعلى العديد من المستويات، أن تؤتيَ ثمارها في تعرية الوجه الحقيقي للكيان الإسرائيلي الذي يحاول أن يخفيَ جرائمه بالعديد من الأقنعة، ومنها الثقافية المختلفة والتي أبرزها الفنون. كما تزخر مواقع حملات المقاطعة العربية والعالمية بالإنجازات التي تمّ تحقيقها حتى الآن، وإلا لما خصّصت حكومة الاحتلال موازنة مستقلة لمحاربة نشاطها حول العالم. الخطر قائم، الخطر قادم! رغم كل الجهود المبذولة، من قبل حركة المقاطعة في لبنان وحركات المقاطعة في العالم، فإنّ التطبيع لا زال مستمرا، طالما أنّ الكيان المحتل لن يتوقف عن وضع كل طاقاته في سبيل التغطية على جرائمه. وها نحن اليوم، نشهد في المواقع الإلكترونية لصالات السينما اللبنانية إعلان عن فيلم سيُعرض قريبا، هو: Death on the Nile بطلته المجنّدة في جيش الاحتلال الإسرائيلي في حرب تموز 2006 غال غادو Gal Gadot، الذي من المفترض أن يكون اسمها مُدرجاً على لائحة اللجنة الوزارية للممنوعين من عرض أفلامهم في لبنان، فهي نفسها بطلة فيلم Wonder Woman الذي تمّ منع عرضه في الصالات اللبنانية في العام 2017. إذا، وفي انتظار القادم، لن يزول الخطر الحقيقي إلا بتكثيف الجهود على كل المستويات، فضلاً عن أنّنا حتماً بحاجة للإنتقال إلى مستوى أعلى في هذه المعركة الثقافية، عبر إنتاج الأفلام وبالقوة نفسها، وعبر حشد الإمكانيات لتوزيعها حول العالم وإظهار ما يحاول الكيان الصهيوني تلميعه وترويجه كذباً وزوراً بإسم الفن والسلام. نُشر في موقع "صمود" بتاريخ 4 شباط 2022 صمود - إفتح عينيك ولا تشاهد! عن المقاطعة الثقافية للأفلام (somoud.com.ps)
اقرأ المقال
يُمكن اختصار أزمة الدراما العربية بكلمة واحدة: النص. ليس الأمر بهذه السهولة عند مقاربة القيود والمحاذير المفروضة على صنّاع الدراما في العالم العربي. يأتي «عالحد» (منصة «شاهد» السعودية الرقمية) واحداً من المسلسلات التي تحاول أن تقول شيئاً. لكن بسبب ضعف النص، يأتي ذلك ممجوجاً، منهكاً، وغير واضح المعالم. لا شك في أنّ للمسلسل نقاط قوةٍ تُحسب كالممثّلين المشاركين في العمل، لكنّه لم يُحسن استخدام قامة مثل صباح الجزائري، فحشرها حشراً في دورٍ صغيرٍ لا فكاك منه أبداً. في الوقت عينه، قارب المسلسل قضايا متعدّدة إنّما بسطحية مثل الخيانة وأطفال الشوارع وعمالة الأطفال، فضلاً عن تجارة المخدّرات والقتل بوحشية بالغة.. كلّها خلطها في «كوكتيل» سريع من 12 حلقة! ألم يكن منطقياً أن تكون القضايا أقل، ويحصل الممثّلون كما القصّة على مساحةٍ أوسع للإبداع أو على الأقل الراحة في التمثيل؟ تدور أحداث المسلسل حول سيدة (سلافة معمار) تعمل في صيدلية، تركت سوريا بعد الأزمة ولديها ابنة واحدة (شهد الزلق) لم تتخطّ العشر سنوات، وتعيش مع خالتها (صباح الجزائري) وابنتها (مارلين نعمان) وابنها في منزلٍ واحد في حي يبدو شعبياً. يبدأ العمل كما لو أنّه مسلسل رعبٍ ذو طابعٍ بوليسي. مع المشاهد الأولى في الحلقة، نشهد محاولة اعتداء جنسي في الشارع من قبل مجرمٍ ملثّم. بطبيعة الأحوال، تتعقّد الأمور لاحقاً في المسلسل حين نتعرّف أكثر على طبيعة الجو العام: صاحب الصيدلية (إدمون حدّاد) يبيع المخدّرات، فيما تعمل فتاة شارع صغيرة تدعى تلجة (دوجانا عيسى) في بيع العلكة. سرعان ما «يشغّلها» صاحب الصيدلية معه في تجارة المخدّرات. هنا أحبّت الكاتبة أن تعقّد الأمور، كأنها غير معقّدة حتى اللحظة، فجعلت بطلة العمل (سلافة معمار) في علاقة سرية مع (روردريغ سليمان) زوج صديقتها الأعز (مروى خليل). تتعقّد الأمور أكثر حين تقتل البطلة المجرم الذي يعتدي على الفتيات، ليأخذ المسلسل طابعاً آخر غير متوقّع. كتبت المسلسل السورية لبنى حدّاد التي عرفها الجمهور من مسلسلات مثل «أهل الغرام» (بجزءيه الأوّل 2006 و2008) و«سيرة الحب» (2007). ويبدو أنَّ الإطالة في بنية النص، أنهكتها ككاتبة، وخَلط النص الأمور إلى حدٍ كبير. مثلاً تتحدّث البطلة ضمن نظام الـin المعروف (الحوار الداخلي) كما لو أنّها «قديسة» وهذا شبيه بما تفعله بطلات حكايا «أهل الغرام» و«سيرة الحب». لكن الكاتبة نسيت أنَّ المشاهد هنا أمام بطلة مختلفة. بطلة تستطيع القتل بسهولة بالغة، وتقوم به وتمارسه. هذا بخصوص الحوار الداخلي أمام الكاميرا، الذي سرعان ما يختفي بشكل كلي في الحلقات. في الإطار عينه، لا بناء درامياً للشخصيات نهائياً: الشخصية الرئيسية التي تؤدّيها سلافة معمار، تبدأ كما لو أنّها شخصٌ ضعيفٌ خائف، سرعان ما تبدأ بالتقوّي وصولاً إلى مرحلة القتل. لكن لا أحد يمكنه معرفة السبب الذي جعلها تصبح قويةً إلى هذا الحد. في الحرفة: يحتاج البطل، كي يبلغ مستوى «الوحشية/ القتل»، إلى «مسببات، فالدفاع عن النفس ليس سبباً للتوحّش كما حصل مع البطلة، ولو حصل فعل القتل. ما يجعل العمل مقبولاً، هو ما اتكأت عليه الكاتبة والعمل ككل: قوّة أداء سلافة معمار، لكن هذا أيضاً في لحظاتٍ ما، كان نقطة ضعفٍ كبيرة: ففي مشهدٍ نقاش البطلة مع ضابط الشرطة (علي منيمنة)، بدت سلافة – بحكم أدائها المتمكّن- أقوى بكثير من المحقّق، مع أنه منطقياً، بحكم أنّ لديها ما تخفيه، ولا سوابق إجرامية لها (أي ليست محترفة إجرام)، يجب أن تكون خائفة. صباح الجزائري بدورها عانت كثيراً من النص، إذ حشرتها الكاتبة في غرف المنزل، ولم تسمح لها لا بالخروج، ولا بالأداء المرتفع الذي تمتاز به، فلم نشهد أي أداء خارق من ممثلة من العيار الثقيل. الأمر نفسه ينسحب على برناديت حديب، التي حشرتها الكاتبة بمشاهدها القليلة وغيّبت أي بناء لشخصيتها. أدائياً، لا شك في أنّ أقوى نقاط المسلسل هو أداء سلافة معمار المختلف عن معتادها: إنّها ليست الرقيقة المسكينة، المعذّبة، ذو الوجه العذب. بل نحن أمام كائن مفترس بكل ما للكلمة من معنى. ربما ساعدتها المخرجة ليال راجحة كثيراً في تصويرها ضمن ما يسمى lion walk التي تظهر البطل كما لو أنه قادمٌ ليفترس. وهذا النوع من التصوير استخدمته راجحة كثيراً، إذ شهدناه في معظم مشاهد دخول سلافة إلى أي مشهد. في الإطار عينه، لم تمنح الممثلة السورية فرصةً لأي ممثلٍ للظهور إلى جوارها. مثلاً في أي مشهدٍ جمعها مع أيٍ كان، كانت تؤدي بأكثر من عشرة أضعاف مما يؤديه، ما أظهر ضعف أداء شريكها أو شريكتها في المشهد. مثلاً في معظم لقاءاتها بعشيقها (رودريغ سليمان)، لم تبد مسيطرة فحسب، بل بدت قوة أدائها التمثيلي كبيرة، حتى إنّ رودريغ لم يستطع مجاراتها مراراً، ممّا كان يجبره إما على الصمت أو التشتّت في التمثيل. الأمر نفسه ينسحب على أدائها أمام علي منيمنة _وإن بدا أقل توتراً _ أو مروى خليل (ربما الوحيدة التي سمحت لها بالتمثيل بجوارها هي دوجانا عيسى، ولكن ليس في كل المشاهد). فهل كانت الممثلة السورية تتقصّد ذلك؟ هل كان ذلك استعراض عضلات تمثيلية؟ في الوقت نفسه وللمفارقة، أدت معمار بعض المشاهد كما لو أنّها تسمّع «الاستظهار» بلا أي روح. صباح الجزائري، كعادتها تستطيع الأداء وبمهارة مرتفعة، لكن النص والكاتبة _وربما المخرجة_ منعاها من إظهار مواهبها. بقية المشاركين في العمل - ولا قسوة في ذلك - كان ممكناً استبدالهم بممثّلين آخرين، وما كان ذلك ليؤثّر البتة. ففي أي مشهد كانت تظهر فيه معمار، كان الضوء يبقى عندها، فيختفي الآخرون. بقي أن نُشير إلى إدمون حداد الذي قام بأعلى مستوى من التمثيل المفتعل الذي لم نشاهد مثله منذ أعوام. إخراجياً، تأتي ليال راجحة، من عالم الكليبات الغنائية، الأسهل والأبسط والأسرع نسبياً من صناعة الدراما، حيث الفنان يغنّي، وراقصات يحركهن أجسادهن وشعرهن في الخلفية. حاولت ليال تقديم صنعة درامية في بعض الأحيان. فقد صنعت بعض المشاهد الملفتة، خصوصاً عند تقديم بطلتها كمفترسة وحتى في تصوير «صراعها» النفسي الداخلي، وهذه نقاط تحسب لها. في الوقت نفسه، أفلتت مشاهد ولقطات كثيرة من يديها من دون منطقية، فضلاً عن أنَّ النص لم يسعفها كما تريد. يُضاف إلى ذلك أنّها لم تستطع السيطرة _كصانعة للعمل_ على سلافة معمار في كثيرٍ من اللقطات. إذا كنت من عشاق المسلسلات العربية السريعة ذات الممثلة الواحدة التي فعلياً تمتلك أداء قوياً، ستستمتع حتماً بالعمل. بخلاف ذلك، كان «عالحد» ككل يستحق «مراجعة» وإعادة قراءة، كما «شدشدة» مفاصل وتفاصيل. نشر في صحيفة الأخبار اللبنانية بتاريخ 2 شباط 2022 «كوكتيل» من القضايا الاجتماعية على منصّة «شاهد» | عالحد: سلافة معمار «وحشة» ... ولكن! (al-akhbar.com)
اقرأ المقال
<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-AE;">يأتي الصراع المستعر على مواقع التواصل الإجتماعي وفي الواقع الحقيقي؛ حول فيلم «أصحاب.. ولا أعز» (نتفليكس) بين نوعين من الأشخاص من الفصيلة نفسها ولو على ضفتين: «طقوسيون» يدّعون «العفّة» و«الطهارة»، أصحاب نظرية «أخلاق» لكنها «أخلاقهم الخاصة»، وآخرون أصحاب نظرية «تغريب مطلقة» كل ما خلافها مرفوضٌ مذموم. <br>يأتي الأوائل مطاوعة بثيابٍ حديثة، يعتبرون أنَّ أي خروج «درامي/ثقافي» عما يعتبرونه هم مألوفاً يستحق «الويل واللعن والتهديد والوعيد»؛ يتحضّرون دوماً لإعادة تذكير المجتمع بسطوتهم كمطاوعة للمجتمعات المشرقية وسيف ديموقليس المسلط –دائماً- على الرؤوس. على المقلب الآخر، مطاوعة» من نوعٍ ثانٍ: فيلمٌ غربي بالمطلق، بمنطقٍ وعادات، وسلوكات غربية: يهضمونه بأكمله، ويسقطونه بأكمله على مجتمعاتنا، وإذا ما علت أي صيحة استهجان، تكون النتيجة تهمة واحدة: هذا مجتمعٌ متخلّف</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-AE;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-AE;">في ثمانينيات القرن الماضي، واجهت شركات إنتاج الدارما/الأفلام مشكلةً كبرى: سوق الأفلام بات الخليج العربي، وهذا كان أمراً مربحاً للغاية، لكن كان للخليج قوانينه وضوابطه. لم تكن تلك الضوابط كما يعتقد الجميع؛ كان الضابط الأبرز هو نقطة واحدة فوق كل شيء: لا حديث في السياسة، لا حديث في القوانين/ الضوابط المجتمعية، لا حديث في أيٍ مشكلةٍ تعني النظم الحاكمة في أي حالٍ من الأحوال. كانت الدراما المصرية هي السائدة، أفلاماً ومسلسلات. بالتأكيد كانت هناك بعض المحاولات الخجولة من الدراما اللبنانية والسورية، لكنها لم تكن لتنافس البتة. <br>من هنا وُجد ما يسمى «أفلام المقاولات» التي كانت أعمدتها الرئيسية ثلاثاً: الراقصة، البطل الفهلوي، والجريمة (مخدرات-قتل-سرقة وسواها) وبالتأكيد لا ننسى الشرطة التي تصل متأخرة (أو لا تصل أبداً). كانت أفلاماً بلهاء بكل ما للبلاهة من معنى: لا معنى، لا مضمون، فقط رقصٌ بلا أي معنى -مستواه حتى أقل من مستوى الرقص في الأفلام الهندية- بطلٌ يمارس ذكاء سخيفاً على «بلهاء» حوله، وراقصة/حبيبة تؤدي الدور بذات التفاهة</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-AE;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-AE;">اللافت أنَّ نجوم مصر المعروفين أدّوا ضمن هذا الإطار وإن لم يجرؤ أحد على نعت فيلم مثل «حنفي الأبهة» (1990 للمخرج محمد عبدالعزيز والكاتب بسيوني عثمان) «للزعيم» عادل إمام بهذا الوصف، أو «نجمة الجماهير» (كما كانت تلقب نفسها) ناديا الجندي في فيلم مثل «عصر القوّة» (1991 للمخرج نادر جلال والكاتب بشير الديك). كانت الفكرة أنّ تختفي السياسة -وهي الخبز اليومي للشارع العربي منذ ثلاثينيات القرن الماضي- من عقل المشاهد، وتحل محلها «التسلية للتسلية» لا أكثر ولا أقل. مع بداية الألفية، احتلت الدراما السورية الواجهة وباتت تهدد بالحلول مكانها (ناهيك بفوزها عليها في الأعوام من 2004 إلى 2010 واستئثارها بالجمهور العربي كما بالشاشات الخليجية، نظراً إلى قوة أداء ممثليها وعمق المواضيع التي طرحت). <br>بدا أن الدراما المصرية تخسر، وبأنَّ مواضيعها قديمة ومستهلكة في كثيرٍ من الأحيان. كان لا بد من أن تغيّر الدراما المصرية جلدها بعض الشيء، ولحقتها بهذا الدراما العربية تباعاً: كانت الضالة دراما علم النفس، الدراما النفسية. وهطلت الدراما النفسية، فأبدعت نيللي كريم في أكثر من أربعة مسلسلات رمضانية (مثل «تحت السيطرة»/ 2015 ــ «سقوط حر»/ 2016، و«اختفاء»/ 2018) بتقديم دراما نفسية لا يمكن فهمها أو متابعتها أو حتى إدراك عمَّ تتحدث. <br>كانت الدراما المصرية تتدرب على تقديم أعمال، لا تقول شيئاً، لا تعني لأحدٍ شيئاً، والأهم أنَّها لا تتحدّث في السياسة نهائياً. بدورها كانت الدراما السورية واللبنانية غارقة في لعبتها هي الأخرى: الخيانة، الطلاق، العنف الأسري. سطحت كثيراً من القضايا الرئيسية والمهمّة مع مسلسلات من نوع «حاجز الصمت» و«الخط الأحمر» (كلاهما لمخرج يوسف رزق والكاتب هاني السعدي) تناولا فيروس الإيدز بطريقة جد سطحية؛ و«صرخة روح» بأجزائه المتعددة التي وصلت إلى أربعة بدأت من العام 2013. علماً أنّ السلسلة تتحدّث عن الخيانة الزوجية بشكلٍ قائم على الإغراء الضحل وغير الضروري؛ والأهم استسخاف المشاهد. ما اشتركت فيه معظم تلك المدارس الدرامية هو السطحية والتسخيف في التعامل مع تلك القضايا المقلقة. بعد أفلام مصرية قوية ومؤثرة للغاية -في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي- مثل «أريد حلاً» (1975 فاتن حمامة ورشدي أباظة وإخراج سعيد مرزوق) و«زوجة رجل مهم» (1988 بطولة أحمد زكي وميرفت أمين واخراج محمد خان) وسواهما، انتهت المرحلة إلى أفلام تسطّح القضايا وتقدمها بطريقة تسخيفية من نوع «أريد خلعاً» (2005 من بطولة حلا شيحا وأشرف عبدالباقي واخراج أحمد عواض). اليوم تعود أفلام «الدراما النفسية» إلى الواجهة، وإن بطريقة «التغريب» المطلق عبر فيلم «أصحاب... ولا أعز» المقتبس عن فيلم</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-AE;"> Perfetti Sconosciuti </span><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-AE;">الإيطالي الأصل للكاتب فيليبو بولونيا والمخرج باولو جينوفيزي. وهو يمكن اعتباره من أكثر الأعمال التي تم اقتباسها واعادة تقديمها</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-AE;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-AE;">القصة بسيطة وتذكر كثيراً بمنطق قصة/مسلسل «عشرة عبيد صغار» التي قدّمت غير مرّة على الشاشات العربية: كلنا مخطئون، كلنا خونة، وكلنا لدينا أسرارنا التي سندفع ثمنها. هنا لا يدفع الأبطال ثمن ما قاموا به، بل بالعكس إن نهاية الفيلم –ولو أحرقناها على المشاهدين- تؤكد أنهم مستمرون في أخطائهم إلى النهاية. مجموعة أصدقاء يتجمّعون في منزل أحدهم لمشاهدة «الكسوف». لا يبدو المكان في دولةٍ عربيةٍ بعينها، وإن كان المشاهد يمكنه توقع أن يكون إما في لبنان، أو في دبي/ أبو ظبي. لبنان، نظراً لتحدّث معظم مؤدي العمل –لا أقول أبطال أو ممثلين إذ غابت الحرفة عن بعضهم- باللهجة اللبنانية، ودبي لأن هناك جاليات لبنانية وسورية تسكن في تلك المدينة منذ زمن حتى أصبحت جزءاً منها، هذا أولاً، وثانياً لأن دبي/أبوظبي «ملتقى» الطبقة الوسطى العربية الباحثة عن عمل، خصوصاً مع أوضاع لبنان الإقتصادية المتعثّرة منذ أكثر من عشر سنوات. يلتقي الأصدقاء، وسرعان ما تبدأ لعبة تشعلها مي (نادين لبكي) المستضيفة للقاء، حيث على كل واحدٍ منهم أن يجيب ويقرأ بصوتٍ مرتفعٍ كل رسائله ومكالماته الواردة أمام الجميع، بعدما أدعى كلٌ على طريقته بأن لا أسرار يخفونها. سرعان ما يبدأ سيلٌ من الأسرار بالظهور</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-AE;">.</span><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-AE;"><br>كتب النسخة العربية غابريال يمّين متشاركاً مع مخرج العمل وسام سمَيرة، لكنهما لم يبدءا من الصفر، إذ «لبنانا/عرّبا» القصة الأصلية، حتى تناسب –بحسب وجهة نظرهما- الأجواء العامة للمجتمع العربي/المشرقي. لا بد من حرق بعض التفاصيل في الفيلم، ومن لم يشاهد الفيلم فليتخطى هذا الجزء من المقال. بدت ردّة فعل مريم (منى زكي) مبالغة بعض الشيء حين علمت بأن زوجها شريف (إياد نصّار) مثلي الجنس بعد حديثه «المفترض» مع عشيقه: نزلت دمعةٌ من عينيها، في المعتاد كانت ردّة الفعل هذه لتبدو أقرب إلى التصديق لو كانت المتحدّثة فتاة، أما إذا كان المتحدّث ذكراً، فذلك سيؤخذ على شكل «مزحة» أو توقع أنه «مقلب» أو حتى توقع أن المتحدّث «مخطئ» أو حتى –ضمن إطار الفيلم عينه- أن يكون «مخموراً» أو تحت تأثير المخدّرات. هي لم تتوقع كل هذا. في الغرب خصوصاً مع انفتاح المجتمعات أمام المثلية، تبدو الأمور أكثر بروزاً. أما في بلادنا، فهذه الأمور لا تزال غير «متوقعة» البتة، خصوصاً من رجلٍ متزوجٍ لديه أطفال. <br>إياد نصّار حاول أن يقول إن الأمر «مقلب»، لكن ردّة الفعل بدت مبالغة في مشهدٍ لربما هو الأضعف في الفيلم، خصوصاً مع أسلوب نصّار الأدائي –الذي ينفع أحياناً والذي شاهدناه مثلاً في مسلسل «القاهرة 82» في رمضان ما قبل الفائت. النقاش يتصاعد في هذا المشهد حيث نشهد نقاشاً غريباً بين زياد (عادل كرم) وصديقه الصدوق شريف حول «حقه» بمعرفة ما إذا كان صديقه «مثلياً» أم لا: -في المعتاد- هذا أمرٌ لا يناقش كثيراً بين الأصدقاء في المجتمعات العربية، فالعلاقات الجسدية، وميول الشخص الجنسية، قلما نوقشت في العلن، لا بين الأصدقاء الذكور، ولا بين الصديقات النساء. <br>لا يزال المجتمع العربي شخصياً، خاصاً، وداخلياً في قضايا كهذه. ماذا عن الـ</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-AE;">Elephant in the Room </span><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-AE;">؛ بدت حادثة خلع الكاركتير الذي تؤديه منى زكي في بداية الفيلم لسروالها الداخلي، والذي أقامت مطاوعة المجتمعات المشرقية ولم تقعدهم، سخيفةً للغاية –لا لرمزيتها- بل لأنه لا حاجة درامية لها البتة. فعلياً، ما حاجة الفيلم لمشهدٍ كهذا غير إثارة غضب هؤلاء المطاوعة؛ وفي هذا سؤال حقيقي لصنّاع العمل: هل هم فعلياً تقصّدوا الأمر لتحقيق مزيد من الضجّة؟</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-AE;">أدائياً، بدا معظم الممثلين مفتعلين، </span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-AE;">over acting</span><span style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-AE;"> <span lang="AR-AE">في معظم مشاهد الفيلم، على الرغم من قوّة أسمائهم. كان الجو العام في الفيلم متوتراً منذ لحظاته الأولى، وهذا أرخى بظلاله على أداء الممثلين: بدا الجميع –دون استثناء- يمثلون «بتوتر»؛ حتى هدوء وليد (جورج خبّاز) بدا افتعالياً، وظهر ذلك حين تحدّث لاحقاً في الفيلم مع ابنته التي تود المبيت عند حبيبها. هل هذا كان قصد صنّاع العمل؟ لا أحد يعلم. ديامان بوعبود (بدور جنى)، مثلاً لحظة اكتشافها لخيانة زوجها (زياد/عادل كرم) تبدو في أضعف أداءاتها، الممثلة اللبنانية تؤدي عادةً بمقدارٍ جيد: هنا بدت واهنة، لربما لغياب أي كيمياء أدائية بينها وبين عادل كرم. أمر جعل المشهد مفتعلاً إلى هذا الحد. منى زكي من جهتها هي واحدة من أفضل ممثلات جيلها عربياً، لا يخفى على أحد أنها في مشاهد كثيرة أدت إداء مرتفعاً، لكن في المجمل بدت متوترة معظم الفيلم، حتى ما قبل اكتشاف المصائب التي تجمعها/ تفرّقها عن زوجها في العمل إياد نصّار. هي كمؤدية تظهر على ملامح وجهها حالتها النفسية، بالتالي كان عليها التنبه إلى أن المشاهد سيتنبه إلى أنَّ «المصيبة» قادمة. فهل كانت هناك حكمة خلف ذلك؟ </span></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-AE;">فؤاد يمين (بدور ربيع) ممثل مخلصٍ لأدائه «اللبناني». منذ قيامه بإعلانات مشروب الطاقة</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-AE;"> Buzz</span><span style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-AE;"> <span lang="AR-AE">ولا يزال على الأداء نفسه: الشخصية الضعيفة الخجولة التي تبدو محببة ولكنها تتعرّض للتنمّر بشكلٍ دائم. عادل كرم من جهته يؤدي دائماً بذات الطريقة –شأنه شأنه يميّن-؛ هو يؤدي نفسه/شخصيته في –تقريباً- جميع الأعمال التي شارك فيها منذ برامج النقد/الكوميديا التي أطلقته على التلفزيون قبل سنوات. الإنفعالات هي ذاتها، الضحكات هي ذاتها، وحتى التوتر هو ذاته. نادين لبكي مهما اتفقنا أو اختلفنا معها، مخرجة جيدة، لكنها ممثلة متواضعة للغاية، وفي هذا لا إهانة البتة لها؛ لذلك لا مشكلة إن اكتفت بالإخراج وتركت التمثيل لمحترفين أكثر</span></span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-AE;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-AE;">اخراجياً، لا يمكن الحديث عن تقنيات إخراجية أو زوايا تصوير في عملٍ صوّر بغالبه داخل مساحةٍ مغلقة (بيت)؛ ناهيك بأنَّ المخرج لم يستعمل الكاميرا الضيقة/ المقرّبة</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-AE;"> (close cam) </span><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-AE;">لنرى مشاعر المؤدين بل بقيت كاميرته كما هي في معظم الأوقات. بدا مخرج العمل وكاتبه مستمتعين بمشاهدة الفيلم وأداء المشاركين، فتم الاكتفاء بالتصوير وبعض المونتاج للصق المشاهد ببعضها</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-AE;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-AE;">باختصار؛ هو فيلمٌ لا يستحق الضجة الكبيرة التي ثارت حوله وعليه لأسبابٍ لا تتعلّق به كعمل فنّي. هو عمل فني عادي، ليس فيه تلك الحرفة أو المهارة التي تجعله يتربع على عرش شيء: لا أداء «خارقة» ولا مشاهد لا تنسى، ولا حتى نص يمكن المراكمة عليه كنصٍ متقدّم. إنه عملٌ لولا المطاوعة في مجتمعاتنا المشرقية، لكان ببساطة نسي في يوم عرضه</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-AE;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-AE;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-AE;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-AE;">نُشر في صحيفة الأخبار اللبنانية بتاريخ 25 كانون الثاني 2022</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%;"><a href="https://al-akhbar.com/Literature_Arts/328735"><span dir="LTR" style="font-family: Simplified Arabic,serif; color: #023160; mso-themecolor: hyperlink; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-AE;">https://al-akhbar.com/Literature_Arts/328735</span></a></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-AE;"> </span></p>
اقرأ المقال
<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">لا يخفى على أحد أنّ صناعة الكوميكس، بجميع أشكالها، باتت الدّجاجة التي تبيض ذهباً. ليس ما نتحدّث عنه «خيالاً علميّاً»، بل هو واقع. قصّة المانغا اليابانية «قاتل الشياطين» (تعرف عالمياً باسم</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> Demon Slayer: Kimetsu no Yaiba</span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">)</span><span dir="LTR" lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">التي ألّفها كويوهارو كوتوغي وأنتجتها «شركة شويشا» اليابانية كمانغا خلال أربعة أعوامٍ تقريباً (2016 ــــ2020)، تحوّلت إلى مسلسلٍ بين 2019 و2022 بكلفةٍ تقريبيّةٍ بلغت أقل من 400 ألف دولار أميركي، وباعت 150 مليون نسخة، واستطاعت تحقيق ما مقداره 9 مليارات دولار كأرباحٍ صافية خلال أقل من خمسة أعوام. لاحقاً، اشترت منصّة نتفليكس المسلسل ضمن اهتمامها بهذا النوع، ليصبح أحد أكثر المسلسلات مشاهدةً عبرها</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">ما الذي نحن بصدده؟ للمانغا/ الأنيمي الياباني عشّاقها الأقحاح، أي</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> die hard fans. </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">يُقبلون عليها من دون نقاش. لكنّ «قاتل الشياطين» لم يحقّق كلّ هذه الضجّة ويفوز بالكثير من الجوائز (كجائزتَي «أوساما تيزوكا»، و«نوما» في عام 2020) لأنه يقارب جمهوره المعتاد فقط، بل لأنه تخطّى ذلك، فضلاً عن تخطّيه مشكلة الدبلجة واللّغة اليابانية بشكلٍ عام</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">الدهم متوفّى. في بدايات الحلقة الأولى، يعود تانجيرو إلى المنزل ليكتشف بأن عائلته بمعظمها قتلها «شيطان». هنا تكون البداية: يعرف تانجيرو أنَّ «الشياطين» حقيقيّون. يتنبّه إلى أنّ شقيقته الكبرى (بين أشقائه) نيزكو لا تزال حيّةً، فيحملها لاهثاً، تجاه القرية لإيجاد علاجٍ لها. سرعان ما يُفاجأ بأنّها تحوّلت إلى «شيطان» هي الأخرى: لكن المفاجأة الأكبر أنّ هناك «أشخاصاً متخصّصين» في قتل هؤلاء الشياطين. يُظهر غيو توميوكا لقتل نيزكو التي تحوّلت إلى شيطان آكل للحوم البشر. توميوكا قاتل شياطين متمرّس، أي «هاشيرا»، أعلى رتبة في فيلقٍ يُدعى «فيلق قاتلي الشياطين». وللمفاجأة، يحمي الشقيقان بعضهما، فيما تلتزم نيزكو بعدم أكل شقيقها، بل دفاعها عنه. أمرٌ يفاجئ توميوكا كثيراً، فيقرّر العفو عنهما، ومساعدة تانجيروا في إيجاد علاج لشقيقته، ويدعوه لأن يصبح قاتلاً للشياطين هو الآخر، للانتقام ممّن دمروا حياته</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">القصة قد تبدو مستهلكة بعض الشيء، إذا ما فكّرنا فيها: البطل الفتي، الذي يقتل «الشرير» عائلته، فيتعرّف إلى «جماعة» ترشده إلى الطريقة المثلى للاقتصاص/ الانتقام ممّن فعل به ذلك. هذا أمرٌ حقيقي، لكن الجديد الذي أضافه كاتب القصة «المانغاكا» (أي رسام المانغا كما يُسمّى في اليابان) كويوهارو غوتوغي هو لجوؤه إلى تقنيّات عدّة تقدّم العمل بطريقة تجعله أكثر من مجرّد قصة «كوميكس/ مانغا» أو مسلسل للرسوم المتحرّكة. نحن هنا أمام عملٍ مسبوكٍ بتقنيات عالية: يستخدم غوتوغي بدايةً تقنية</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> skeleton key </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">القادمة من مدرسة الكتابة الإبداعية لناحية رسم شخصيات أبطاله، وإعطائهم أبعاداً وطبقاتٍ حقيقية. يُشرِّح شخصياته تشريحاً دقيقاً، يعطيها صفاتٍ ومواصفاتٍ كثيرة تجعلها حيةً وحيويةً في آنٍ. ليس هناك شخصياتٌ مسطّحة أبداً: تانجيرو بطل القصّة يمتلك صفاتٍ متعدّدة، قد يجدها المشاهد في بداية العمل متناقضةً، لكنه سرعان ما يفهمها ويتقبّلها. الأمر نفسه ينسحب على الشخصيات الأخرى. نيزكو شقيقة البطل لا تتكلّم نهائياً ــ تقريباً ــ في العمل، إلا أن حركات جسدها وتعابير عينيها ووجهها تشرح الكثير. إينوسكي هاشيبيرا وزينيتسوا أغاتسوما صديقا البطل، يمتلكان أبعاداً كثيرة في شخصيّتهما تظهر تباعاً في المسلسل، حتى يكاد المشاهد يشك في أنهما شخصيتان حقيقيّتان لا مجرّد شخصيات في مسلسل كوميكس/مانغا</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">قنية أخرى من مدرسة الكتابة الإبداعية، يستخدمها «المانغاكا» هي تقنية الـ</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">In and Out </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">التي تعني أننا كمشاهدين/ قرّاء نسمع ما يقوله البطل في بواطنه كما نسمع ما ينطقه. في الحلقة الأولى حين يحمل تانجيرو شقيقته على كتفيه، نسمع لهاثه وتنفّسه الخائف المرتجف وهو يمشي متثاقلاً في الثلج. يقول بأن رئتيه تكادان تنفجران من شدّة البرد، وقدماه لا تقويان على حمله، وإن شقيقته قد أضحت ثقيلةً عليه، ولا يعرف إن كان يستطيع أن يُكمل. هذا هو الـ</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">In</span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">، بمعنى أنّ ما قاله لا تسمعه الشخصيّات الأخرى في العمل. أما الـ</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">Out</span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">، فيظهر في المشهد ذاته حين يرى شقيقته تهاجمه، فيحدّثها، أو يحدّث الهاشيرا توميوكا القادم لقتل شقيقته. أكثر من ذلك، يستخدم الكاتب نظرية «اللامنتمي» و«البطل المكسور» كصفتين لبطله تانجيرو، كما لبعض أبطاله الآخرين لاحقاً. تانجيرو ليس مجرّد بطل معتاد. إنه بطلٌ تعرّض للمأساةً، للحدث الجليل، فصار مكسوراً. يصير البطل غير واثقٍ لا بقدراته، ولا بشيء، لكنه في الوقت عينه، يمتلك الكثير من الإرادة والإصرار على حماية شقيقته نيزكو، فضلاً عن طيبةٍ شديدة. بالمناسبة، كان الكاتب الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني أشهر مَن قدّم شخصية «البطل المكسور» في أعماله «رجال في الشمس»، «عائد إلى حيفا»، «أرض البرتقال الحزين» «عالم ليس لنا». كل أبطال كنفاني ــ تقريباً ــ كانوا «مكسورين»، لكنهم أشدّاء/ مصرّون أصحاب إرادة تجعلهم مقاومين لخصمٍ يفوقهم في كل شيء. تبدّلت فكرة الأرض عند كنفاني، بفكرة «العائلة/ الأخت» لدى غوتوغي. هنا تظهر تقنية الـ</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">Tether </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">أو «الرابط الخفي» (من مدرسة الكتابة الإبداعية كذلك). إنّ «الرابط» في كل لحظات المسلسل، هو تلك العلاقة القوية مع شقيقته، والإصرار على علاجها/ شفائها. وهذا ينسحب أيضاً عليها، حين نجدها تتحوّل من شيطانٍ «يقتات» على البشر، إلى كائنٍ عائلي، تدافع لا عن شقيقها فقط، بل عن كل البشر، الذين تعتقدهم عائلتها وإن حافظت في الوقت نفسه على قوى الشيطان الخارقة. إننا أمام عملٍ يُعيد الاعتبار لفكرة «العائلة» ودور «الأشقاء» في حماية بعضهم. البطل يحمل شقيقته في علبةٍ خشبية على ظهره طوال المسلسل تقريباً، لا يتركها إلّا في ما ندر، فضلاً عن انتباههما لبعض طوال الوقت</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">هو لا يكلّ تجاه «مسؤوليّاته» العائلية، لا يشعر بالتثاقل من وجودها على ظهره حتى في أحلك الظروف، فضلاً عن تنبّهه لتحوّلاتها، وما يحدث معها: إنه عائلي في كلّ اللحظات والأوقات</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">في المنحى ذاته، بذل الكاتب الياباني الثلاثيني (مواليد 1989)، جهداً كبيراً لإعطاء شخصيّاته بُعداً واقعياً هائلاً: يكفي النقاش الفلسفي حول الشر والخير في المسلسل: يقتل تانجيرو أحد الشياطين، ليُفاجأ بأن هذا الشيطان الذي كان قد قتل العديد من البشر، قد فعل ذلك لأنّه «مكسور» و«فقد عائلته» (وهي تقريباً قصة تانجيرو نفسها). يتعاطف تانجيرو مع هذا الشيطان، لا بل يُمسك بيده وهو يموت، لكنه في الوقت نفسه يُشير إلى أنّه «يتعاطف معه لكن ذلك لا يمنعه من أن يقتله لأنه قتل بشراً ويستحقّ العقاب»</span><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-AE;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">القصة العميقة التي تمتدّ في موسمها الأوّل على 26 حلقةً على نتفليكس (مدة كل منها قرابة نصف ساعة) والمدبلجة إلى الإنكليزية، فضلاً عن ترجمةٍ عربية، تجعل المسلسل وجبةً سريعةً لعشاق المسلسلات التي تحمل بعداً وعمقاً وقصةً. وإن كان المشاهد قد يتوقّعها، فإنّه لا يتوقّع «الطريق» الذي تتحرّك فيه، وحوله. إذ لا يمكن نهائياً فهم أو توقّع كيفية حركة الأبطال، أو ماذا سيفعلون في هذه اللحظة أو تلك. فالأبطال غير معتادين، وكذلك الأشرار. الشرير الأكبر في المسلسل موزان كيبوتسوجي يتخفّى في الجزء الأوّل بشخصية رجلٍ لديه زوجة وطفلة صغيرة، مرتدياً ثياباً تشبه ثياب ملك البوب الأميركي الراحل مايكل جاكسون</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">كيبوتسوجي، غير المعتاد نهائياً، يغيّر في لحظةٍ ما جسده: يصبح امرأة جميلةً، ثم طفلاً (في الجزء الثاني)، لكنه في كل الحالات ينطق بجملٍ قصيرةٍ، ويمارس نوعاً من «الفوقية المرعبة» وإن بشكلٍ تجعل المشاهد خائفاً منه رغم أنّه «صورةٌ متحركة». في الإطار عينه، لا يهمل صنّاع العمل صفات المانغا/ الكوميكس/ الأنيمي الكلاسيكية: نحن أمام أبطالٍ خارقين يطلقون النار، والثلج، والماء، ويستعملون قوى الطبيعة بشكلٍ مذهل، يحوّلونها إلى أسلحة يستطيع البشر «تطويعها» لقتل خصومهم. وكعادة هذه الأعمال، تُعطى كل هذه الأسلحة والتقنيات أسماء مذهلة، وتاريخاً طويلاً جذاباً، وحكايا هامشية، فيُصبح لكلّ سيفٍ اسمٌ وحكاية وتاريخ، ولكل «حركة» قتالية، أهل وأصل وفصل. لا شيء في هذه الأعمال بسيطٌ أو بلا معنى. إنّها حرفة الكوميكس/ المانغا الأصليّة: «تقنية الأبواب» أو يكون كلّ شيء بوابةً توصّل إلى مكانٍ آخر. فالأقراط التي يضعها بطل العمل تانجيرو التي تُدعى «هانافودا»، يتضّح أنّها ليست حلياً البتة. خلفها سرّ كبير، والوحمة على جبينه الأيمن هي «رسالة» شبيهة بتلك التي يمتلكها هاري بوتر من السلسلة الشهيرة التي كتبتها البريطانية جي كي رولينغ</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">قد تبدو بعض المشاهد قاسيةً على الأطفال الصغار، إذ إنّه ليس عملاً موجّهاً لهم، بل للراشدين. لكن الأهم أنّ الحديث عن العائلة، ونقاشات الخير والشر، وقبول الآخر، ورفضه وحتّى الصراعات التي يضمّها المسلسل، تدفع للتفكير أكثر، فالصراع بين الخير والشر بات أشدّ تعقيداً من الصراع بين اللونَين الأبيض والأسود. إنّه عمل أنيمي ياباني متفوّق بكل ما للكلمة من معنى، يذكّر بشكلٍ كبير، بأعمال هاياو ميازاكي أو غو ناغاي الشهيرة</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">* Demon Slayer: Kimetsu no Yaiba </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">على نتفليكس</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">نُشر في صحيفة الأخبار اللبنانية بتاريخ 12 كانون الثاني 2022</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><a href="https://al-akhbar.com/Media_Tv/327709"><span dir="LTR" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #023160; mso-themecolor: hyperlink; mso-themeshade: 128;">https://al-akhbar.com/Media_Tv/327709</span></a></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> </span></p>
اقرأ المقال
<p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">”الآن يمكن للناس أن يعرفوا الحقيقة“<br>ربما تكون هذه الجملة التي قالها المخرج الفلسطيني أمين نايفة، هي الحاجة الرئيسية التي تقف خلف صناعة السينما الفلسطينية، وضرورة إيصالها إلى العالمية. أما "الآن" التي وردت في حديثه إلى موقع </span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">CNN</span><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;"> الإخباري، فتعني 14 تشرين الأول من العام المنصرم، توقيت إطلاق منصة البث التدفقي، نتفليكس، لسلسلة "قصص فلسطينية" تحتوي على 32 فيلماً "من إخراج صانعي أفلام فلسطينيين أو حول قصص فلسطينية" كما ورد في موقع المنصة، بحيث أصبحوا متاحين عبرها لكل المشتركين حول العالم.</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">بين إنتاج العام 1996 حتى إنتاج العام 2020، تتوزع الأفلام الإثنان والثلاثون، وتتنوع بين القصيرة والروائية الطويلة، إضافة إلى ثمانية أفلام وثائقية، كما تختلف في مدتها، فنجد أقصرها فيلم أمين نايفة ذا العشر دقائق، "العبور" (2017)، وهو من تأليفه وإخراجه، وصولاً<span style="mso-spacerun: yes;"> </span>إلى الوثائقي الأطول في ساعتين وعشر دقائق "طريق سموني" (2018) الفائز بجائزة العين الذهبية في مهرجان كان السينمائي لمخرجه الإيطالي ستيفانو سافونا.</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">تبرز إذاً أفلام الجوائز في هذه السلسلة، فنجد أيضاً فيلمين للمخرجة الفلسطينية ماري آن جاسر، وقد عُرضا لأول مرة في مهرجان كان السينمائي، وهما الفيلم القصير "كأننا عشرون مستحيل" (2003) وفيلمها الروائي الأول "ملح البحر" (2008)</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">من الحصار، إلى التضييق، إلى نهب الممتلكات، إلى تفريق شمل العائلات، الحرب والمجازر، جدار الفصل العنصري، إلى تحطيم الأحلام الصغيرة منها والكبيرة، كلها جوانب من معاناة الشعب الفلسطيني في ظل وجود الاحتلال وممارساته، تتناولها هذه الأفلام، سواء اتسعت بقعة الضوء في إبرازها أو خفتت، تبقى في عرضها على منصة عالمية سبيلاً لإظهار هذه المعاناة وفضح الممارسات الإسرائيلية أمام العالم.</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">فلا يحتاج المخرج أمين نايفة، أن يذكر في مقابلته مع موقع الوطن نيوز الإخباري، أنّ فيلم العبور هو تجربة شخصية عاشها في سن التاسعة عشر، فمشكلة الحواجز الإسرائيلية والتصريحات وعبور حاجز جدار الفصل العنصري، كلها قصص حقيقية يومية يعيشها كل فلسطيني في أرضه المحتلة. إستطاع نايفة في عشر دقائق، وفي قصة شابين وفتاة، أن يعكس عنجهية المحتل الصهيوني، تجاه الفلسطينيين، وكيف يكرّس جدار الفصل العنصري، بل وجود المحتل أساسا، ممارسات تقييد حركتهم، حركة العبور الطبيعية الإنسانية لرؤية جدّهم.</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">وكذلك، إستطاعت المخرجة آن ماري جاسر، في "كأننا عشرون مستحيل"، الذي تمّ ترشيحه لجائزة الأوسكار النهائية، وفي 16 دقيقة، أن تنقل قصة شبان وفتاة، يُمنعون، لأسباب تعسفية غير واضحة من قِبل حاجز إسرائيلي من العبور نحو القدس لتصوير فيلم، الأمر الذي يهدد بدوره، تحقيق شابٍّ منهم حلمه في التمثيل.</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">ويستخف الإعلام الإسرائيلي بهذه الخطوة، فقد فردت صحيفة هآرتس مقالاً إعتبرت فيه أنّ هذه السلسلة التي أطلقتها نتفليكس "ليست مُدعاة للاحتفال"، وأنّها ليست بخطوة شجاعة بل تجارية بحتة. مضيفةً إلى أنّ "جميعها تُركز على الضحية والاحتلال، بدلاً من الجرأة على مواجهة القضايا الفلسطينية الداخلية". وفي هذا المقال، محاولة واضحة يستخدمها المحتل في كل الممارسات، لتهميش دور الاحتلال كمسبّب ومحور لكل هذه المشكلات والقضايا والمعاناة، وقلب المسألة بتحميل الفلسطيني مسؤولية معاناته.</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">ولكن، في العودة إلى خطوة نتفليكس، وعلى الرغم من أهميتها في إيصال الأفلام إلى شرائح أوسع من العالم، تبقى هذه الخطوة ناقصة. فالوصول إلى العالمية لم يكن يوماً معياراً لإيصال الحقيقة كاملة، فها هو فيلم أميرة (2021)، والذي أخرجه المصري محمد دياب، قد عُرض في مهرجان البندقية ومهرجانات عربية، ووصل إلى حد ترشيحه لجائزة الأوسكار، قبل سحب هذا الترشيح من قبل الهيئة الملكية للأفلام في الأردن، ومنع عرضه. فقد أثار الفيلم في طريقة طرحه قضية النُطف المحرّرة للأسرى غضباً واسعا، عبّر عنه البيان المشترك لمؤسسات الأسرى في وصف طريقة الطرح هذه بأنّها ”تتساوق بشكل مباشر مع رواية الاحتلال، بتجنٍّ كامل على الحقيقة“.</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">ولا بد من التوقف قليلًا هنا، والسؤال، هل يمكننا حقاً أن نركن إلى منصةٍ أمريكية كي نُحقّق مقولة المخرج أمين نايفة ”الآن يمكن للناس أن يعرفوا الحقيقة“؟ هل باتت نتفليكس بهذه الخطوة، مناصرة للقضايا العربية، وقضية فلسطين، بحيث نشاهد يوماً ما فيلماً أو سلسلة وثائقية تعرض المقاومة المسلحة ضد العدو الإسرائيلي؟ وهل ستسمح بعرضه كعدو أصلا؟ أم سيبقى العرض مجرّداً من ماضيه وجذره، ممسوخاً في نزاعٍ بين طرفين؟ هل يمكن أن يشاهد العالم، فعلاً على مثل هذه المنصات، الحقيقة كاملة؟</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;"> </span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;"> </span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-bidi-language: AR-LB;">نُشر في موقع "صمود" بتاريخ 12 كانون الثاني 2022<br></span><a href="https://somoud.com.ps/2022/01/12/%d8%b9%d9%86-%d8%a3%d9%8a%d9%91-%d9%82%d8%b5%d8%b5-%d9%81%d9%84%d8%b3%d8%b7%d9%8a%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%aa%d8%ad%d9%83%d9%8a-%d9%86%d8%aa%d9%81%d9%84%d9%83%d8%b3/?fbclid=IwAR2bJlFmCkam9wcNCFMu8FWjqoV8QW0q-ll50OwepdbeW02j2nWgJlq8MG8"><span lang="AR-SA">صمود - عن أيّ </span><span dir="LTR">"</span><span lang="AR-SA">قصص فلسطينية</span><span dir="LTR">" </span><span lang="AR-SA">تحكي نتفلكس - صمود</span><span dir="LTR"> (somoud.com.ps)</span></a></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA"> </span></p>
اقرأ المقال
<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">يمكن اعتبار المسلسل الكويتي «دفعة القاهرة» (2019) الذي تعرضه منصّة نتفليكس حالياً، أحد أهم المسلسلات الكويتية والعربية التي يمكن متابعتها. هو ليس موجّهاً للجمهور الكويتي فحسب، بل يقارب الجمهور العربي على نطاقٍ واسع. كما يستطيع المشاهد بسهولة أن يستمتع بتعلّمه اللهجة الكويتية كلهجةٍ محبّبة وجديدة-قديمة في الدراما العربية. يأتي المسلسل من تأليف الكاتبة الكويتية هبة مشاري حمادة، التي عرفها الجمهور العربي عبر مسلسل «سرايا عابدين» بجزءيه (2014-2015)؛ فيما أخرجه البحريني علي العلي، الذي يعود هذا العام مع مسلسل «العنبر 6». يشترك في بطولة العمل عددٌ من الممثّلين الخليجيّين والعرب الذين يقدمون أداءً خالياً ــ إلى حدٍّ كبير ــ من التمثيل الإصطناعي والـ</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">over-acting</span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">؛ فيجمع المسلسل من الكويت: بشار الشطّي، فاطمة الصفي، لولوَة الملا، حمد أشكناني، مرام البلوشي، ومحمد خليل؛ من مصر: نور الغندور ورانيا منصور، من البحرين: نور الشيخ وخالد الشاعر، ومن السعودية: مهند الحمدي، وسواهم</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">ليس غريباً أن يفكّر صنّاع العمل في البداية بتسميته «من الزمن الجميل» خلال تصوير المسلسل، فالكاتبة تميل إلى الهروب من الزمن الحالي والجغرافيا الضيّقة، وحدود المنزل التي حاصرت الأعمال الدرامية الخليجية «حدّ الشبع»، حسب قولها في مقابلة لها على قناة</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> mbc. </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">وجدت حمادة في فترة الخمسينيات من القرن الماضي فرصة لاحتضان عملٍ يشبه أفلام «الأبيض والأسود» القديمة، لكن بحكاية ملوّنة هذه المرة. ومع أنّ القصة تدور حول مجموعة من الشابات والشبان الذين يغادرون الكويت إلى مصر للدراسة الجامعية، لكنّها ليست مجرّد حكاية دراسة فحسب، بل تتداخل أحداث مصر -والوطن العربي- السياسيّة والاجتماعية في أحداث المسلسل. فعلى اثر تأميم الرئيس جمال عبدالناصر قناة السويس عام 1956، يجد أبطال القصّة أنفسهم منخرطين في مقاومة العدوان الثلاثي، ونسمع يوسف الذي يؤدي دوره بشّار الشطي، يقول: «أهل بور سعيد حملوا مصر على كتافهم، مش هي اللي كانت شايلاهم». كما يتعرّض عدنان (خالد الشاعر) للملاحقة لانضمامه للشيوعيّين؛ ونشاهد مظاهرات الطلبة الذي يهتف في مقدمتها فهد (حمد أشكناني) بعد منعه عن المشاركة في القتال كونه ضريراً، ونرى القصف الصهيوني للعاصمة المصرية وسواها</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">ينجح النص في إظهار أجواء تلك الفترة الزمنيّة من خلال العلاقة بين الناس، بين التلامذة وأساتذتهم الجامعيين، بين العائلات وطبقات المجتمع المختلفة، وبالتأكيد العلاقات الإنسانية المعقدة كالحب والزواج والانجاب والخلافات وحتى الهجران والطلاق. دلال (فاطمة الصفي) التي تجمعها علاقة حبٍ قوية بيوسف، تُرغم على الزواج من غيره لكنّها سرعان ما تنفصل عن زوجها للّحاق بدفعة القاهرة، إثر تلقيها دعوة من دائرة المعارف والثقافة والتعليم لإكمال تعليمها هناك. كان يوسف آنذاك قد ارتبط –دون حب- بلطيفة (مرام البلوشي)، فتاة كويتية أتت معه وانضمت للدفعة ذاتها. إنّها زوجةٌ «مثالية-صالحة» كما في معايير ذلك الزمان: مطيعة، لطيفة، تجيد الطبخ، ولا ترفض لزوجها كلمة. تصرّ دلال على ضخ الدماء في علاقتها بيوسف، مهما كان الثمن. أمّا فهد، الطالب الضرير القادم من أسرة غنيّة، فيقع في غرام زميلته نَزهة (لولوة الملا) ابنة عائلةٍ فقيرةٍ مُعدمة، فتظهر للمشاهد الفوارق الإجتماعية التي تفرّق بينهما، كما تميّز بين طبقات المجتمع في كويت الخمسينيات. تؤدي نور الغندور دور الشقيقتين التوأم (سبيكة وإقبال) المتطابقتين في الشكل فقط، بينما تختلف شخصيتهما كثيراً: إقبال أقرب إلى البنت السطحية، فيما سبيكة تلميذة مجتهدة تعمل على كتابة روايتها. <br />يقرّر عدنان ذو الملامح الأرستقراطية، أن يصبح شيوعياً، وتقوده الظروف إلى الزواج من الفتاة التي تعجبه، وتزامله في الدراسة لولوة (نور خالد الشيخ). بدوره، يقع ناصر (مهند الحمدي) في غرام ممثلة مصرية معروفة تدعى ناديا (رانيا منصور). كل هذه القصص المسبوكة بعناية تجري في إطارٍ من التوازي مع بعضها البعض فيما يسكن الأبطال متجاورين في شققهم</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">في زمنٍ يعاني بوضوح من «أزمة نصّ» في الدراما العربية، يمكن اعتبار ما كتبته هبة حمادة نصاً مسبوكاً بعناية بالغة، إذ إنّ الشخصيات -بتفاصيلها الخاصّة- كانت مرسومة بدقة، كما لو أنّها حقيقية. ويُشهد للنّص نجاحه في ضبط نبض سلوكيات وتصرّفات الشخصيات، فلا يشعر المشاهد باختلاف غير منطقي -أو مفاجئ- في ردة أفعالهم وطريقة تعبيرهم عن مشاعرهم. فشخصية فهد على سبيل المثال، قدّمتها الكاتبة بتصويرٍ جيّد يختلف كثيراً عن «كليشيه الضرير» الذي اعتادت الدراما العربية على تقديمه، فهو كأيّ شخص «عادي»: يخطئ في بعض الأحيان، يحب، يكره، ويتصرّف بقلّة أخلاقٍ عند الغضب. كما رسمت شخصية الشقيقتين التوأمين باختلافٍ دفع نور الغندور إلى تأدية الدورين بطريقة متمايزة؛ فلم تعان الممثلة المصرية المقيمة في الكويت كثيراً أثناء الأداء. أمر جعل التمييز بين الشقيقتين سهلاً وممكناً. بالإضافة إلى ما سبق، نلاحظ أنّ دمج الأحداث التاريخية مع تطوّرات قصة المسلسل بدا واقعياً أيضاً، كما استعمال الكاميو</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> (cameo) </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">أو ما يسمى في مدرسة الكتابة الإبداعية: «التسليع من النوع الرابع»، حيث استخدمت شخصيات مشهورة كأم كلثوم وعبدالحليم حافظ في تفاصيل المسلسل، وجعلت أبطال العمل يقابلونها ويتفاعلون معها. واعتمدت الكاتبة في نصّها على تقنيّتين متقدّمتين في الكتابة الإبداعية: تقنية الـ</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">thread</span><span style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> </span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"><span style="mso-spacerun: yes;"> </span></span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">بحيث تبدأ القصة بفعلٍ أو كلام ما، يعود للظهور مجدّداً بعد تطور الأحداث ومرور الوقت. نرى ذلك بوضوح في تعارف فهد ونزهة، ولولوة وعدنان، وفي لقاء لطيفة بزملاء زوجها يوسف في الحلقة الثالثة، الحدث الذي عاد للظهور في الحلقات الأخيرة. <br />أما التقنية الثانية فهي «تعاكس المنظور» بحيث تبدو في المشهد نفسه ردتا فعلٍ مختلفتان/متناقضتان تجاه حدثٍ واحد، وقد ظهرت أكثر من مرة في العمل، مثلاً المشهد الذي يخبر فيه يوسف زوجته لطيفة بأنّ زميله سامي تقدّم لخطبة دلال (حبيبته السابقة)، نرى يوسف يخرج من المنزل مغلقاً الباب وراءه، فترفع لطيفة يديها عالياً وتقول: «يا رب توافق» وتكررها أربع مرّات، في المقابل، نجد يوسف وراء الباب رافعاً يديه داعياً: «يا رب ما توافق» ويكررها أربع مراتٍ أيضاً</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">إخراجياً؛ يمكن القول إنّ عمل المخرج علي العلي كان متقناً، فقد راعى مهارات أبطاله، فضلاً عن اهتمامه بأدق تفاصيل ديكور تلك المرحلة وأجوائها، فشاهدنا وسائل النقل فيها، وثياب تلك الفترة الزمنية، أدواتها الإلكترونية، تقنياتها، ملامحها، صالات السينما، المسرح، وسواها. كذلك يمكن الإشارة إلى الإهتمام بزاوية الكاميرا في كثيرٍ من الأحيان، والانتقال في المشهد الواحد بين الملوّن والأبيض والأسود الذي يحمل سيميائياً دلالات أبعد من كليشيه الماضي/ الذكريات والحاضر الملون</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">على الهامش:</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">غابت الدراما الكويتية كثيراً عن الساحة العربية بعدما كانت تعد من بين أمهات الدراما الخليجية والعربية. إذ شكلت مسلسلات مثل «خالتي قماشة» (1983) و«على الدنيا السلام» (1987) وكانت نجمتا تلك المرحلة سعاد العبدالله وحياة الفهد، إضافةً إلى غانم الصالح، مريم الغضبان، علي المفيدي، داوود حسين نجوماً لا خليجيين فحسب، بل عرباً يشار إليهم بالبنان. ولا يمكن نسيان دور المخرج المصري حمدي فريد في رفد الدراما الكويتية بخبرته ومهارته، وهو الذي لا يعتبر غريباً عن الخليج، كونه عاش هناك وكان من المؤسسين لتلفزيون الكويت الرسمي، والدراما الكويتية عموماً. <br />غابت الدراما الكويتية سنوات طويلة وإن كانت تطل بعض الأعمال بين الفينة والأخرى لتحاول مقاربة الجمهور الكويتي أولاً، والخليجي ثانياً، متناسيةً أو متجاهلة بعض الشيء الجمهور العربي ككل، فكانت معظم الأعمال لا تقارب «القضايا العربية المشتركة». ولا ريب أن تجربة مسلسل «ساق البامبو» (2016) عن قصة الكاتب الفائز بالبوكر (عن ذات الرواية) سعود السنعوسي (وكتب سيناريو المسلسل المعالج كذلك)، وبطولة سعاد العبدالله، شجون الهاجري، مرام البلوشي، ووانهو تشونج. تجربة يمكن الحديث عنها في سياق محاولات الدراما الكويتية العودة إلى الواجهة التي خسرتها أمام نظيراتها الخليجيات وتحديداً السعودية. أفادت الدراما السعودية من طفرة التلفزيونات السعودية، فانطلقت المسلسلات الكوميدية مثل «طاش ما طاش» بأجزائه الكثيرة، وجاءت على أشكاله كثيرٌ من الأعمال، وإن اختلفت عن مسلسلات الكويت كونها قاربت المجتمع السعودي، أو في أحسن الأحوال الخليجية الضيّقة، من دون أن تحاول ولو الشيء القليل مخاطبة الشارع العربي عموماً. هنا لا نتحدّث عن اللكنة أو أداء الممثلين بل حول طبيعة النص، القضايا المطروحة، لغة الخطاب، وبالتأكيد نوعية الكوميديا في هذه الأعمال</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">* </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">مسلسل «دفعة القاهرة» على نتفليكس</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">نُشر في صحيفة الأخبار اللبنانية بتاريخ 28 كانون الأول 2021<br /></span><a href="https://al-akhbar.com/Media_Tv/326909"><span dir="LTR" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #023160; mso-themecolor: hyperlink; mso-themeshade: 128;">https://al-akhbar.com/Media_Tv/326909</span></a></p>
اقرأ المقال
في فيلم الـ «ماتريكس» (1999) تطرح الشقيقتان واتشاوسكي فكرة مفادها أنّ ما يعيشه البشر من واقع ليس أكثر من «حياةٍ/ واقع افتراضيVirtual reality»؛ وبأنَّ الآلات هي التي تسيطر على الحياة مستخدمةً البشر «كبطاريات» تغذية لا أكثر ولا أقل. كثيرةٌ هي الأفلام التي تناولت الأمر وقاربته وإن بدرجاتٍ متفاوتة. كان فيلم ready player one (2018) للمخرج ستيفن سبيلبيرغ الذي تحدّث عن مستقبل «مظلم/ ديستوبي» حيث الفقر هو المسيطر والناس يعيشون معظم أوقاتهم في مجتمعاتٍ إفتراضية «خلابة» و«خلبية/وهمية» في الوقت عينه. ذاك هو باختصار ما يريد مارك زوكربيرغ وزبانيته من أصحاب شركات مواقع التواصل ومن لف لفيفهم فعله في المجتمعات ككل. منذ 17 عاماً، وتحديداً في العام 2004، أسس مارك زوكربيرغ مع زميليه في جامعة هارفارد كريس هيوز وداستين موسكوفيتز الموقع الذي اعتقده «بديلاً» عن «التواصل الاجتماعي» الحقيقي بين الطلاّب. لم تكن فكرة زوكربيرغ آنذاك أن يحوّل الكوكب كلّه إلى «مجتمعٍ جامعي». الفتى الحالم بأن تعرفه الفتيات، تغيّرت وجهة نظره اليوم. أصبح «منظّراً» مستقبلياً، يعرف تماماً، كيف يسيطر عبر شركته ومثيلاتها لا على السوق اليوم، بل على الأسواق القادمة: شريطة أن يكون هناك كهرباء ووقود وإلكترونيات تستطيع الاستمرار طويلاً. شركة ميتا التي حلت بديلاً عن اسم شركة فيسبوك حينما غيّره زوكربيرغ، في مؤتمر كونكت 2021، تطرح فكرة «عالم الكون المتعدد» (MULTI VERSE). يدعم زوكربيرغ الفكرة بفيديو يشرح فيه نظريته وكيف يصبح «الواقع الافتراضي» واقعاً معاشاً واقعياً يمكِّن الإنسان من أن يعيش أحلامه وحياته لو أراد في ذلك العالم الإفتراضي؛ مضيفاً أن الشركة ستركّز معظم انتاجاتها المستقبلية على مجموعة من التطبيقات التي تسمّى «مختبرات الواقع الإفتراضي» التي تختص بهذا الشأن. جمل المخترع الأميركي الصورة كثيراً: أناسٌ يلعبون الشطرنج مع «أفاتار» وهمي، لكنه في الوقت نفسه «شخصٌ» واقعيٌ يجلس خلف شاشته في منزله. يحدث الأمر اليوم لكن ليس بالطريقة التي يحكي عنها زوكربيرغ؛ ما يريده الرجل هو غوصٌ أكثر في عالمٍ وهمي سيصبح واقعاً مئة في المئة وشيئاً فشيئاً. مع بداية الألفية، قلل بيل غايتس من أهمية الإنترنت، ومواقع التواصل ــ لاحقاً ـــ ساخراً من أنّها لن تحصّل على تلك القيمة الكبيرة بنظر الجمهور، وبأنها ستنبذ لاحقاً. جاوره في ذلك منافسه من شركة «أبل» ستيف جوبز، الذي لم يحب الإنترنت، ولا كل فكرة مواقع التواصل: انتهى هذا العصر إلى غير رجعة. باتت مواقع التواصل وتطبيقاتها «كنز» الشركات، لكونها مجانيةً بمعظمها، تصل إلى «كل الناس» عبر أرجاء الكوكب. وهي إلى حدٍ ما «جامعة» لا تميّز بين شخص وآخر، وهذا يعطيها ميزة كبيرة كمخترقة «بأمان»(Privacy innocent killer)؛ تمكّن الشركات من ولوج بياناتٍ لا يشاركها الإنسان بإرادته، فضلاً عن تسليمها «بكل سهولة» من دون نقاش. لكن الأمر أعقد من ذلك بكثير: من يتابع سلسلة «بلاك ميرور» البريطانية الشهيرة، يمكنه ملاحظة المرات الكثيرة التي تناولت فيها السلسلة مواقع التواصل. شاهدناها مثلاً في حلقة white Christmas تتحدّث عن جو الذي تعرض للـ «بلوك» من قبل خطيبته «بيث»، وكان خلافهما حول «قيامها بإلإجهاض». ترفض «بيث» الإجهاض، لتنجب لاحقاً طفلاً يعلم «جو» أنه موجود، لكنه لا يستطيع رؤيته واقعاً: لأن نظام البلوك في ذلك العصر أصبح «واقعياً»، بالتالي هو لا يستطيع واقعياً رؤية «بيث» أو «أي شيءٍ يخصّها» ومن ضمنها طفله/ طفلته. في الحلقة ذاتها، نشاهد قصة ثانية حول شخصٍ تعرّض لـ«البلوك الدائم» من قبل شركة من شركات مواقع التواصل. إنه لا يستطيع أن يرى أحداً بشكلٍ حقيقي. فقط «خيالات» لأشخاص، لا يستطيع التواصل مع أحد، لا يستطيع حتى «دفع» مستحقاته أو نيلها، إنه تحت «البلوك». هنا «نحنُ» واقعاً أمام «الحقيقة» التي يتحدّث عنها «الميتافيرس» ما إن تم تطبيقه. تطرح فكرة الميتافيرس فكرة الأفاتار باعتباره ممثلاً للمشارك/البطل/صاحب الحساب على مواقع التواصل، حيث سيعيش و«يمثل» هذا «الأفاتار» حياة بطله. من هنا وكما في معظم ألعاب الفيديو الحديثة، يستطيع اللاعب أن يشتري «اضافات» لتقوية شخصيته، جعلها أجمل، مرغوبة أكثر، أو على الأقل لنيل حظوة أكثر في أي مكانٍ يريده. هنا تأتي الأموال بمثابة «طريق مختصر» كما هي في الواقع، فيستطيع مثلاً لاعب لا يجيد اللعب لكنه يمتلك المال الكثير من التغلب على «محترفي» اللعبة بسهولة فائقة: إنه يملك المال الكثير. هذا يحدث في الواقع، وهو سيكمل كذلك في الواقع الإفتراضي. هنا لا بد من التنبه بأن المشاعر في هذه الألعاب حقيقية، ولو كانت اللعبة «وهمية». فالإنتصار هو انتصار، كما الهزيمة، هذا المفهوم يبدو مستحيلاً أو صعباً لمن لم يلعب ألعاب فيديو من قبل، لكن يمكن ادراكه بسهولة إذا ما نظر إلى تشجيع أي رياضة واقعية، هذا يشبه ذاك. في الوقت عينه، نجد المشاركين مستعدين «لدفع ما فوقهم وتحتهم» لكي يكون بطلهم جاهزاً أو قادراً على الأقل؛ فمثلاً في بلادٍ تبلغ كلفة لعبة عادية مثلاً حوالي خمسين دولاراً أميركياً (وهو مبلغ كبير في كثيرٍ من الدول من ضمنها لبنان) قد يحتاج اللاعب إلى 100 دولار أو أكثر لتطوير شخصيته ودعمها كي يكون قادراً على الاستمرار في اللعب بالشكل الذي يريده. هذا هو بيت القصيد بالنسبة لمارك زوكربيرغ ومشروعه حكماً: إما أن تدفع كي تستطيع شخصيتك التطوّر، والاستمرار والتقدّم أو عليك أن تفكّر بطريقةٍ يمكنك الدفع بها. هذا الأمر تم التطرّق إليه في فيلم «لاعب» (Gamer) للمخرجين مارك نيفلند وبراين تايلور، فنحن أمام واقع أكثر رعباً حينما يصبح البشر هم الأفاتار/ الدمى المحركّة بالنسبة للاعبين. تحوّل الإنسان الحقيقي لأفاتار في «لعبة» أو في واقع «متخيل» هو عمل ينتج مالاً؛ هنا يتم التحكم بالبشر كما لو أنّهم عبيد أو آلات لا أكثر ولا أقل من قبل «مستخدم» يسيطر عليهم «بشكلٍ كلي برضاهم أو بعدمه». هنا يرضى البشر بأن يفعلوا ذلك لتحصيل «أموال» و«إضافات» لشخصياتهم أو على الأقل «كي يتمكنوا من الأكل والشرب» فحسب. المشكلة الثانية التي يمكن الوقوف عندها مطوّلاً هي الأمر الذي طرحته فرانسيس هوغين، عالمة الانترنت، وإحدى الشخصيات التي أضاءت على الفكرة حينما تحدّثت مسبقاً خلال هذا الشهر أمام الإتحاد الأوروبي شارحةً أنَّ الأمر مرعب وإدماني، ويشجع الناس على «الإبتعاد عن الواقع الذي نعيش فيه والغوص في عالمٍ وهمي كليةً». تضع كثير من ألعاب الفيديو في مقدّماتها «ملاحظاتٍ/ تحذيراتٍ» حول اللعب لفترات طويلة، وكيف أنه يسبب الإرهاق الذي قد يصل عند البعض إلى حالاتٍ من «الصرع». الميتافيرس لن يضع تحذيراتٍ كهذه بشكلٍ ظاهر، بل لربما لن يضعها البتة. بحسب دراسةٍ فنلندية حديثة، يقضي الإنسان ما مقداره ثلاث ساعات يومياً في فتح واغلاق هاتفه لرؤية ما هي الإشعارات التي وصلته أو ليطل على الإنترنت: لاحقاً وإذا ما اصبحت حياة الإنسان في عالم «الميتافيرس» اضطرارية/احتياجية: سيلبس نظارات العالم الإفتراضي، ويرتدي سماعات الأذن، كأي لاعب ألعاب «ببجي» حالي، وينسى أن هناك واقعاً أصلاً إلا في حال احتاج الدخول إلى الحمام أو تناول الطعام. سيخوض نقاشاتٍ وحوارات افتراضيةٍ في أي مكان في العالم، لكنه ببساطة: لن يكون هو، هو يعتقد ذلك. الحقيقة تختلف تماماً، ما هو هناك «صورةٌ وهميةٌ عنه» لا تشبه الواقع أبداً، فالكل في الواقع الإفتراضي «لا يكذب» ولكنه «يتجمّل» (أي يحسّن الصورة) كما تشير قصة المصري الكبير إحسان عبدالقدوس «أنا لا أكذب ولكني أتجمّل»، حيث تصبح الصور «معدّلة» والأشكال «غير دقيقة» والشخصيات «محسّنة» غير واقعية. باختصار، ما يطرحه زوكربيرغ اليوم، مرعبٌ بما فيه الكفاية، سيصل يوماً إلى اللحظة التي سيصبح الإنسان كما تقول مقدّمة مسلسل «ضيعة ضايعة»: «أصبح عبداً للتكنولوجيا»، تسيطر عليه وقد لا تصل البتة إلى مرحلة الوعي الذاتي «الديستوبي» المدمّر، لكن البشر أنفسهم، هم من سيكونون أداة هذا الدمار. نُشر في صحيفة الأخبار اللبنانية بتاريخ 15 تشرين الثاني 2021 https://al-akhbar.com/Media_Tv/323367
اقرأ المقال
<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">يسرق الغرب أفكارنا، وتراثنا وتقاليدنا، هذه المرّة ليس بالشكل الذي نعرفه: أن يحمله وينقله إلى بلاده، أو حتى يهرب به. هذه المرّة يسرقه على شكل أفكار، آراءٍ، وجهات نظرٍ وسلوكات. بعد ذلك يعيده إلينا مقولباً بطريقة أكثر بريقاً، وجمالاً وخلبيةً. نحن –كحضارةٍ حاليةٍ تابعة- نتلقف ذلك «البريق الخاطف». ننسى أنه لنا، فنفرح بوجوده ونقرأه ونحبذه ونتفق مع أفكاره، ولا نشعر البتة بأن ثمة شيئاً خاطئاً. في الإطار عينه، يمكن التنبه كثيراً لكيّ الوعي المدهش الذي تمارسه الميديا الغربية باستمرار لإقناعنا كشعوب عالمٍ مختلف عن «عالمهم الأول» بأننا دائماً بحاجة للمساعدة. نحن دائماً قاصرون، وسنبقى بحاجةٍ إما إليهم بشكلٍ شخصي للاستمرار كما الحياة، أو لعلمهم وثقافتهم ووعيهم</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">في</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> Dune </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">فيلم المخرج الفرنسي الكندي دوني فيلنوف المقتبس عن القصة التي كتبها الأميركي فرانك هيربرت عام 1965، والمأخوذة بقدّها وقديدها من ثقافة «الاحتلال» للمشرق: إننا أمام كوكب الصحراء الذي يدعى «أراكس» أي «الراقص»</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> (Arrakis) </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">وللعلم «الراقص» هي التسمية الأولى لكوكب الأرض بحسب بعض القبائل العربية البدوية. إنه الكوكب الوحيد في المجرّة الذي تُستخرج منه «توابل» ذات نوعية خاصة تستخدم للملاحة الفضائية. لذلك فإنه من المنطقي أن تتصارع عليه الدول «الكبرى». هنا في القصّة لا دول كبرى، بل «عائلات» كبرى تحتل كواكبا سمّى بإسمها: أتريدس وهاركونيان. </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">القصة بمجملها «استنساخات» ثقافية: بماذا تذكّرنا هذه الصحراء الممتدة التي يحمل الفيلم اسمها؟ ألم يصف تي أتش لورانس (لورانس العرب) الصحراء العربية بأنّها كثبانٌ من الذهب</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> Dunes of gold</span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">؟ وهذه التوابل المستخدمة في الملاحة، أليست البترول؟ ذهب شبه الجزيرة العربية الأسود الخبيء في جوفها؟ ماذا عن سكان ذلك الكوكب؟ ويا للمصادفة، إنهم يلبسون لباسنا نحن، يحملون «خناجر مقدسةً» لا يخلعونها عن أجسادهم إلا للاستخدام أو إراقة الدماء (ألا يذكرنا هذا بالجنبية اليمنية؟)؛ حتى أنّهم يؤمنون بالمهدي (ظهرت الكلمة بحرفيتها في الفيلم)، أو كما يعرف في فيلم «كثيب» الحالي بتسمية «لسان الغيب»، أو «المؤدب»</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> (Muad-Dib) </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">كما في النسخة المكتوبة أو حتى فيلم المخرج ديفيد لينش المأخوذ عن القصة ذاتها في العام 1984. ماذا عن «الشيء الخالد» أو</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> Shai-hulud </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">(حرفياً هي شيء الخلود) وهي الدودة العملاقة التي تلتهم كل شيءٍ في الصحراء المترامية؟ طبعاً في الرواية هناك إشاراتٌ أكثر: طقوس، شيطان، شريعة، حتى إن إبنة البطل لاحقاً ستسمى «علية»</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> (alia) </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">ماذا عن الحضارتين اللتان تحتلان ذلك الكوكب؟ إنهما حضارتا الغرب القديمتان في صراعهما الأبدي: يظهر الإسبان كالهاركونيان، من خلال رأس الثور الضخم الذي يحتل جدار حائط إمبراطورهم، فيما يظهر آل آتريدس كالبريطانيين؛ طبعاً يمكن «للحضارتين المحتلتين» أن تكونا أي حضارتين غربيتين، لا شك في ذلك</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">وعلى عادة الأفلام الموجّهة ذات البروباغندا، يصبح بطل القصّة/ الفيلم بول أتريديس (يؤدي الدور في الفيلم الممثل الشاب تيموثي شالميت) «الأبيض القوقازي ذو الملامح الغربية»</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> (The White Caucasian) </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">المحرر المنتظر لشعب الصحراء الذي ينتظر «مهديه». إنها القصة الممجوجة حول</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> white savior </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">يأتي لينقذ الشعوب الملونة الأصلية صاحبة الأرض</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> (indigenous) </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">التي تفتقر بكليتها لقائدٍ بحكمته واختيار الإله له. هي حتمية ذلك «الإصطفاء» الإلهي لهذا «الغريب» الذي يصبح «سيد» هذه الشعوب وقائدها الملهم. هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى هناك «الصورة النمطية» الغربية المفترضة التي نقبلها –ولا نزال- كحضارة منذ سنواتٍ طوال: إننا لا نصلح «لحكم أنفسنا»؛ إنها كما يشير الكاتب المصري بهاء طاهر في روايته «واحة الغروب» في نقاشٍ يجمع بطل العمل المصري مع زوجته الإيرلندية إثر تعرفهما؛ فيقول لها حين تحدّثه عن التراث الفرعوني وعظمته: «هو دا المجد اللي بيكتشوفهولنا الغرب عشان نعرف أد ايه كنا عظماء وأد ايه بقينا صغيرين، المجد للأجداد، أما الأحفاد فلا يصلحون إلا للإحتلال».</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">أما في مسلسل</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> Foundation </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">المعروض عبر منصة «أبل بلس»، والمأخوذ عن رواية الكاتب وعالم الكيمياء الأميركي -الروسي الأصل- اسحاق عظيموف التي بدأها بقصصٍ قصيرة في العام 1942، ليتمم أجزاءها الثلاثة الأولى في العام 1953، فتوجد ظفر حليمة</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> (Zephyr Halima </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">أو لربما زفير حليمة، نسبةً للحجر الكريم</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">) </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">الكاهنة السمراء التي تشبه المشرقيين، صاحبة الديانة المأخوذة عن الإسلام. مثلاً، تفرض الحج على أتباعها، إلى منطقةٍ صحراوية نائية، حيث يمر الحجّاج بطقوسٍ «تطهيرية» صعبةٍ وشاقةٍ. <br>هذه الصعوبات استقصاها عظيموف من سلوك الحج الإسلامي في تلك الأزمنة حين كان السفر إلى الديار المقدّسة شاقاً، وأساليب النقل تجعل تلك الطقوس صعبةً للغاية، مما كان يعرّض الحجّاج للكثير من المخاطر. حليمة تقرر مواجهة الإمبراطور حينما تترشح كي تصبح الزعيمة الدينية الأوحد لدينها/ طائفتها التي تمتد عبر كواكب كثيرة ويقدّر أتباعها بالملايين. عندها، يقرر الإمبراطور (يؤدي دوره لي بايس الذي عرفه الجمهور بدوريه ثرندال في ثلاثية «الهوبيت» لبيتر جاكسون ورونان المعاقب في عالم مارفل السينمائي وتحديداً في فيلم «حماة المجرات») أن يزورها في كوكبها الشبيه بجغرافيا شبه الجزيرة العربية الصحراوي، لمواجهتها والطلب منها التريّث في هذا الصراع المرعب، عارضاً عليها رشاوى مناسبة</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">حليمة تواجهه بما يشبه «النمطية/الأرثوذكسية»: «أنا لا يهمني هداياك أو تهديدك لي بالموت، ولكن يهمني أن أكون مخلصة لما أؤمن به». هنا يلجأ الإمبراطور إلى الحيلة حينما يصر على خوض غمار الحج هذا، والتفوّق عليها عبر إنهائه بالخدعة. ما يميز عمل عظيموف عن قصة هيربرت أنَّ عظيموف قرر أن يرفع من مستوى الصراع: فكان الصراع بين العلم القائم على الأرقام الذي يقوم به معلم أبيض</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> (white master) </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">وهو هاري سيلدون أستاذ الرياضيات وعلم اللوغاريتميات التوقعية الذي لا يخطئ في توقع المستقبل، وسيلدون -للمصادفة- يمتلك تلميذين ملونين، كما لو أنَّه يجب على الملون دائماً أن يكون تابعاً. طبعاً الإمبراطور –كما سيلدون- هو «أبيضٌ» كذلك، من ذات العرق «المتفوّق» ويحكم حضاراتٍ متعددة يسكنها ملوّنون بالتأكيد. وفي هذا يشترك هذا المسلسل مع</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">Dune</span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">؛ وما يشتركان به أيضاً، هو محاولة الملوّنين في كلا العملين القيام بثوراتٍ وانتقامات من حكّامهم الظالمين. بعضها قد ينجح: لكن ذلك يحدث –أي النجاح- إما بقيادة الفارس الأبيض القادم لإنقاذهم بنفسه، أو عبر أفكار وآراء ووجهات نظر المنظّر/ المعلّم الأبيض صاحب التعاليم المنقذة</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">في الإطار عينه، يندر أن نجد رواياتٍ عربية، تحاكي هذا النوع من الصنعة الأدبية الخاصة في العملين: أعمال محبوكةٌ بعناية وبصنعة قوية استطاعت من خلالها الحياة لسنواتٍ طوال والإستمرار والإبهار في آنٍ معاً. لا ننسَ –هنا- أن صانعي العملين عظيموف وهيربرت تناولا ثقافاتٍ لإناس لا يعرفونهم بالمباشرة، بل من خلال ثقافتهما وقراءتهما وتحليلهما حول هذه الثقافات؛ وهذا يحسب لهما. لكنهما في النهاية أديا الدور، وكتبا نصوصاً تمتلك خصائص اكزوتيكية</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;"> (exotic nature) </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">تجذب قراءهما الغربيين لعوالم المشرق (وإن بشكلٍ خلبي). نفس الأمر ينسحب على العملين الدراميين المنتجين تلفزيونياً وسينمائياً، إذ هناك حرفةٌ كبيرة، وكلفة إنتاجية عالية، وفريق مدرّب أنتج عملاً مطبوخاً بعناية. </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">نقطة أخيرة: تحتفي هذه المنتوجات الثقافية بشعوبٍ تغوص وتزدهر بثقافتها الأصيلة، وهو ما ينقرض شيئاً فشيئاً في وطننا العربي: صحيحٌ أن الصحراء لم تختف، لكن ثقافتها تضمحل، فتحل ثقافة الجينز والكوكا كولا والبيسي مكان النخيل والتمر؛ وتغيب النباتات والزراعات التي تميّز بلادنا، مقابل الإستيراد والأعمال الحرّة والبنوك والبورصة وأحلام الثراء السريع؛ مبشرةً بحضارة هجينة: ثقافةٍ استهلاكية بامتياز</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-family: Arial,sans-serif; mso-ascii-font-family: Calibri; mso-ascii-theme-font: minor-latin; mso-hansi-font-family: Calibri; mso-hansi-theme-font: minor-latin; mso-bidi-font-family: Arial; mso-bidi-theme-font: minor-bidi;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-family: Arial,sans-serif; mso-ascii-font-family: Calibri; mso-ascii-theme-font: minor-latin; mso-hansi-font-family: Calibri; mso-hansi-theme-font: minor-latin; mso-bidi-font-family: Arial; mso-bidi-theme-font: minor-bidi;"> </span></p> <p class="MsoNormal" style="text-align: right;" align="right"><span dir="RTL" lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 107%; font-family: Simplified Arabic,serif;"> </span></p> <p class="MsoNormal" style="text-align: right;" align="right"><span dir="RTL" lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 107%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128;">نُشر في صحيفة الأخبار اللبنانية بتاريخ 9 تشرين الثاني 2021</span></p> <p class="MsoNormal" style="text-align: right;" align="right"><a href="https://al-akhbar.com/Literature_Arts/322775"><span style="font-size: 14.0pt; line-height: 107%;">https://al-akhbar.com/Literature_Arts/322775</span></a></p> <p class="MsoNormal" style="text-align: right;" align="right"><span dir="RTL" lang="AR-SA" style="font-family: Arial,sans-serif; mso-ascii-font-family: Calibri; mso-ascii-theme-font: minor-latin; mso-hansi-font-family: Calibri; mso-hansi-theme-font: minor-latin; mso-bidi-font-family: Arial; mso-bidi-theme-font: minor-bidi;"> </span></p>
اقرأ المقال
ليست المسألة أن يحتلّ الترند مسلسل كوري، بل أن يصبح القتل والأذى ترنداً عالمياً. سيعترض المعجبون بمسلسل «لعبة الحبّار» (Squid Game) على «نتفليكس» على القائلين إنّه مجرّد مسلسل يطرح مسابقة ألعاب، صحيح أنها دموية ولكنّها مشوّقة وذكية، وتمثّل الكثير من واقع الإنسان بشكل مبطّن، فلا داعي لتضخيم الحديث عن العنف فيه، لأنّ القتل أساساً في كل مكان. المحتوى المصنف للكبار فقط (18+)، أصبح الأكثر مشاهدة عبر منصة البثّ التدفّقي الأميركية منذ طرحه الشهر الماضي، ويحتل المركز الأوّل على صعيد المشاهدة في 90 دولة وفق موقع «سي. أن. أن»، فيما يقدّم «غوغل» أكثر من 80 مليون نتيجة بمجرد كتابة Squid game في خانة البحث. يقلب العمل الدرامي أيضاً حياة أبطاله في الواقع. هكذا، أصبحت عارضة الأزياء هويون جونغ التي تلعب دور «ساي بيوك كانغ» الأكثر متابعة على إنستغرام، متفوقة بذلك على أشهر الممثلات الكوريات. كل هذه الوقائع وغيرها، تستدعي التوقّف عندها وطرح تساؤلات. «غير مألوف، وعنيف»، كان هذا توصيف شركات الإنتاج التي رفضت العمل منذ أن كتبه مؤلفه ومخرجه هوانغ دونغ هيوك في 2008 و2009. لكن «نتفليكس» منحت الرجل الحرية في تنفيذ مشروعه قبل أن يبصر النور على شكل مسلسل مؤلف من تسع حلقات. يحكي المسلسل قصة 456 شخص مديون، يواجهون ظروفاً اقتصادية صعبة، فيوافقون على المشاركة في لعبة تنافسية، يتبارون في مراحلها في ألعاب أطفال معروفة، ليصحل الرابح في النهاية على ما يعادل حوالي 38 مليار دولار أميركي. أما الخاسر، فبكل بساطة، يُقتل! على الرغم من أنّ فكرة المسلسل ليست جديدة (سبق أن طُرحت في سلسلة أفلام The hunger games مثلاً حيث الرغبة بالبقاء مبرّراً للقتل، كما المتعة والربح)، إلّا أن الكاتب والمخرج، يعتبر أنّه يروي «قصة الخاسرين» وأنه عبارة عن «قصة رمزية عملاقة تعبر عن المجتمع الرأسمالي في العصر الحالي وتلمح إلى القصص المتنوعة للمشاركين في اللعبة وكيف تم دفعهم إلى الزاوية بسبب المنافسة في المجتمع الحديث»، وفق ما يشير في حديث إلى «سي. أن. أن». منذ البداية، أوضحت «نتفليكس» أنّ المسلسل يحتوي على العنف والجنس والعري والانتقام، كما أنّ الشخصيات لا تُفاجأ يتفاجىء حين يُقتل الخاسر. فهم يدركون هذا منذ الحلقة الأولى ويعودون طوعاً للمشاركة في اللعبة بدافع الثراء كحلّ وحيد وسريع لمشاكلهم الاقتصادية والاجتماعية.. وربما كان هذا أكثر ما يُظهر السلوك الرأسمالي، فتُصنع كل الظروف التي توهم الإنسان بأنّ كل شيء يجري بملء إرادة الأشخاص. ولعلّ عنصر التشويق العالي، هو نقطة قوّة العمل الأهم. فالرأسمالية تلعب على التحقيق السريع لرغبات الإنسان بغض النظر عن العواقب ولأهداف الربح الأعلى للقوي الذي يدير لعبة الرهان على الضعيف. والأهم أنّها تسوّق لذلك بأكثر الطرق نعومة. فالمساحة الواسعة لقاعات الألعاب وألوانها الطفولية الهادئة المحبّبة والموسيقى التصويرية الكلاسيكية الناعمة التي ترافق بداية كل لعبة، إضافة إلى نبرة الصوت الهادئة لمذيعة التعليمات أثناء اللعب، وحديثها المليء بالتعابير اللطيفة والمهذبة، كلّها تمثّل رمزيّاً القتل بقفازات من حرير. «هذا المكان القذر». إنّه التعبير الأصدق عن ساحة اللعب لبطل المسلسل صاحب الرقم الأخير سيونغ جي هيون (لي جونغ جاي) أثناء حواره مع الشخصية الرئيسية التي تحمل الرقم 218 تشو سانغ وو (بارك هاي سو). إذاً، يطرح المسلسل الواقع الرأسمالي القبيح الذي لا شك أنّ كوريا الجنوبية وقعت فيه وتعيش الكثير من عواقبه، لكنّه في الوقت نفسه يشكلّ عامل جذب للناس نظراً لما فيه من قتل وأذى، ما يؤدي إلى اعتبار هذه الأفعال تبريراً وردّ فعل فطري ليس للبقاء فقط، بل للربح والثراء. كما يدفع «لعبة الحبّار» المشاهد للتعاطف مع الشخصيات الرئيسية. فيشجعها وكأنّها تخوض مباراة كرة قدم، ويحزن حين يموت أحد منها، متجاهلاً أنّها لا تختلف عن أي من اللاعبين الذين قرروا استكمال اللعبة مدركين وراضين بالنهاية الأليمة. أفرح المسلسل متابعي الدراما الكورية (يطلق عليهم اسم «كاي-دراميين») وأثار استياءهم في الوقت نفسه. أفرحهم كونه البوابة لمعرفة حقيقية بالدراما الكورية من قبل العالم، وكأنّه جاء لينقذهم من المستهزئين الذين كانوا يحكمون على الدراما الكورية بالملل مسبقاً من دون مشاهدتها. لكنّه أغضبهم أيضاً لأنّ كثيرين باتوا يختصرون الدراما الكورية به. هكذا، أعلن الكثير من متابعيه دخولهم نادي «الكاي-دراميين» وهم لا يعرفون الممثلين أصلاً ولم يشاهدوا سوى هذا المسلسل. ويبقى السؤال هنا: هل سيبقى «لعبة الحبّار» من أهم المسلسلات التي حجزت موقعها في الدراما العالمية؟ أم أنّه ترند آني مرتبط بالاستثمار التجاري لنجاحه، وسيأتي عمل جديد يحطم رقمه القياسي كما فعل هو بما سبقه؟ نشر في صحيفة الأخبار اللبنانية بِتاريخ 20 تشرين الأول 2021 https://al-akhbar.com/Literature_Arts/320818
اقرأ المقال
<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">تغيّرت الكتابةُ كثيراً عبر الأعوام التي خلت. اللغة حال الناس، وهي مثلهم تتغيّر وتنمو وتزدهر، كذلك هي تموت وتنقرض. مثالٌ بسيط لم يعد هناك متسعٌ للعصر الكلاسيكي من الكتابة والكتّاب، فاستعمال الجناس كما الطباق كمحسناتٍ للغة باتت ضرباً من ضروب الماضي. إن استخدامها اليوم دليلٌ على عيشٍ في الماضي: نوعٌ من «سلفيةٌ» أدبية، تريد أن تعيد نوعاً من الأدب لم يعد يناسب العصر الحديث، وإلباسه رداءاً حديثاً؛ لكن العطّار لا يمكنه -أبداً- إصلاح ما أفسده الدهر.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">لم يعد مناسباً اليوم أن نكتب كما لو أننا لا نزال في سبعينيات القرن الماضي. كان لذلك العصر نجومه، كتّابه، ومفكروه. ذلك أمرٌ حسن، لكن اليوم ما كان ينفع آنذاك، لم يعد ينفع البتة. ببساطة لم يعد ينفع أن أقول بأنَّ «الهواء صفعني وأنا أخرج»، فالهواءُ لايصفعُ أحداً، الهواء «هواء»، عنصرٌ من قوى الطبيعة، التي لا تعرف أنك موجود، لا تهتم بأنّك هناك، كما ستستمر بعدك -أو حتى قبلك- دون تأثير حقيقيٍ عليها. إن لغة الإسباني الكبير غارثيا لوركا واستعاراته لم تعد تنفع أو تفيد اليوم، خصوصاً إذا ما تحدّثنا عن لغة «لا شعرية»، لغةٍ مباشرةٍ لأدبٍ يريد أن يحاكي الناس: يتفاهم معهم. لقد أصبحت التجارب منذ نظرية «موت المؤلف» للفيلسوف الفرنسي رولان بارت؛ تقترب من فكرة العمل المنجز بكلية، أي بمعنى أن الكاتب يكتب نصّه بكل ما أوتي من قوة ليتركه أمام قارئه كما هو دون تدخّل.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">هنا نحتاج أن نكتب لغة الناس، حكاياهم، بلغتهم أو على الأقل بلغةٍ تواسيهم، تتقارب معهم، تفهمهم ويفهمونها. سيسأل سائلٌ: استخدمت المحسّنات اللغوية -في السابق- لتعطي المشهد زخماً أكثر؛ فلماذا لا نعود إليها اليوم. تكون الإجابة: بعد مدرسة «الواقعية المدهشة» التي سادت أميركا الجنوبية واليابان في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، لم يعد هذا مرغوباً أو مقبولاً العمل به بعد الآن: فواقعية «قاسيةٌ» وفجّة مثل تلك التي نراها في «عطش للحب» ليوكيو مشيما، أو «الجميلات النائمات» لياسوناري كاوباتا أو «في ساعة نحس» لغابرييل غارسيا ماركيز؛ لا يصح معها استخدام لغةٍ لا تناسب تلك الواقعية: كن واقعياً، قلباً وقالباً. هناك آلاف الطرق لزيادة الزخم في المشهد دون ادخال خيالٍ لا حاجة فيه، كما لا منطقية. الخيال في عصر «الواقع المرئي» أو الواقع المعاش -وهذا عصرنا الحالي- يجب أن يكون منطقياً واقعياً، يغوص في «الواقع كي يخرج أفضل ما فيه». استبدل -ببساطة وسهولة- «صفعني الهواء» كمثال، بوصفٍ أكثر «مباشرةً لا لبس فيه، كما لا إضافة للوقت: «بدا الهواء قاسياً، شديداً، تذكرت الرياح القبلية التي يحكون عنها في المغرب العربي» مزج الواقع مع الصورة، مع المكان والجغرافيا، بصورة توحي بقوة الهواء وقسوته، دون «الصفع» و«الركل» اللذين لا يهتم الهواء بهما أبداً.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">هذا عصرٌ مختلف، لذلك لم يعد بالإمكان أن تغيب الأماكن الحقيقية، والأسماء الحقيقية، وأديان الأشخاص واتجاهاتهم الفكرية. فأسماء الناس كشوقي وفكري ووائل، لم تعد تنفع في عصرٍ يتميز الإنسان بهويته الفكرية/الثقافية وحتى الدينية. الهوية ليست للصراع، الهوية هي صفة المرء وحياته، عاداته وتقاليده. هنا يكون السؤال: لماذا لايكون الأدب معبّراً حقيقياً؛ بعيداً عن كونه تزييفاً؟ خلق ماركيز تعبيره الأهم «مدننا الجميلة» في تسعينيات القرن الماضي، واعتبر من علامات مدرسة «الواقعية السحرية»؛ وجاوبه في ذلك يوكيو مشيما في رباعيته المدهشة «بحر الخصب»، فكتبا عن مدنهما الحقيقية، متجاهلين رغبات المنتجين/أصحاب دور النشر الراغبين في الحديث عن مدنٍ أوروبية فارهة، وعواصم عملاقة وجزر خلابة. يتحدّث هذا النوع من الأدب عن قرى تشبه الناس، قاسية، وادعة أم صاخبة، لديها ميزاتٌ أقل من عادية في كثيرٍ من أحيان لكنها صادقة.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">هذه القرى يسكنها أناسٌ عاديون، يمتلكون قصصاً مدهشة. أشخاصٌ يستحقون أن تروى قصصهم، لأن القصص للناس، وبهم تعيش وتقوى. في الإطار عينه لم تنسى هذه المدرسة -كما مدرسة الكتابة الإبداعية- الأساطير والقصص والحكايا الشعبية، فدمجتها كما فعل النيجيري بن أوكري في روايته «طريق الجوع»، أو رواية «رجل يقتحم الطريق» للروائي الجورجي أوتار شيلادزي.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">في الأدب هناك نوعان من القصص: المشهدية، والحدثية. تسعى المشهديات لتصوير الأحداث الصغيرة، والإهتمام بالصورة الكاملة، فيما الحدثية هي كلاسيكية: معتادة ومرغوبة منذ أيام «ليلى والذئب» كقصةٍ خلبية مصدرية أولى وصولاً حتى أفلام مارفل ودي سي المقتبسة عن قصص الكوميكس. كي تكون حقيقياً في عصرٍ حقيقي، عليك أن تكتب قصص الناس، كما هي، دون أن يكون في تلك القصص «حدثٌ بارزٌ جلل». ألا تستحق إمرأةٌ تعيش يومها العادي، من المنزل، إلى العمل، إلى بيت أهل زوجها، مروراً بعلاقتها مع أهلها وأطفالها، فضلاً عن عملها رواية/قصة قصيرة تحكي «العادي» من حياتها؟ قد يقول لك «كلاسيكيو» الأدب: كلا. يقول الأدب الحديث، أدب «ورشة الكتابة الإبداعية»: نعم وبشدة.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">تحكي الكاتبة بشرى زهوة -كمثال- في قصتها «حالمة في حقل ألغام» (من مجموعة «أنا أسكن ضاحية بيروت الجنوبية» القصصية؛ إنتاج دار المجمّع الإبداعي 2020)، فكرة أشد من البساطة: إنها رحلة الفتاة العائدة من عملها على أوتوستراد الدامور-باتجاه بيروت وهو الطريق العام الذي يقصده آلاف اللبنانيين -كما ساكنوا لبنان- باتجاه الجنوب/بيروت يومياً، هل هناك معتادٌ أكثر من هذا؟ إنه موسم الأبطال العاديين، الأبطال/نحنُ، حيث يصبح الكاتب/القارئ والبطل أناً واحدةً. يأتي البطل -كما الكاتب- من ذات المجتمع والبيئة والمحيط. كّلهم يشبهون بعضهم البعض ويتساوون: سواسية. لا يصبح الكاتب منظّراً/متفلسفاً على أبطاله، لا يجبرهم على القيام بما لايريدون القيام به، بل إنهم -بواقعيتهم وأصالة قصصهم- يجبرونه على رواية قصتهم كما يريدون وكما حدثت لا كما يحب.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">يتحدّث الكاتب حسين شكر في قصّته «في فمي ماء» (من مجموعة «أنا أسكن ضاحية بيروت الجنوبية» القصصية؛ إنتاج دار المجمّع الإبداعي 2020) عن حدثٍ يومي معتاد بالنسبة لبطله الذي يعمل نادلاً في مطعم، يغوص في تفاصيله في صفحات القصة الثلاث، ليس هناك من انفجارات وموت وأحداثٍ جلل. إنها «زيادةٌ» بسيطة على المرتّب فحسب؛ لا أكثر ولا أقل. إنها طريقة تقديم الحكاية، فنحنُ شعبٌ يحب الحكايا منذ عصور الكتابة على البردى؛ شعبٌ مفتونٌ بطلاقة المتحدث، وأسلوب روايته لتلك «الخبرية». هلا ضاهر مثلاً في «مكاتيب بنت البواب»، تعيد «تعشيق» أسلوب غسان كنفاني الرائد آنذاك في قصته «موت سرير رقم 12»، الحكاية التي تروى ولا تروى. بدورها، تذهب نور يونس (ومن ذات المجموعة القصصية أيضاً) إلى «الحدث الجلل»، في قصّتها «أصنامٌ مبتسمة»؛ وإن كان حدثاً «جللاً» على مقاسها، فالأدب «شخصي» قبل أي شيء، لذلك لماذا لا تكون التجارب «شخصية» أيضاً؟ نفس الشأن ينسحب على الكاتبة مريم علي في قصّتها «مثلث مكسور الأضلاع» (من المجموعة القصصية «دافنشي لا يجيد الكتابة»، إنتاج دار-المجمّع الإبداعي 2020)، حيث تروي لقاء صدفة مع طليقها، لا حدث جللاً هذه المرّة، إلا بالنسبة لمشاعرها هي.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">هذا كله لا يعني أن يكون الأدب مملاً أو معتاداً، فالصدمة في الحكايا هي أصلها: تروي الكاتبة آلاء شمس الدين في قصتها «جلستُ على الأريكة البيضاء وبكيت» (من المجموعة القصصية «دافنشي لا يجيد الكتابة»، إنتاج دار-المجمّع الإبداعي 2020)؛ صدمةً لا يتوقّعها القارئ، </span><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"><span dir="RTL" lang="AR-AE" style="font-size: 16pt; line-height: 106%;">من دون أن تتبع تقنية «التويست </span><span style="font-size: 16pt; line-height: 106%;">Twist<span dir="RTL" lang="AR-AE">» المعروفة</span></span> في الكتابة الإبداعية.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">النقطة الأخيرة: نعم هناك حاجةٌ لمدرسةٍ في الكتابة في العالم العربي اليوم وأكثر من أي وقتٍ مضى. نحتاج هذه المدرّسة، كي يكون ما نكتبه قابلاً للقياس، قابلاً لأن تحدد كيف يمكنك «رفع مستواه». نحتاج هذه الضوابط كي يكون هناك «مسطرة» للقياس؛ هذه المسطرة هي ببساطة: التقنية. يقيس الغرب وصنّاع الأدب فيه الأعمال عبر طريقتين: التقنيات المستخدمة في النصوص، ومبيعات هذا الكتاب. في بلادنا، النقطة الثانية مقطوعةٌ بشكلٍ مطلق، إذ إنه من المعروف أنه بإمكان كاتبٍ معين -وقد حصل الأمر مراتٍ ومرات في السابق- أن يلجأ لشراء كتابه غير مرّة -بشكلٍ كامل-، ليقول أنه الكاتب الأكثر مبيعاً في معرض كتابٍ ما. هذا لا يحصل في الغرب، إذ إن مبيعات الكتب تكون مسجلةً بشكلٍ رسمي، ولا يحق لأي كاتب القيام بذلك وبشكلٍ مجهول لأن ذلك سيفضحه لو فعل.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">ماذا عن التقنية؟ قد يكون الكلام قاسياً، ومستغرباً حينما نعرف بأنَّه معظم من يسمون أنفسهم بروائيين وكتّاب وقاصين عرب -اليوم- لايعرفون شيئاً عن التقنية في الكتابة. لنأخذ مثلاً «تقنية الحوار» وهي تقنية شديدة السهولة، البديهية والضرورية في آنٍ معاً حيث يجب على الكاتب أن يضع حركةً ونبرةً ونوع صوت لإعطاء المشهد طعماً وحياةً.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">في بلادنا؛ لايزال معظم كتاب العرب يضعون هذه الإشارة (إشارة المتحدّث) للدلالة على أن البطل يتحدّث؛ فيما منطقياً نحنُ كبشر حينما نتحدث نعطي نبرةً كما حركةً عند كل كلمةٍ نقولها. هل الأدب هو مصورٌ حقيقيٌ ودقيق للواقع؟ نعم. هل الأدب العربي مع كتابه الحاليين مصورون للواقع الحالي؟ كلا. التقنية تجعل ما تكتبه صادقاً، دقيقاً، قابلاً للقياس، وفوق كل هذا تحمي عملك من الهبوط في المستوى. إذ إن التقنيات كما الرياضيات الكمّية لا تخطئ. <br>بقي أن نشير إلى البدايات؟ كيف تبدأ وهي أزمة أي كاتب مبتدئ. ماذا عن انسداد أفق الكتابة لدى الكتّاب؟ ماذا لو أصابتك </span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">writer block</span><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">؟ ماذا تفعل؟ هذه أسئلةٌ لمرةٍ قادمة، كلّها إجاباتها بديهية وبسيطة في «ورشة الكتابة الإبداعية». فالأدب الحديث لايقبل بعدم الإجابة على هكذا أسئلة؛ فهي أساسيات العمل وصنعة الكتابة. باختصار، هو عصرٌ جديد، لذلك يلزمه أدبٌ وكتابٌ جدد، كُتابٌ دقيقون، تقنيون، يشبهون بيئاتهم وعصرهم هذا. بخلاف ذلك، يعود الأدب العربي لأدب عصر الانحطاط وأدب الحواة والهواة والدراويش.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"> </p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">نُشر في صحيفة الأخبار اللبنانية بتاريخ 4 تشرين الأول 2021</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"><a href="https://al-akhbar.com/Literature_Arts/319262"><span dir="LTR" style="color: #00007f; mso-style-textfill-fill-color: #00007F; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%;">https://al-akhbar.com/Literature_Arts/319262</span></a></span></p>
اقرأ المقال
<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">في «يوم باتمان العالمي» (ثالث سبت من شهر أيلول/ سبتمبر)، يأتي البطل المتّشح بالسواد واحداً من أكثر شخصيات «الكوميكس» واقعيةً، وقرباً من الناس. «فارس الظلام»، «المحقق» «ماتشس مالون».. تسميات مختلفة لشخصية «بروس واين» أو «الرجل الوطواط» (باتمان) الأثيرية التي خلقها الكاتبان والرسّامان بوب كاين وبيل فينغر في عام 1939 (ويُقال إنّ الشخصية تعود لسنوات قبل ذلك). إذاً لماذا عاشت شخصية باتمان حتى يومنا هذا، فيما اختفت شخصياتٌ كثيرة، فضلاً عن قربها «الكبير» من الجمهور؟ يمكن تقسيم الحكاية إلى نقاط بسيطة عدة: في البداية، شخصية باتمان «مكسورة». شخصية «بطولية» أفادت من «مأساتها»، وحوّلتها إلى وقودٍ كي تتفوّق على نفسها، وتصبح مثالاً أو رمزاً للدفاع عن المساكين. محلياً، عُرف عن الكاتب الفلسطيني الراحل غسان كنفاني نجاحه في تقديم بطلٍ من نوعٍ خاص: أبطال شبيهون بباتمان: أبطالٌ مكسورون، ورغم تلك «الكسور» في أرواحهم، فإنهم يتفوقون وينتصرون على أعدائهم، وإن لم يفعلوا فإنهم على الأقل يحاولون. هذه الشخصية المكسورة جعلت باتمان، قريباً من جمهوره، فهو أيضاً مكسور، كلٌ مكسورٌ على طريقته الخاصة، والكلّ يحلم بالتفوّق على هذا الشرخ داخل روحه. النقطة الثانية هي أنَّ باتمان، بشري من دون أي قوّة خارقة.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">ومع هذا، فإنه يقف ندّاً لجميع أبطال عصره. في عوالم الأبطال الخارقين، حيث الجميع يمتلك تقريباً قوةً خارقة للمعتاد (قوة جسدية خارقة، جسد خارق، نفس خارق، نظر خارق، قدرات تخاطر، وسواها من القوى..)، لا يمتلك باتمان أي قوة بخلاف ما تحصّل عليه من التدريبات التي قام ويقوم بها. ما لديه هو استعداده الجسدي والعقلي للمعركة التي سيدخلها. هذا «التدريب/ الاستعداد» جعل كثيرين، في الحياة الواقعية ومن جمهور باتمان، يحلمون بأنّهم قادرون على أن يكونوا «باتمان» يوماً ما. إذاً باتمان قابلٌ للحدوث. النقطة الثالثة أن باتمان عائلي. قد يستغرب كثيرون ممن يعرفون قصص باتمان أو قرؤوا عنه في السابق هذه الصفة. نعم: باتمان يحب العائلة، وهو كائنٌ عائلي. لطالما أحاطت بباتمان شخصيةٌ أشبه بالوالد هي ألفريد بينيورث (سميت الشخصية «عبدالعزيز» ضمن ترجمات «دار المطبوعات المصورة» اللبنانية التي ترجمت قصص باتمان محلياً؛ فيما سمي باتمان بـ «صبحي»، ومدينة غوثام بـ «جرجر»). بينيورث، خادم العائلة، الذي خلف والده في تلك الوظيفة، كان يمتلك سجلاً عسكرياً مشرّفاً، إلا أنّه فضّل رعاية «الطفل» (بروس واين) الذي قُتل أهله أمام عينيه. ظلّ الوالد هذا، جعل باتمان دائماً متوازناً، كونه عرف حناناً موازياً لحنان والديه. لم يكتفِ باتمان بذلك، بل إنه لطالما أضاف أطفالاً إلى عائلته القريبة. هو لطالما احتفظ بـ«روبن» حوله. وروبن لمن لا يعرفه، هو مساعد باتمان، وقد حملت اللقب شخصيات عدة من ديك غرايسون (أول روبن)، إلى جايسون تود، وتيم درايك، وستيفاني بروان، وصولاً إلى داميان واين، ابن باتمان الحقيقي وليس بالتبني من زيجته السريعة بتاليا الغول ابنة أحد أعدائه المعروفين.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">كانت جميع هذه الشخصيات تحمل تقريباً الملامح نفسها: أطفالٌ عانوا من طفولةٍ قاسية للغاية، ومع هذا فإنه بداخلهم كانت هناك قوة شخصيةٍ وشكيمة جعلتهم يتفوقون على تلك الصعوبات. يُضاف إلى روبن وألفريد شخصياتٌ ثانية مثل «الفتاة الوطواط» (التي حمل اسمها كما شارتها عددٌ كبير من الشخصيات). النقطة الرابعة: المأساة. لا يمكنك أن تقرأ قصص باتمان، أو أن تعرف حياته، ولا تشعر بأنه شبيه بالأبطال القدريّين التراجيديّين في المآسي الإغريقية. إنه محكوم بالمأساة. لا يخرج «فارس الظلام» من مأساةٍ إلا ليغرق في مأساة أشد وعورةٌ وحزناً: من مقتل والديه، إلى مقتل ثاني روبن (جايسون تود في القصة المعروفة «موت في العائلة» على يد الجوكر – عدو باتمان اللدود- الذي كان وراء مأساة أخرى حين تسبب في شلل باربارة جوردن - الفتاة الوطواط - حين أطلق النار على عمودها الفقري)، وصولاً إلى موت داميان واين، وألفريد لاحقاً.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">هنا يثبت باتمان أنه مثل «أخيل» و«عليس» و«هرقل» وحتى «جلجامش». على الرغم من كل ما يملكه، ويستطيعه عبر تدريبه ومهاراته، إلا أنّه عاجز عن مواجهة القدر. مع ذلك، هو لا يحيد، ولا يتوقف. النقطة الخامسة: أن باتمان قانوني وأخلاقيٌ للغاية وهو خيالي ورومانسي وحالم في هذه القضايا. إنه هكذا - وسيظل هكذا - مهما تغيّرت الدنيا، وتغيرت الصراعات. باتمان لا يقتل، لا يستخدم السلاح، ولا يعتبر نفسه قاضياً أو جلاداً. هو يلقي القبض على المجرمين ويسلّمهم للعدالة. يحارب من أجل العدالة، لا الانتقام. يرفض تماماً أن يكون أداة للانتقام، وهذا ما يجعله بطلاً بعيون جميع من يقرأ القصص، وإن كان اللوم على هذه الرومانسية و«شهامة الفرسان» المفقودة في الحياة كما في غالبية قصص الكوميكس. حتى في المشهد الشهير من قصة «ثلاثة جوكر»، يلتقي بقاتل والديه جو تشيل بعد سنوات، فيسأله تشيل إن كان يريد قتله، ليجيب البطل: كلا. هذا المشهد الذي تكرر في قصص كثيرة سابقاً، أصبح أشبه بالثيمة المعهودة من «العفو عند المقدرة» التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من حب الناس لهذه الشخصية. النقطة السادسة أنه متحضّر دائماً. هذه الصفة ربما هي الأكثر تحبّباً لجميع عشاق الكوميكس. إذا ما وضعت باتمان في مواجهة أي شخصية من الكوميكس، من سوبرمان إلى «هالك»، لا يكون السؤال بالنسبة إلى قراء الكوميكس: هل سينجو، بل «هل سيربح»؟. ذلك أن باتمان جاهزٌ دوماً لكل الاحتمالات، ومتحضر للأسوأ دائماً. يكفي أنَّ سلسلة كوميكس نشرت كانت قائمة على شخصيات باتمان أصبحت شريرة في «عوالم موازية».</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">معظم هذه الشخصيات أصبحت كذلك لأنّها «تحضّرت» أكثر من اللازم، أو لأنّها «قاومت شراً بشرٍ مشابه»، فأصبحت أكثر من هذا الشر. تحضير باتمان، وتحضّره للأسوأ يجعله ببساطة لا مجرّد بطلٍ ذكي ومجتهد، بل أيضاً منتظراً للأسوأ. النقطة السابعة أن باتمان لديه أعداء لا يفوقونه قوة وشكيمة ووحشية وجنوناً فحسب، بل إنه لا قانون لديهم، لا ضوابط، وفوق كل هذا يستعملون كل ما لديهم لكسره، ولكنهم لا ينجحون. في قصة «سقوط الفارس» نلاحظ كيف استطاع «باين» (أحد أعداء باتمان) الضغط على البطل حتى اللحظة التي يصبح فيها قابلاً للكسر: ساعتها يهاجمه ويكسر ظهره فعلياً. هذا المشهد -مشهد كسر ظهر باتمان- أصبح علامةً مهمة في تاريخ الكوميكس، لكن باتمان، استطاع بعد عامٍ كامل (من تاريخ الكوميكس بالطبع) من العودة. الأمر نفسه انسحب حين قتله «دارك سايد» (أحد ممثلي الشر الأهم في عالم دي سي للكوميكس) بأن شتت روحه عبر العصور والأزمنة. مع ذلك، فإن إصراره وقوته النفسية والروحية أعادته إلى عصره. كل هذا يؤكد أنه مهما زادت الصعوبات، استطاع هذا الفارس الصمود والعودة.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">النقطة الثامنة أنه «حساسٌ» وحنون، وهو أمرٌ قلّما يظهر لديه في الخارج. ففي مسلسل «باتمان المستقبل» وتحديداً في حلقة<span style="mso-spacerun: yes;"> </span></span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">Epiloge</span><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">، نرى باتمان يجلس بجوار «ايس»، وهي طفلة تمتلك قدرات خارقة تعرف بأنها «ستموت»، فيجلس باتمان بجوارها في لحظاتها الأخيرة، مودعاً إياها ومخفّفاً عنها. كذلك الأمر حين يعرف بأن روبن الأول قد مات، فنراه مكسوراً، أو حين يحاول عكس موت ابنه «داميان»، فنراه أباً حقيقاً لا يريد تكرار تجربة «جايسون تود» (روبن الذي قتل). نجده أيضاً في علاقته مع «المرأة الهرة» (كات وومن) التي يفهم أنها «ليست مجرمة» رغم أنها تقوم بسلوك إجرامي. النقطة الأخيرة: أنّ باتمان هو الأصل، وليس بروس واين. وهذه النقطة هي واحدة من أكثر النقاط التي يحبها عشاق هذه الشخصية ويعتبرونها الأهم بالنسبة إليهم. إن باتمان ليست الشخصية الثانية، فيما «بروس واين» هو الأصل. باتمان هو الأصل، فيما بروس واين الشخصية الثانية. نجد تأكيداً على هذا أيضاً من مسلسل «باتمان المستقبل» حين يتعرض باتمان لهجوم عقلي من أحد الأشرار الذي يوحي له بأنه «قد جنّ». باتمان يتغلّب على هذا الشرير لأنه «كنت أعرف بأن هناك شيئاً ليس على ما يرام، فالصوت في داخلي كان يناديني بروس، وهو ليس الاسم الذي أنادي نفسي به». الأمر نفسه أيضاً حين زار باتمان، النار المقدّسة. نار «تحرق» أي «كاذبٍ» أو أي شخص «يضع قناعاً» أمامها. باتمان لم يخلع قناعه فاستغرب الحضور، ليُشير حارس النار: هذا وجهه الحقيقي. أيضاً، حين يمسك باتمان، وسوبرمان، والمرأة المدهشة، بحبل المرأة المدهشة الذي يجبر من يمسكه على قول الحقيقة: ينطق كل واحدٍ بإسم شخصيته الحقيقية، لينطق باتمان: أنا باتمان.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">لهذه الأسباب مجتمعة، يحب الناس وسيحبّون باتمان إلى الأبد. ربما لا لشيء حتى من هذه الأسباب مجتمعة، بل لسببٍ بسيط واحد لم يذكر: أنه باتمان.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"><span style="mso-spacerun: yes;"> </span></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"> </p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">*نشر في صحيفة الأخبار اللبنانية بتاريخ 22 أيلول 2021</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"><a href="https://al-akhbar.com/Literature_Arts/317998"><span dir="LTR" style="color: #00007f; mso-style-textfill-fill-color: #00007F; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%;">https://al-akhbar.com/Literature_Arts/317998</span></a></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"> </p>
اقرأ المقال
<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">على الرغم من أنّ دراسة التاريخ الشفوي في العالم قد بدأت منذ منتصف القرن العشرين، إلّا أنّ المؤرخين الكلاسيكيّين ما زالوا في صراعٍ معه. يعود ذلك الصراع إلى أسبابٍ عدّة أبرزها أنّهم يعتمدون على الوثائق لا على ذاكرة الناس التي هي ـــوبحكم طبيعتها البشريةـــ إنتقائيّة وقابلة للنّسيان. لا يمكن إنكار أنّ هذا الأمر علميّ ومنطقيّ إلى حدٍ ما، لكنّه يستسلم بخنوعٍ للسّلطة الحاكمة التي تستطيع التلاعب، كما إخفاء وإنشاء الأرقام والحقائق على حدٍ سواء. فماذا لو كان المُهيمن على البلد قوة استعماريّة؟ وماذا لو خلَفها احتلالٌ للأرض عمل بشكلٍ ممنهجٍ على إتلاف الأرشيفات؛ والاستيلاء على المكتبات وإحراق المؤسسات والبيوت بما فيها من أوراق وإثباتات هامة؟</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">الاهتمام بالتاريخ الشفوي الفلسطيني وتدوينه مع النّاجين من النكبة عام 1948 بدأ مع الرائدة في هذا المجال روزماري صايغ، الباحثة الأنثروبولوجية البريطانية، زوجة الراحل يوسف صايغ (الاقتصادي والباحث الفلسطيني)، وإن كانت قد سبقتها بعامٍ واحدٍ دراسة للمؤرّخ نافذ نزال تحت عنوان «الهجرة الفلسطينية من الجليل». نشرت صايغ كتابها الأول في عام 1979، المعنون «الفلاحون الفلسطينيون: من الاقتلاع إلى الثورة»، وقد اعتُبر مرجعاً في الدراسات المتعلقة بتاريخ فلسطين الحديث. كرّت من بعدها السّبحة، فكانت هناك دراسات أكاديمية عدّة استندت إلى مقابلات مع الجيل الأول للنكبة في محاولاتٍ لسد الثغرات وكتابة تاريخٍ بديل مقاومٍ للاحتلال الصهيوني ورواياته. لكن تبقى هذه الدراسات والكتب أقلّ من حاجة الشعب الفلسطيني لاسترداد ماضيه الذي سُلبَ منه بقوة السلاح وافتعال المجازر.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">يأتي كتاب «أصوات النكبة: تاريخٌ حيّ لفلسطين» للباحثة البريطانية ــ الأميركية ديانا ألان، أستاذة الأنثروبولوجيا في «جامعة مكغيل» في كندا، (صادر باللّغة الإنكليزية عن «بلوتو برس» في لندن) ليُضيف إلى جهود من سبقوها. يكلّل هذا الكتاب مشروعها الذي بدأت العمل عليه مع الناشط الفلسطيني محمود زيدان في عام 2002، لخلق «أرشيف النكبة» الذي بات يحتوي على 500 تسجيل بالصوت والصورة، لفلسطينيّين هُجّروا من 132 قرية. انطلقت ألان من مخيم شاتيلا في بيروت، حيث سكنت لسنوات عدّة وكتبت عنه مقالات أكاديمية، ثم نشرت كتابها الأول المبنيّ على دراساتها للمخيم. لاحقاً، تطوّر مشروع الأرشيف ليشمل المخيمات الإثني عشر التي أنشأتها الأونروا، بالإضافة إلى التجمّعات غير الرسمية في لبنان. في عام 2010، تبرّعت ألان بضمّ شهادات جيل النكبة إلى أرشيف التاريخ الشفهي الفلسطيني (</span><span style="color: #767171; font-family: Simplified Arabic, serif; font-size: 21.3333px;">Palestinian Oral History Archive- POHA)</span><span dir="LTR" style="font-size: 16pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic, serif; color: #767171;"> </span><span lang="AR-AE" style="font-size: 16pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic, serif; color: #767171;">في مكتبة «الجامعة الأميركية في بيروت»، فأصبح متاحاً للباحثين والدارسين والمهتمين منذ عام 2019.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">شكّل هذا البحث، دراسةً جديدة تستحقّ أن يطّلع عليها كلّ من هو مهتم بتاريخ فلسطين الحديث منذ الانتداب البريطاني إلى النكبة، وما تلاها من تهجير قسري. يقوم الكتاب ــ ولربما للمرة الأولى في تاريخ هذه النوعية من الدراسات ــ على أربعة أبوابٍ تتناول مواضيع رئيسيّة رُتّبت وفقاً للتسلسل الزمني: الحياة في فلسطين قبل عام 1948، الانتداب البريطاني والمقاومة الفلسطينية والعربية، الحرب والتطهير العرقي والهروب والنّفي. يحتوي كل جزءٍ من الكتاب على ثلاثة فصولٍ كتبها باحثون متنوّعون، باستثناء الباب الأول الذي يضمّ أربعة فصول. يعمل معظم المشاركين في الكتاب كأساتذة جامعيّين في جامعات معروفة مثل: بيرزيت في فلسطين، جامعة لندن، جامعة كاليفورنيا في سانتا باربارا وجامعة مونتريال في كندا. فضلاً عن هذا، فإنّ معظمهم لديه مؤلفات عن فلسطين، على سبيل المثال لا الحصر: سلمان أبو ستّة المؤرخ الفلسطيني المعروف، صاحب «أطلس فلسطين 1917- 1966» (2010)، ومديرة مركز الدراسات العربية المعاصرة في «جامعة جورج تاون»، روشيل ديفيس مؤلّفة كتاب «تاريخ القرى الفلسطينية: جغرافية الشتات» (2011).</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">تنطلق ألان في مقدمة الكتاب من السؤال عن معنى النكبة، الذي طرحه المؤرخ القومي العربي الراحل قسطنطين زريق في كتابه «معنى النكبة» (1948). تحاول الإجابة عنه عبر مجموعة المقابلات التي بُنيت عليها هذه الدراسة، بلسان الجيل الأول الذي يروي في شهاداته عن أسلوب الحياة القروي قبل النكبة، والتعليم الذي حصّله (أو لم يفعل)، وما عايشه خلال ثورة الـ36، وما رأى بأمّ عينه من اقتحامات للقرى، وإعدام جماعي، ومجازر وحشية. بالاستناد إلى كلام المؤرخ الفلسطيني جوزيف مسعد، تشرح الباحثة أنّ النكبة لم تكن يوماً الحدث الذي حصل في عام 1948 وانتهى بعد التطهير العرقي للفلسطينيين والنزوح؛ بل يجب تحديدها على أنّها «نكبة مستمرة» يعيشها الفلسطيني منذ بدء تنفيذ المخطط الصهيوني، إلى طرد الفلسطينيين من أراضيهم، واللجوء، وكل ما مرّ عليهم بعد النكبة. نجد النكبة في حال المخيمات وسكانها المحرومين من الجنسية ومن حقوقهم المدنية في لبنان، وفي مجزرة صبرا وشاتيلا، وفي الصدمة الجمعية التي يتعايش معها الناجون، كما في كل معاناة تمرّ على أجيال الشعب الفلسطيني منذ عام 1948.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">في تقديمه لتاريخ الفترات الزمنية والأحداث، يعتمد الكتاب على ثلاثين شهادة لمجموعة من الرجال والنساء من «جيل النكبة»، اختيروا لتنوّع انتماءاتهم الدينية والاجتماعية والطبقية، فكان من بينهم المسيحيون، المسلمون، الفلاحون، فقراء المدن، والنخبة المثقفة. هذه الشهادات/ المقابلات نجدها مكتوبة في كل فصل، فالفصل الثاني عشر على سبيل المثال، يحوي مقاطع من مقابلتين للحاجة صبحية سلامة، المولودة في الزاهريّة في فلسطين والتي تقطن في مخيم عين الحلوة في صيدا، ومقابلة ثانية للحاجة آمنة بنات من قرية الشيخ دنّون (والمعروفة باسم «أم عزيز الديراوي» في مخيم برج البراجنة في بيروت) التي فقدت أربعة من أبنائها في اجتياح بيروت عام 1982. أمّا الفصل الحادي عشر، فيتناول مجزرة اللّد التي نفذها العدو الصهيوني في التاسع/ العاشر من تموز (يوليو) وفقاً لـ «عملية داني» والتي راح ضحيّتها مئات الفلسطينيين. بالإضافة إلى المصادر التاريخية والأكاديمية، يستند هذا الفصل إلى مقابلتين مع الفنان الفلسطيني الراحل اسماعيل شمّوط، ورينيه كوته </span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">Renee Kutih</span><span style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"> <span lang="AR-AE">المولودة في رام الله.</span></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">في نهاية الكتاب كلمة للباحثة صايغ تعرض فيها أزمة تعليم التاريخ الفلسطيني، فليس هناك من كتاب لهذا التاريخ. كما أنّ مدارس الأونروا لا تسمح بتدريس طلابها تاريخ فلسطين الحديث. هذا الأمر يعزّز من أهمية «أرشيف النكبة» والألف ساعة من التسجيلات التي يحويها، مما دفع ألان إلى استكمال العمل على المشروع عبر تحويله إلى أرشيفٍ رقميّ (موقع إلكتروني يجري العمل عليه حالياً) تُضاف إليه مواد إبداعية (قصص قصيرة، وربما قصص مصورة)، كما تحميل بعض المواد التعليمية ومساهماتٍ من مؤلفين وفنانين تساعد في إغناء الموقع وجعله متاحاً للأساتذة والدارسين المهتمين في تدريس تاريخ النكبة.</span><span style="color: #767171; font-family: Simplified Arabic, serif; font-size: 16pt;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">كتابٌ مهمٌ يجب ترجمته سريعاً إلى اللغة العربية، ذلك أنَّ المعلومات التي بداخله ستسهم كثيراً في الإضاءة على جوانب مهمّة من تاريخ فلسطين. يُعاب عليه بالتأكيد أنه أكاديمي إلى حدٍ كبير، مما يُفقده قدرة التواصل مع القارئ العادي، ولربما حتى هو كُتِبَ للباحث الغربي قبل العربي في الأساس، لكن هذا لا يمنع - البتة - أنه جهدٌ كبير.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span style="font-family: Times New Roman, serif; font-size: 14pt;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-bidi-language: AR-AE;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">*نشر في صحيفة الأخبار اللبنانية بتاريخ 30 أيلول 2021</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; mso-bidi-language: AR-AE;"><a href="https://al-akhbar.com/Literature_Arts/318891"><span dir="LTR">https://al-akhbar.com/Literature_Arts/318891</span></a></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Times New Roman,serif; mso-ascii-theme-font: major-bidi; mso-hansi-theme-font: major-bidi; mso-bidi-theme-font: major-bidi; mso-bidi-language: AR-AE;"> </span></p>
اقرأ المقال
<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">منذ اليوم الذي وطئت فيه قدم العصابات الصهيونية أرض فلسطين، بغرض احتلالها، مارس العدو الصهيوني حرب إلغاء على الشعب العربي الفلسطيني هناك. اعتنقت تلك العصابات القاتلة ديانة التصفية(</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">eradication ideology</span><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">)</span><span dir="LTR" lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"> </span><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">لمجموعات كاملة من الشعب الفلسطيني، وهو أمرٌ سبق للاحتلال الأميركي أن مارسه مع قبائل السكان الأصليين من خلال تطبيق ذات العقلية والمنطق، فقتل ملايين (يمكن العودة لكتب الأستاذ منير العكش حول الإبادات الأميركية للسكان الأصليين، ككتاب "دولة فلسطينية للهنود الحمر"). بدأت العصابات الصهيونية كالشتيرن والهاجانا والبلماخ تتسابق فيما بينها، للوصول إلى السلطة من خلال "أبشع" المجازر وأعنفها تجاه سكان فلسطين العزّل وغير المدربين، فكانت بدايةً مجزرة سوق حيفا في العام 1937، وصولًا حتى مجزرة دير ياسين 1948، ولم تتوقف المجازر حتى كتابة هذا المقال.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">أُسس الكيان العبري على إستراتجية الاغتيالات السياسية والقتل الممنهج والجغرافيا المحروقة كليةً، كمنطلقٍ لبناء هوية الدولة. تم التوقيع على الاستراتيجية عام 1914، إبان مؤتمرات الصهيونية الأولى. بدأت بعدها المجازر في كل فلسطين؛ مذابح بطول البلاد وعرضها لم يسلم منها لا البشر ولا الشجر ولا الحجر. تلك العقيدة التي تمثلت ببث الرعب في نفوس الشعب الصامد في أرضه والتي اعتنقتها لاحقًا الأحزاب اليمينية في لبنان فكانت مجزرة صبرا وشاتيلا.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">”تمت محاصرة المخيم“، هكذا ردد الضابط الصهيوني شلومو بن بنيامين عبر جهازه، وما هي إلّا دقائق حتى دخلت قوات إيلي حبيقة (قائد المجلس السياسي في القوات اللبنانية آنذاك) تعاونها قوات سعد حداد (قائد ما سمي بجيش لبنان الجنوبي) مدعومة بحقد هائل. قد يسأل أحدهم يومًا أين كانت الناس والدولة والأحزاب التي رفعت شعار الوطنية؟ أين كان كل هؤلاء الذين امتشقوا سلاحًا بوجه الصهيونية يومًا؟ كان المقاتلون الفلسطينيون قد غادروا بيروت عبر بواخر حملتهم بسلاحهم بعيدًا عن لبنان بُعْيدَ اجتياح العدو الصهيوني في العام 1982، على إثر اتفاقيةٍ لجلاء الثورة الفلسطينية تم توقيعها آنذاك. كانت المخيمات بكليتها دون بندقية فلسطينية تحميها. خارج المخيّم؛ لم يرفع أحد صوته لتتوقف المجزرة التي استمرت لأيامٍ طوال، وخلّفت آلافًا من الشهداء المقطعة أوصالهم بطريقةٍ وحشية، تليق بالصهاينة الجدد.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">أطفال كانوا بالأمس يلعبون الكرة في زواريب المخيم الفقيرة، ونساء كنّ يصنعن مؤنة؛ كنوعٍ من المقاومة الثقافية. دخل القتلة بعد رفع مكبرات الصوت بعبارة”سلم تسلم“، يحملون رايات بيضاء، فخرج عليهم الأطفال والنساء وكبار السن. ساعتها بدأت “المقتلة”. كانت حفلة من الجنون الكامل مارسها حزبا الكتائب والقوات اللبنانية؛ ميليشيا جيش لبنان الجنوبي والعدو الصهيوني يدًا بيد. اغتصبت النساء قبل قتلهن، بقرت بطون الحوامل قبل قتلهن، كما لو أنّ القاتل أراد إيصال ذات الرسالة التي أراد الصهيوني قبله بسنوات إيصالها: الإبادة الكاملة.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">يومها تغيّر كل شيء حسب تعبير الصحافيين الذين دخلوا إلى المخيم. كانت الدماء تنتشر على الأرض في كل مكان. بعض الجثث ما زالت الفؤوس فيها. قرب المدينة الرياضية كان هناك حفرة كبيرة مليئة بالجثث لم يستطع أحد الأقتراب منها، حتى أنّ الرائحة كانت تصل حتى محيط السفارة الكويتية (المنطقة التي تدعى دوار الجندولين اليوم). كانت أجساد بعض الشهداء لا تزال معلقةً أمام منازلهم شاهدةً على الوحشية. انهار الصحافيون على الأرض من هول ما شاهدوا. أكثر من ثلاثة آلاف شهيد تمت تصفيتهم على مدى ثلاثة أيام كاملة، لم يسلم أحد. لبنانيون ومصريون ومغاربة وجزائريون. كل من كان في المخيم كان عرضة للقتل والتنكيل والاغتصاب. كل هذا القتل والقصف كان يتم دون أن ينزعج أحد، دون أن يصرخ أحد، دون أن يحاسب أحد. كل المشتركين في المجزرة كانوا –ولا زالوا- معروفين: إيلي حبيقة أصبح وزيرًا، آرييل شارون أصبح رئيس وزراء، فيما سعد حداد استمر في وجوده على رأس ميليشياه!</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">من جهته مناحيم بيغن رئيس وزراء العدو آنذاك، ثبَّت الفكرة حينما قال "أناس غير يهود قتلوا أناسًا غير يهود، ما شأننا نحن؟". وللحق كان يكذب بصوتٍ مرتفع، فهُم”أم الصبي“؛ فالصهاينة هم من سلحوا ودربوا والأكثر من ذلك هم من أعطى ذلك”المنطق القتلي“ لهؤلاء المجرمين.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"> </span><span style="color: #767171; font-family: Simplified Arabic, serif; font-size: 16pt;">في المحصّلة لا تزال صبرا وشاتيلا جرحًا كبيرًا في وجه الوطن العربي بمواجهة الصهاينة، لأنها مجزرة لم تتم معاقبة مرتكبيها حتى اللحظة ولم يتم حتى التشهير بهم لما فعلوه وارتكبوه من فظائع ومصائب.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"> </p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">*نُشر في موقع "الناشر" بتاريخ 25 أيلول 2021</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif;"><a href="https://annasher.com/?p=3020"><span lang="AR-SA">في صبرا وشاتيلا.. كانوا نيامًا - موقع الناشر</span><span dir="LTR"> (annasher.com)</span></a></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"> </span></p>
اقرأ المقال
<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">لا يطرح «حماة الباب الأخير: شهادات من ساحة الفداء بالدّراز» سؤال الإشكالية الأهم: «ماذا عن مملكة البحرين والبحارنة؟»، وإن كان يحاول الإجابة على غيره وبوضوح. لا يعرف كثيرون خارج «الخليج العربي» الفارق بين «البحريني والبحراني».</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">ما يتحدّث عنه الكتاب هو «البحراني» تحديداً وقبل أي شيء. قد يسأل بعضهم عن سبب استعمالي لكلمة «بحارنة» ههنا عوضاً عن «بحرينيين/بحرينيون». بحسب كتاب «القبيلة والدولة في البحرين» (1975) للكاتب اللبناني فؤاد إسحاق الخوري، إنّ «البحراني/ البحارنة» لها مدلول لغوي واجتماعي يرجع إلى السكان الأصليين لجزر البحرين، بينما ترمز كلمة «البحريني/البحرينيون» إلى ظهور المدينة الحديثة التي أنشأتها القبائل الغازية لجزر البحرين أواخر القرن الثامن عشر وما تلقفه آل خليفة في سيطرتهم على الجزر (يمتد تاريخ هذه القبائل إلى عدّة قبائل، لكن أبرزهم آل خليفة الذين تسيدوا المشهد السياسي). يحاول النظام البحريني -يومياً- السيطرة على ذاكرة البلد عبر تغيير الحقائق وتأطير الأحداث، خاصة في السنوات الأخيرة التي يسعى فيها لقمع المعارضة بكل الوسائل المتاحة. من هنا تأتي المحاولات -ولو الخجولة- للحفاظ على التاريخ الشفهي في المنطقة، والتي بمعظمها -وللأسف- غربية. عربياً، يمكن الحديث عن بعض المؤسسات الفاعلة في حفظ الذاكرة الشفهية، كـ «مركز أوال للدراسات والتوثيق».</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">لطالما كان التاريخ لعبة الطرف المُهيمن على حيزٍ جغرافي ما. يُسْرَدُ التاريخ حسب رواية المنتصر التي قد تختلف كثيراً عن حقيقة الماضي والأحداث الحاصلة. في كتابه «الاستشراق» (1978)، يقول المفكر والمنظّر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد: «إن تاريخ المنطقة يكتبه المُحتل لا الشعب الخاضع للاحتلال». تناول هذه العلاقة بين توثيق التاريخ والقوة، الفيلسوف الأميركي نعوم تشومسكي في قوله: «التاريخ مُلكٌ للمنتصر» في مقدمته لكتاب «الفلسطينيون: من فلاحين إلى ثوار» (1979) للباحثة ورائدة التاريخ الشفهي الفلسطيني روزماري صايغ. لكن مقابل التاريخ الرسمي الذي يكتبه المسيطر على الأرض، هناك نوع من أنواع المقاومة لسكان هذه الأرض الأصليين الذين يعرفون بلادهم حق معرفة، فيرفضون رواية التاريخ الرسمية عبر تناقلهم وتوارثهم لتاريخهم الشفهي. يعتبر التاريخ الشفهي صوت الناس الذي يجري تجاهله -عن قصد- عند كتابة التاريخ الرسمي. يروي هذا التاريخ البديل، الأحداث تبعاً للأشخاص الذين خاضوا التجربة وكانوا جزءاً أساسياً من الحدث. قد يبدو بديهياً الحديث عن أهمية التاريخ المقاوم لدى السكان الأصليين للقارة الأميركية الذين واجهوا الإبادة، أو الأفريقيين الذين تعرضوا للاحتلال والاضطهاد، أو الفلسطينيين الذين يقاومون الاحتلال الصهيوني ورواياته عن تاريخ فلسطين القديم وحرب النكبة وقضم الأراضي.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">هنا يأتي دور «مركز أوال» الذي تأسّس في عام 2012 ليتخصّص في مشروع حفظ الذاكرة البحرينية (والبحرانية ضمناً، ذلك أن المركز يروي تاريخ الطرفين حكماً)، بدايةً عبر توثيق المستندات الورقية والإلكترونية، ثم توسّع ليشمل تدوين وحفظ التاريخ الشفهي لشخصيات ومناسباتٍ وأحداث بحرينية. يتيح المركز هذه الوثائق وغيرها من المواد الأرشيفية للباحثين والمتخصّصين بهدف دراستها وإنتاج معرفة جديدة تضاف إلى هذا المجال. في «حماة الباب الأخير»، يوثق المركز المواجهات التي بدأت في منتصف عام 2016 بين السلطة والمعتصمين في ساحة الفداء في منطقة الدّراز؛ المنطقة التي يسكنها الشيخ عيسى قاسم، زعيم المعارضة البحرينية القوي؛ بعدما حاكمته السلطات الحاكمة وأسقطت عنه الجنسية. يروي الكتاب التصعيد العنيف الذي حصل خلال الهجوم الأخير، ما أدى إلى اعتقال مئات الشبان واستشهاد عدد منهم. ما يميّز هذا العمل هو حفظه لذاكرة الساحة كفضاء جغرافي، عبر قصص من التاريخ الشفهي لأشخاصٍ عايشوا الأحداث التي مرّت على الساحة خلال فترة زمنية تعادل السنة تقريباً.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">تعتبر ساحة الفداء، بما حصل داخلها من تظاهرات ومعارك، فضاء (مكانيّاً) مقاوماً للسلطة المهيمنة، حسب ثنائية المكان والفضاء بالنسبة إلى المفكر الفرنسي ميشال دو سارتو. فهي «مكان الفعل» أو «مكانٌ مُمارس» من قبل الناس الذين حوّلوها من مجرّد مكان جامد إلى فضاء غنيّ بحركة الأشخاص المعارضين وخطاباتهم وممارساتهم الدينية والاجتماعية. بدأ الاعتصام في شهر رمضان، فكان الإفطار وتوزيع الطعام وصلاة الجماعة في الساحة. تحوّلت الساحة إلى منصّة لإحياء مناسبات دينية عدة، كاستشهاد الامام علي وإحياء ليلة القدر وقيام صلاة العيد وليالي عاشوراء. في المقابل، قامت قوات الأمن بالتضييق على المعتصمين أولاً، ثم حصارهم والاعتداء على الساحة واعتقال الشبان. لم يفوّت النظام البحريني فرصة لخرق الاعتصام وفرض سيطرته على الساحة. أطلقت قوات الأمن البحرينية الرصاص أكثر من مرة، وهاجمت بالآليات العسكرية والمدرّعات الساحة، فسقط الشهداء.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">إنّ تدوين وتوثيق أحداث معركة ساحة الفداء يُسهمان في حفظ التاريخ الحديث للشعب البحريني بعيداً عن الرواية الرسمية التي يعيد تركيبها النظام الحاكم ويقدمها للإعلام وفقاً لمصالحه. كما أنّ الاهتمام بذاكرة المكان الذي يخضع لتغييرات كثيرة مع الزمن، يفتح المجال أمام دراسات مشابهة، تحمي الشعوب وتاريخها من العبث به.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"><span style="mso-spacerun: yes;"> </span></span><span lang="AR-AE" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">*نُشر في جريدة الأخبار بتاريخ: 16 نيسان 2021</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"><a href="https://al-akhbar.com/Literature_Arts/304107"><span dir="LTR" style="color: #00007f; mso-style-textfill-fill-color: #00007F; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%;">https://al-akhbar.com/Literature_Arts/304107</span></a></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"> </span></p>
اقرأ المقال
<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">لا يعرف كثيرون خارج البحرين، عن الوضع الحقيقي الذي مرّت ولا تزال تمرُّ به تلك البلاد الوادعة، الجالسة على كتف الخليج العربي. يأتي كتاب «حماة الباب الأخير: شهادات من ساحة الفداء بالدراز» (مركز أوال للدراسات والتوثيق)؛ واحداً من تلك الأصوات القوية التي تروي ما حدث في إحدى المواجهات الحاسمة في تاريخ ذلك البلد الصغير.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">هو صراعٌ بين «شرعية» السلطة الحاكمة المستمدّة من عائلة إقطاعية/ ملكية تحكم بالحديد والنار، وبين معارضة اختارت السلمية كأسلوب مواجهة، على غرابة ذلك الاختيار وابتعاده عن طقوس المنطقة وفولكلورها المسلّح. الحكاية التاريخية هي أنَّه في عام 2016، أعلنت السلطات البحرينية إسقاط الجنسية عن الشيخ عيسى قاسم المرجع الديني، والمفكر الرئيسي للثوار البحارنة، والمرشد لجمعية «الوفاق» البحرينية، المعارض الأبرز والقوي لنظام الملك حمد بن خليفة.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">يومها، انطلق على مدار عامٍ تقريباً، اعتصامٌ مفتوحٌ في منطقة «الدراز» حيث يقطن قاسم. على مدى عامٍ كامل، مارست السلطات البحرينية، جميع أنواع السلوكيات التي تشابه إلى حدٍّ كبير – بحسب الكاتب – سلوكيات العدو الصهيوني في التعامل. إذ يروي الكتاب بالتفصيل كيفية «حصار» الناس، والحواجز العسكرية المسلّحة، وطرق الاعتقال ووحشيتها وقسوتها التي لا تشبه سلوك الشرطة المعتاد، في التعامل مع مواطنيها: «أخرجونا من بيت الشيخ، وأمرونا بالوقوف في مواجهة الحواجز الإسمنتية التي تحيط بالبيت، وبعد وقت أمرونا أن نلتفت إلى الخلف ونقابل «الحوش».</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">وهنا رأينا المشهد الكربلائي: الشهداء والمصابون ملقون على الأرض ودماؤهم تجري. وعلى الرغم من اصطفاف سيارات الإسعاف على طول الشارع، لم يتم إسعاف أحد من الشهداء أو المصابين. وما إن قلت نعم، حتى بدأ بصفعي على وجهي وأسناني وركلي في كل الجهات». تتوالى شهادات المشاركين والمشاهدين وحتى الشهداء في تلك المواجهات.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">يتناول الكتاب في فصوله الخمسة، خمس جنباتٍ للحدث: المرابطون عند الباب الأخير، المذكرات من ساحة الباب الأخير، الاقتحام الذي حدث، رجال الدين ومواقفهم (وهم بداخل الساحة وفي قلب المواجهة)، وأخيراً شهداء الباب الأخير. تبرز في العمل الرمزية العالية واستخدام كلمة وفكرة «الباب الأخير» التي توضحها مقدمة الكتاب بلغةٍ عالية: «لماذا الباب الأخير؟ لأنه الرمز الأخير لهذا الوجود الذي انتهكت أبوابه كلها برعونة مستبدّة: باب حريته وباب حقوقه وباب عقيدته. الرمز الديني هو آخر الأبواب التي يقيم –حتى المستبد- لها وزناً ويتجنّب الاصطدام المباشر بها. ظنّ البحرينيون أن السلطات لن تتجرأ على هتك هذا الباب الأخير بما يمثله من رمزية خاصة».</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">المهارة نفسها في استخدام «قوة الرمز» وسحره من خلال العناوين الفرعية في الكتاب. ففي كل فصلٍ، نجد عناوينَ تشدّ القارئ. مثلاً، نجد «الشهيد محمد كاظم زين الدين: رائحة العطر الأخير» أو «محمود عطية: يوميات الحرّ والبرد والمطر والمداهمات والوفاء والذاكرة الثرية»، «الشهيد محمد الساري: وهل أوثق من سبب بينك وبين الله»، أو «الشهيد محمد العكري: أمسك الباب»، الجملة التي تذكّر بجملة </span><span dir="LTR" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">hold the door</span><span lang="AR-AE" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"> من مسلسل «صراع العروش» الشهير؛ وهذه المهارة تذكّر بـ«صنعة» تقديم صورةٍ متكاملة، مرئية، بصرية، مكتوبة بحرفةٍ عالية.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">إحدى نقاط قوّة الكتاب أيضاً، أنه يسجّل بدقة ما يرويه الشهود لما حدث يومها، فيصبح القارئ، جزءاً من المواجهة. هناك حرفة التصوير العالية للمشهدية: «خلف مبنى جمعية التوعية الإسلامية، يوجد مدخلٌ بسيطٌ محاصر بأسلاك شائكة وحواجز إسمنتية؛ وقبله بأمتار، وُضعت نقطة أمنية، وبعده بأمتار، تمركزت سيارة أمن، فكان الدخول من خلاله مجازفة، على مستوى السلامة الشخصية لأنه قد يتعرض لجروح أو غيرها، وكذلك على مستوى الوضع الأمني، لأنه قد يتعرض للاعتقال».</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">إذاً هو تصويرٌ متكامل، كما لو أننا أمام شريطٍ سينمائي. هذا النوع من التسجيل قلّما نجده في كتابٍ عربي، إلّا في بعض كتاب تسجيل «الذاكرة الشفهية» للشعوب، وهي قليلةُ للأسف. يروي الكتاب في تلك الفصول ما يمكن اعتباره، واحدةً من التجارب الرئيسية للثورة البحرينية، ويقدّم نوعاً من «القراءة» الخاصة ليس لما حدث فحسب، بل أيضاً لطريقة تفكير وسلوك تلك المعارضة «السلمية» لربما الوحيدة في العالم العربي.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">طبعاً واحدة من نقاط الانتقاد الرئيسية للكتاب، أنه ليس موجّهاً إلى القارئ العربي عموماً، بل هو نوع من «حفظ الذاكرة» أو «الحوار» الداخلي بين المعارضين البحارنة أنفسهم. مثلاً ليس في مقدمته أي «شرح تفصيلي» لما حدث في تلك المواجهات. صحيحٌ أن هناك ملحقاً في ختام الكتاب يفصّل تقريباً باليوم أحداث تلك السنة، لكنه يبدو موجهاً إلى جمهورٍ معين مرتبط بمحورٍ معين. إذ تجاهل المواقف «العالمية» واكتفى بجانبٍ وإطار محدديْن (كرجال الدين الشيعة المعروفين، أو مواقف محور المقاومة مما يحدث). ضرورة حضور «الملخص التاريخي» رئيسية، خصوصاً لمن لا يعرف تاريخ البحرين الحديث وما يحدث فيه هذه الأيام خارج رواية السلطة البحرينية الحاكمة، وهم كُثر للغاية. كانت مقدمةٌ أولى تشرح البعد التاريخي، السياسي، والجغرافي لما يحدث لتحلّ هذه المشكلة.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">في المحصّلة، هو كتابٌ شديد الأهمية لقارئ يريد أن يعرف ما حدث لـ «إحدى أكثر الثورات سلمية في التاريخ المعاصر».</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">*نُشر في جريدة الأخبار بتاريخ: 16 نيسان 2021</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"><a href="https://al-akhbar.com/Literature_Arts/304108"><span dir="LTR" style="color: #00007f; mso-style-textfill-fill-color: #00007F; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%;">https://al-akhbar.com/Literature_Arts/304108</span></a></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"> </span></p>
اقرأ المقال
<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">في قصة «ثلاث صور» القصيرة، يشرح غسّان كنفاني، كيف أنَّ الأحلام هي عبارةٌ عن توقيت أكثر من كونها أي شيءٍ آخر. تنتظر البطلة الطفلة هديتها الأثيرة: بنطال أحمر، لكنّ الهدية نفسها سرعان ما تفقد قيمتها الفعلية، حينما نعرف بأن الفتاة قد تعرضت لبترٍ في الساق، مما يجعل الهدية بلا قيمةٍ فعلية أو كما يعرف باللغة الإنكليزية </span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">obsolete</span><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">، أي بلا جدوى.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">اليوم وفي ميلاد كنفاني، تعود فكرة «الجدوى» إلى الواجهة من خلال كل شيءٍ حول الشعب الفلسطيني بحد ذاته: انتخاباتٌ لا تعني أحداً للا بمقدار مشاركيها ومحازبيهم ومن لف لفيفهم. تطبيع عربيٌ محموم، من رأس الهرم إلى أسفله، قضيةٌ تتأرجح بين النهاية والنفس الأخير، وبالتأكيد شعب فلسطيني منقسمٌ حول ذاته بدون أي إدراك لنهايةٍ قريبة.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">في رواية «رجال في الشمس»، يشرح كنفاني كيف أنَّ الإهتمامات الرئيسية للشعب الفلسطيني كانت في الخروج من «الجحيم» المفروض عليه بكل الطرق، وأنّه «يطرق» جدران الخزان، لكن ليس من أحدٍ يستمع إليه. اليوم وبعد سنواتٍ طوال: لايزال الفلسطينيون يقرعون جدار الخزّان ثقيل الدم والظل معاً، كما لا تزال النتيجة ذاتها: لا أحد يسمع أو يستمع. المشكلة كما أراد كنفاني أن يشير إليها هي أنَّ الموضوع مرتبطٌ بزاوية الرؤية والجدوى ذاتها: ما الفائدة إن «قطعت أطرافك» وأنت تطرق جدار خزانٍ لا يريد صاحبه أن يستمع إلى صراخك. في الإطار نفسه، يشير محمود درويش إلى نظرية «يريدونني أن أموت لكي يمدحوني» وأن الفلسطيني «الجيد» هو الفلسطيني «الميت» كما يحببه إخوته، إخوة النبي يوسف الذين أشار إليهم «وهم سمموا عنبي يا أبي» في قصيدة «أنا يوسف يا أبي». </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">إنها صورة الفلسطيني بحد ذاته، التي يريد «الآخر» خلق جدوى خاصة به حولها: إما ينفذ الفلسطيني ما يريدون ويلبس الثياب التي يريدونه أن يلبسها، أو يفقد جدواه. المشكلة أنه متى ما فعل ما يريدونه، فقد «جدواه» الخاصة. من هنا خلق أبوعمّار معادلة «جدوى الفلسطيني الخاصة»، أو «القرار الفلسطيني المستقل» ولو «يصبح الأمر تطبيقياً» لكنه كان «ذا جدوى فلسطينية خاصة» كما أشار ناجي العلي ذات مرّة.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">اللافت الدائم في أدب غسان كنفاني، هو حديثه عن الجدوى في كل التفاصيل: مثلاً في رواية «عائد إلى حيفا»، يشرح جدوى الاستمرار بالتمسّك بأقل التفاصيل، لأنه في اللحظة التي تختلط الصور، وتصبح كل الأشياء غير واضحة، التفاصيل الصغيرة، هي التي تبقى وتحافظ على تماسك الصورة ككل. بمعنى إهتمام الجدّة مثلاً بأدق تفاصيل حفيدها، من الوشاح الذي كان يرتديه، إلى الغطاء الذي كان عليه إبان ضياعه. هذه التفاصيل، ظلت تسكن لا القصة فحسب، بل أي قارئٍ يتابعها. إنها التفاصيل الصغيرة التي تعطي جدوى للحدث الكبير. يأتي اللقاء بين الجدّة والحفيد ليرسم صورةً أكثر وضوحاً وينتظر القارئ كما الجدة جدوى تلك التفاصيل التي تكوّن الصورة كاملة. الأمر نفسه ينسحب على رواية «موت سرير رقم 12» التي نرى فيها جدوى من نوعٍ آخر مختلف. إنها الأسئلة التي «نجد لها لظروفنا» أجوبةً خاصة، هي ليست أصلاً الأجوبة الحقيقية لتلك الأسئلة، لكنها تريح والأكثر أهمية أننا نصدّقها. إنها أجوبة الأم/ الجدة الفلسطينية لأبنائها/ أحفادها حول العودة وفلسطين ومفاهيم المقاومة. كيف تفسّر أمٌ فلسطينية اليوم هذه المفاهيم، لأجيال الانترنت والتليفون الذكي؟ بحسب دراسة للجامعة العبرية، فإن القضية الفلسطينية كان من المفترض أن «تنقرض» في الأعوام 2012-2015، لماذا؟ لأن أجيالاً جديدة –بحسب الدراسة- ستخلق بعيدةً كل البعد عن مفهوم «الصراع» وأصله. لم تنته القضية، لأنه بحسب كنفاني، الأجوبة «التي اخترعتها الأم الفلسطينية» جعلت الاستمرارية فعلاً حقيقياً. </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">إنها ذات الفكرة التي يقاربها محمود درويش أيضاً، حينما يشير إلى أهم فكرة في القضية الفلسطينية، أنها «قضية محكية/مروية» قبل أي شيء: «تكلّم، تكلّم، لأسند رأسي على حجر، لنا وطنٌ من كلام». هذا الوطن الكلامي، كانت ميزته الخارقة بالنسبة لكنفاني في غير موضع أنّه «محمول في العقول والقلوب قبل أي شيء». إنه «الوطن ألا يحدث كل هذا يا صفية» الجملة التي أستهلكها رواد الانترنت، والتي ما عرفوا بأنَّ كنفاني وضع فيها أهم اسراره: الوطن، بمفهومه الفلسطيني الكنفاني، يحدث حينما لا يحدث كل ما حدث. إنها الجدوى في أبرز صورها: إن جدوى كل ما حدث أن يعلّمنا بأن كل ما حدث «صار» لأنه لا وطن حتى اليوم، وما أن نصل بدواخلنا إلى مفهوم الوطن، ستصبح إمكانية حدوثه «واقعاً»، واقعاً محسوساً مطبقاً قبل أي شيء.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">نُشر في صحيفة الأخبار اللبنانية بتاريخ 9 نيسان 2021</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"><a href="https://al-akhbar.com/Literature_Arts/303558"><span dir="LTR" style="color: #00007f; mso-style-textfill-fill-color: #00007F; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%;">https://al-akhbar.com/Literature_Arts/303558</span></a></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"> </span></p>
اقرأ المقال
<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">في أوّل مرةٍ التقينا؛ هنا في بيروت حينما كنتَ ضيفاً على مهرجانٍ للشعر المقاوم، كنتُ مبهوراً بك؛ فأخذت بالتحدّث بسرعة المفتون بحرفة أستاذه. قلت لي بلكنتك المحببة: «يا عبدالرحمن -مشدداً على الدال تحبباً وحرفةً في اللغة التي سرعان ما أصبحت جزءاً من صداقتنا- تحكي بسرعة حال الحب والافتتان». قلتها وضحكنا معاً. يومها كانت الطريق إلى «مليتا» الطويلةُ عادةً قصيرةً للغاية. دخلنا المحاضرة، بعد نصف ساعة، كنتُ قد وهنتُ من الكلام المتكرر والمعاد، نظرتُ إليك وأنت جالسٌ بجانبي. أحد أهم الشعراء الفلسطينيين، أحد الأربعة الكبار شعرياً وأدبياً، وخالق أسطورة «الجفرا»، نظرتُ إليك وقلتُ بصوتٍ هامس: سأهرب من القاعة. نظرت إلي ثم قلت: اطلع وسألحقكَ. لم أصدق أنه من الممكن أن تفعلها، وفعلاً بعد دقائق خرجت: «قلتلهم ظهري وجعني» قلت ضاحكاً. وتمشينا معاً لأكثر من ثلاث ساعات في معلم مليتا. خفتُ عليك من التعب خلال ذلك الوقت، لكنك صححت لي: «بعدني شباب»، فأكملنا. قلت لي إن الطريق هذا -طريقنا نحو فلسطين- طويلٌ وموحشٌ ووحيد. وأنّه علي ألا أسلكه، ثم ضحكت وأردفت: شو يعني هو خيار، طالما انت هيك، رح تمشيه، ثم أردفت: «بس اصحك تمشيه لحالك»، أخبرته بأنني لستُ وحيداً.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">حكيت لي كيف بحثت عن جفرا، سنوات وسنوات، حكيت لي عن محمود درويش وعلاقتك به، وسخرنا كثيراً من مدعي الشعر، وقرأت لي من شعرك الكثير. اللذة في كل هذا؟ أنك أصغيت إلى كلامي وسمعتني أتحدث كثيراً عن الحياة والدنيا والحب والفكر. حدثتني عن طلابك في الجامعة، وكيف أنَّك تعاني أحياناً من عدم اهتمام أجيالٍ جديدة باللغة العربية، وكيف أنَّ المشكلة في من يعلّمون، لا في اللغة. حكيت عن فلسطين، عن ديوانك الذي كان جديداً آنذاك «البنات البنات»، وكيف أنَّ اللغة الشعرية تتطوّر، وأن الشاعر الذي لا يتطوّر يفنى وينقرض. في اليوم الثاني على لقائنا، كنت قد أخبرتني حتى مواعيد دوائك اليومية، لذلك ومع أنني أنسى كثيراً، تذكرت موعده أثناء موعد العشاء، ضحكت وأخبرتني، اعمل حالك مش متذكر. ضحكت ولكنني أصررت. كنت أخافُ عليك. هي المرة الأولى التي أشعر بأن لي والدٌ آخر. كنت والدي «أخوي» عزالدين. في اليوم الثالث، وقبيل سفرك، قررنا الحضور، نون وأنا، كي نودّعك، ونفطر سوياً. ضاحكاً حكيت لنا الكثير من نوادر الشعراء وقصصهم، عن شرفة محمود درويش، عن علاقته بعبدالوهاب البياتي، عن صنعة الشعر وحرفته، عن مهارات الشعراء في اعداد الطعام. حكيت لي عن سفرك، وهجراتك الطويلة، وخروجك من فلسطين، وقلة ابتسامك في الصور. كنت شاباً أكثر منا، تحكي وتتحدّث وتشير، وتبتسم كثيراً لأناس لربما لاتعرف من هم، فأنت عز الدين المناصرة. روحك المرحة وتواضعك وسعة معرفتك والكثير الكثير من ألق شاعرٍ يعرف الشعر كما لو أنه هو.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">يومها، ودعناك وليس على أمل إلا أن نتواصل ونتواصل ونتواصل. وهو ما كان عبر الإيميل، كونك كنت تكره الفيسبوك، والذي كنت سأعدّه لك، لولا اصرارك أنك لاتريد. أفقدك اليوم، كما لو أنني أفقد شيئاً مني. أفقدك اليوم، كما لو أنني أفقد قطعةً من روحي. أذكر أنك حين ودعتني، همست في أذني وقلت ببطء على عادتك: يا عبدالرحمن، خليك زي ما انت ما تتغيّر، الوقت بده يغيرك، بس انت ما تتغيّر. يومها شعرت بأنك تمازحني، على عادتك، وروحك المرحة ظلت كما لو أنّها لم تشخ يوماً. لأجيبك: شو بدي أتغير، مش شكلي والله.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">وداعاً، يا ابن بني نعيم، يا أمير الجليل الموقد الضوء في عتمة الليالي، يا مضيء الجفرا في ليالي فلسطين الحالكة، يا ضوءاً كان ولايزال ينير. وداعاً عز الدين المناصرة؛ يا عين الشعر العربي، واسطورة الفلسطيني العائد، كما لو أنّه لم يته أبداً.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"><span style="mso-spacerun: yes;"> </span></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">*</span><span lang="AR-AE" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">العنوان من قصيدة «أضاعوني» للشاعر الراحل عز الدين المناصرة</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">*نشر في جريدة الأخبار بتاريخ 5 نيسان 2021</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"><a href="https://al-akhbar.com/Literature_Arts/303181"><span dir="LTR" style="color: #00007f; mso-style-textfill-fill-color: #00007F; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%;">https://al-akhbar.com/Literature_Arts/303181</span></a></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"> </span></p>
اقرأ المقال
<p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-LB;">يكتب الأتراك تاريخهم عبر الدراما. لا يزال كثيرون في بلادنا في مواقع القرار المهمّة، يعتبرون أنَّ الدراما والتلفزيون والروايات والكتابة عملٌ لـ «التافهين» و«السخفاء» و«إضاعةٌ للوقت وللجهد وللمال»، مع عباراتِ سخرية يمكن سماعها تتكرر معظم الوقت من نوع: «بدك تصير كاتب وتضيّع وقتك» أو «مين بعد بيقرا» أو «رواية؟ شو هالسخافة». طبعاً معظم هؤلاء، تعنيهم الكتابة التاريخية «التحقيقية» و«البحثية» التي يعرف الجميع بأنّها مملة في غالب الأحيان لمعظم الناس، وقد لا تعني لهم، وخصوصاً للأجيال الأصغر سناً.</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-LB;">أثناء ذلك، خلال تغافل هؤلاء وتعاميهم وجهلهم أحياناً، عن دور التأريخ، وتحويله «درامياً» و«روائياً»، يتغلغل الأتراك في بيوت هؤلاء عبر المسلسلات، والأفلام، والروايات والقصص التركية، أو المترّكة. تقدّم الدراما التركية أخيراً، دراما توثيقية (</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-LB;">Docu-drama</span><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-LB;">)</span><span dir="LTR" lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-LB;"> </span><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-LB;">تركية تحت عنوان: «صعود الإمبراطورية العثمانية»</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-LB;">Rise of Empires: Ottoman)</span><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-LB;">)</span><span dir="LTR" lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-LB;"> </span><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-LB;">الذي تنتجه وتقدّمه شبكة «نتفليكس» التي تدخل معظم البيوت بلا مقابلٍ أحياناً. يروي المسلسل حكاية نشأة وصعود الإمبراطورية العثمانية، فيما يؤدي أدوار البطولة ممثلون أتراك، باتوا نجوماً بعدما دخلوا بلادنا عبر المسلسلات المدبلجة مثل توبا بويوكستون (الشهيرة بـ «لميس» من مسلسل «سنوات الضياع» الشهير). يروي المسلسل حكاية السلطان العثماني محمد الفاتح الذي يؤدي دوره سيم عظيم أوغلو. يقرّر الفاتح أن يخوض المعركة الأشهر في حياته وهي «احتلال بيزنطة» وتدمير الإمبراطورية الرومانية الشرقية. عبر حلقاته الست، يقدّم هذا الوثائقي الدرامي السلطان التركي على أنه «القوة الحقيقية في الشرق» فُتحت أمامه بوابات أوروبا وآسيا معاً. يضم المسلسل كذلك اسمين كبيرين في عالم الدراما هما النجم الإنكليزي تشارلز دانس الذي عرفه الجمهور في شخصية تايون لانيستر من مسلسل «صراع العروش»، والنجم الإيطالي توماسو بازيلي الاسم المعروف في الدراما والسينما الإيطالية.</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-LB;">يصنع الأتراك تاريخاً، يصبح واقعاً وحقيقةً عبر الدراما، وهي ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي يصنعون فيها التاريخ كما يرغبون، فهم قدموا في السابق مسلسلات تحمل هذه الصبغة مثل: «محمد الفاتح»، «حريم السلطان» (ولو كان أقرب إلى التسلية، إلا أنه أيضاً يروي الرواية الرسمية التاريخية التركية بحذافيرها)، وغيرها الكثير. تقدم هذه المسلسلات، في معظم الأحيان، واقعاً قد لا يمتّ إلى الحقيقة بصلة. واقع يصبح فيه التركي سيد حضارة المنطقة، وقائدها، وأهم ما فيها. وكما قدّم مسلسل «وادي الذئاب» تركيا والجيش والمخابرات التركية باعتبارها «سيدة المنطقة» وأقوى وأعتى وجود، يفعل التركي ذلك، من دون تعبٍ يذكر، ومن دون أن يحارب أحداً أو يستعدي أحداً. إذ من سيعادي «مسلسلاً»؟ أو «رواية»؟ يكتب هؤلاء حضارةً على مقاسهم كما فعل الصهاينة ذات يومٍ عندما «خلقوا» وهماً وأصبح دولةً لها أرضٌ وشعبٌ وتاريخ ونشيدٌ وطني ولغة. تصنع الدراما والروايات كل هذا، لأن من يستطيع رواية القصة، يصبح مالكاً لها، فتسود قصته وينسى الناس بعد سنواتٍ قليلة أصل الحقيقة. يربح الأتراك معركتهم الأهم هذه من دون أن يسيلوا نقطة دماء واحدة، ومن دون أن يتكلّفوا جندياً واحداً، حتى لناحية الكلفة: إن كلفة مسلسلٍ واحد ربما تعادل سعر صاروخٍ أو طلعة طائرةٍ قتالية واحدة. فوق هذا، تربح معظم هذه المسلسلات كلفتها وزيادة، إذ إنها تنتج في مدينة الإنتاج الدرامية التركية، بكلفةٍ قليلةٍ نسبياً (مقارنة بنظيراتها الأوروبيات كمثال)، يضاف إلى ذلك أنها لا تبيعها محلياً، بل تدبلجها لتعيد تقديمها من جديد وتكسب مالاً أكثر فيها.</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-LB;">على الهامش، كانت الدراما السورية قبل عام 2011 والعدوان على سوريا، قد بدأت تخوض تلك المعركة وتنتصر بقوة من خلال مسلسلات مثل «اخوة التراب» أو «الطويبي» في تقديم صورتنا الحقيقية ورؤيتنا لما يحدث وحدث. مهمٌ جداً أن نتنبه إلى أن واحداً من أهداف تلك الحرب كانت القضاء على تلك الصناعة وتحويلها إلى ما يشبه الدراما اللبنانية: عارضات أزياء بعمليات تجميل ومكياج كثيف وزائف، قصص اجتماعية بائدة وسخيفة من طراز الخواجة عدنان والبيك والأبطال ذوي الأسماء التي لا تبين طوائفهم وأديانهم، ديكورات مرفهة ثرية وفقراء كاريكاتوريون، أشرار استعراضيون سخفاء. والأسوأ هو «القصص الاجتماعية» المراد تقديمها (يمكن مثلاً تقديم مسلسل «العميد» أخيراً كمثال على ما أقوله على الرغم من وجود تيم حسن وكاريس بشار في المسلسل).</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-LB;">ينتصر الأتراك في هذه المعركة. مسلسلاتٌ تاريخية تروي قصصهم كما يحبون، تاريخهم كما يريدون له أن يكون: مزيفاً كان أم لا، سيصبح ـــ شئنا أم أبينا ــــ جزءاً لا يتجزأ من تاريخ المنطقة لأجيال تربت وتتربى على المسلسل التركي باعتباره «تاريخاً لا يقبل الشك».</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-LB;"> </span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-LB;"><span style="mso-spacerun: yes;"> </span></span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-LB;"> </span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-LB;">نُشر في صحيفة الأخبار اللبنانية بِتاريخ 28 كانون الثاني 2020</span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-LB;"><a href="https://al-akhbar.com/Media_Tv/283227"><span dir="LTR" style="color: #00007f; mso-style-textfill-fill-color: #00007F; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%;">https://al-akhbar.com/Media_Tv/283227</span></a></span></p> <p class="selectionshareable" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; background: white; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-LB;"> </span></p>
اقرأ المقال
<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">كانت المرّة الأولى التي أدخل فيها الى مدرسة لبنانية، فأنا منذ نعومة أظافري لم أدرس إلا في مدارس فلسطينية، بدءًا من زميلاتي وزملائي التلامذة الى أساتذتي والمدير، حتّى أنّ بائعة الدكان في ملعب المدرسة كانت فلسطينية. كلّ من وما حولي كان فلسطينياً: اللهجة المستخدمة من قبل الجميع، العَلم المرسوم على احد الجدران، المقالات الملصقة على مجلّة الحائط، الأناشيد والرقصات التي نتدرب عليها لاحتفالات المدرسة، حتّى أنّ الرسائل والتعليقات الطفوليّة المكتوبة بأقلام ملوّنة على أبواب المراحيض كانت فلسطينية.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">كلّ هذا تغيّر؛ فمنذ اللحظة الأولى التي وطأت بها قدماي الى داخل «مدرسة عمر فرّوخ الرسمية»، بدا كلّ شيء مختلفاً. علمت حينها أنني بتّ خارج منطقة الراحة الخاصّة بي (Comfort zone)</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"><span style="mso-spacerun: yes;"> </span></span><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">حتّى بدت لي وكأنّها فقاعة تطاير منها الغاز، فاختفت بومضة عين. استقبلتني مساعدة المديرة بنظرة رمقتني بها من باب الإدارة وصولاً الى حافة الباطون التي كنت أجلس عليها لوحدي. اقتربت مني مشيرةً الى الحطّة الفلسطينية (الكوفية) المنسدلة من كتفيّ وصولاً حتى خصري قائلة: «شو هاي؟» كانت تقصد بأنني أخالف قوانين المدرسة المتعلّقة بمنع إظهار أي رموز سياسيّة داخل حرم المدرسة، لكنّني اعتقدت وقتها بأنّها لا تعرف قطعة القماش المنقوشة بالأبيض والأسود. أذكر لسذاجتي أنني أخذت أشرح لها بمفرداتي الخاصّة عن استعمالات الحطة ورمزيّتها للشعب الفلسطيني، فما كان منها إلّا أن أمرتني بإزالتها وعدم احضارها مرّة ثانية إلى هنا. غضبت كثيراً وانا التي كنت معتزّة بارتدائها في يومي الأول لأنّها كانت هديّة خيطت بيد صديقة جدتي «سودة».</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">استلّيت الحطّة من طرفها المنسدل يساراً وطويتها برفق ثم أقفلت عليها حقيبة المدرسة. كان قلبي يخفق باضطراب شديد وأحسست بأن شيئاً ما بداخلي قد كُسر. صوت الجرس كان مختلفاً، ومشيت باتجاه الطلاب الذين اصطفوا بثوانٍ في الباحة. ساعدتني احدى المعلّمات في ايجاد صفي وأوقفتني في المقدّمة. حيّتنا المديرة مرحبّة بالسنة الدراسية الجديدة ثم علت الموسيقى في أرجاء المكان وارتفع صوت التلامذة جميعهم وهم يرددون: «كلّنا للوطن للعلى للعلم، ملء عين الزمن سيفنا والقلم». كنت أعلم أنّ هذا هو النشيد الوطني اللبناني، كما كنت أعرف كلماته من درس مادة التربية الوطنية. فبالرغم من أنّني درست في مدارس وكالة الأونروا للفلسطينيين، إلّا أنّ المنهاج كان بالمجمل لبنانياً. لكنّ وطني ليس لبنان! لماذا يرمقني الطلّاب ببقائي صامتة وهم يقفون للنشيد؟ أحسست وكأنّ جنسيّتي الأصليّة وثقافة بلدي تُسلب منّي في هذا المكان الضيّق. كان ضغطاً اجتماعياً يمارس عليّ من قبل المراهقين الآخرين، وإن لم يكن مقصوداً. تلفّت حولي واذ بشفاهي تتحرّك كما شفاه الجميع وتغنّي للعلم اللبناني.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">لم ينادني أحد في الصف باسمي، كنت «التلميذة الجديدة» للطلّاب كما للأساتذة. هكذا كانوا يتعرّفون عليّ ويخاطبونني. لم أستطع الإندماج في الصف يومها لأني انشغلت في معرفة السبب الذي يتمّ فيه معاملتي بهذا الشكل. هل يعود ذلك لاختلاف جنسيّتي وثقافتي؟ لكن الاختلاف ليس مشكلة بل حقّ، حسبما تعلّمت مع أختي في واحدة من حلقات التوعية التي حضرناها في إحدى الجمعيات غير الحكومية في المخيّم حول حقوق الطفل. حقّي في الإسم والجنسيّة والهوية يجب ان يكون مصانًا وفقًا للمادة الثامنة من اتفاقية حقوق الطفل، والحطّة/الكوفية الفلسطينية هي جزء من هويّتي. بالرغم من ثقتي بما تعلّمته إلّا أنّ ما حدث معي جعلني غاضبة. عدت يومها الى مخيم برج البراجنة مستاءة. فكّرت بترك المدرسة لكن ذلك كان مستحيلاً، فأنا التي طلبت الانتقال الى مدرسة جديدة. رميت حقيبتي على باب الدار بعنف. كانت جدّتي «سودة» جالسة وسط الدار باتجاه البوابة المفتوحة وهي تتفقد قطع الحرّ الأحمر المصطفّ فوق شرشف على الأرض. رفعت رأسها قليلاً ونادت عليّ: «يا مقصوفة ليش كبيتي الشنطة هيك؟ خير إن شاءالله؟» أعدت لها الحطّة وأخبرتها أنني لن أحتاجها بعد اليوم. بصوتها المعتاد صرخت في وجهي لاعتقادها بأنّها لا تعني لي شيئاً. أوضحت لها الأمر وأخبرتها بما حدث في المدرسة وكيف نهرتني مساعدة المديرة وجعلتني أخفي الحطّة، وأضفت: «حتّى إنهن بدهن ياني أصير لبنانية، ما حطّوا النشيد الفلسطيني، بسّ اللبناني». ضحكت سودة على انفعالي أمامها وطلبت منّي أن اجلب لها مطحنة الحرّ اليدويّة من تحت الدرج. أخذتها من يدي ووضعت إناءً أسفل مصفاة المطحنة ثم أخذت تزجّ بقطع الحرّ الناشفة في فوَّهتها. «إسّا بدّي أحكيلك كيف إنت اللّي غلطتي اليوم» قالت ببرود بينما أنا ذهلت إثر سماعي لذلك، ولأنّها كانت تعرفني جيداً - الحفيدة الوحيدة التي نالت شرف قصّة نوم منها منذ سنوات - أضافت: «اسكتي لأخلّص.»</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">علّمتني سودة أنّ ما حدث هو أمر طبيعي ومعتاد، فلمَ عساهم يشغلون النشيد الفلسطيني في مدرسة رسميّة لبنانية؟ هل في مدارس الأونروا نردّد كلمات النشيد اللبناني عند كلّ صباح؟ ثمّ إنّ مشاركتي لهم لا تدلّ على انتزاع هويّتي منّي او جعلي لبنانية، فحسب قولها «إنتي فلسطينية أبّاً عن جدّ، ومن كويكات، قرية ستِّك وسيدِك. هادا الشي ما حدا بشلحك إياه لأنه بدمّك. كلّ واحد بهالدنيا الواسعة يا ستّي عنده بلد وهوية وعادات بتشبهه، لازم يضلّ محافظ عليها». وأوضحت أنّنا نعيش في لبنان منذ النكبة، ومن الصحيح أن تختلط الثقافتان فذلك يغني كليهما، مستشهدةً بمحلّ جدّي الكائن خارج المخيّم، والذي يتعامل فيه مع لبنانيين وزبائن من جنسيّات مختلفة. يومها؛ لم تنسَ جدّتي –بالطبع- التطرّق لأهل أمّي الذين حصلوا على الجنسيّة اللبنانية –لظروف تجنيسٍ سياسية- لكنّهم ما زالوا يسكنون في المخيّم بين أهلهم. كان كلام «سودة» يأخذني لإدراك أنّ غضبي ممّا حصل في المدرسة كان سببه عدم وعيي لهذه الأمور. خجلت من تصرّفي غير اللائق أمامها، لكنّها تنبّهت إلى احمرار خدايّ فأنهت كلامها: «اسمك تهاني نصّار، ما حدا بينادي عليكي غير باسمك. وكمان شغلة قبل ما تروحي تبدلي أواعيكي، الحطّة مش سياسة، قوليلها للمعلّمة انو سيدي كان يلبسها على راسه هو وعم يشتغل بأرض كويكات.»</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">يومها تعلّمت الكثير. لطالما كانت «سودة» معلّمة جيدة بالرغم من شخصيّتها الصارمة وطبعها الحادّ الذي لم يحتملهما أكثريّة افراد العائلة ولربّما الجيران أيضاً. أسأل نفسي اليوم هل كنت سأصبح ما أنا عليه الآن لولا حكمتها والمخيّم الذي شكّل وعيي بهويّتي الوطنيّة؟ لم يكن سهلاً على أجدادي الذين عبروا الحدود الفلسطينية اللبنانية سيراً على الأقدام عام 1948 أن يسعوا لخلق مساحة آمنة لأطفالهم. لربما المخيّم-لظروف عدّة- ليس بالمكان الأمثل لطفل، لكنّه بالتأكيد كان بالنسبة لي ولجيلي مكاناً مَدَّنا بحقوقنا البديهية كأطفال بدءًا من كونه موضعاً آمنأً نشأنا على أرضه، وبين أزقّته الضّيقة وحاراته البسيطة لعبنا «الزحفة» وركضنا خلف عربة بائع الكعك الذي نسي اعطاءنا حفّة زعتر ملفوفة بورق رقيق. في المخيّم كانت بوّابات الدار تبقى مفتوحة منذ الصباح، يرى عابر الطريق سكانها مجتمعين على حديث قهوة صباحيّة أو شاي يتمتعون به بعد الظهر. جدران المخيّم مليئة بالرسمات والأقوال التي ساهمت بتعزيز هويّتنا، من خريطة فلسطين الكاملة لأسماء قرى وبلدات الجليل الأعلى المهجّرة، إلى صورة حنظلة الذي كان صديقنا حين كنّا بعمره وتحمّل غلاظتنا يوم ذابت أقلام تلوين الشمع لشدّة ما حففناها بالحائط بهدف تغيير لون ثيابه. باختصار، هو المكان الذي أعطانا حقّنا كأطفال بممارسة هويّتنا الفلسطينية من حيث اللّهجة والعادات والتقاليد، كما أنّه علّمنا منذ الصغر بأننا فلسطينيو الجنسيّة في بيئة لبنانية أطفالها يحملون جنسيّة بلدهم، لأنّ ذلك هو حقّهم، حقّنا، وحقّ أيّ طفل في العالم.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"> </p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"> </p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">*نشرت في ملحق </span><span dir="LTR" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">UNDP</span><span lang="AR-AE" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"> في كانون الاول 2019 باللغة العربية مع جريدة النهار، وباللغة الانكليزية مع جريدة </span><span dir="LTR" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">The Daily Star</span><span lang="AR-AE" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">، وبالفرنسية مع جريدة </span><span dir="LTR" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">L’Orient Le Jour.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif;"><a href="https://www.lorientlejour.com/article/1198492/hors-de-ma-bulle.html"><span dir="LTR">Hors de ma bulle - LOrient-Le Jour (lorientlejour.com)</span></a></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif;"><a href="https://www.peacebuildingsupplement.org/articles/%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b7%d9%81%d8%a7%d9%84-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%87%d9%88%d9%8a%d8%a9/430/undp-the-peace-building-news/ar"><span dir="LTR">www.peacebuildingsupplement.org</span></a></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"> </p>
اقرأ المقال
<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">نجح فيلم «الجوكر» في تصدر شباك التذاكر الأميركي منذ دخوله إلى سباق الأفلام ونزوله إلى صالات السينما قبل أيامٍ؛ ويمكن اعتباره الفيلم الأنجح لشركة «دي سي» المنتجة للكوميكس منذ سنواتٍ طويلة، إذ تفوق على نظرائه من شركة «مارفل» المنافسة وبمقدرةٍ كبيرة. ويذكر أن الفيلم حقق أهم جائزة في مهرجان البندقية السينمائي في دورته الحالية الواحدة والسبعين وهي جائزة الأسد الذهبي التي تعطى لأفضل فيلم.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">تنجح أفلام السيرة، حتى الخيالية منها، في أن تكون جذابةً إلى حدٍ كبير، خصوصاً حين تضم بين جنباتها واحداً من أهم الـ</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">method actors</span><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"><span style="mso-spacerun: yes;"> </span>المتواجدين في العالم حالياً خواكين فينيكس. يأتي فيلم «الجوكر» </span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">The Joker </span><span style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"><span style="mso-spacerun: yes;"> </span><span lang="AR-AE">إخراج تود فيليبس وكتابة فيليبس نفسه وسكوت سيلفر. ليروي قصة حياة أحد أشهر «الأشرار» </span></span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">(villains)</span><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"> في القصص المصوّرة (الكوميكس) «الجوكر» العدو اللدود والأهم للرجل الوطواط</span><span dir="LTR" lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"> </span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">.(Batman) </span><span style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"><span style="mso-spacerun: yes;"> </span></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">إذاً نحنُ أمام قصة حياة «متخيلة» لشخصيةٍ «متخيلة» لكنها منذ اللحظة التي قام بها كاتب الكوميكس الإنكليزي المهم جداً في عالم الكوميكس آلان مور (بالتشارك مع الرسام براين بولاند) بخلق «قصة ولادة» لهذه الشخصية من خلال قصة «المزحة القاتلة» </span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">The Killing Joke</span><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"><span style="mso-spacerun: yes;"> </span>في العام 1988، حتى تغيّرت وأصبحت واحدةً من أهم شخصيات الكوميكس عبر العصور: إنها فتنة أن تعرف لماذا هذا القاتل يقتل، أصل هذه الجريمة التي لا تنتهي، وأصل هذا الأمر منذ اللحظة الأولى. ولربما كانت تلك المرة الأولى في تاريخ الكوميكس، التي تخصص فيها قصة كاملة لشريرٍ دون أن يكون للبطل إلا دورٌ جانبي غير ذي قيمة.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">يرسم الفيلم قصة حياة «آرثر فليك» الذي يعيش مع والدته ويعاني من عدّة أمراضٍ نفسية، أبرزها التهيئات والتخيلات فضلاً عن حالة خاصة من عدم قدرته على السيطرة على ضحكاته، إذ يضحك بطريقةٍ هستيرية ذات صوتٍ مرتفع. يبرع فينيكس في تقديم الشخصية بطريقةٍ شديدة الإبهار، ينجح كثيراً في إعطاء الدور الكثير من الأبعاد النفسية، مما يذكرنا بالإداء المذهل لذات الشخصية والتي أداها الأسترالي الراحل هيث ليدجر في فيلم «فارس الظلام» في العام 1988؛ ذلك الإداء المميز الذي أودى بحياته لاحقاً. اخراجياً تبدو «كادرات» ومشاهد المخرج الأميركي تود فيليبس شديدة الإحترافية، إذ ينجح في أحد المشاهد في «تعريف» مشاهد الصورة والألوان وتدرجاتها، فضلاً عن خلق جو «كئيب» للغاية في الفيلم من خلال مزج التفاصيل الصغيرة للشخصية مع محيطها: كألوان الحوائط، إذ ليس في الفيلم حائطٌ ليس «ملوناً» أو مرسوماً عليه على نحوٍ عشوائي. الشخصية عينها تظهر عشوائية طوال الوقت، تتحرك وتتصرف كما لو أنّها معلقة بخيوطٍ وهمية ودائماً لا منطقية في تصرفاتها، تحركاتها، أو حتى ما تقوله. بذل فينكس الكثير من الجهد للدخول إلى عالم الشرير الأكثر «خبلاً» في عالم الكوميكس، حتى إنه يمكن ملاحظة «جسده» الذي فقد وزناً كبيراً مما جعله يبدو كما لو أنه يعاني من مرض فقدان الشهية الشهير </span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">Anorexia</span><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">؛ إذ تبين عظام ظهره وصدره. منذ اللحظة الأولى للفيلم يبدو البنيان الدرامي قوياً ومتماسكاً بشكلٍ مذهل: إنها الحكاية الأشهر في الدنيا: البطل الذي تسحقه الدنيا؛ كل شيء يدير ظهره -كل الوقت- لبطلنا: الأم الذي تحقنه كل الوقت بمعلوماتٍ غير حقيقية حول حياته ووالده، العمل الوحيد الذي يحاول إجادته لكنه يفشل دائماً في ادائه، الأدوية التي يأخذها والتي سرعان ما توقفها الدولة بحجة أنه لا أموال لهكذا أنواع من الخدمات العامة، الوالد الذي أخبرته أمه بأنه والده والذي رفضه وطرده شارحاً له بأن «والدته تزيف الحقيقة» و«متوهمة»؛ المجتمع الذي يعذبه ويهينه وحتى يضربه دون أي سببٍ منطقي أو عقلاني. كل هذه الأمور تقود آرثر إلى «إفلات الأمر»، إلى ترك «جنونه» يتولى الأمر، مما يجعله يخلق تلك الشخصية التي أرادها أن تكون «درعه» وواقعه بدلاً من «آرثر فليك» الضعيف والتافه والفاشل في كل شيء. إنها إذاً علم النفس 101: أي بمعنى أصح، إنها مبادئ علم النفس: استبدال المريض شخصيته غير المرغوبة بأخرى «مرغوبة»، «قوية» و«محبذة» وهو الأمر الذي استخدم كثيراً في السينما (حتى السينما العربية استخدمته كذلك، كما في فيلم «بئر الحرمان» (1969) الذي أدت دور البطولة فيه الراحلة سعاد حسني وأخرجه كمال الشيخ).</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">ما يميّز الفيلم فعلياً، ليس فقط الأداء شديد المتعة لفينكس، بل أيضاً وجود ممثلين كبار في العمل مثل روبرت دي نيرو الذي يحضر إلى العمل في شخصية فرانكلين موراي مقدّم لأحد أهم البرامج الكوميدية الـ</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">Stand up</span><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"><span style="mso-spacerun: yes;"> </span>على شاشات التلفزة في مدينة «غوثام» (المدينة المتخيلة حيث تجري فيها القصة). تبرز حرفة المخرج كما نجميه دي نيرو وفينيكس حين يلتقيان في مشهد العرض التلفازي من الفيلم حيث يبرز بشكلٍ كبير «تحديهما» لبعضهما البعض في إطار يذكرنا بالمسرح سواء أكان البريشتي أو الستلانسلافسكي الكلاسيكي: يعترف الجوكر بقتله لأشخاصٍ في البرنامج الكوميدي الأشهر في المدينة مباشرةً على الهواء. هنا أيضاً استعارة من أحد أشهر الجمل في عالم السينما: </span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">The Revolution must be televised</span><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">؛ «الثورة يجب أن تكون متلفزة» في إشارة إلى أنَّ كل شيءٍ دون «تغطية» إعلامية لا يساوي شيئاً. تطرح الشخصية/الجوكر واحداً من أهم الخيارات في الدنيا: «إذا ما كنتم تحددون ما هو مضحك وما هو ليس كذلك، لماذا لا تفعلون ذلك في أموركم الحياتية أيضاً؟ كالسياسة مثلاً». دي نيرو ينجح هو الآخر في البقاء في الواجهة على الرغم من كل الجهد وقوة النص الذي يقوله فينيكس؛ إنها حرفة الممثل التي لم تصدأ أبداً. المشهد الذي يمكن اعتباره مشهد الـ</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">Grand Finale</span><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"><span style="mso-spacerun: yes;"> </span>بحق، إذ يختتمه الجوكر بخلق شخصيته عبر الفعل الأبرز: القتل مباشرةً على شاشة التلفزة.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">يبرز في العمل كذلك الموسيقى التي أبدعت الأيسلندية هيلدور غوانادوتير في صناعتها وتذكرنا كثيراً بإبداعات هانز زيمرمان، كذلك مصمم الديكور مارك فرايدبيرغ الذي خدم بشكلٍ فاعل رؤية المخرج فيليبس الإخراجية؛ كذلك يمكن الحديث عن مهارة المصوّر لورانس شير والذي قدم زوايا كاميرا تذكر كثيراً بالأفلام الكلاسيكية المهمة في تاريخ السينما.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">في الوقت عينه، تصر شركة «دي سي» دائماً على «تدمير» ممنهج لعالم الكوميكس وجمهوره، لربما في محاولة لجذب جمهور جديد مختلف عن الجمهور الذي تعتقد أنها «لا تزال تحتفظ به»، فمثلاً الإشارة في الفيلم إلى أنَّ «الجوكر» هو «ابن توماس واين» هو مختلف عن «معتاد» الكوميكس، وهي «لعبة درامية» لا حاجة لها. يضاف إلى ذلك الإصرار على «خلق» تبريرات منطقية أو غير منطقية لسلوكات الجوكر الإجرامية، فيما في الكوميكس جرائم «الجوكر» هي ببساطة مزج بين حالته النفسية ووقوعه في مستوعب من المواد الكيميائية التي أثّرت على عقله وشكله في آنٍ معاً، فأصبح شعره أخضر ووجه وجلده أبيضين. في الفيلم لم يجد عشاق الكوميكس أياً من هذا؛ بل كانوا أمام شخصية مريضة نفسياً، ترسم بالألوان على وجهها وتصبغ شعرها، فيما تقوم بأعمالها «الشريرة» دون أي سببٍ سوى الإنتقام.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><strong><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">شخصية المهرّج</span></strong></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">خلقت الشخصية في العام 1940 مع مؤلفي باتمان الأوائل بوب كاين، بيل فينغر، وأضافا إليهما جيري روبنسون، كان الجميع بيحث عن «شريرٍ» يناسب شخصية «باتمان» القاسية والحادة الطباع، شخصيةٌ ترتدي ثياباً «كاريكاتورية» تشابه تلك التي يرتديها البطل: شريرٌ «مسلٍ» يرتدي ألواناً ضاحكة. ولأن «المهرج» في المجتمع الأميركي شخصية شديدة التناقض وتشكل جزءاً من الأساطير المحلية </span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">(urban legends)</span><span style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"> <span lang="AR-AE">حينما يصبح «المهرج» قاتلاً أو شخصية «مخيفة» أو «مرعبة»؛ كتلك التي استخدمها غير كاتب كما في فيلم</span></span><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-ansi-language: AF; mso-bidi-language: AR-AE;"> (</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">IT</span><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-ansi-language: AF; mso-bidi-language: AR-AE;">)</span><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"> بأجزائه الكثيرة مع كاتب الرعب الأشهر ستيفن كينغ. الجوكر الذي خلقت شخصيته عبر وقوع مجرم أقل من عادي في مستوعب للمواد الكيماوية إثر ملاحقة الرجل الوطواط له، أصبح واحداً من أهم شخصيات الكوميكس بسرعة بالغة. ميزة الجوكر أنه يقوم بجرائمه بطريقةٍ ذكية وعبقرية للغاية إنما دون أي سبب منطقي لها سوى أنه يرغب بذلك. إنه «أنارشي» بشكلٍ مطلق: رافض لأي نوع من أنواع السلطة، سوى الفوضى بحد ذاتها. إنه يعرف شخصية باتمان السرية، لكنه لايرغب في أن يخبر أحداً بها، فذلك يفسد لعبته الأزلية: أن يجد خصماً يليق به، يرفض كذلك أن يقتل باتمان حتى ولو استطاع، يريد أن «يتسلى» كما يقول دائماً. التسلية بالنسبة لهذه الشخصية هي على حساب الآخرين وبالطريقة الأسوأ دائماً. فتنة الشخصية كما يشار الدائمة في أنها تمثل "اللحظة" التي يفقد المرء إتصاله بأي قانون أو منطق من أي نوع، ولابد هنا من أن نتذكر فيلم «البحر بيضحك ليه» للمخرج محمد عبدالعزيز والممثل محمود عبدالعزيز حينما يدخل البطل إلى عمله ويبدأ بصفع الناس على وجوههم من البواب وصولاً حتى مدير المؤسسة مروراً بجميع من كانوا هناك واحداً واحداً. هذا المشهد هو حلم كل موظف في العالم، وهو ذاته ما يجعل «الجوكر» شخصية جذابة إلى أقصى الحدود.</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><strong><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">ما يسر عشاق الكوميكس:</span></strong></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">في الفيلم العديد من المفاجأت </span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">Easter Eggs</span><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"> التي تسر عشاق الكوميكس كثيراً، إذ يعاد تشكيل مشهد مقتل والدي بروس واين والذي أدى لإيجاد شخصية باتمان، خلق المخرج فيليبس المشهد كاملاً حتى مع تفاصيله الدقيقة؛ وهذا نوع من الـ </span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">Tribute</span><span lang="AR-AE" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"> للكوميكس ولشخصية باتمان. كذلك هناك مشاهد كثيرة من قصص الكوميكس: ظهور باتمان الطفل؛ بروس واين وخادمه المخلص ألفرد كبداية، ثم مشهد رقص الجوكر مرتدياً ثيابه الشهيرة من قصة «المزحة القاتلة»: البزة البنفسجية والقميص الأصفر، المهرجون المتناثرون بكثرة من قصص متعددة، مشهد مستشفى «أركهام» لعلاج الأمراض العقلية، ظهور اسم عائلة «كاين» عبر المعالجة النفسية للجوكر، وعائلة كاين هي عائلة والدة باتمان، وبنفس الوقت عائلة «المرأة الوطواط».</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"> </span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-AE" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;">*نُشر في صحيفة الأخبار اللبنانية بتاريخ 13<span style="mso-spacerun: yes;"> </span>تشرين الأول 2019</span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"><a href="https://al-akhbar.com/Literature_Arts/277740"><span dir="LTR" style="color: #00007f; mso-style-textfill-fill-color: #00007F; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%;">https://al-akhbar.com/Literature_Arts/277740</span></a></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-themecolor: background2; mso-themeshade: 128; mso-style-textfill-fill-color: #767171; mso-style-textfill-fill-themecolor: background2; mso-style-textfill-fill-alpha: 100.0%; mso-style-textfill-fill-colortransforms: lumm=50000; mso-bidi-language: AR-AE;"> </span></p>
اقرأ المقال
<p dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed; margin: 0in 0in 7.5pt 0in;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171;">أطلق المفكر والمؤرّخ قسطنطين زريق كلمة "<strong>النكبة</strong>" (مع أل التعريف) على ما حدث في فلسطين في العام 1948 في كتابه المعنون "معنى النكبة" (آب 1948) لاحقاً أصبحت التّسمية جزءًا من حياة شعوبٍ بأكملها، أوَّلها وأساسها الشعب الفلسطيني. عادت الباحثة روز ماري صايغ لتضفي على التعبير صفة الإستمرارية من خلال مقالها الذي عنونته "النكبة المستمرة"(مجلة البديل 2007). هذه ثلاث حكايا من "نكباتٍ" مختلفة لأجيال لا تزال "النكبة" تمر عليها</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171;">.</span></p> <p dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed; margin: 0in 0in 7.5pt 0in;"><strong><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171;">قرفة وزنجبيل: تل الزعتر العام 1976</span></strong></p> <p dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed; margin: 0in 0in 7.5pt 0in;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171;">تقفل ام علي باب بيتها بالمفتاح، تسحبه ثم تعاود وضعه في القفل لتتأكد من ان الباب قد أُحكم إغلاقه. تضعه في شريطٍ حول رقبتها فيتدلى على صدرها. تتنهّد المرأة السبعينية ثم تمضي إلى بيت جارتها سامية وهي تكلّم نفسها. تعيد ذكر ما قامت به منذ أن استيقظت حتى اللحظة "توضيت وصليت، وجليت الجليات. الغسيل، خليه يتجمّع لبكرا بعمله. نقّيت العدس وسلقته، و"دبّيت" فوقه الرزّات. يلا، خير وبركة، بس يجي أبوعلاء (تقصد جارها في السكن) بوديله صحن". وقبل ان تضغط على جرس منزل الجيران، تفتح لها سامية الباب وتضحك ممازحة "كم مرة قلتلك فش داعي للجرس، صوتك بكفي، سامعيتك من اول الزاروبة، أكلتي من المخبوصة او بعد؟". تدخل أم علي وهي تتمتم أن الوقت لم يحن بعد لوجبة الغذاء لكنّها تفضّل ان تكون طبختها جاهزة قبل الظهر. تشمّ "أم علي" رائحة القرفة فتعلّق "شو عاملين قرفة وزنجبيل؟".</span></p> <p dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed; margin: 0in 0in 7.5pt 0in;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171;">تجلب لها ابنة سامية كوباً ساخناً من الشاي بالقرفة. تمرّ دقائق قليلة و"أم علي" لا تمدّ يدها على الفنجان، تستغرب وتسألها عن السبب فتجيبها: "حبيبتي يا ستي ما فيني اشربها حامية عليّ". تذكّرها الفتاة العشرينية بأنّها هي من سألت عن الشاي قبل أن تجلبه لها فتقول أم علي: "اه بحب ريحتها بس فينيش، عندي كلوة وحدة من وقت اللي تصاوبت". تروي "أم علي" الحادثة بتفاصيلها، أي منذ طلوع الفجر إلى فترة بعد الظهر حين وقعت الحادثة. كانت تحاول واثنتين من نساء الحارة جلب بعض الماء خلال حصار مخيم تل الزعتر، إلّا انّ الرّصاصة اخترقت جسدها فزحفت حتى وصلت جوار منزلٍ هجره سكانه في المخيّم، وهي تحاول الضغط على مكان الإصابة. انتبهت سامية إلى انّها إن لم تقطع هذا الحديث فإنّ "أم علي" ستستحضر اختفاء أبو علي وتغرق في الماضي، فتدخّلت بسرعة وسألتها: "يا أم علي، قفلتي باب البيت؟"</span></p> <p dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed; margin: 0in 0in 7.5pt 0in;"><strong><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171;">بستحي من ولادي: الاجتياح الإسرائيلي لبيروت العام 1982</span></strong></p> <p dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed; margin: 0in 0in 7.5pt 0in;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171;">كانوا يقولون عنها صبّارة. لم أكن أعرف من هي "أم عزيز"، لكن متى ما سمعت اسمها تخيلت نبتة الصبار بشوكها، تلك التي كان أبي يرغمنا على أكل ثمرها في الصغر. وإن جرّبتم السؤال عن "أم عزيز" ستسمعون الإجابة ذاتها :"اللي كانت تمشي وحاطة صور ولادها على صدرها". أربع صورٍ متقاربة الحجم، بالأبيض والأسود، مصفوفةً من الأكبر إلى الأصغر سنّاً: عزيز، إبراهيم، منصور، وأحمد، معلقةً اليوم على الباب المقابل للكنبة التي تحتلها أم عزيز منذ بضع سنوات. لا يجرؤ أحدٌ ان يسألها بشكل مباشر عن اولادها المفقودين او عن صورة زوجها الموضوعة في إطارِ خشبي مزخرف وموازي لمقعدها. كانت رولا –حفيدتها- قد نبهتني إلى الصدمة النفسيّة التي عانت منها جدتها اثر اختطاف ابنائها، لكنني على الرغم من ذلك لم استطع مقاومة النظر إلى صورهم. "كنت رايحة حامليتلهم شوي من الخبز اللي عجنته" قالت وهي تضع يدها على عكازها ثم أخبرتني كيف ركضت إلى حيث شاهدت أولادها يتعرضون للضرب على أيدي مسلحين بدوا لها لبنانيين وصهاينة. لحظتها، لمحها أحد المسلحين فأبعدها مهدداً بسلاحه.</span></p> <p dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed; margin: 0in 0in 7.5pt 0in;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171;">لم تعرف صبّارة ماذا تفعل، فطفقت تركض إلى المخيم وهي تبكي وتصرخ وتنادي على ابنتها سناء. سناء التي شاهدت والدتها تصرخ من بعيد وتحرك يديها بشكل واضح، خرجت من المخيم لكنّها سرعان ما تسمّرت في مكانها فجأة. إنه ايلي حبيقة -المسؤول الأمني في حزب القوات اللبنانية الأشهر آنذاك- برفقة آرييل شارون وزير الحرب الصهيوني بقامته القصيرة الممتلئة، يقفان عند مدخل احدى البنايات القريبة. أخذت تشير إلى أمها من بعيد بأن تكف عن الصراخ واضعة يدها اليسرى على فمها بينما تحرك أصابع اليد الأخرى أسفل عنقها لتخبرها بأنهم يذبحون الناس. تشرد أم عزيز لدقيقة وتشيح بنظرها الى الدار فتقول لحفيدتها: "دمعت الزيتونة، قومي كنسي الورقات". شعرتُ وقتها بضرورة التحدث عن أي شيء آخر فسألتها عن الورود التي كانت تزرعها في دارها، حسبما اخبرتني رولا. فقالت: "كنت أزرع كتير يا ستي، ولهلق بيطلع عندي ورد أشكال وألوان، بس أول ما أشوف النبتة زهرت بقبعها بإيدي، ما بدي شي يزهّر، بستحي من ولادي</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171;">".</span></p> <p dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed; margin: 0in 0in 7.5pt 0in;"><strong><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171;">كأنها </span></strong><strong><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171;">PUBG</span></strong><strong><span lang="AR-LB" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-bidi-language: AR-LB;">: حرب الثلاث سنوات (1988-1985)</span></strong></p> <p dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed; margin: 0in 0in 7.5pt 0in;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171;">تفرش "أم سهيل" بساطاً قديماً في أرض الدار، ويتسلل حفيدها يحيى ذو الخمسة أعوام خلفها وكأنه ظلها. يتسلّق الطفل الشقي الكرسي ويفتح باب الخزانة ليجلب "طوابع" الكعك، أي تلك القوالب الخشبية. تأتي "ام سهيل" بالتّمر والسّمنة والطحين والمكونات الأخرى لتبدأ بصنع كعك العيد. "خلط المكونات حساس كتير، ها، مش متل أي عَجْنِة، والّا بيخربوا الكعكات". تخبرني وهي تفرك الخليط بين راحتيها بحركة دائرية، وحفيدها متأهّب ينتظر أن تناوله قطعة محشوة بالتمر فيضعها في طابعه المفضل ويضربه بالأرض مرة، أو ربما اثنتين حسب قوة ضربته، حتى يرى قطعة الكعك منقوشةً أمامه فيبتسم فرحاً بما صنعت يداه. تضحك "أم سهيل" وهي تراقب يحيى الذي يذكّرها بطفولتها، فهي كانت تعجن خليط الكعك لكبار السنّ من عائلتها حين كانت لم تتجاوز بعد الرابعة عشرة من عمرها، حتى بات الجيران والمعارف يقصدونها لهذه الغاية. يخطر في بالي ان أسألها عن قوالب الكعك البلاستيكية التي يستعملها العديد من الناس اليوم، فلا يعجبها سؤالي وتُجيب: "هاي للبخلا، اللي بدهم يعملوا كعك ويخبّوه بالخزنة مش بس بالخزانة" موضحةً أن أصول الكعك في استخدام الطوابع الخشبية المنقّشة والتي يتم طرقها في الأرض لتشكيل كل حبة كعك، وهذا الطرق على الأرض هو بمثابة إعلان أن اهل الدار يعدون كعك العيد لهم ولسامعي الصوت. وتضيف ان هذه الكمية من الكعك ستتوزع على عشرة بيوت على الأقل، فهي وخلال حصار المخيمات لم تبخل على أحد من معارفها، فلماذا تفعل ذلك الآن؟ كانت تتكلم بصوتها المرتفع لكنّها خفضته فجأة وهي تمرّر أناملها بهدوء شديد على ساقها. يبدو أنّ كلامها أيقظ –عن غير قصد- بعض الذكريات الأليمة. رفعت طرف عباءتها فإذ بي أرى إصابةً قديمة خلّفت فجوة مكوّرة في عضلة ساقها الخلفية.</span></p> <p dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed; margin: 0in 0in 7.5pt 0in;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171;">أشارت "أم سهيل" إلى باب حديدي صغير صدئ وقالت "كنا بس يشتد الضرب ننزل على هاد الملجأ ونبقى تحت الأرض لساعات طويلة حتى نحسّ بهدوء الحرب، وقتها نطلع ونتصرف متل الناس العايشة". تكمل سرد ما حدث في احدى المرات التي وقفت فيها بحذرٍ شديد لتضع الثياب المغسولة على الحبال تحت الشمس، "كنت عم برميهن رمي بس لمن خلصت وبرمت حسيت بشي سخن والدم عم يشرّ شرّ مني، هالقناص كان مصوّب وناطر". يتدخّل حفيدها يحيى بعد ان سمع القصة فيسألها: "ستّي قناص يعني بقوّس متل لعبة</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171;"> PubG </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171;">اللي على التلفون؟".</span></p> <p dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed; margin: 0in 0in 7.5pt 0in;"><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171;"> </span></p> <p dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed; margin: 0in 0in 7.5pt 0in;"> </p> <p dir="RTL" style="text-align: justify; line-height: 200%; direction: rtl; unicode-bidi: embed; margin: 0in 0in 7.5pt 0in;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171;">نُشر في جريدة النداء</span><span lang="AR-LB" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171; mso-bidi-language: AR-LB;"> بتاريخ </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 14.0pt; line-height: 200%; font-family: Simplified Arabic,serif; color: #767171;">10 أيار 2019</span></p>
اقرأ المقال